‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمدخيرموسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمدخيرموسي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 29 أكتوبر 2026

عناقٌ على صفحات كتاب.. ابن القيم والهروي وحكاية السّلفيّة والتّصوّف

عناقٌ على صفحات كتاب.. ابن القيم والهروي وحكاية السّلفيّة والتّصوّف

محمد خير موسى

أن يجلس شاب سلفي اليوم إلى شاب صوفي ويفتحا بينهما منازل السائرين ومدارج السالكين"


كان في هراة -في القرن الخامس الهجري- شيخٌ يعرفه أهل المدينة ويعرفون شدته في الحق وجرأته على مخالفيه ومكانته التي جعلت مجالسه مقصداً للناس؛ رجل إذا خرج إلى مجلس التذكير لبس الثياب الفاخرة وركب الدواب الحسنة يريد أن يرى أهل السلطان والدنيا عزة العلم وأهله، فإذا انفض المجلس وعاد إلى بيته خلع تلك الثياب وارتدى مرقعته وجلس مع الصوفية في خانقاههم يأكل معهم ويؤنسهم ويعيش عيشتهم، وقد ترك خارج ذلك المكان مظاهر الوجاهة التي كان الناس يعرفونه بها.

وكان هذا الشيخ أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري الهروي المولود سنة 396هـ والمتوفى سنة 481هـ أحد كبار أئمة الحنابلة في خراسان ومن أشد العلماء انتصاراً لطريقة أهل الحديث في الاعتقاد، وله في منازعة المتكلمين مواقف جرّت عليه محناً وابتلاءات، ثم تجده في خانقاه الصوفية وبين المريدين وأصحاب السلوك شيخاً يتحدث عن أحوال القلوب ومنازل التوبة والإنابة والمحبة والإخلاص.

وقد حفظ لنا الذهبي هذه الصورة العجيبة في "سير أعلام النبلاء 18/514" نقلاً عن عبد الغافر الفارسي؛ فذكر ما كان يظهر به الهروي في مجالسه من الزينة والهيبة: "وَكَانَ إِذَا حَضَرَ الْمَجْلِسَ لَبِسَ الثِّيَابَ الْفَاخِرَةَ وَرَكِبَ الدَّوَابَّ الثَّمِينَةَ وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَفْعَلُ هَذَا إِعْزَازاً لِلدِّينِ وَرَغْماً لِأَعْدَائِهِ حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى عِزِّي وَتَجَمُّلِي فَيَرْغَبُوا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ عَادَ إِلَى الْمُرَقَّعَةِ وَالْقُعُودِ مَعَ الصُّوفِيَّةِ فِي الْخَانَقَاهْ يَأْكُلُ مَعَهُمْ وَلَا يَتَمَيَّزُ بِحَالٍ".

وفي هذه الصورة من تاريخ الإسلام ما يستحق أن نقف عنده طويلاً وأن نعيد النظر في كثير مما استقر في الأذهان من أحكام عامة توارثناها عن السلفية والتصوف؛ فقد كان الرجل الذي يلبس المرقعة ويجلس مع الصوفية في خانقاههم (زواياهم) هو نفسه الذي وصفه الذهبي في "سير أعلام النبلاء 18/506" بقوله: "وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَثَرِيّاً قُحّاً".

في هذه الصورة من تاريخ الإسلام ما يستحق أن نقف عنده طويلاً وأن نعيد النظر في كثير مما استقر في الأذهان من أحكام عامة توارثناها عن السلفية والتصوف

وكان من أشد الناس في الرد على مخالفيه في مسائل الصفات والاعتقاد حتى امتُحن بسبب ذلك، ثم كانت له تلك العناية بأحوال النفس ومقامات السلوك وجمع إلى الاشتغال بالرواية والاعتقاد حياةً طويلةً في الوعظ وتربية المريدين.

ولقد اجتمعت في حياة الهروي أحوال قد يُستغرب اجتماعها بعض أبنائنا اليوم؛ لأنهم عرفوا تاريخ المدارس من معارك المنتسبين إليها، وغاب عن كثير منهم تاريخ الرجال الذين اشتملت حياتهم على علوم شتى ونشأت بينهم وبين أهل المناهج الأخرى صلات علمية وروحية عميقة بقي أثرها ممتداً بعد أن غاب أصحابها عن الدنيا.

الشيخ الذي ورّثَ القلوب والأرواح كتاباً نفيساً

كان للهروي اشتغال طويل بعلوم الحديث والتفسير واللغة وكان له إلى جانب ذلك اهتمام خاص بما يسميه أهل التصوف مقامات السائرين إلى الله تعالى، وقد طلب إليه جماعة من أهل هراة أن يرتب لهم هذه المقامات ويبين درجاتها فخرج من هذه الرغبة كتاب صغير الحجم عظيم الأثر سماه "منازل السائرين إلى الحق المبين".

وجعل الشيخ كتابه مئة منزلة موزعة على عشرة أقسام تبدأ باليقظة والتوبة والمحاسبة والإنابة ثم تمضي بالقارئ في أبواب الخوف والرجاء والخشوع والزهد والورع، وتتناول أحوال المحبة والمعرفة والمراقبة وسائر ما اشتغل به علماء السلوك في تهذيب النفس وتقويم علاقتها بربها.

وكان الهروي يعرف ما للعبارات في هذا العلم من دقة وما قد يطرأ على وصف أحوال القلوب من التباس؛ لذلك افتتح كتابه بالعناية بأصول الطريق، فقال في "منازل السائرين" (ص6): "وَاعْلَم أَن الْعَامَّة من عُلَمَاء هَذِه الطَّائِفَة والمشيرين إِلَى هَذِه الطَّرِيقَة اتَّفقُوا على أَن النهايات لَا تصح إِلَّا بتصحيح البدايات كَمَا أَن الْأَبْنِيَة لَا تقوم إِلَّا على الأساس". ثم جعل من تصحيح هذه البدايات إخلاص العمل لله تعالى ومتابعة السنة وتعظيم النهي ورعاية الحرمات وبذل النصيحة للخلق.

تأمل هذه الكلمات واقرأها في كتاب رجل درجنا على وصفه بالصوفي، ثم انظر إلى ما فيها من اجتماع التعبد والإخلاص ومتابعة السنة وحفظ حقوق الخلق؛ فقد كان صاحبها يريد أن يأخذ بالعبد في طريق طويل من تهذيب النفس وأن يعالج في قلبه ما يعرض له من غفلة ورياء وكبر وشهوة وفتور حتى تستقيم حياته على عبودية الله تعالى.

وبقي الكتاب بعد وفاة صاحبه تتناقله أيدي العلماء والقراء ويشتغل به أهل السلوك ويشرحه من جاء بعده، وقد اجتمع على قراءته من المدارس والمذاهب من رأى فيه علماً نافعاً ومن توقف عند بعض عباراته ومن ناقش ما اشتمل عليه من أحوال ومقامات، وكان لهذا الكتاب موعد آخر في دمشق بعد وفاة صاحبه بأكثر من قرنين.

لقاء دمشق بشيخ هراة

ولد ابن قيم الجوزية سنة 691هـ وقد مضى على وفاة الهروي مئتان وعشر سنوات، ونشأ في دمشق عالماً بالفقه والحديث والتفسير ثم لازم ابن تيمية ملازمة أثرت في تكوينه العلمي وعُرف بقوة الحجة وسعة الاطلاع وشدة العناية بأصول الاعتقاد.

وكان في هذا العالم جانب يستحق أن يعرفه الشباب الذين حصروا صورته في مناظراته وردوده على مخالفيه؛ فقد كان صاحب عبادة طويلة ومجاهدة للنفس وشغف بالمحبة والإنابة والذكر، حتى قال تلميذه ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" في ترجمته إنه كان ذا تهجد وطول صلاة وتألّه ولهج بالذكر وشغف بالمحبة والاستغفار والانكسار إلى الله تعالى.

وهذا القلب الذي جمع إلى قوة العلم شدة الاشتغال بالعبودية كان مهيأً لأن يجد في تراث أهل السلوك مادة غنية للنّظر والتأمل؛ وكان من الكتب التي استوقفته كتاب "منازل السائرين" لأبي إسماعيل الهروي.

قرأ ابن القيم الكتاب وتأمل ترتيبه ووقف عند منازله واحدة بعد أخرى، ثم أخذ يشرح عباراته ويستخرج معانيها ويستدرك على ما يراه محتاجاً إلى استدراك ويفتح من الكلام الموجز أبواباً طويلة من البحث في القرآن والحديث والعقيدة وأعمال القلوب. وكانت ثمرة هذه الصحبة العلمية كتابه العظيم "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين".

ومن الطريف أن كتاب الهروي -الذي جمع منازل السلوك في صفحات قليلة- اتسع على يدي ابن القيم حتى أصبح مؤلفاً ضخماً يجلس فيه القارئ إلى حديث طويل عن المحبة والتوبة والخوف والرجاء والصبر والرضا والتوكل واليقين، وتتعاقب فيه أقوال المفسرين والمحدثين والفقهاء وأهل السلوك، فيرى كيف يستطيع عالم واسع الثقافة أن يأخذ عبارة قصيرة ثم يمضي بها لينثرها ويبذرها في آفاق العلم والتأمل.

ولقد اختار ابن القيم أن يجعل قوله تعالى: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" أصلاً تنتظم حوله مباحث كتابه؛ فكل منزلة من منازل السلوك تتصل عنده بحقيقة العبودية والاستعانة بالله تعالى وكل مقام يعرضه على ما فهمه من نصوص الوحي وأقوال السلف.

وكان الهروي حاضراً معه طوال هذا الطريق؛ تارةً يشرح عبارته ويزيدها بياناً، وتارةً يوردها ثم يستدرك عليها، وتارةً يعتذر له ويجتهد في حمل كلامه على وجه حسن وقد يشتد الاعتراض إذا رأى في القول خطأ يتصل بأصل من أصول الاعتقاد. وتبقى في هذا كله مودة صريحة تشعر بها كلما رأيته يذكر شيخه ويعظّم مكانته ثم يمضي في مناقشته بثقة العالم الذي يحمل أمانة القول بالحق.

شيخ الإسلام حبيبٌ إلينا

وقف ابن القيم عند كلام للهروي في منزلة الرجاء، وكان الشيخ قد جعل الرجاء من أضعف منازل المريدين ورأى فيه تعلقاً بحظ النفس قد يعارض كمال الاستسلام لله تعالى؛ فوجد ابن القيم في العبارة ما يستوجب البحث والاعتراض وأراد أن يبين منزلة الرجاء في القرآن والسنة وصلتها بمحبة الله تعالى والخوف منه، وكانت العبارة التي افتتح بها نقده من أنفس ما تركه العلماء في أدب الاختلاف. قال في "مدارج السالكين 2/38": "شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَبِيبٌ إِلَيْنَا. وَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ. وَكُلُّ مَنْ عَدَا الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى أَحْسَنِ مَحَامِلِهِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ مَا فِيهِ".

وأحسب أن في هذه الكلمة من جمال النفس ما يعسر أن تجده في كثير من منازعاتنا المعاصرة؛ فقد أثبت ابن القيم لشيخه مكانته في قلبه ثم مضى إلى نقد قوله وقد بقي للحبّ موضعه في القلب وللدليل سلطانه على الفكرة، وأحسن الظن بالرجل الذي انتفع به واجتهد في معرفة ما أراده من عبارته ثم بين وجه اعتراضه.

وكان لهذا الإنصاف أثره في بقية الكتاب؛ ففي مناقشته لبعض كلام الهروي في منزلة التوبة اشتد نقده للعبارة ثم عاد يخشى أن يستقر في نفس القارئ بسبب ذلك شيء من إساءة الظن بالشيخ، فقال في "مدارج السالكين 1/216": "وَلَا تُوجِبُ هَذِهِ الزِّلَّةُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِهْدَارَ مَحَاسِنِهِ، وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ، فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ إِلَّا الْمَعْصُومَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالْكَامِلُ مَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَالِ الضَّنْكِ، وَالْمُعْتَرَكِ الصَّعْب، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَافْتَرَقَتْ بِالسَّالِكِينَ فِيهِ الطُّرُقَاتُ، وَأَشْرَفُوا ـ إِلَّا أَقَلَّهُمْ ـ عَلَى أَوْدِيَةِ الْهَلَكَاتِ".

ويا لها من كلمة يحتاج بعض الشباب إلى أن يقرأها ويتأملها، وقد ألف أن يسمع اسم العالم مقروناً بما يؤخذ عليه حتى تكاد عثراته تحجب سائر عمره وعلمه وآثاره!

لقد عرف ابن القيم مواضع اختلافه مع الهروي معرفة دقيقة وكتب فيها صفحات طويلة، وبقيت له القدرة على أن يراه عالماً عظيماً أفاد منه، وأن يجد في كلامه ما يستحق العناية وأن يدعو له بالمغفرة والرحمة. والعالم الذي أحبّ شيخه كل هذا الحبّ كان شديداً في نقد بعض أقواله؛ ففي هذا الاجتماع من قوة الاعتقاد بالفكرة ورقّة الوفاء للشخص ما يجعل الحكاية جديرة بأن تُروى في مجالس السلفيين والصوفية جميعاً.

صحبة لم يجمعها مجلس

ولعل أجمل ما كتبه ابن القيم عن الهروي جاء في ختام بحث طويل تناول فيه بعض معاني الرجاء وبعد أن أبدى ما عنده من استدراكات عاد إلى ذكر الشيخ الذي أخذ عنه هذا الباب، فكتب في "مدارج السالكين 2/39" داعياً للهروي: "وَاللَّهُ يَشْكُرُ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ سَعْيَهُ وَيُعْلِي دَرَجَتَهُ وَيَجْزِيهِ أَفْضَلَ جَزَائِهِ وَيَجْمَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي مَحَلِّ كَرَامَتِهِ، فَلَوْ وَجَدَ مُرِيدُهُ سِعَةً وَفُسْحَةً فِي تَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ وَاعْتِرَاضِ كَلَامِهِ لَمَا فَعَلَ، كَيْفَ وَقَدْ نَفَعَهُ اللَّهُ بِكَلَامِهِ؟ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَجْلِسَ التِّلْمِيذِ مِنْ أُسْتَاذِهِ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ فَتْحُهُ يَقَظَةً وَمَنَاماً؟".

لقد قام الكتاب مقام المجلس واستقرت الألفة بين عالمين جمعتهما مسائل العلم وأعمال القلوب، وكان أحدهما قد رحل عن الدنيا قبل أن يرى الآخر نور الحياة؛ فقرأ المتأخر كلام المتقدم وعرف طريقته وانتفع بتجاربه حتى صار يذكره بلسان التلميذ الذي جلس إلى أستاذه وسمع منه وحفظ له فضل التعليم.

وكانت هذه الصحبة من العمق حتى دعا ابن القيم لشيخه بذلك الدعاء الرقيق وأقرّ بما انتفع به من كلامه، وأبدى من الألم في الاعتراض عليه ما يكشف مكانته في نفسه.

ومن أحبّ ما في تاريخ العلماء تلك الصّلات التي قامت على الكتب، فوجد عالم في كلام عالم سبقه ما يغنيه ويرشده ثم أحبّ صاحبه محبةَ من عرفه وعاشره وحفظ له مكانته بعد أن ظهر له موضع خطئه.

ولقد بقي ابن القيم إلى آخر الطريق صاحب نظر مستقل؛ يحاكم ما يقرأ ويعترض حيث يرى الاعتراض واجباً، وقد اتسعت نفسه وسمَا قلبه للاعتراف بفضل الرجل الذي يناقشه والإقرار بأن له عليه حقاً من العلم والمعرفة.

ما أجمل أن يتعلم شبابنا من هذين الشيخين كيف تكون محبة العلماء وكيف يحفظ كل صاحب علم لأخيه حرمته وكيف يتسع القلب للوفاء بالفضل مع الأمانة في البحث حتى يصير اختلافهم سبيلاً إلى معرفة أعمق، وتبقى بينهم من المودة أسباب تحفظها الأيام وتزداد رسوخاً بما يجتمعون عليه من عبادة الله تعالى وخدمة دينه والرحمة بعباده

وهكذا اجتمع في "مدارج السالكين" تراث شيخ صوفيّ أثريّ من هراة، وعلم رجل من كبار أئمة المدرسة الأثريّة في دمشق، واجتمع معهما من تراث السّلوك الإسلامي ما غدا مادة لتربية أجيال من المسلمين.

إلى شباب السلفية والتصوف

وأحسب أن في هذه الحكاية ما يستحق أن نعيد قراءته اليوم وقد اتسعت في بعض مجالسنا المسافة النفسية بين السلفيين والصوفية، حتى أصبح المرء يسمع عن علماء المدرسة الأخرى ما يحمله على النفور منهم ثم تمضي به الأيام وقد ظن أن تاريخ الإسلام كله كان على هذه الصورة من التباعد.

وتشهد سيرة الهروي نفسه بأن التاريخ عرف اجتماع الاعتقاد الأثري والتصوف السلوكي في شخصية واحدة، وتشهد علاقة ابن القيم بكتابه بأن العالم يستطيع أن يجد عند من يخالفه علماً عظيماً وأن ينتفع به ويشرحه ويناقشه وتبقى للمودة منزلتها في نفسه.

وقد كان الهروي شديداً في بعض منازعاته مع المتكلمين وكان ابن القيم شديداً في نقد بعض عبارات الصوفية؛ والإنصاف في قراءة تجربتهما يقتضي المحافظة على هذه الحقائق ومعرفة ما اختلفا فيه كما نعرف ما جمعهما، فإن المحبة التي تنشأ على معرفة صحيحة بتاريخ الرجال أبقى أثراً وأعظم نفعاً.

وأرجو أن يجلس شاب سلفي اليوم إلى شاب صوفي ويفتحا بينهما "منازل السائرين" و"مدارج السالكين" ويقرآ كيف بدأ الهروي حديثه عن تصحيح البدايات بالإخلاص ومتابعة السنة، وكيف شرح ابن القيم أحوال القلب ثم يستمع كل واحد منهما إلى صاحبه ويعرف ما عنده من علم وما يشغله من أمر نفسه وعبادته.

وربما خرج الشابّ السّلفي من تلك الصّحبة وقد وجد في تراث أهل السّلوك علماً يعينه على تزكية قلبه، وخرج الشاب الصوفي وقد عرف في ابن القيم عالماً أحب شيوخ السلوك وانتفع بهم وأنصفهم في مواضع الاختلاف ثم مضيا إلى شأنهما وقد صار لكل واحد منهما في قلب الآخر موضع صانته المعرفة والمودة.

ولعل هذه هي الهدية التي تركها لنا الشيخان عبر القرون؛ كتاب صغير خرج من هراة ثم اتسع في دمشق حتى أصبح مدرسة في العلم والسلوك، وظلّت بين صفحاته شهادة على أن الاختلاف العلمي قد يجتمع مع محبة صادقة وأن نقد العالم يستطيع أن يصدر عن قلب يعرف فضله ويشتاق إلى لقائه.

لقد رحل الهروي ثم رحل ابن القيم وأصبح ما بينهما تراثاً محفوظاً في الكتب؛ وفي كل مرة يفتح فيها قارئ "مدارج السالكين" تعود تلك الصحبة القديمة إلى الحياة ويستأنف الشيخ الدمشقي حديثه مع شيخ هراة، وقد بقيت عبارته الحبيبة تحمل إلى الأجيال شيئاً من أدب العلماء وصفاء قلوبهم: "شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه"

وما أجمل أن يتعلم شبابنا من هذين الشيخين كيف تكون محبة العلماء وكيف يحفظ كل صاحب علم لأخيه حرمته وكيف يتسع القلب للوفاء بالفضل مع الأمانة في البحث حتى يصير اختلافهم سبيلاً إلى معرفة أعمق، وتبقى بينهم من المودة أسباب تحفظها الأيام وتزداد رسوخاً بما يجتمعون عليه من عبادة الله تعالى وخدمة دينه والرحمة بعباده.

ولعل أعذب ما في هذه الحكاية أن الشيخين اللّذين فرقت بين مولديهما القرون قد اجتمعا على صفحات كتاب، وأن أبناءنا الذين يعيشون في بلد واحد وزمن واحد يستطيعون أن يجدوا في صحبتهما القديمة طريقاً إلى صحبة جديدة تتآلف فيها القلوب ويزدهر فيها العلم، ويجد كل واحد في أخيه من الخير ما يدعوه إلى محبته والدعاء له.

x.com/muhammadkhm

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

معارك السلفيين والأشاعرة في سوريا.. ماذا يخسر الفريقان؟

معارك السلفيين والأشاعرة في سوريا.. ماذا يخسر الفريقان؟

محمد خير موسى 

"تظل المساجد قادرة على استقبال من يدخلها يبحث عن الله تعالى وعن معنى الإيمان في حياته"                                                                                  


إمامٌ في مسجد من مساجد دمشق كان يتحدث عن فتيةٍ أقبلوا إلى المسجد بعد سقوط النظام البائد تعلو وجوههم فرحة العائد بعد تيه طويل؛ شبانٌ حملوا معهم أعماراً مبعثرة وأسئلة عن الله تعالى وعن أنفسهم وعن بلدٍ خرج لتوّه من ليل ثقيل، وقد دفعتهم إسلاميّة المُحرّرين إلى أن يطرقوا الباب الذي طال ابتعادهم عنه؛ 
غير أنّ الوجوه أخذت تتناقص والمقاعد تفرغ، فسأل الإمام عن الغائبين فقال له أحدهم: 
دخلنا نبحث عن الإسلام فوجدنا أنفسنا في مباراة كرة قدم بين فريق سلفي وفريق أشعري ولكل فريق جمهوره، ولكل جمهور قائمته الطويلة بمن ينبغي أن يُحب وبمن ينبغي أن يُحذر منه، وعلى الداخل الجديد أن يختار مدرجه سريعاً قبل أن يعرف الملعب أصلاً!

لقد دخل هؤلاء وهم يريدون أن يصلحوا ما أفسدته السنوات في أرواحهم فاكتشفوا أن أول درس ينتظرهم هو مع من ينبغي أن يختلفوا، لتبدأ خسارة أعمق من أن يتخيلها الغارقون في معركتهم؛ لأنّ الشابّ الذي جاء إلى المسجد وفي قلبه سؤال عن الله تعالى قد يخرج منه وقد صار سؤاله عن أهل الله أنفسهم.

للقبيلة الفكرية راياتُها أيضاً

الدراسات العقدية من أجلِّ علوم الإسلام وفي تاريخها جهد هائل في تحرير مسائل الإيمان وحراسة التصور الإسلامي ورد الشبهات والتمييز بين المقالات، ولا يستقيم عقل طالب العلم بالاستخفاف بها أو وصفها بأنها فضول وقشور؛ فلها رجالها ومتونها ومجالسها ومناهجها في البحث والمناظرة ويحتاجها كل عصر بمقدار ما يجدّ فيه من أسئلة وانحرافات، إلّا أنّ منزلة هذا العلم تختلّ إذا نُقل من مجال التحقيق بين أهله إلى تعبئة عامة تُلقى على الناشئة والشباب، فيدخل الشابّ المسجد طالباً معرفة دينه فيجد نفسه مدفوعاً بالخطاب التحشيديّ إلى اصطفاف لا يملك أدواته، فيتعلم مبكراً أسماء من يوافق ومن يخالف ولمّا تتكون لديه أصلاً القدرة التي يعرف بها وجه الصواب في أصل المسألة


 كل سؤال كبير يطرحه الجيل ثم نؤجله لصالح معركة أقل اتصالاً بحياته، وكل منبر يستهلك طاقته في التحشيد بين المدارس الفكريّة وكل شاب يدخل باحثاً عن معنى ثم يخرج محمّلاً بقائمة من الخصوم والأعداء فإنّه يترك وراءه مساحةً يستطيع مشروع آخر أن يدخل منها



وقد وصف الإمام ابن تيمية هذا الداء وصفاً يكاد يصيب مشهدنا باسمه، فقال في "مجموع الفتاوى 20/164": 
"ولهذا تجدُ قوماً كثيرين يحبّون قوماً ويبغضون قوماً لأجل أهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها، بل يوالون على إطلاقها أو يعادون من غير أن تكون منقولةً نقلاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها ولا يعرفون لازمها ومقتضاها، وسببُ هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة وجعلها مذاهب يدعى إليها ويوالي ويعادي عليها". 
ثم قال: "وليس لأحدٍ أن ينصب للأمّة شخصاً يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النّبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرّقون به بين الأمة يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون".

وهذه كلمة تصدر من عالم عاش في قلب المنازعات العقدية وكتب وردّ وناظر وخالف، فعرف أن تحرير القول بالدليل شيء وتحويله إلى رايةٍ للاجتماع والافتراق شيء آخر، وأن ترجيح المذهب ثمرةُ نظر وأما جعل أسماء الرجال والمدارس حدوداً للحب والبغض والولاء، ‏فذلك هو الموضع الذي ينتهي عنده العلم وتبدأ العصبية.‏

إنّ القبيلة الفكرية تتكوّن على مهل وتبلغ أخطر آثارها حين تدخل بين طالب الحق والحق نفسه؛ فيبدأ الشاب انتماءه باحثاً عن الدليل ثم يكتشف مع الأيام أنه صار يبحث عمّا يثبت سلامة الجماعة التي انتمى إليها، ويقرأ الكتب بعين تنتظر التأييد والتحشيد للجماعة والتيّار، فتراه يستثقل الحجة إذا جاءت من جهة يخالفها أو لا يحبها، ويفرح بالخطأ إذا وقع فيه مخالفوه، فيتحول السؤال الذي كان يجتهد لتحصيل المعرفة به وتمتين الانتماء إلى الحقّ إلى وسيلة لحراسة الهويّة الضيّقة للجماعة والتيّار الفكري، ويغدو الرجوع عن الرأي ثقيلاً لأنه لم يعد رجوعاً عن قول فحسب ولكنّه يغدو اقتراباً من خصمٍ وابتعاد عن أصحاب وإخوة تيار وجماعة؛ وعندئذ يضيق طريق الحقيقة أمامه، وذلك لأن القبيلة الفكريّة قد أعادت ترتيب وجدانه الصّانع لانتمائه وولائه أكثر من ترتيبها لأفكاره، فأصبح يحتاج إلى شجاعة أخلاقية نادرة كي يقول لأخيه في الجماعة: 
أخطأت، ولمخالفه في الجماعة الأخرى: أصبت، وكي يرضى أن يخسر شيئاً من دفء الجماعة مقابل يحفظ لنفسه أمانة البحث عن الحقّ والانتماء إليه مجرّداً من كلّ انتماء دونه.

وقد وضع الإمام أبو حامد الغزالي للمناظرة ميزاناً أشد قسوة على النفس من كل ما نحسن إلقاءه على مخالِفينا، فقال في "إحياء علوم الدين 1/74": 
"أن يكون في طلب الحقّ كناشد ضالّة لا يفرّق بين أن تظهر الضالّة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً ويشكره إذا عرّفه الخطأ وأظهر له الحقّ؛ كما لو أخذ طريقاً في طلب ضالّته فنبّهه صاحبه على ضالّته في طريق آخر فإنّه كان يشكره ولا يذمّه ويكرمه ويفرح به. فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم".

ثم نبّه في الصفحة نفسها إلى أن حضور المجامع قد يحرك الرياء والحرص على أن ينصر كل واحد نفسه "محقاً كان أو مبطلاً"، فالاختبار الحقيقي للمناظر يقع في اللحظة التي يظهر فيها الحق على لسان الرجل الذي قضى زمناً يرد عليه؛ أيفرح للحق أم يسود وجهه لأن الجمهور رأى صاحبه مصيباً؟ 
فيقول: "فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحقّ على لسان خصمه، وكيف يخجل به وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذمّ من أفحمه طول عمره ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على النظر في الحق".

ومأساة التعبئة العقدية والتحشيد بين الجماعات أنها تلقي إلى الشاب في أول الطريق أثقالاً لم تتكوّن لديه بعد أدوات حملها وربما لم تكن هذه القضايا داخلة أصلاً في دائرة أسئلته؛ فهو يأتي يريد أن يعرف الله تعالى وأن يؤمن به إيماناً يستقر في قلبه وأن يطمئن إلى أصول دينه ويجد ما يطفئ ذلك القلق الإيماني الذي يعصف بجيله، وأن يفتح كتاب الوحي على أسئلة عصره وآلامه وحيرته ومستقبله، فإذا هو يُستقبل بخريطة واسعة من الأسماء والمواقف والمدارس والرجال، ثم يُطلب إليه أن يحدد موضعه فيها سريعاً وأن يعرف ممن يأخذ وممن يحذر ومن يُقدّم ومن يُؤخر، قبل أن يعرف أصل المسائل التي اختلف القوم فيها وقبل أن تتكون لديه ملكة تمييز يستطيع بها أن يزن قولاً أو يفهم حجةً أو يقدّر موضع خلاف؛ وبعد زمن قد نكتشف أننا نجحنا في أن نصنع منه منتسباً شديد الحماسة يحسن تعداد مخالفي مدرسته ويحفظ مواطن الاعتراض عليهم، بينما بقي نصيبه ضعيفاً من معرفة الله تعالى التي جاء يطلبها ومن اليقين الذي دخل المسجد باحثاً عنه ومن القرآن الذي كان يرجو أن يجد فيه جواباً عن نفسه والعالم الذي يضطرب من حوله.

إن صيانة البحث العقدي من هذه السوق الجماهيرية حفظٌ لهيبته وصيانةٌ للشباب كذلك؛ فتبقى أصول الاعتقاد موضع تعليم جاد يرسّخ اليقين ويهدي العقل، وتبقى دقائق الخلاف في مجالها الذي يليق بها حيث تُحرَّر الأقوال وتُوزن الأدلة ويُرد الخطأ بقدره دون عصبيّة قبَليّة، وتظل المساجد قادرة على استقبال من يدخلها يبحث عن الله تعالى وعن معنى الإيمان في حياته، بدل أن يستوقفه عند الباب سؤال مستعجل يريد منه أن يحدد منذ اللحظة الأولى: في أي مدرج من مدرجات الجمهور ستجلس وأيّ فريقٍ ستشجّع؟

من يربح الفراغ؟

في آخر صفوف المسجد مقعدٌ خلا بعد أن كان يشغله شاب جاء وفي صدره من الأسئلة ما يفوق خرائط المدارس العقدية ومعاركها كلها؛ أسئلة عن الله تعالى والقدر والعدل وعن بلد خرج من محنة طويلة وقد أصاب الإنسان فيه من الهدم أكثر مما أصاب البنيان، فهو يحتاج إلى إعادة بناء وعيه وأفكاره واتجاهاته وإلى أن يفهم واقعه ومستقبله ومجتمعه وتحولاته وموقعه من كل ما يجري حوله؛ فإذا استهلكت معارك الأسماء والاصطفافات وقت هذا الجيل بقيت أسئلته عند الباب ثم خلا المقعد في المسجد ولم يخلُ عقل صاحبه ولا قلبه؛ فحمل أسئلته معه إلى الخارج ومن هناك يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يقلق المتنازعين والمتعاركين حقاً: من سيجلس إلى هذا الشاب بعدنا ومن سيملأ الفراغ الذي تركناه؟

قال مالك بن نبي في "إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث" (ص45): 
"إنّ كل فراغ أيديولوجي لا تشغله أفكارنا ينتظر أفكاراً منافية معادية لنا؛ فهذه هي القاعدة العامة والمتخصصون في الصراع الفكري يعرفونها كما يعرفون أبناءهم". ثم يمضي في المعنى نفسه إلى أن أهل الصّراع الفكري قد يسهمون في صناعة هذا الفراغ، وقد يملؤونه زمناً بأفكار وسيطة تؤدي وظيفة الفصل بين الإنسان وأفكاره التي كانت تمنحه رؤيته ومرجعيته.

وهذا هو موضع الخسارة الفادحة في معاركنا الداخلية؛ فالشاب الذي يغادر المسجد بعد أن استنفد خطابُه طاقته في تعريفه بالسلفي والأشعري وأسماء الرجال ومواطن الرد عليهم؛ يخرج وفي عقله مساحة بقيت بلا جواب وفي قلبه أسئلة بقيت تلحّ عليه وهذه المساحة لا تبقى خالية طويلاً؛ فالأفكار تتنافس على الإنسان والمشروعات الفكرية تعرف قيمة العقل الذي فقد ثقته بمرجعيته، فتأتيه من الباب الذي تُرك مفتوحاً فتصغي إلى قلقه وتفسر له العالم وتعطيه لغة يفهم بها نفسه، ثم تمنحه جماعةً يشعر داخلها أنه مفهوم ومسموع، وقد نكون في تلك الساعة منشغلين بإحصاء النقاط في معركة داخل البيت بينما يعمل غيرنا بهدوء على كسب صاحبه كله.

وخطر الفراغ هنا أنه فراغٌ نصنع بعضه بأيدينا؛ فكل سؤال كبير يطرحه الجيل ثم نؤجله لصالح معركة أقل اتصالاً بحياته، وكل منبر يستهلك طاقته في التحشيد بين المدارس الفكريّة وكل شاب يدخل باحثاً عن معنى ثم يخرج محمّلاً بقائمة من الخصوم والأعداء فإنّه يترك وراءه مساحةً يستطيع مشروع آخر أن يدخل منها، وعندئذ يصبح السؤال عن الرابح شديد الوضوح، فالرابح هو من وجد الشاب بعد أن فقدناه وأحسن مخاطبة عقله بعد أن شغلناه نحن بأنفسنا عن أسئلته.

والرابح من هذا الفراغ معروف ولا يحتاج ذكره إلى كثير مواربة ولا إلى استحضار عقدة المؤامرة؛ فكل مشروع فكري ينازع المرجعية الإسلامية على عقل الشاب وقلبه سيجد في هذا الانشغال الداخلي فرصةً ثمينة؛ فالتيارات التي تريد للدين أن ينكمش إلى المجال الفردي ويغيب عن تشكيل المجال العام، وتلك التي تعيد تعريف الحرية والإنسان والأسرة والقيم من داخل مرجعيتها المصادمة للوحي، والخطابات التي ترى الوحي مادةً يعاد تأويلها لتخضع لتصورات العصر وسيولة المرحلة، والنزعات التي تختزل الإنسان في رغبته ومصلحته ونجاحه الشخصي؛ كل هؤلاء يملكون مشروعات لها منظّروها الذين لديهم لغةً جذابة وتصوراً للإنسان والحياة، ويعرفون كيف يصلون إلى الشاب الذي خرج من المسجد وفي صدره أسئلة كثيرة بقيت معلقة.

ولا يحتاج هؤلاء إلى أن يشعلوا معركتك حتى ينتفعوا بها؛ يكفي أن تديرها أنت طويلاً وأن تنفق فيها منبرك وطاقتك وعقول شبابك وثقتهم بعلمائك ثم تترك أمامهم ذلك الشاب الذي أنهكته الأسئلة؛ سيجلس إليه غيرك ليسمع قلقه ويحدثه عن الحرية والهوية والمعنى والعدالة والكرامة والدولة والمستقبل ثم يضع بين يديه تفسيراً كاملاً للعالم، بينما كان خطابه الديني مشغولاً بإثبات أن فلاناً أخطأ في صفة وأن مدرسةً انحرفت في مسألة وأن شيخاً ينبغي أن يحذر منه.


سوريا اليوم أحوج إلى علماء السلفية والأشعرية معاً في ميدان يمس أصل نهضتها ومستقبلها؛ إلى علم يثبّت الإيمان بالله تعالى في النفوس ويرسّخ الثقة بالدين في جيل خرج من سنوات الاضطراب والتشويه والدّمار الفكري والنفسي والقيمي


وهنا تقع الخسارة كاملة؛ لأن كل ساعة يستهلكها الخطاب الديني العام في تعبئة الشباب لمعارك المدارس العقدية -وهي مسائل لها أهلها ومجالسها العلمية- تُنتزع من أسئلة تضغط على هذا الجيل في إيمانه وأخلاقه ووطنه ومستقبله، وتُترك الساحة لمن يملك مشروعاً فكرياً آخر فيملؤها بمفرداته وتصوراته وقيمه، وحينئذ يكون السلفي مشغولاً بالأشعري والأشعري مشغولاً بالسلفي، بينما يقف أصحاب المشروعات الفكريّة المصادمة للوحي كلّه خارج الحلقة ينتظران الشاب الذي خرج منها متعباً ثم يقولان له ببساطة: تعال؛ سنريك العالم من زاوية أخرى.

وسوريا اليوم أحوج إلى علماء السلفية والأشعرية معاً في ميدان يمس أصل نهضتها ومستقبلها؛ إلى علم يثبّت الإيمان بالله تعالى في النفوس ويرسّخ الثقة بالدين في جيل خرج من سنوات الاضطراب والتشويه والدّمار الفكري والنفسي والقيمي، ويمنحه قدرةً على فهم الحرية والعدل والدولة والمسؤولية والعمران، ويشارك في ترميم مجتمع أثقلته الشكوك والانقسامات وفقدان الثقة بين أفراده ومكوناته. 

وأمّا دقائق الخلاف العقدي فتبقى في موضعها العلمي، يحررها أهلها وتوزن أدلتها ويجاب فيها عن الخطأ فيها بقدره من غير أن تتحول إلى رايات تعبئة قَبَليّة يحملها شباب ما زال كثير منهم في أول الطريق إلى المسجد وإلى معرفة دينه.

وحساب الربح والخسارة هنا أوضح من أن تحجبه ضوضاء المناظرات؛ فالمسألة لا تُقاس بعدد المقاطع التي انتشرت ولا بعدد من قيل إنهم أُفحموا ولا بارتفاع أصوات الأتباع بعد مجلس ناجح في نظرهم؛ فالحساب الحقيقي يبدأ من ذلك الشاب الذي كان يجلس في آخر الصف ثم غاب: من أخذه بعدنا؟ من أصغى إلى أسئلته؟ من منحه تفسيراً آخر للحياة والدين والوطن؟ وأي فكرة استقرت في عقله يوم عجزنا نحن عن أن نعطيه ما جاء يطلبه؟

هناك يظهر الطرف الثالث في هذه المعركة؛ لم يحتج إلى أن يرفع راية ولا أن يخوض مناظرة ومع ذلك قد يخرج منها بأثمن ما كان ينبغي للطرفين أن يحفظاه؛ لقد ظفر بالشباب أنفسهم.


x.com/muhammadkhm



الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

ماذا فعلت الحروبُ بأخلاقنا؟

 ماذا فعلت الحروبُ بأخلاقنا؟

محمد خير موسى


"كلّ مقهورٍ سوف يقهر من هم دونَه لا محالة حين تتاح له الفرصة.. وكلّ إنسانٍ مهدورٍ سيهدرُ ما عداه من ناس ومؤسسات وموارد" (مصطفى حجازي، الإنسان المهدور.. دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، ص: 39).

هذه الكلمات تحمل في جوفها شيئاً من سر الحروب الطويلة؛ فالقهر يبدأ واقعة تقع على الإنسان ثم يمضي الزمن فيتسلّل من الواقعة إلى النفس ومن النفس إلى طرائق النظر والتصرف، ليجد المقهور نفسه بعد تبدل المواقع ممسكاً بالأداة ذاتها التي جُرح بها ومستعيداً صورة القوّة التي أبغضها يوم كانت مسلّطة عليه، وممارساً على من دونه شيئاً مما ثار في صدره على من كان فوقه.

وسؤال: ماذا فعلت الحرب بأخلاقنا؟ يتوجه إلى أجيال كاملة في سوريا والعراق واليمن وفلسطين والسودان وسواها من البلاد التي أثقلتها الحروب؛ إلى شباب عاشوا القصف والنزوح والسجون والفقد، وإلى آخرين نشأوا في بيوت تحمل ذاكرة تلك السنوات وتتكلم بلغتها وتخاف مخاوفها، ثم دخل الجميع زمناً جديداً وفي النفوس شيء من الزمن القديم، وفي طرائق الخصومة والعمل والتربية والسياسة بقايا من قواعد تشكلت تحت الخوف.

هنا تظهر المعادن

للمحنة سلطانٌ يكشف ما سترته أيام السّعة؛ فالكرم الذي كان فضلةَ مال يصير رغيفاً يقسمه صاحبه مع جائع، والشّجاعة التي كانت حديثاً في المجالس تصير خطوة نحو جريح تحت النار، والوفاءُ يصير ستراً لمطارد مع معرفة ثمن الستر، والأمانة تصيرُ مال غائب يقدر صاحبه على أخذه ثم يصونه.

أجيال كاملة في سوريا والعراق واليمن وفلسطين والسودان وسواها من البلاد التي أثقلتها الحروب؛ إلى شباب عاشوا القصف والنزوح والسجون والفقد، وإلى آخرين نشأوا في بيوت تحمل ذاكرة تلك السنوات وتتكلم بلغتها وتخاف مخاوفها، ثم دخل الجميع زمناً جديداً وفي النفوس شيء من الزمن القديم، وفي طرائق الخصومة والعمل والتربية والسياسة بقايا من قواعد تشكلت تحت الخوف


وقد حفلت حروبنا بمشاهد من هذا المعدن الإنساني الرفيع، ورأينا أناساً حفظوا آدميتهم في مواضع كانت كل الظروف تدفعهم إلى التخلي عنها، وهؤلاء جزء أصيل من تاريخ الحروب ومن الظلم أن تحفظ الذاكرة أسماء القتلة وتدع الذين وقفوا في وجه القسوة بأخلاقهم يضيعون في زحام الدم.

غير أن الحرب تفعل في النفس فوق ما تكشفه منها؛ فالفعل المتكرر يدخل العادة، والعادة تستقر في الخلق، وقد قال الراغب الأصفهاني في "الذريعة إلى مكارم الشريعة" (ص: 101)، في باب ازدياد الإنسان في الفضائل والرذائل بتعاطيها: "كلّ متعاطٍ لفعل من الأفعال النفسية فإنه يتقوى به بالازدياد منه، إنْ خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ".

والذي عاش أعواماً يتوقع الخيانة قد تستقر الريبة في مزاجه، والذي طال اضطراره إلى إخفاء خبره طلباً للسلامة قد تسهل عليه المواربة بعد زوال الخطر، والذي رأى القوّة الباطشة تحسم الخصومات مرة إثر مرة قد تتسلل إلى وعيه منزلة للقوة تتجاوز قدرها؛ فيصبح شديد الإعجاب بمن يبطش وشديد الاستخفاف بمن يرفق ثمّ يسمي هذا خبرة اكتسبها من الحياة.

وقد التقط ابن خلدون هذا التحول بكلمات قليلة نفاذة، فقال في "المقدمة" (1/743) في وصف أثر العسف: "وعلّمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخُلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين، وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في كل من يملك أمره عليه".

وقوله "عادة وخُلقاً" يفتح أصل المسألة؛ فالذي وُلد تدبيراً للخوف استقر طريقةً للحياة، وما بدأ في ساعة استثناء انتقل مع صاحبه إلى ساعات الأمن فصارت الحرب تكشف خلقاً موجوداً وتنشئ إلى جواره خلقاً آخر، وتترك في النفس آثاراً يحتاج صاحبها إلى معرفتها حتى يملك أمرها.

ما الذي تعلمناه من القهر؟

أشد آثار القهر خفاءً أن يحتفظ المقهور بصورة القاهر في داخله؛ فالطفل الذي عرف الإهانة قد يكبر وهو يرى الهيبة في إخافة من تحته، والموظف الذي عاش أعواماً تحت مدير متسلط قد يعيد الصورة ذاتها إذا صار صاحب سلطة، والجماعة التي ذاقت العقاب بذنب أفراد منها قد تستسهل يوم قدرتها أن تحمل أفراد جماعة أخرى أوزار جماعتهم.

وهذه هزيمة أخلاقية عميقة؛ لأن الجلاد يغيب ويبقى منطقه يعمل في ضحيته، وتتحول المقاومة التي قامت رفضاً للقهر إلى إعادة إنتاج له بأسماء أخرى.

ويصبح الامتحان أشد في ساعة الغضب، وقد وضع القرآن العدل في هذا الموضع بعينه فقال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المائدة: 8).

فالشنآن قائم والعدل قائم معه، ووزن الأخلاق يظهر في الموضع الذي تمتلك النفس فيه ألف حجة لتمنح هواها اسم الحق. ولقد قال ابن حزم في "الأخلاق والسير" (ص: 165): "من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه فإنه يلوح له وجه تعسفه".

وهذه الكلمة ثقيلة على أبناء الحروب؛ فكلّ جماعةٍ تحمل قبورها وذاكرتها وأسماء من فقدتهم، وكلّ جرح يستطيع أن يتحول إلى منظار يرى صاحبه العالم من خلاله حتى يغدو الألم حجة ويصبح الغضب قاضياً ويمسي الانتماء ميزاناً للبراءة والإدانة.

اختلال أسماء الأشياء

تدخل الحرب إلى الأخلاق من باب اللغة أيضاً؛ إذ يحتاج الإنسان إلى أسماء تريح ضميره مما يفعل، فتأخذ القسوة اسم الحزم، ويأخذ سوء الظن اسم الفطنة، ويأخذ التشفّي اسم الوفاء للضحايا، وتأخذ المحاباة اسم نصرة الجماعة، ويأخذ الكذب اسم خدمة القضية، ويصير البطش دليلاً على قوة الشخصية. وهنا تبلغ الإصابة موضعاً خطيراً؛ فالمرء يستطيع أن يقاوم ظلماً يسميه ظلماً أما الفعل الذي منحه اسماً كريماً فيصبح جزءاً من صورته عن فضيلته.

ومن هذه الأبواب قول ابن حزم في "الأخلاق والسِير"، (ص: 31): "لم أرَ لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته: إحداهما اعتذار من أساء بأن فلانا أساء قبله، والثانية استسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس". فالجملة التي تقول: "فعلوا بنا" تستطيع أن تصير مستنداً طويل العمر؛ فعلوا بنا فنفعل بهم، وأهدروا حرمتنا فتهدر حرمة من ينتسب إليهم، وظلموا رجالنا فنحمّل أبناءهم شيئاً من تبعة رجالهم. وعند هذه النقطة يكون المعتدي قد علّم ضحيته منطقه، وصار جرمه مصدراً لقواعد السلوك عند من قاومه.

وحق المظلوم محفوظ في إنصافه ومحاسبة من اعتدى عليه ورد الحقوق إلى أصحابها، ثم يبقى فعله هو معروضاً على الميزان نفسه؛ فعدالة القضية تمنح أصحابها مسؤولية في صيانة عدلها، وكل قضية تستبيح الأخلاق في سبيل نصرتها تبدأ في خسارة شيء من روحها.

ما يبقى من الحرب بعد الحرب

قد تصمت البنادق وتبقى الحرب مستمرة في طريقة إدارة المكتب وفي تربية الطفل وفي خطاب السياسي وفي لغة الجماعة مع مخالفيها؛ فمديرٌ يرى السؤال تمرداً وأبٌ يرى الهيبة خوفاً ومعلمٌ يفسر ضبط الصف بالقهر، وسياسيٌ يحتاج خصماً دائماً حتى يحتفظ بتماسك أتباعه، وشابٌ خبر سنوات الارتياب حتى صار حسن الظن عنده سذاجة.

بناء ما بعد الحرب يبدأ أيضاً من المدرسة والأسرة والمؤسسة؛ من طفل يرى كبيراً قادراً على الغضب ثم يملك غضبه، ومن مواطن يرى قوياً يخضع لقانون يخضع له الضعيف، ومن موظف يعرف أن أمانته ترفعه، ومن مجتمع يتعلم بالممارسة اليومية أن العدل قابلٌ للحياة


وهذه البقايا أشدّ خطراً لأنها تدخل الحياة الجديدة بثياب الخبرة؛ فيحسب النّاس بعض ما اكتسبوه في زمن الخوف حكمةً صالحة لكل زمن، مع أن مجتمع العمران يحتاج قانوناً وثقةً ومساءلةً وقدرةً على الاختلاف، ويحتاج صاحب السلطة إلى أن يعرف أن قوته تظهر في ضبط نفسه بقدر ما تظهر في إنفاذ قراره.

ولهذا فإن بناء ما بعد الحرب يبدأ أيضاً من المدرسة والأسرة والمؤسسة؛ من طفل يرى كبيراً قادراً على الغضب ثم يملك غضبه، ومن مواطن يرى قوياً يخضع لقانون يخضع له الضعيف، ومن موظف يعرف أن أمانته ترفعه، ومن مجتمع يتعلم بالممارسة اليومية أن العدل قابلٌ للحياة.

استرداد الميزان والمعيار

ويبقى بعد انقضاء الحرب سؤال لا مهرب منه: ماذا أبقت فيَّ أنا؟ أيّة قسوة ألفتُها حتى حسبتها قوة؟ وأيّة ريبة سميّتها فطنة؟ وأيّة عصبية لبست عندي ثوب الوفاء؟ وأيُّ ظلم رقَّ حكمي عليه لأن فاعله من جماعتي؟

تُعاد البيوت وتُفتح الطرق وتعود المؤسسات إلى عملها، أما ما استقر في النفس زمن القهر فهو الأبطأ زوالاً؛ ولهذا يكون استرداد البلاد ناقصاً حتى نسترد معها الميزان والمعيار؛ وهو أن يبقى الظلم ظلماً أيّاً كانت اليد التي جاءت به، ويبقى العدل عدلاً أيّاً كان المستفيد منه، ويبقى البريء بريئاً مهما حمل من اسم يوقظ فينا الغضب، وأن نحاسب صاحبنا بالميزان الذي نحاسب به خصمنا؛ فالحق الذي يتغير بتغير الأسماء يصير هوىً والعدل الذي يدور مع الجماعة وجوداً وعدماً يصير عصبية.

وتنتهي الحرب في موضعها الأعمق يوم تفقد سلطانها على الضمير؛ يوم نحمل جراحنا من غير أن نجعلها شريعة لجرح غيرنا، ونستردّ حقوقنا من غير أن نستعير من ظالمنا منطقه، ويبقى فينا من القوة ما يكفي لنقول للظلم: هذا ظلمٌ ولو صدر عمن نحبّه، ونقول للعدل: هذا عدلٌ ولو جرى لمن نخاصمه ونشنّئه.

الأحد، 14 يونيو 2026

لا تصدّقوا ذلك الأعرابي

 لا تصدّقوا ذلك الأعرابي

محمد خير موسى

  "هذا الأعرابيّ يمثّل إبرة تخدير يحقنها بعض الدّعاة   والوعّاظ في عقول المسحوقين وأرواحهم، ليحسبوا أنّ علاج هذا الواقع المُزري المتردّي عندهم وحدهم"
- 

ثمّة حكاياتٌ صغيرة تُساقُ في زمن الانكسارات كي تؤدّي وظيفة إجراميّة، فتروّض الوجع وتُعيد تشكيل الوعي وتُحوّل الفقر إلى "درس تزكية" يخدّر ألم السياط التي تنهش ظهور الجياع.


في زمن الغلاء الفاحش يُخرج "الأعرابي" من مخازن الحكايات ويُقدَّم بوصفه صورة من صور الإيمان الصّافي ثم يُجعل معيارا للناس؛ فمن اشتكى نقْصَ القوت نُصّب له هذا الأعرابيّ واعظا، ومن تحدّث عن فساد السياسات جرى دفعه إلى زاوية "ضعف التوكل"، ومن طالب بالحقوق قيل له: اجعل قلبك مع الله تعالى وكفى.

هذه الصناعة الخطابية وظيفة جرميّة تقوم على قلب المقامات، إذ يتحوّل مقام الإيمان إلى بديلٍ عن مقام العدل، ويستعمل مقام التوكل سترا لمقام المحاسبة، ويُوظَّف مقام الصبر أداة لإدامة الخلل بدل أن يكون سلّما لمقاومة الخلل؛ فيتحوّل الدّين من ميزانٍ يردّ الظلم ويقيم الحقوق إلى مسكّنٍ اجتماعيّ وأداة تخدير تطلب من الفقير أن يبتلع حريقه بصمتٍ "متعبد"، ويطلب من المظلوم أن يبتسم وهو يُسحق ثم يُهدى إليه حديث القلب كي ينشغل عن حديث السّوق والسّلطة والنّهب والقرار.

فكلّما ارتفعت الأسعار استحضرَ فريقٌ من الدّعاة والوعّاظ قصّة لأعرابيّ مسكين تتداولها وسائل التّواصل الاجتماعيّ بكثرة وهي: "قيل لأعرابيّ: لقد أصبح رغيف الخبز بدينار؛ فأجاب: واللهِ ما هَمَّني ذلك ولو أَصبَحَتْ حبّةُ القمحِ بدينارٍ فأنا أَعبُدُ اللهَ كما أَمَرَنِي وهوَ يرزُقُني كما وعَدَنِي".

والمشكلة هنا ليست في تذكير الناس بربّهم، فذكر الله تعالى حياةٌ للقلوب ولا في تثبيت اليقين، واليقين روحُ المؤمن حين تضيق به الأسباب ولا في الدعوة إلى التوكّل، فالتوكّل مقامٌ من مقامات العبادة القلبية العظيمة؛ المشكلة في "موضع" الحكاية وفي "وظيفتها" حين تُدفع إلى المنبر في لحظةٍ يريد الناس فيها ميزانا وعدلا ورفعا للضيم؛ فتأتي الحكاية كأنّها تقول للمسحوق: اكتم جرحك وامضِ إلى بيتك ثم عد إلى السوق صامتا راضيا بكل هذا الغلاء الفاحش واصنع من صمتك عبادة.

يُرادُ لهذا الأعرابيّ أن يكون هو نموذج المسلم الصّالح كلّما ارتفعت الأسعار وأحرق الغلاء أكباد الشّعب المسكين. 
وهذا القول الذي قاله الأعرابيّ وإن كان فيه ترسيخٌ لجانب الإيمان بالرّازق جلّ وعلا وترسيخ اليقين وتعزيز التّوكل على الله تعالى في قضيّة الرّزق؛ غير أنّ استحضاره في إطار التّعامل مع الغلاء الفاحش النّاتج عن السّياسات الكارثيّة وفشل المنظومات الحاكمة في إدارة المشهد الاقتصاديّ في ظلّ انقسام المجتمع إلى طبقتين؛ طبقةٍ متنفّذة تعيش التّرف وتتقلب في الأموال المنهوبة وطبقةٍ تمثّل الغالبيّة من الشّعب تعيش مسحوقة محطّمة همّها كيفيّة تحصيل قوت يومها، وفوق هذا عليها هي وحدها أن تتقبّل هذا الغلاء وتطفئ نيران التدهور الاقتصادي بيقينها البارد بأنّ الرّزق مقسوم ولو بلغ ثمن حبّة القمح دينارين فعليها ألّا تكترث ولا تعبأ بذلك؛ فهذا ما هو إلا ضرب من الإجرام الفكريّ الذي يلبس ثوب الدّعوة إلى الله تعالى.

هنا تتبدّى الخديعة في أصفى صورها، إذ يُستدعى مقامٌ إيمانيّ جليل ليُستعمل في غير موضعه ويُحمَّل الفقير وحده واجب إطفاء الحريق، بينما تُترك أسباب الحريق في مأمنٍ من السؤال، فيتحوّل الغلاء من ظاهرةٍ تُقرأ بأدوات الاقتصاد والسياسة والفساد والاحتكار إلى اختبارٍ روحانيّ يُطلب من الضحيّة وحدها أن تنجح فيه، وكأنّ العدالة جزءٌ ثانويّ في الدّين، وكأنّ حفظ القوت شأنٌ هامشيّ في الشريعة، وكأنّ كرامة الناس أمرٌ يُعوَّض عنه بكلمة وعظٍ ومشهد "أعرابي".

ومن أخطر ما يصنعه هذا الاستدعاء أنّه يعيد ترتيب الحسّ الجمعي فهو يضع طاقة الغضب الفطريّ في خانة السّخط الذي هو معصية لله تعالى، ويضع مطالبة الحق في خانة ضعف الإيمان وغياب التوكّل على الله تعالى، ويضع نقد السياسات في خانة الاعتراض على القدر؛ حتى يصبح المقهور خائفا من صوته متردّدا في شكواه مرتابا من فطرته التي تطلب الإنصاف.

هذا الأعرابيّ يمثّل إبرة تخدير يحقنها بعض الدّعاة والوعّاظ في عقول المسحوقين وأرواحهم، ليحسبوا أنّ علاج هذا الواقع المُزري المتردّي عندهم وحدهم وعليهم هم إيجاده واستعماله.

وهذه الإبرة التخديريّة تعمل على أكثر من مستوى، فهي تُسكت الغضب المشروع وتُبدّل لغة المطالبة بلغة الاستسلام، وتُحوّل الإحساس بالاختناق إلى صمتٍ يُسمّى أدبا ورضا بالقدر، ثم تُعيد تعريف الدين تعريفا مشوها فهو دينٌ يُهذّب الفرد عن الاعتراض ويترك المجتمع في قبضة الآكلين لأقوات الناس. ثم لا يكتفي هذا الخطاب بإسكات الجائع بل يُقنعه أنّه مسؤولٌ عن شفائه وحده؛ فإن صبر نجح وإن تكلّم فشل، وإن طالب بحقوقه خرج من مقام الإيمان وإن احتجّ على فساد السوق اتُّهم في قلبه.

ثم تنشأ نتيجة أخطر، إذ يتعوّد المجتمع أن يرى الظلم مناخا طبيعيا لا قضية تحتاج إلى المعالجة الجذريّة، وأن يرى الفساد قدَرا وليس جريمة اقتصاديّة وسياسيّة، وهنا تتداعى بنية الوعي لقلب الموازين فتضعف الحسبة وتخفت النّخوة ويبهت معنى الأمر بالمعروف في الشأن العام، ثم يصبح المنبر مكانا لتزيين الصّبر بدل إحياء العدل.

توظيفُ هذا الأعرابيّ في الخطاب الدّعوي صرفٌ لأنظار المفتوك بهم عن سبب مشكلتهم الحقيقيّ وعلاجها المنطقي، وإنّك لتعجب أن تزخرَ مواقع التّواصل الاجتماعيّ ومنابرُ بعض الدّعاة بهذا الأعرابيّ، بينما يغيبُ تماما ذلك القول المنسوب لعليّ بن أبي طالبٍ تارة ولأبي ذرّ رضي الله عنهما تارة أخرى وهو: "عجبتُ لمن لا يجد قوتَ يومه كيف لا يخرج على النّاس شاهرا سيفه"!

وليس المراد من هذا القول فتح باب الفوضى ولا إشعال الفتنة، بل المراد إيقاظ معنى خطير يتمثل في أن القوت في ميزان الشرع ليس تفصيلا عارضا وكرامة الإنسان ليست هامشا والجوع ليس موعظة تُلقى ثم تمضي، ولكنّه قضية عدلٍ تكمن في صميم الدين.

إنّ الضمير حين يرى منابر الدعاة تُكثر من "الأعرابي" وتُغيّبُ من لغة المسؤولية والمحاسبة يدرك أنّ جهة ما تريد إعادة هندسة الوعي؛ تريد إيمانا بلا أثرٍ اجتماعي وتريد توكّلا بلا سعيٍ لإقامة القسط وتريد صبرا يمتصّ الألم دون أن يردّ الظلم.

وهكذا يصير "الأعرابي" في هذا الاستعمال علامة على انقلابٍ في الوظيفة الدعوية، فبدل أن تكون الدعوة صوتا يحرس الضعفاء تتحول عند بعضهم إلى أداة تُطهّر الجلّاد من المساءلة ثم تُلزم الضحية بحسن الظنّ في سكّينها، وحين يقبل المجتمع هذا المعنى تتغير علاقته بالدين فيراه جدارا يكتم الأنفاس بدل أن يراه نورا يحرر من الاستعباد، ويراه خطابا يطلب التحمّل المهين بدل أن يراه ميزانا يطلب الإنصاف.

إنّ الدعوة حين تفقد شجاعتها في مواجهة ظلم القوت تفقد صدقها في قلوب الناس لأن الناس قد يتحملون الوعظ في العبادات الفردية ثم ينكسرون حين يرون الدين يتراجع عند أبواب الخبز والدواء والكرامة، وحين تلتبس المقامات بهذه الصورة يخرج جيلٌ يظن أنّ الإيمان يعني إلغاء الحسّ بالعدل، وأن التقوى تعني تعطيل فطرة المقاومة، وأن الرضا يعني إطفاء الأسئلة في القلب، ثم يصبح الدين عنده حكاياتُ "أعرابيّ" جميلة تؤنسه وليس ميزانا يقوم به عالمه.

x.com/muhammadkhm

الثلاثاء، 26 مايو 2026

حصى مِنى.. درسُ اليدِ الواحدة

 حصى مِنى.. درسُ اليدِ الواحدة

محمد خير موسى

"أشدُّ رسالةٍ في رمي الجمار هي ضرورة أن يكون معك على الدوام ميزانٌ تفحص به عقلك وتتفقّد به فكرك قبل حصاتك"


إذا وطئتَ مِنى أحسستَ أنك دخلتَ ساحة تنهض فيها الفكرة تمشي على قدمين، وترى الجموع تأتي من كل فجٍّ بلغاتٍ شتّى وملامح متباينة وطبائع مختلفة ثم تذوب الفوارق في لحظة واحدة كأنّ يدا خفيّة تمسحها من الوجوه وتمحوها من الألقاب، فيستقيم الصفّ على مقصدٍ واحد وتستقيم القلوب على وجهة واحدة.

ثم ترى الحصى في الأكفّ صغيرة وديعة وترى الكفّ ترتفع في انتظامٍ يأسرُ القلب قبل العين، وكأنّ السّماء تعلّم الأرض درس الاصطفاف لتقديم درسٍ فكريٍّ مهيبٍ تحضره البشريّة كلّها، ثم تنطلق الحصيّات نحو هدفٍ واحد فتشعر لحظَتَها أنّ الأمّة تستعيد نَفَسَها المشترك وصوتَها الواحد، ويظهر الرمي صورة من دورة فكريّة وتربويّة مكثّفة تقول للمسلم بأسلوبٍ واضحٍ لا يخطئه سمع القلب والعقل: اجعل عدوّك واضحا في قلبك، واجعل وجهتك واضحة في عقلك، واجعل يدك صادقة مع إعلانها وضوح العدوّ، واختر معركتك بعناية حتى لا تخبو قوّتك مع غير عدوّك.

أيُّ عدوٍّ هذا الذي ترى الأيدي كلَّها تتّجه نحوه في لحظةٍ واحدةٍ، فتلتقي الحصى في الهواء كما تلتقي القلوب على قصدٍ واحدٍِ ثم تهوي على جمرةٍ واحدة كأنّها تقول للناس جميعا: ههنا موضع العداوة وههنا جهة الرمي وههنا امتحان البوصلة؟


أيُّ عدوٍّ هذا الذي ترى الأيدي كلَّها تتّجه نحوه في لحظةٍ واحدةٍ، فتلتقي الحصى في الهواء كما تلتقي القلوب على قصدٍ واحدٍِ ثم تهوي على جمرةٍ واحدة كأنّها تقول للناس جميعا: ههنا موضع العداوة وههنا جهة الرمي وههنا امتحان البوصلة؟

إنه عدوّ المعنى والفكرة الذي يسرق من الإنسان إنسانيته حين يبدّل المقاصد، وعدوّ الروح حين تُستدرج إلى عبودية الشهوة والغرور والرياء، وعدوّ الأمّة حين تُستدرج إلى المعارك الصغيرة أو المطاحنات البينيّة حتى تنفلت منها وجهتها الكبرى؛ فالشيطان حين يُذكر في هذا المقام يُذكر بوصفه عنوانا جامعا لكل طريق يشتّت الصّفّ ويُذيب الحقّ ويُجمّل الباطل، ويعتدي على الحرمات ويدنّس المقدّسات ويستعبد الإنسان ويجعل السهم ينحرف عن هدفه، وتجيء الجمرات في هذا المشهد خريطة مصغّرة لمعركة الوعي والفكر؛ حجرٌ صغير يعلن أنّ القوّة حين ترتبط بالحق تكبر قيمتها، وأنّ اليد حين تستقيم على مقصدها تكون مسدّدة الهدف موجعة للمستهدَف، وأنّ الهزيمة تبتدئ يوم يضيع العدوّ في ضبابٍ كثيفٍ من التشويش والتّبديل فتضيع معه دلالة الرّمي ومعنى الاجتماع.

ثم تأمّل هذا الحصى في الكفّ؛ قطعةٌ من الأرض لا يُأبَه لها في الأرض؛ غير أنّها تتحوّل في يد الحاجّ إلى بيانٍ كاملٍ يوقظ البصيرة بوضوح أنواره ويحرّر القلب من سلطان الرموز الباطلة ببلاغة صراحته، وانظر إليها كيف تستحيلُ في لحظة الرمي سهما مقصودا فتتعلّم اليد أن المعاني الكبرى قد تُبنى بأداةٍ صغيرة حين يثبت الاتجاه وتصفو النيّة ويستقيم المقصد. ثم تغادر الحصاة الكفّ في قوسٍ واحد نحو جمرةٍ واحدة، فيتجسّد أمام العين أن قيمة الفعل في وضوح الهدف وحسن التوجيه، وأن اجتماع الحصيّات على نقطةٍ واحدة يدرّب القلب والعقلَ على اجتماع العزائم على عدوٍّ واحد، وأنّ تكرار الرمي يربّي الإرادة على قطع علائق الهوى وتهذيب نزعة التفرّق والمداومة على جبهة مواجهة العدوّ الواضح، فيغدو رمي الجمار درسا عمليا في توحيد الوجهة ومراجعة النفس كلما مالت إلى رمزٍ زائف أو معركةٍ جانبية مع غير العدوّ الحقيقيّ.

تكرار الرمي يربّي الإرادة على قطع علائق الهوى وتهذيب نزعة التفرّق والمداومة على جبهة مواجهة العدوّ الواضح، فيغدو رمي الجمار درسا عمليا في توحيد الوجهة ومراجعة النفس كلما مالت إلى رمزٍ زائف أو معركةٍ جانبية مع غير العدوّ الحقيقيّ


ويجيء التّكبير مع كلّ حصاةٍ كأنّه توقيع الغيب على حركة اليد؛ فتخرج "الله أكبر" من أفواهٍ تجرّدت في منى فتملأ الفضاء جلالا وتردّ القلب إلى مقامه الأول؛ عندها يحس الحاجّ ومن يتابع الحاجّ والحجّ أن كل عظمةٍ دون عظمة الله تعالى تذوب في هذا النداء، وأنّ اليد حين تقذف الحصاة تقذف معها هوى يتخفّى في النفس، وأنّ هذا التّكبير إعلان مواجهةٍ صريح شعاره وهدفه وغايته "الله أكبر طاعة للرحمن وإرغاما للشيطان"، فتثبت اليد في جبهتها ويستقيم الفكر على وجهته ويستقر القلب على عهدٍ المواجهة، وتغدو الجمرات درسا مقيما في أن التّحرر يبدأ من الدّاخل يوم ينتصر هذا النداء على نوازع الهوى.

وهنا تبدأ رسالة رمي الجمار لغير الحاجّ من أبناء المسلمين؛ رسالةٌ تتجاوز حدود مِنى وتطرق أبواب المدن والأسواق والبيوت، وتلفت أنظار العقول إلى أن توحيد الجهد على عدو واحد يلدُ الفاعليّة، وأنّ تشعّب ساحات الصّراع في الدّاخل يهدرُ الأعمار في المناوشات ويترك جوهر المعركة في مأمن، وأنّ اليد حين تتعدد أهدافها تتكسّر قوّتها. ثم يرسم رمي الجمار خطر الانقلاب في الوظيفة حين تتحول اليد التي خُلقت لتقذف حصاها في وجه العدو إلى يدٍ تصافحه وتبارك الطّريق نفسه الذي جاءت الحصيّات لتقطعه، وحين تنحرف اليد التي جاءت لتّتجه إلى عدوٍّ واحد فتقذف أخاها بحصى الاتّهام والتّخوين، وتنسج حول العدوّ حزاما من الأعذار وتفتح له طريقا في الوعي الجمعيّ يغيّر صفته من عدوٍّ إلى صديقٍ أو حليف، عندها ينقلب الرّمي إلى معنى مقلوب، وتصير الحصى أداةَ تمزيقٍ بعد أن كانت تربيةَ توحيد الفكرة وتوحيد الوجهة وتوحيد الأيدي الرّامية، ويصير الموقف دفاعا عن العدو بشعاراتٍ برّاقة، وينقلبُ الأخ عدوا إذ تضطرب المعايير وتنحرف البوصلة عن يدها الأولى.

أشدُّ رسالةٍ في رمي الجمار هي ضرورة أن يكون معك على الدوام ميزانٌ تفحص به عقلك وتتفقّد به فكرك قبل حصاتك؛ تتفقّد عقلك هل ما يزال يوحد الاتّجاه إلى العدو أم بدأ يغيّر الوجهة، وتتأمّل كيف تتسلّل صناعة التبرير فتبدّل المعايير وتستدرج المعارك الجانبية حتى تغدو خدمة للعدو الحقيقي؛ لأنها تستهلك طاقة الصّف وتفتح له أبوابا من الدّاخل، ثم تتفقّد يدك هل ما تزال مرفوعة في المواجهة أم كلّت وتعبت، أم غيّرت الوجهة، أم صافحت العدو، أم طعنت أخاها لأجل العدو، وعند هذا الفحص يستقيم معنى الجمرات درسا دائما في حراسة البوصلة وحراسة اليد وحراسة الصف وحراسة سلاحك.

x.com/muhammadkhm

الأربعاء، 15 أبريل 2026

في مواجهة وعّاظ الغلاء ودعاة ضيم الأسعار

في مواجهة وعّاظ الغلاء ودعاة ضيم الأسعار

"الذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين"


 في كتابه "الإسلام المفترى عليه" يقول الشّيخ محمّد الغزالي رحمه الله تعالى: 

"إنّ كلّ دعوة تحبّب الفقر إلى النّاس أو تُرَضِّيهم بالدّون أو تقنعهم بالهوان في الحياة أو تصبّرهم على قبول البخس والرّضا بالدنيّة؛ فهي دعوةٌ فاجرة يراد بها التّمكين للظّلم الاجتماعي وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فردٍ أو أفراد وهي قبل ذلك كذب على الإسلام وافتراء على الله. وأيّ تجاهلٍ لأحوال الأمم المحرومة من العدالة الاجتماعيّة، أو تهوينٌ لآثار الضّيم النّازل بها، أو تسكينٌ للثّوائر المهتاجة فيها؛ فهو دليلٌ على أحد أمرين: خبالٌ في العقل، أو نفاقٌ في القلب؛ وكلا الأمرين له منزلته الحقيرة من دين الله تعالى، ومن دنيا النّاس فلا يُلتَفَت إليه".


إنّ هذه الكلمات البديعة تضع قاعدة حاكمة، وهي أنّ الزهد مقامٌ تربويّ جليل حين يقيم الإنسان على القناعة والإتقان والحرية من عبودية المتاع، ويُثمر في صاحبه شجاعة في طلب الحق وصلابة في مواجهة الفساد ونزاهة في الكسب وحسّا بالمسؤولية تجاه المظلومين، أمّا تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان.

تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان


وكذلك تجد بعض الدّعاة يستشهد بقصة مروية عن عمر رضي الله عنه وهي: "جاء الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا: غلا اللّحم فسعّره لنا؛ فقال: أرخصوه أنتم فقالوا: نحن نشتكي غلاء السّعر واللّحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة، فتقول: أرخصوه أنتم؟ فقال: اتركوه لهم".

وهذه القصّة مكذوبةٌ على أمير المؤمنين عمر، فلم يرد في أيّ كتابٍ من كتب التّاريخ أنّها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، وقد ورد قريب منها في تاريخ دمشق لابن عساكر والبداية والنّهاية لابن كثير منسوبا إلى إبراهيم بن أدهم إذ قيل له: إن اللّحم قد غلا فقال: أرخصوه؛ أي لا تشتروه.

ومن يعرف سياسة عمر رضي الله عنه يعلم جيّدا أنّه حين ترتفع الأسعار الفاحشة فإنّه لا يمكن أن يترك الحبل على غاربه لجشع الجشعين دون من محاسبة من يكون سببا في كارثة اقتصاديّةٍ، وكذلك حين تكون الجائحة الاقتصاديّة كبيرة فإنّ أمير المؤمنين عمر يكون أوّل من يجوع وآخر من يشبع، ويعاني وهو في سدّة الحكم قبل أن يعاني أشدّ النّاس فقرا في رعيته. فلا تكذبوا على عمر رضي الله عنه كي تبرّروا هذا الخراب الذي يفتك بهذا الشّعب المسكين؛ فقد أخرج أحمد بن حنبل في الزهد وابن سعد في الطبقات الكبرى والبيهقي في السنن عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "أصاب النّاس سنة غلا فيها السّمن وكان عمر يأكل الزّيت فيقرقر بطنه فيقول: قرقر ما شئت فوالله لا تأكل السّمن حتى يأكله الناس".

وهذا الأثر يقدّم مفتاحا في فقه الحكم قبل أن يقدّم لنا حكاية زهد، إذ يضع العدالة في مركز السياسة، ويجعل "المعاش" عنوان أمانةٍ لا تفصيلا إداريا عابرا؛ فالحاكم هنا يجعل نفسه أولَ من يلتزم بضبط الاستهلاك وآخرَ من يمدّ يده إلى الرفاه، فتتحوّل القدوة من شعارٍ يقال إلى ميزانٍ يضبط سلوك السلطة. وفي هذا المعنى تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها.

تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها


وبعض الدّعاة يستشهد بما يروى عن أحد السّلف حين شكا له الناس غلاء الأسعار فقال: أرخصوها بالاستغفار، وهذا الأثر لو صحّ فهو يعني مطالبة النّاس بالتوبة ومن شروط التّوبة الإقلاع عن الذّنب، والذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين، وهذا الاستغفار يقتضي ضمنا توجيه المسؤوليّة إلى المتسبّب في كلّ هذا، لا ترديد عبارة "أستغفر الله العظيم" باللّسان من دون فقه مضامينها التي تقتضي التوبة إلى الله تعالى من ذنب تحكيم المجرمين برقاب العباد ومصائرهم.

فكلّ داعيةٍ أو واعظٍ يرفع عقيرته في الحديث عن استفحال الأسعار وفحش الغلاء وآثار التضخم وتهاوي العملة، مقتصرا على مطالبة النّاس بالصّبر والاحتمال ومحببا الزهد إلى نفوسهم ومطالبا إياهم بالتقشف، مغفلا الحديث عن أسباب هذه الانتكاسات وصامتا عن تحميل الطّبقة السياسيّة الفاسدة التي تتقلّب في الترف مسؤولية احتراق النّاس بنيران الغلاء؛ فهو يكذب على الله تعالى ويفتري على دين الإسلام وهو جنديّ من جنود الباطل والاستبداد درى أو لم يدرِ؛ فلا تصدّقّوه ولا تقيموا لكلامه وزنا ولا قيمة.


x.com/muhammadkhm