السبت، 14 مارس 2026

لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

 

لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟
    إحسان الفقيه
               

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»، قالها الحارث بن عباد لبني شيبان عندما طلبوا منه الانضمام إلى صفوفهم في حربهم مع التغلبيين فيما عُرف بحرب البسوس، فصارت مثلًا سائرا بين العرب لمن ينأى عن إقحام نفسه في نزاع لا مصلحة له في خوضه.

وما لدول الخليج من ناقة ولا جمل في الصراع الدائر بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، وليس لها مصلحة في التخندق مع أحد الطرفين ضد الآخر، ومع ذلك تصطلي أرضها بالصواريخ الإيرانية التي تستهدفها بدعوى ضرب الأهداف الأمريكية في دول الخليج.

قبل اندلاع الحرب اتجهت دول الخليج لإعادة صياغة العلاقات مع إيران بشكل إيجابي، وإقامة علاقات هادئة مبنية على تبادل المصالح وحسن الجوار، لكن ما إن تفجر الصراع حتى بادرت إيران إلى توجيه صواريخها صوب دول الخليج التي لم تنطلق طائرة واحدة من القواعد الأمريكية الموجودة على أرضها.

وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني أعرب عن اعتذاره لدول الخليج، إلا أن الهجمات الصاروخية لا تزال تُشن إلى زمن كتابة هذه السطور.

الاستهداف الإيراني لدول الخليج على خلفية الحرب غير مبرر، فهي ليست وحدها من تضم أراضيها قواعد أمريكية، فوفقا لتقرير صدر عن خدمة أبحاث الكونغرس في يوليو/تموز 2024، فإن الجيش الأمريكي يستخدم ما يزيد على 128 منشأة عسكرية في 51 دولة، وكثير منها يقع في المدى الصاروخي الإيراني، فلماذا تصر إيران على استهداف دول الخليج بشكل أساسي؟

الذي يظهر أن إيران تسعى إلى تحقيق أكثر من هدف باستهدافها دول الخليج:

الأول: هو إحداث اضطراب في أسواق الطاقة العالمية والتي تمثل دول الخليج أحد أهم روافد الطاقة التي تصل لمختلف دول العالم، وذلك بهدف دفع دول العالم للضغط على أمريكا وإسرائيل في إيقاف الحرب.

الثاني: محاولة إجبار دول الخليج على التخندق مع إيران في الصراع الدائم على طريقة «من لم يكن معنا فهو ضدنا» والتي أرساها جورج بوش الابن قبيل غزو العراق.

ثالثا: ضرب اقتصاد دول الخليج والتي تربطها علاقات إيجابية بالولايات المتحدة.

على الجانب المقابل، تسعى إسرائيل وأمريكا إلى دفع دول الخليج لتكون طرفا مباشرًا في الصراع، حتى تتحمل هذه الدول كلفة الحرب مع إيران، وتصبح حربًا إقليمية واسعة تتورط فيها دول الخليج.

يراد لدول الخليج الانخراط في حرب ضد إيران تضعف موارد البلدين، وتنشّط في الوقت ذاته سوق السلاح الغربي والذي حتما سيدفع دول الخليج إلى طرق أبوابه لتغطية متطلبات الحرب، والأهم من ذلك هدم الأسس التي شكلت النهضة الخليجية، وهي الاندماج في الاقتصاد العالمي والاستقرار الاقتصادي، ما جعلها مراكز عالمية للتجارة والمال والاستثمار.

دول الخليج حتى هذه اللحظة تدير الأزمة باقتدار، وتلتزم ضبط النفس والدفاع عن أراضيها ضد الصواريخ الإيرانية وهو حقها المشروع قطعًا، وتعزيز السبل الدبلوماسية لإنهاء الحرب، فهي تعلم يقينا أنه يراد لها الانخراط في الحرب لتكون إحدى أدوات تغيير خارطة الشرق الأوسط التي يعمل عليها نتنياهو وحلفاؤه، والتي تكون فيها الهيمنة المطلقة في المنطقة لدولة الاحتلال، تمهيدًا لترجمة حلم دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، والذي لم يعد حديثًا مقصورًا على التجمعات الدينية، بل صار الساسة يصرحون به على الرغم من أنه بمثابة إعلان حرب على الدول العربية.

ضبط النفس ليس ضعفًا، بل هو فهم لقواعد اللعبة، وصبر إستراتيجي يحفظ لدول الخليج قدرتها على التأثير في بيئتها الإقليمية، وتجنُّب الانصياع لما تفرضه أطراف أخرى من مسار الصراع.

المخاوف تزداد حول احتمال طول أمد الحرب، والذي حتما سيزيد من الضغوط على دول الخليج التي تلتزم ضبط النفس، فلا يُدرى إلى أي مدى ستصمد هذه السياسة، فنرجو ألا تصل الأمور إلى ما وصل إليه الحارث بن عباد، والذي أنشد بعد قتل التغلبيين ولده رغم اعتزال الحرب:

قَد تَجَنَّبتُ وائِلاً كَي يُفيقوا

فَأَبَت تَغلِبٌ عَلَيَّ اِعتِزالي

مقالات ذات صلة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق