‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمدخيرموسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمدخيرموسي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

ماذا فعلت الحروبُ بأخلاقنا؟

 ماذا فعلت الحروبُ بأخلاقنا؟

محمد خير موسى


"كلّ مقهورٍ سوف يقهر من هم دونَه لا محالة حين تتاح له الفرصة.. وكلّ إنسانٍ مهدورٍ سيهدرُ ما عداه من ناس ومؤسسات وموارد" (مصطفى حجازي، الإنسان المهدور.. دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، ص: 39).

هذه الكلمات تحمل في جوفها شيئاً من سر الحروب الطويلة؛ فالقهر يبدأ واقعة تقع على الإنسان ثم يمضي الزمن فيتسلّل من الواقعة إلى النفس ومن النفس إلى طرائق النظر والتصرف، ليجد المقهور نفسه بعد تبدل المواقع ممسكاً بالأداة ذاتها التي جُرح بها ومستعيداً صورة القوّة التي أبغضها يوم كانت مسلّطة عليه، وممارساً على من دونه شيئاً مما ثار في صدره على من كان فوقه.

وسؤال: ماذا فعلت الحرب بأخلاقنا؟ يتوجه إلى أجيال كاملة في سوريا والعراق واليمن وفلسطين والسودان وسواها من البلاد التي أثقلتها الحروب؛ إلى شباب عاشوا القصف والنزوح والسجون والفقد، وإلى آخرين نشأوا في بيوت تحمل ذاكرة تلك السنوات وتتكلم بلغتها وتخاف مخاوفها، ثم دخل الجميع زمناً جديداً وفي النفوس شيء من الزمن القديم، وفي طرائق الخصومة والعمل والتربية والسياسة بقايا من قواعد تشكلت تحت الخوف.

هنا تظهر المعادن

للمحنة سلطانٌ يكشف ما سترته أيام السّعة؛ فالكرم الذي كان فضلةَ مال يصير رغيفاً يقسمه صاحبه مع جائع، والشّجاعة التي كانت حديثاً في المجالس تصير خطوة نحو جريح تحت النار، والوفاءُ يصير ستراً لمطارد مع معرفة ثمن الستر، والأمانة تصيرُ مال غائب يقدر صاحبه على أخذه ثم يصونه.

أجيال كاملة في سوريا والعراق واليمن وفلسطين والسودان وسواها من البلاد التي أثقلتها الحروب؛ إلى شباب عاشوا القصف والنزوح والسجون والفقد، وإلى آخرين نشأوا في بيوت تحمل ذاكرة تلك السنوات وتتكلم بلغتها وتخاف مخاوفها، ثم دخل الجميع زمناً جديداً وفي النفوس شيء من الزمن القديم، وفي طرائق الخصومة والعمل والتربية والسياسة بقايا من قواعد تشكلت تحت الخوف


وقد حفلت حروبنا بمشاهد من هذا المعدن الإنساني الرفيع، ورأينا أناساً حفظوا آدميتهم في مواضع كانت كل الظروف تدفعهم إلى التخلي عنها، وهؤلاء جزء أصيل من تاريخ الحروب ومن الظلم أن تحفظ الذاكرة أسماء القتلة وتدع الذين وقفوا في وجه القسوة بأخلاقهم يضيعون في زحام الدم.

غير أن الحرب تفعل في النفس فوق ما تكشفه منها؛ فالفعل المتكرر يدخل العادة، والعادة تستقر في الخلق، وقد قال الراغب الأصفهاني في "الذريعة إلى مكارم الشريعة" (ص: 101)، في باب ازدياد الإنسان في الفضائل والرذائل بتعاطيها: "كلّ متعاطٍ لفعل من الأفعال النفسية فإنه يتقوى به بالازدياد منه، إنْ خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ".

والذي عاش أعواماً يتوقع الخيانة قد تستقر الريبة في مزاجه، والذي طال اضطراره إلى إخفاء خبره طلباً للسلامة قد تسهل عليه المواربة بعد زوال الخطر، والذي رأى القوّة الباطشة تحسم الخصومات مرة إثر مرة قد تتسلل إلى وعيه منزلة للقوة تتجاوز قدرها؛ فيصبح شديد الإعجاب بمن يبطش وشديد الاستخفاف بمن يرفق ثمّ يسمي هذا خبرة اكتسبها من الحياة.

وقد التقط ابن خلدون هذا التحول بكلمات قليلة نفاذة، فقال في "المقدمة" (1/743) في وصف أثر العسف: "وعلّمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخُلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين، وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في كل من يملك أمره عليه".

وقوله "عادة وخُلقاً" يفتح أصل المسألة؛ فالذي وُلد تدبيراً للخوف استقر طريقةً للحياة، وما بدأ في ساعة استثناء انتقل مع صاحبه إلى ساعات الأمن فصارت الحرب تكشف خلقاً موجوداً وتنشئ إلى جواره خلقاً آخر، وتترك في النفس آثاراً يحتاج صاحبها إلى معرفتها حتى يملك أمرها.

ما الذي تعلمناه من القهر؟

أشد آثار القهر خفاءً أن يحتفظ المقهور بصورة القاهر في داخله؛ فالطفل الذي عرف الإهانة قد يكبر وهو يرى الهيبة في إخافة من تحته، والموظف الذي عاش أعواماً تحت مدير متسلط قد يعيد الصورة ذاتها إذا صار صاحب سلطة، والجماعة التي ذاقت العقاب بذنب أفراد منها قد تستسهل يوم قدرتها أن تحمل أفراد جماعة أخرى أوزار جماعتهم.

وهذه هزيمة أخلاقية عميقة؛ لأن الجلاد يغيب ويبقى منطقه يعمل في ضحيته، وتتحول المقاومة التي قامت رفضاً للقهر إلى إعادة إنتاج له بأسماء أخرى.

ويصبح الامتحان أشد في ساعة الغضب، وقد وضع القرآن العدل في هذا الموضع بعينه فقال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المائدة: 8).

فالشنآن قائم والعدل قائم معه، ووزن الأخلاق يظهر في الموضع الذي تمتلك النفس فيه ألف حجة لتمنح هواها اسم الحق. ولقد قال ابن حزم في "الأخلاق والسير" (ص: 165): "من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه فإنه يلوح له وجه تعسفه".

وهذه الكلمة ثقيلة على أبناء الحروب؛ فكلّ جماعةٍ تحمل قبورها وذاكرتها وأسماء من فقدتهم، وكلّ جرح يستطيع أن يتحول إلى منظار يرى صاحبه العالم من خلاله حتى يغدو الألم حجة ويصبح الغضب قاضياً ويمسي الانتماء ميزاناً للبراءة والإدانة.

اختلال أسماء الأشياء

تدخل الحرب إلى الأخلاق من باب اللغة أيضاً؛ إذ يحتاج الإنسان إلى أسماء تريح ضميره مما يفعل، فتأخذ القسوة اسم الحزم، ويأخذ سوء الظن اسم الفطنة، ويأخذ التشفّي اسم الوفاء للضحايا، وتأخذ المحاباة اسم نصرة الجماعة، ويأخذ الكذب اسم خدمة القضية، ويصير البطش دليلاً على قوة الشخصية. وهنا تبلغ الإصابة موضعاً خطيراً؛ فالمرء يستطيع أن يقاوم ظلماً يسميه ظلماً أما الفعل الذي منحه اسماً كريماً فيصبح جزءاً من صورته عن فضيلته.

ومن هذه الأبواب قول ابن حزم في "الأخلاق والسِير"، (ص: 31): "لم أرَ لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته: إحداهما اعتذار من أساء بأن فلانا أساء قبله، والثانية استسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس". فالجملة التي تقول: "فعلوا بنا" تستطيع أن تصير مستنداً طويل العمر؛ فعلوا بنا فنفعل بهم، وأهدروا حرمتنا فتهدر حرمة من ينتسب إليهم، وظلموا رجالنا فنحمّل أبناءهم شيئاً من تبعة رجالهم. وعند هذه النقطة يكون المعتدي قد علّم ضحيته منطقه، وصار جرمه مصدراً لقواعد السلوك عند من قاومه.

وحق المظلوم محفوظ في إنصافه ومحاسبة من اعتدى عليه ورد الحقوق إلى أصحابها، ثم يبقى فعله هو معروضاً على الميزان نفسه؛ فعدالة القضية تمنح أصحابها مسؤولية في صيانة عدلها، وكل قضية تستبيح الأخلاق في سبيل نصرتها تبدأ في خسارة شيء من روحها.

ما يبقى من الحرب بعد الحرب

قد تصمت البنادق وتبقى الحرب مستمرة في طريقة إدارة المكتب وفي تربية الطفل وفي خطاب السياسي وفي لغة الجماعة مع مخالفيها؛ فمديرٌ يرى السؤال تمرداً وأبٌ يرى الهيبة خوفاً ومعلمٌ يفسر ضبط الصف بالقهر، وسياسيٌ يحتاج خصماً دائماً حتى يحتفظ بتماسك أتباعه، وشابٌ خبر سنوات الارتياب حتى صار حسن الظن عنده سذاجة.

بناء ما بعد الحرب يبدأ أيضاً من المدرسة والأسرة والمؤسسة؛ من طفل يرى كبيراً قادراً على الغضب ثم يملك غضبه، ومن مواطن يرى قوياً يخضع لقانون يخضع له الضعيف، ومن موظف يعرف أن أمانته ترفعه، ومن مجتمع يتعلم بالممارسة اليومية أن العدل قابلٌ للحياة


وهذه البقايا أشدّ خطراً لأنها تدخل الحياة الجديدة بثياب الخبرة؛ فيحسب النّاس بعض ما اكتسبوه في زمن الخوف حكمةً صالحة لكل زمن، مع أن مجتمع العمران يحتاج قانوناً وثقةً ومساءلةً وقدرةً على الاختلاف، ويحتاج صاحب السلطة إلى أن يعرف أن قوته تظهر في ضبط نفسه بقدر ما تظهر في إنفاذ قراره.

ولهذا فإن بناء ما بعد الحرب يبدأ أيضاً من المدرسة والأسرة والمؤسسة؛ من طفل يرى كبيراً قادراً على الغضب ثم يملك غضبه، ومن مواطن يرى قوياً يخضع لقانون يخضع له الضعيف، ومن موظف يعرف أن أمانته ترفعه، ومن مجتمع يتعلم بالممارسة اليومية أن العدل قابلٌ للحياة.

استرداد الميزان والمعيار

ويبقى بعد انقضاء الحرب سؤال لا مهرب منه: ماذا أبقت فيَّ أنا؟ أيّة قسوة ألفتُها حتى حسبتها قوة؟ وأيّة ريبة سميّتها فطنة؟ وأيّة عصبية لبست عندي ثوب الوفاء؟ وأيُّ ظلم رقَّ حكمي عليه لأن فاعله من جماعتي؟

تُعاد البيوت وتُفتح الطرق وتعود المؤسسات إلى عملها، أما ما استقر في النفس زمن القهر فهو الأبطأ زوالاً؛ ولهذا يكون استرداد البلاد ناقصاً حتى نسترد معها الميزان والمعيار؛ وهو أن يبقى الظلم ظلماً أيّاً كانت اليد التي جاءت به، ويبقى العدل عدلاً أيّاً كان المستفيد منه، ويبقى البريء بريئاً مهما حمل من اسم يوقظ فينا الغضب، وأن نحاسب صاحبنا بالميزان الذي نحاسب به خصمنا؛ فالحق الذي يتغير بتغير الأسماء يصير هوىً والعدل الذي يدور مع الجماعة وجوداً وعدماً يصير عصبية.

وتنتهي الحرب في موضعها الأعمق يوم تفقد سلطانها على الضمير؛ يوم نحمل جراحنا من غير أن نجعلها شريعة لجرح غيرنا، ونستردّ حقوقنا من غير أن نستعير من ظالمنا منطقه، ويبقى فينا من القوة ما يكفي لنقول للظلم: هذا ظلمٌ ولو صدر عمن نحبّه، ونقول للعدل: هذا عدلٌ ولو جرى لمن نخاصمه ونشنّئه.

الأحد، 14 يونيو 2026

لا تصدّقوا ذلك الأعرابي

 لا تصدّقوا ذلك الأعرابي

محمد خير موسى

  "هذا الأعرابيّ يمثّل إبرة تخدير يحقنها بعض الدّعاة   والوعّاظ في عقول المسحوقين وأرواحهم، ليحسبوا أنّ علاج هذا الواقع المُزري المتردّي عندهم وحدهم"

ثمّة حكاياتٌ صغيرة تُساقُ في زمن الانكسارات كي تؤدّي وظيفة إجراميّة، فتروّض الوجع وتُعيد تشكيل الوعي وتُحوّل الفقر إلى "درس تزكية" يخدّر ألم السياط التي تنهش ظهور الجياع.


في زمن الغلاء الفاحش يُخرج "الأعرابي" من مخازن الحكايات ويُقدَّم بوصفه صورة من صور الإيمان الصّافي ثم يُجعل معيارا للناس؛ فمن اشتكى نقْصَ القوت نُصّب له هذا الأعرابيّ واعظا، ومن تحدّث عن فساد السياسات جرى دفعه إلى زاوية "ضعف التوكل"، ومن طالب بالحقوق قيل له: اجعل قلبك مع الله تعالى وكفى.

هذه الصناعة الخطابية وظيفة جرميّة تقوم على قلب المقامات، إذ يتحوّل مقام الإيمان إلى بديلٍ عن مقام العدل، ويستعمل مقام التوكل سترا لمقام المحاسبة، ويُوظَّف مقام الصبر أداة لإدامة الخلل بدل أن يكون سلّما لمقاومة الخلل؛ فيتحوّل الدّين من ميزانٍ يردّ الظلم ويقيم الحقوق إلى مسكّنٍ اجتماعيّ وأداة تخدير تطلب من الفقير أن يبتلع حريقه بصمتٍ "متعبد"، ويطلب من المظلوم أن يبتسم وهو يُسحق ثم يُهدى إليه حديث القلب كي ينشغل عن حديث السّوق والسّلطة والنّهب والقرار.

فكلّما ارتفعت الأسعار استحضرَ فريقٌ من الدّعاة والوعّاظ قصّة لأعرابيّ مسكين تتداولها وسائل التّواصل الاجتماعيّ بكثرة وهي: "قيل لأعرابيّ: لقد أصبح رغيف الخبز بدينار؛ فأجاب: واللهِ ما هَمَّني ذلك ولو أَصبَحَتْ حبّةُ القمحِ بدينارٍ فأنا أَعبُدُ اللهَ كما أَمَرَنِي وهوَ يرزُقُني كما وعَدَنِي".

والمشكلة هنا ليست في تذكير الناس بربّهم، فذكر الله تعالى حياةٌ للقلوب ولا في تثبيت اليقين، واليقين روحُ المؤمن حين تضيق به الأسباب ولا في الدعوة إلى التوكّل، فالتوكّل مقامٌ من مقامات العبادة القلبية العظيمة؛ المشكلة في "موضع" الحكاية وفي "وظيفتها" حين تُدفع إلى المنبر في لحظةٍ يريد الناس فيها ميزانا وعدلا ورفعا للضيم؛ فتأتي الحكاية كأنّها تقول للمسحوق: اكتم جرحك وامضِ إلى بيتك ثم عد إلى السوق صامتا راضيا بكل هذا الغلاء الفاحش واصنع من صمتك عبادة.

يُرادُ لهذا الأعرابيّ أن يكون هو نموذج المسلم الصّالح كلّما ارتفعت الأسعار وأحرق الغلاء أكباد الشّعب المسكين. 
وهذا القول الذي قاله الأعرابيّ وإن كان فيه ترسيخٌ لجانب الإيمان بالرّازق جلّ وعلا وترسيخ اليقين وتعزيز التّوكل على الله تعالى في قضيّة الرّزق؛ غير أنّ استحضاره في إطار التّعامل مع الغلاء الفاحش النّاتج عن السّياسات الكارثيّة وفشل المنظومات الحاكمة في إدارة المشهد الاقتصاديّ في ظلّ انقسام المجتمع إلى طبقتين؛ طبقةٍ متنفّذة تعيش التّرف وتتقلب في الأموال المنهوبة وطبقةٍ تمثّل الغالبيّة من الشّعب تعيش مسحوقة محطّمة همّها كيفيّة تحصيل قوت يومها، وفوق هذا عليها هي وحدها أن تتقبّل هذا الغلاء وتطفئ نيران التدهور الاقتصادي بيقينها البارد بأنّ الرّزق مقسوم ولو بلغ ثمن حبّة القمح دينارين فعليها ألّا تكترث ولا تعبأ بذلك؛ فهذا ما هو إلا ضرب من الإجرام الفكريّ الذي يلبس ثوب الدّعوة إلى الله تعالى.

هنا تتبدّى الخديعة في أصفى صورها، إذ يُستدعى مقامٌ إيمانيّ جليل ليُستعمل في غير موضعه ويُحمَّل الفقير وحده واجب إطفاء الحريق، بينما تُترك أسباب الحريق في مأمنٍ من السؤال، فيتحوّل الغلاء من ظاهرةٍ تُقرأ بأدوات الاقتصاد والسياسة والفساد والاحتكار إلى اختبارٍ روحانيّ يُطلب من الضحيّة وحدها أن تنجح فيه، وكأنّ العدالة جزءٌ ثانويّ في الدّين، وكأنّ حفظ القوت شأنٌ هامشيّ في الشريعة، وكأنّ كرامة الناس أمرٌ يُعوَّض عنه بكلمة وعظٍ ومشهد "أعرابي".

ومن أخطر ما يصنعه هذا الاستدعاء أنّه يعيد ترتيب الحسّ الجمعي فهو يضع طاقة الغضب الفطريّ في خانة السّخط الذي هو معصية لله تعالى، ويضع مطالبة الحق في خانة ضعف الإيمان وغياب التوكّل على الله تعالى، ويضع نقد السياسات في خانة الاعتراض على القدر؛ حتى يصبح المقهور خائفا من صوته متردّدا في شكواه مرتابا من فطرته التي تطلب الإنصاف.

هذا الأعرابيّ يمثّل إبرة تخدير يحقنها بعض الدّعاة والوعّاظ في عقول المسحوقين وأرواحهم، ليحسبوا أنّ علاج هذا الواقع المُزري المتردّي عندهم وحدهم وعليهم هم إيجاده واستعماله.

وهذه الإبرة التخديريّة تعمل على أكثر من مستوى، فهي تُسكت الغضب المشروع وتُبدّل لغة المطالبة بلغة الاستسلام، وتُحوّل الإحساس بالاختناق إلى صمتٍ يُسمّى أدبا ورضا بالقدر، ثم تُعيد تعريف الدين تعريفا مشوها فهو دينٌ يُهذّب الفرد عن الاعتراض ويترك المجتمع في قبضة الآكلين لأقوات الناس. ثم لا يكتفي هذا الخطاب بإسكات الجائع بل يُقنعه أنّه مسؤولٌ عن شفائه وحده؛ فإن صبر نجح وإن تكلّم فشل، وإن طالب بحقوقه خرج من مقام الإيمان وإن احتجّ على فساد السوق اتُّهم في قلبه.

ثم تنشأ نتيجة أخطر، إذ يتعوّد المجتمع أن يرى الظلم مناخا طبيعيا لا قضية تحتاج إلى المعالجة الجذريّة، وأن يرى الفساد قدَرا وليس جريمة اقتصاديّة وسياسيّة، وهنا تتداعى بنية الوعي لقلب الموازين فتضعف الحسبة وتخفت النّخوة ويبهت معنى الأمر بالمعروف في الشأن العام، ثم يصبح المنبر مكانا لتزيين الصّبر بدل إحياء العدل.

توظيفُ هذا الأعرابيّ في الخطاب الدّعوي صرفٌ لأنظار المفتوك بهم عن سبب مشكلتهم الحقيقيّ وعلاجها المنطقي، وإنّك لتعجب أن تزخرَ مواقع التّواصل الاجتماعيّ ومنابرُ بعض الدّعاة بهذا الأعرابيّ، بينما يغيبُ تماما ذلك القول المنسوب لعليّ بن أبي طالبٍ تارة ولأبي ذرّ رضي الله عنهما تارة أخرى وهو: "عجبتُ لمن لا يجد قوتَ يومه كيف لا يخرج على النّاس شاهرا سيفه"!

وليس المراد من هذا القول فتح باب الفوضى ولا إشعال الفتنة، بل المراد إيقاظ معنى خطير يتمثل في أن القوت في ميزان الشرع ليس تفصيلا عارضا وكرامة الإنسان ليست هامشا والجوع ليس موعظة تُلقى ثم تمضي، ولكنّه قضية عدلٍ تكمن في صميم الدين.

إنّ الضمير حين يرى منابر الدعاة تُكثر من "الأعرابي" وتُغيّبُ من لغة المسؤولية والمحاسبة يدرك أنّ جهة ما تريد إعادة هندسة الوعي؛ تريد إيمانا بلا أثرٍ اجتماعي وتريد توكّلا بلا سعيٍ لإقامة القسط وتريد صبرا يمتصّ الألم دون أن يردّ الظلم.

وهكذا يصير "الأعرابي" في هذا الاستعمال علامة على انقلابٍ في الوظيفة الدعوية، فبدل أن تكون الدعوة صوتا يحرس الضعفاء تتحول عند بعضهم إلى أداة تُطهّر الجلّاد من المساءلة ثم تُلزم الضحية بحسن الظنّ في سكّينها، وحين يقبل المجتمع هذا المعنى تتغير علاقته بالدين فيراه جدارا يكتم الأنفاس بدل أن يراه نورا يحرر من الاستعباد، ويراه خطابا يطلب التحمّل المهين بدل أن يراه ميزانا يطلب الإنصاف.

إنّ الدعوة حين تفقد شجاعتها في مواجهة ظلم القوت تفقد صدقها في قلوب الناس لأن الناس قد يتحملون الوعظ في العبادات الفردية ثم ينكسرون حين يرون الدين يتراجع عند أبواب الخبز والدواء والكرامة، وحين تلتبس المقامات بهذه الصورة يخرج جيلٌ يظن أنّ الإيمان يعني إلغاء الحسّ بالعدل، وأن التقوى تعني تعطيل فطرة المقاومة، وأن الرضا يعني إطفاء الأسئلة في القلب، ثم يصبح الدين عنده حكاياتُ "أعرابيّ" جميلة تؤنسه وليس ميزانا يقوم به عالمه.

x.com/muhammadkhm

الثلاثاء، 26 مايو 2026

حصى مِنى.. درسُ اليدِ الواحدة

 حصى مِنى.. درسُ اليدِ الواحدة

محمد خير موسى

"أشدُّ رسالةٍ في رمي الجمار هي ضرورة أن يكون معك على الدوام ميزانٌ تفحص به عقلك وتتفقّد به فكرك قبل حصاتك"


إذا وطئتَ مِنى أحسستَ أنك دخلتَ ساحة تنهض فيها الفكرة تمشي على قدمين، وترى الجموع تأتي من كل فجٍّ بلغاتٍ شتّى وملامح متباينة وطبائع مختلفة ثم تذوب الفوارق في لحظة واحدة كأنّ يدا خفيّة تمسحها من الوجوه وتمحوها من الألقاب، فيستقيم الصفّ على مقصدٍ واحد وتستقيم القلوب على وجهة واحدة.

ثم ترى الحصى في الأكفّ صغيرة وديعة وترى الكفّ ترتفع في انتظامٍ يأسرُ القلب قبل العين، وكأنّ السّماء تعلّم الأرض درس الاصطفاف لتقديم درسٍ فكريٍّ مهيبٍ تحضره البشريّة كلّها، ثم تنطلق الحصيّات نحو هدفٍ واحد فتشعر لحظَتَها أنّ الأمّة تستعيد نَفَسَها المشترك وصوتَها الواحد، ويظهر الرمي صورة من دورة فكريّة وتربويّة مكثّفة تقول للمسلم بأسلوبٍ واضحٍ لا يخطئه سمع القلب والعقل: اجعل عدوّك واضحا في قلبك، واجعل وجهتك واضحة في عقلك، واجعل يدك صادقة مع إعلانها وضوح العدوّ، واختر معركتك بعناية حتى لا تخبو قوّتك مع غير عدوّك.

أيُّ عدوٍّ هذا الذي ترى الأيدي كلَّها تتّجه نحوه في لحظةٍ واحدةٍ، فتلتقي الحصى في الهواء كما تلتقي القلوب على قصدٍ واحدٍِ ثم تهوي على جمرةٍ واحدة كأنّها تقول للناس جميعا: ههنا موضع العداوة وههنا جهة الرمي وههنا امتحان البوصلة؟


أيُّ عدوٍّ هذا الذي ترى الأيدي كلَّها تتّجه نحوه في لحظةٍ واحدةٍ، فتلتقي الحصى في الهواء كما تلتقي القلوب على قصدٍ واحدٍِ ثم تهوي على جمرةٍ واحدة كأنّها تقول للناس جميعا: ههنا موضع العداوة وههنا جهة الرمي وههنا امتحان البوصلة؟

إنه عدوّ المعنى والفكرة الذي يسرق من الإنسان إنسانيته حين يبدّل المقاصد، وعدوّ الروح حين تُستدرج إلى عبودية الشهوة والغرور والرياء، وعدوّ الأمّة حين تُستدرج إلى المعارك الصغيرة أو المطاحنات البينيّة حتى تنفلت منها وجهتها الكبرى؛ فالشيطان حين يُذكر في هذا المقام يُذكر بوصفه عنوانا جامعا لكل طريق يشتّت الصّفّ ويُذيب الحقّ ويُجمّل الباطل، ويعتدي على الحرمات ويدنّس المقدّسات ويستعبد الإنسان ويجعل السهم ينحرف عن هدفه، وتجيء الجمرات في هذا المشهد خريطة مصغّرة لمعركة الوعي والفكر؛ حجرٌ صغير يعلن أنّ القوّة حين ترتبط بالحق تكبر قيمتها، وأنّ اليد حين تستقيم على مقصدها تكون مسدّدة الهدف موجعة للمستهدَف، وأنّ الهزيمة تبتدئ يوم يضيع العدوّ في ضبابٍ كثيفٍ من التشويش والتّبديل فتضيع معه دلالة الرّمي ومعنى الاجتماع.

ثم تأمّل هذا الحصى في الكفّ؛ قطعةٌ من الأرض لا يُأبَه لها في الأرض؛ غير أنّها تتحوّل في يد الحاجّ إلى بيانٍ كاملٍ يوقظ البصيرة بوضوح أنواره ويحرّر القلب من سلطان الرموز الباطلة ببلاغة صراحته، وانظر إليها كيف تستحيلُ في لحظة الرمي سهما مقصودا فتتعلّم اليد أن المعاني الكبرى قد تُبنى بأداةٍ صغيرة حين يثبت الاتجاه وتصفو النيّة ويستقيم المقصد. ثم تغادر الحصاة الكفّ في قوسٍ واحد نحو جمرةٍ واحدة، فيتجسّد أمام العين أن قيمة الفعل في وضوح الهدف وحسن التوجيه، وأن اجتماع الحصيّات على نقطةٍ واحدة يدرّب القلب والعقلَ على اجتماع العزائم على عدوٍّ واحد، وأنّ تكرار الرمي يربّي الإرادة على قطع علائق الهوى وتهذيب نزعة التفرّق والمداومة على جبهة مواجهة العدوّ الواضح، فيغدو رمي الجمار درسا عمليا في توحيد الوجهة ومراجعة النفس كلما مالت إلى رمزٍ زائف أو معركةٍ جانبية مع غير العدوّ الحقيقيّ.

تكرار الرمي يربّي الإرادة على قطع علائق الهوى وتهذيب نزعة التفرّق والمداومة على جبهة مواجهة العدوّ الواضح، فيغدو رمي الجمار درسا عمليا في توحيد الوجهة ومراجعة النفس كلما مالت إلى رمزٍ زائف أو معركةٍ جانبية مع غير العدوّ الحقيقيّ


ويجيء التّكبير مع كلّ حصاةٍ كأنّه توقيع الغيب على حركة اليد؛ فتخرج "الله أكبر" من أفواهٍ تجرّدت في منى فتملأ الفضاء جلالا وتردّ القلب إلى مقامه الأول؛ عندها يحس الحاجّ ومن يتابع الحاجّ والحجّ أن كل عظمةٍ دون عظمة الله تعالى تذوب في هذا النداء، وأنّ اليد حين تقذف الحصاة تقذف معها هوى يتخفّى في النفس، وأنّ هذا التّكبير إعلان مواجهةٍ صريح شعاره وهدفه وغايته "الله أكبر طاعة للرحمن وإرغاما للشيطان"، فتثبت اليد في جبهتها ويستقيم الفكر على وجهته ويستقر القلب على عهدٍ المواجهة، وتغدو الجمرات درسا مقيما في أن التّحرر يبدأ من الدّاخل يوم ينتصر هذا النداء على نوازع الهوى.

وهنا تبدأ رسالة رمي الجمار لغير الحاجّ من أبناء المسلمين؛ رسالةٌ تتجاوز حدود مِنى وتطرق أبواب المدن والأسواق والبيوت، وتلفت أنظار العقول إلى أن توحيد الجهد على عدو واحد يلدُ الفاعليّة، وأنّ تشعّب ساحات الصّراع في الدّاخل يهدرُ الأعمار في المناوشات ويترك جوهر المعركة في مأمن، وأنّ اليد حين تتعدد أهدافها تتكسّر قوّتها. ثم يرسم رمي الجمار خطر الانقلاب في الوظيفة حين تتحول اليد التي خُلقت لتقذف حصاها في وجه العدو إلى يدٍ تصافحه وتبارك الطّريق نفسه الذي جاءت الحصيّات لتقطعه، وحين تنحرف اليد التي جاءت لتّتجه إلى عدوٍّ واحد فتقذف أخاها بحصى الاتّهام والتّخوين، وتنسج حول العدوّ حزاما من الأعذار وتفتح له طريقا في الوعي الجمعيّ يغيّر صفته من عدوٍّ إلى صديقٍ أو حليف، عندها ينقلب الرّمي إلى معنى مقلوب، وتصير الحصى أداةَ تمزيقٍ بعد أن كانت تربيةَ توحيد الفكرة وتوحيد الوجهة وتوحيد الأيدي الرّامية، ويصير الموقف دفاعا عن العدو بشعاراتٍ برّاقة، وينقلبُ الأخ عدوا إذ تضطرب المعايير وتنحرف البوصلة عن يدها الأولى.

أشدُّ رسالةٍ في رمي الجمار هي ضرورة أن يكون معك على الدوام ميزانٌ تفحص به عقلك وتتفقّد به فكرك قبل حصاتك؛ تتفقّد عقلك هل ما يزال يوحد الاتّجاه إلى العدو أم بدأ يغيّر الوجهة، وتتأمّل كيف تتسلّل صناعة التبرير فتبدّل المعايير وتستدرج المعارك الجانبية حتى تغدو خدمة للعدو الحقيقي؛ لأنها تستهلك طاقة الصّف وتفتح له أبوابا من الدّاخل، ثم تتفقّد يدك هل ما تزال مرفوعة في المواجهة أم كلّت وتعبت، أم غيّرت الوجهة، أم صافحت العدو، أم طعنت أخاها لأجل العدو، وعند هذا الفحص يستقيم معنى الجمرات درسا دائما في حراسة البوصلة وحراسة اليد وحراسة الصف وحراسة سلاحك.

x.com/muhammadkhm

الأربعاء، 15 أبريل 2026

في مواجهة وعّاظ الغلاء ودعاة ضيم الأسعار

في مواجهة وعّاظ الغلاء ودعاة ضيم الأسعار

"الذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين"


 في كتابه "الإسلام المفترى عليه" يقول الشّيخ محمّد الغزالي رحمه الله تعالى: 

"إنّ كلّ دعوة تحبّب الفقر إلى النّاس أو تُرَضِّيهم بالدّون أو تقنعهم بالهوان في الحياة أو تصبّرهم على قبول البخس والرّضا بالدنيّة؛ فهي دعوةٌ فاجرة يراد بها التّمكين للظّلم الاجتماعي وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فردٍ أو أفراد وهي قبل ذلك كذب على الإسلام وافتراء على الله. وأيّ تجاهلٍ لأحوال الأمم المحرومة من العدالة الاجتماعيّة، أو تهوينٌ لآثار الضّيم النّازل بها، أو تسكينٌ للثّوائر المهتاجة فيها؛ فهو دليلٌ على أحد أمرين: خبالٌ في العقل، أو نفاقٌ في القلب؛ وكلا الأمرين له منزلته الحقيرة من دين الله تعالى، ومن دنيا النّاس فلا يُلتَفَت إليه".


إنّ هذه الكلمات البديعة تضع قاعدة حاكمة، وهي أنّ الزهد مقامٌ تربويّ جليل حين يقيم الإنسان على القناعة والإتقان والحرية من عبودية المتاع، ويُثمر في صاحبه شجاعة في طلب الحق وصلابة في مواجهة الفساد ونزاهة في الكسب وحسّا بالمسؤولية تجاه المظلومين، أمّا تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان.

تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان


وكذلك تجد بعض الدّعاة يستشهد بقصة مروية عن عمر رضي الله عنه وهي: "جاء الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا: غلا اللّحم فسعّره لنا؛ فقال: أرخصوه أنتم فقالوا: نحن نشتكي غلاء السّعر واللّحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة، فتقول: أرخصوه أنتم؟ فقال: اتركوه لهم".

وهذه القصّة مكذوبةٌ على أمير المؤمنين عمر، فلم يرد في أيّ كتابٍ من كتب التّاريخ أنّها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، وقد ورد قريب منها في تاريخ دمشق لابن عساكر والبداية والنّهاية لابن كثير منسوبا إلى إبراهيم بن أدهم إذ قيل له: إن اللّحم قد غلا فقال: أرخصوه؛ أي لا تشتروه.

ومن يعرف سياسة عمر رضي الله عنه يعلم جيّدا أنّه حين ترتفع الأسعار الفاحشة فإنّه لا يمكن أن يترك الحبل على غاربه لجشع الجشعين دون من محاسبة من يكون سببا في كارثة اقتصاديّةٍ، وكذلك حين تكون الجائحة الاقتصاديّة كبيرة فإنّ أمير المؤمنين عمر يكون أوّل من يجوع وآخر من يشبع، ويعاني وهو في سدّة الحكم قبل أن يعاني أشدّ النّاس فقرا في رعيته. فلا تكذبوا على عمر رضي الله عنه كي تبرّروا هذا الخراب الذي يفتك بهذا الشّعب المسكين؛ فقد أخرج أحمد بن حنبل في الزهد وابن سعد في الطبقات الكبرى والبيهقي في السنن عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "أصاب النّاس سنة غلا فيها السّمن وكان عمر يأكل الزّيت فيقرقر بطنه فيقول: قرقر ما شئت فوالله لا تأكل السّمن حتى يأكله الناس".

وهذا الأثر يقدّم مفتاحا في فقه الحكم قبل أن يقدّم لنا حكاية زهد، إذ يضع العدالة في مركز السياسة، ويجعل "المعاش" عنوان أمانةٍ لا تفصيلا إداريا عابرا؛ فالحاكم هنا يجعل نفسه أولَ من يلتزم بضبط الاستهلاك وآخرَ من يمدّ يده إلى الرفاه، فتتحوّل القدوة من شعارٍ يقال إلى ميزانٍ يضبط سلوك السلطة. وفي هذا المعنى تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها.

تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها


وبعض الدّعاة يستشهد بما يروى عن أحد السّلف حين شكا له الناس غلاء الأسعار فقال: أرخصوها بالاستغفار، وهذا الأثر لو صحّ فهو يعني مطالبة النّاس بالتوبة ومن شروط التّوبة الإقلاع عن الذّنب، والذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين، وهذا الاستغفار يقتضي ضمنا توجيه المسؤوليّة إلى المتسبّب في كلّ هذا، لا ترديد عبارة "أستغفر الله العظيم" باللّسان من دون فقه مضامينها التي تقتضي التوبة إلى الله تعالى من ذنب تحكيم المجرمين برقاب العباد ومصائرهم.

فكلّ داعيةٍ أو واعظٍ يرفع عقيرته في الحديث عن استفحال الأسعار وفحش الغلاء وآثار التضخم وتهاوي العملة، مقتصرا على مطالبة النّاس بالصّبر والاحتمال ومحببا الزهد إلى نفوسهم ومطالبا إياهم بالتقشف، مغفلا الحديث عن أسباب هذه الانتكاسات وصامتا عن تحميل الطّبقة السياسيّة الفاسدة التي تتقلّب في الترف مسؤولية احتراق النّاس بنيران الغلاء؛ فهو يكذب على الله تعالى ويفتري على دين الإسلام وهو جنديّ من جنود الباطل والاستبداد درى أو لم يدرِ؛ فلا تصدّقّوه ولا تقيموا لكلامه وزنا ولا قيمة.


x.com/muhammadkhm


الأحد، 25 يناير 2026

عن الإدانات فاقدة المروءة والرجولة

عن الإدانات فاقدة المروءة والرجولة


أ. محمد خير موسى



كثير من الدول والكيانات والمؤسسات سارعت إلى إدانة العدوان الصهيوني على الدوحة، وهذا واجب لا يُتصوّر التهاون فيه، لأنّ العدوان على الدوحة عدوان على سيادة الأمة جمعاء، يستوجب التنديد والرفض والوقوف صفًا واحدًا في وجهه.

غير أنّ ما يثير العجب ويستدعي الغضب أنّ جلّ هذه الإدانات أغفلت عن قصد ظاهر ذكر أصل الجريمة الفادحة؛ استهداف الوفد المفاوِض على أرض الدوحة، وفي كل الشرائع، حتى في جاهلية العرب وقوانين الحروب القديمة، كان الوفد والرسل والدبلوماسيون مصونين من العدوان، لا يُمسّون بسوء، لأنّهم رمز الجسر الأخير بين السلم والحرب.

تجاهل المندّدين لهذا الاستهداف المشين لا يُفسَّر إلا بأحد أمرين: 
إمّا الرضا الضمني بهذه الجريمة، وإمّا الخور المقيت والخوف من أمريكا وحليفها الصهيوني؛ وفي الحالين يكون الصمت أو التجاهل فقدانًا للمروءة، وخيانة لرجولة الموقف، وسقوطًا أخلاقيًا لا يغسله ترديد الشعارات العامة.
إنّ من تلفّع بالصمت أمام هذا الانتهاك لم يبق له من حصانة التاريخ ولا من شرف الانتماء إلا قشور خاوية لا تستره من دناءة الموقف الفاقد للمروءة والرجولة.