‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الدكتور محمد محسوب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الدكتور محمد محسوب. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2015

النيل ماجاشي..خيانة العصر

النيل ماجاشي..خيانة العصر

د.محمد محسوب

المياه بقيمة الدم، وأحياناً - كما في مصر - أغلى من الدم؛ لأنها مصدر وجودها. وعندما أهدر السيسي دماء مواطنيه أدركت دول الجوار أن تفريطه في المياه أيسر.


لا يمكن أن تخفي لغة النفاق والعجز التي تليق بالمرحلة حجم كارثة ضربت بلداً هو أعرق من التاريخ ذاته.

فالاستخفاف بحجم الكارثة خيانة، فمصر ستحتاج ابتداءً من سنة 2017 إلى 86.2 مليار متر مكعب من المياه، ومن ثمّ لم تعد حصتنا الحالية التي جرى المساس بها فعلاً تكفي، فهي لا تتجاوز 55.5 مليار متر مكعب، وفي ظل هذه الحصة تبقى مصر في إطار خطّ الفقر المائي الذي يتحدد على أساس 1000 متر مكعب سنوياً للفرد، بينما يبلغ نصيب المصري حالياً 860 متراً مكعباً.


إن تراجع حصة مصر لأي مدى زمني عن هذا المستوى هو تهديد لمصر في وجودها، كما أن تخويل الغير حق التحكم في مقدار ما يتدفق من مياه لمجرى النيل ليس إلا تسليماً لمصر على المفتاح لمن يشاء التحكم في حياتها وفي قرارها.


لم يكن توقيع السيسي على وثيقة سد النهضة سوى تسليمٍ لمصر وتدميرٍ لكل أساس قانوني يضمن حقها، ويكفل لها استخدام كل وسائل الدفاع عن النفس لمنع المساس بحصتها في النيل.


بل ولم تكن لإثيوبيا هذه الجُرأة على تحويل مياه النيل ليمر عبر السد دون هذه الوثيقة، فكل الأعمال التحضيرية والدراسات وطرح المناقصات وإقامة إنشاءات لا قيمة لها طالما لم يمس مجرى النيل؛ فما يمنعه القانون الدولي - كما سنرى - هو تغيير مسار المياه والتحكم في تدفقها إضراراً بدول تقع على حوضه.


وإذا ألقينا نظرة على وضعنا القانوني الراسخ قبل توقيع السيسي وثيقة سد النهضة فسنكتشف أن ما يحكم مياه النيل ليست فقط اتفاقات بين دول حوض النيل، خصوصاً اتفاقية 1929 و1959، وإنما معاهدات دولية متعاقبة منها، على سبيل المثال، اتفاقية روما لسنة 1891 بين بريطانيا التي كانت تحتل مصر، وإيطاليا التي كانت تحتل إريتريا والحبشة؛ ثم اتفاقية أديس أبابا لسنة 1902 بين بريطانيا وإثيوبيا، واتفاقية لندن لسنة 1906 بين كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ثم اتفاقية روما لسنة 1925.


ومحور تلك الاتفاقات دون استثناء هو عدم المساس بحصة مصر التاريخية والقانونية في النيل، وامتناع كل الدول عن القيام بأي مشروعات على حوض النهر إذا كان من شأنها أن تؤدي للخلل في مياه النيل التي تصل لمصر أو الإنقاص من كميتها، أخذاً في الاعتبار أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تعتمد اعتماداً كاملاً في وجودها ومعاشها على النيل، ومن ثم فإن مفهوم الأمن المائي لمصر لا يتحقق إلا بالتزام الجميع بالامتناع عن أي إجراءات أحادية تتعلق بحوض النيل دون موافقة مصر.


ثم جاءت اتفاقية 1929 لتتناغم مع ذلك التراث التشريعي الدولي، فقررت حق مصر التاريخي والطبيعي في مياه النيل بالمقادير التي تصلها في المواعيد الطبيعية لها وعدم جواز إقامة أية مشروعات أو أعمال ري أو كهرومائية أو غير ذلك على النيل أو فروعه أو على البحيرات التي ينبع منها سواء في السودان أو في البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية، والتي من شأنها إنقاص مقدار المياه التي تصل مصر أو تعدل من تاريخ وصولها أو تخفض منسوبه.

وأخيراً جاءت اتفاقية 1959 لتحدد مقدار تلك الحصة بمقدار 55.5 مليار متر مكعب، مكملة نصوص اتفاقية 1929 وما سابقها وليست لاغية لها.


والأهم من كل ما تقدم أن القانون الدولي جعل اتفاقيات تنظيم إدارة الأنهار بمكانة اتفاقيات الحدود، ويساوي في القيمة بين حقوق الدول الناتجة عن تلك الاتفاقات وحقوقها السيادية على أراضيها.


وعلى هذا الأساس قضت محكمة العدل الدولية سنة 1999 بأن اتفاقات المياه شأنها شأن اتفاقات الحدود لا يجوز تعديلها، لأنه يفتح الباب لنزاعات مسلحة لا تنتهي.


وفي محاولة للالتفاف على هذا الأساس القانوني طرح بعض الأكاديميين الإثيوبيين تصوراً لإعادة اقتسام مياه النيل وفقاً للحاجة لا وفقاً للحقوق التاريخية، زاعماً أن الحاجة لا تعني فقط الحاجة الحالية وإنما الحاجة المتطورة بتطور الزيادة السكانية والتمدد العمراني، كما لا تعني الحاجة للمياه كمادة وإنما أيضاً كوسيلة لتوليد الطاقة.


وبالطبع فإن تلك الآراء مردود عليها بأن الاتفاقات الدولية، بما فيها تلك التي أبرمت إبان الاحتلال هي ملزمة لأطرافها، استناداً لقاعدة توارث الالتزامات والمعاهدات الدولية، وأن غير ذلك يعني انهيار معاهدات ترسيم الحدود وليس تقسيم المياه فقط، ومن ثمّ فتح الباب واسعاً لحروب لا نهاية لها.

كما أن إعادة تقسيم مياه النيل على أساس الحاجة ربما لن يغير الوضع أبداً، على أساس أن الحاجة المصرية لمياه النيل مصيرية ولا يمكن مقارنتها بغيرها من دول حوض النيل.

أما حجة إعادة تعريف الحاجة لتشمل استخدامات المياه كوسيلة لتوليد الطاقة فإنها لن تصمد فيما لو تصادمت مع الاستخدام الأصيل للمياه في الري والشرب والمعاش.


أما بشأن "الاتفاقية الإطارية الشاملة" CFA التي تم توقيعها سنة 2010 من بعض دول المنبع؛ فأهم ما اشتملت عليه هو تغيير مفهوم الأمن المائي، ليصبح مجرد تعهد (وليس التزاماً) على عاتق على دول المنبع في السعي لضمانه، دون التزام بالامتناع أو حتى الاتفاق المسبق بشأن أية مشروعات ترغب أي دولة من دول المنبع في إقامتها على حوض النيل، ودون أي التزام بأن لا تؤثر مثل تلك المشروعات سلباً على الاستخدامات الحالية وحقوق دولتي المصب.


وظلت الاتفاقية الإطارية بغير قيمة قانونية حقيقية؛ لأن مصر ليست طرفاً فيها ولا يمكن فرضها على مصر خلافاً لأحكام القانون الدولي، بينما انحصر أثرها في محاولة تشكيل تحالف مائي - إن صح التعبير - ضد مصالح مصر المائية، وهو ما كان يحتاج جهداً دبلوماسياً واقتصادياً لمواجهته، مع استبعاد تحوّله رغم إرادة مصر لعمل على الأرض، لأنه سيكون اعتداءً بمنطق القانون الدولي يُبرر استعمال كل وسائل القوة لمواجهته.


أما بعد توقيع السيسي على وثيقة سد النهضة فإن الوضع القانوني تغيّر جذرياً - فيما لو سلمنا بشرعية توقيعه - فقد نقل أي إجراءات تتبناها إثيوبيا من شأنها التأثير على حصة مصر من خانة العمل العدائي الذي يجرمه القانون الدولي إلى خانة اجتهادات في تفسير الوثيقة، وحتى لو ثبت مخالفة إثيوبيا فإن الجزاء لا يتجاوز التزامها بالتعويض وليس بإزالة المنشأة أو بالتراجع عن مشروعها وفقاً لنصوص الوثيقة ذاتها.


ومن ثمّ يُصبح أي إجراء دفاعي لمصر في خانة الاعتداء، بينما أي إجراء تقوم به إثيوبيا في خانة الحق أو الخطأ في تفسير نص تعاقدي بين دولتين!


نحن في كارثة لا حل لها سوى التمسك بعدم شرعية مَنْ وقع الوثيقة، وهو غير كافٍ بذاته للخروج من المأزق، وإنما يجب أن يتبع رحيله انعقاد برلمان شرعي وطني لرفضها على أساس قانوني واضح، وهو مخالفتها المادة 151 من الدستور المصري التي تحظر إبرام أي اتفاقات تمسّ حقوق السيادة، ومخالفتها للقانون الدولي كما أشار قضاء محكمة العدل الدولية سنة 1999 الذي أشرت إليه.


أتذكر كلمات أمير الشعراء:

النيل نجاشي .. حلاوة أسمر .. عجب للونه دهب ومرمر .. أرغوله في إيده .. يسبح لسيده .. حياة بلدنا .. يا رب ديمه..


وأحسب أنه - رحمه الله - لو كان بيننا لبكى حُرقة.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

انتفاضة 18 و19 اكتوبر

انتفاضة 18 و19 اكتوبر

د.محمد محسوب  
أستاذ بكلية الحقوق ومحامي

ليست كل الانتفاضات تظاهرات في الميادين.. فالشعوب يمكنها أن تُسقط الظلم ولو بالامتناع.. عندما يكون الامتناع أقسى من الفعل..

كانت الرسالة واضحة من شعب لا يرغب في استمرار سلطة أهم ما تُوصف به أنها قمعية وفاشلة.. وأنه يبحث عن التغيير..
ومن الطبيعي تماماً أن من حاول ترتيب رسالة غير صادقة في 3 يوليو 2011 أن يحاول اليوم تشويه رسالة حقيقية في 18 و19 أكتوبر 2015، وأن يغافل الناس عن معناها الواضح ودلالتها التي لا تحتمل تأويلاً.

لكن العقل يقف حائرا أمام أولئك الذين ينتمون لتيار التغيير ويشككون في قدرة شعبهم، فيدّعون أنه شعب خامل لا يرغب في تغيير ولا يمتلك ملكات الانتفاض، وأن ما حدث سابقاً كان بتهيئة من نفس جماعة السلطة الفاسدة التي كانت تقبض على السلطة أيام مبارك وهي تقبض عليها اليوم بالحديد والنار؛ فهم يتبنون نفس رؤية المستبد.

إنه الكفرانُ بالشعب والتشكيك بملكاته.. وعندما تكون أمام شعب بأصالة الشعب المصري فإنك تقع في خطأ مبين عندما تستخف به.. ونحن كنا ومازلنا نتهم أنظمة الحكم الهلامية التي تُدير الدولة المصرية منذ ثلاثة عقود وأكثر بأنها تستخف بالشعب وتتعالى عليه؛ ثم لا يفتأُ بعض أنصار التغيير أن يقع في نفس الداء ويرتكب ذات الحماقة.

الشعب المصري في لحظة جنّد ملكاته للتخلص من الاستعمار البريطاني، فامتلك الموهبة والإرادة بأن يبني اقتصاداً مصرياً موازياً لاقتصاد الاحتلال رغم عسف الأنظمة القانونية والتضييق على المصريين بأساليب تجارية وإدارية أو بإغراءات للتخلي عن التمصير والتسليم بشكل كامل لتبعية اقتصادية مهينة. لكن تلفت حولك الآن، فما بقي من صروح اقتصادية لم يدمرها حكم الجهّال الذين خصخصوا أصول الدولة بأبخس الأثمان، مازالت تُشير إلى جهود أجدادك القريبين في بناء اقتصاد ثابت وقلاع ملهمة في مواجهة احتلال غاشم يبتلع الخيرات ويقتل العزائم. ولم تكن المقاومة فقط اقتصادية، فتضحيات المصريين في الصعيد والدلتا والقناة وفي القاهرة لا تُسعف أي مشكك في قدرات هذا الشعب.

لكن الشعوب ليس عليها الإدارة وإنما عليها الانتفاض، أما سرقة جهودها وركوب ثوراتها فليس عيبا فيها وإنما عيبٌ في نخبها السياسية وأنصار التغيير، لأنهم، في مصر، غالباً ما كانوا يُسلمون للطغاة بقيادة مسار الإصلاح وهو ما لم يؤدِّ إلا إلى تدمير لمقدرات البلاد وتبديد لما جمعه بنضاله من عناصر قوة ونهوض.

واليوم تأتي لحظة جديدة، ربما بدأت في يناير 2011 لكنها تصل لذروتها اليوم؛ ففي يناير لا ينسى من شارك في أحداثه العظيمة أن كثيرا من شعبنا كان مترددا في الالتحاق بركب التغيير والانتفاض على الظلم، قلقا من المستقبل ومتوجسا أن موازين القوى لم تمل بعد لصالح حراك التغيير. لكن الأحداث التي جرت أمام بصر الشعب وسمعه منذ ذلك الحين، من محاولات المصلحين من أبنائه لفتح أفق المستقبل رغم انقسامهم، ومن استغلال أنصار الاستبداد الظلاميين انقسام أنصار الإصلاح وسذاجتهم للانقلاب على ما حققته ثورة يناير؛ ومن وعود وردية من الانقلابيين جعلت البعض يُلامس السماء انتظارا لتحول تاريخي لمصر، ثم انكشاف تلك الوعود عن فشل ذريع وخيبة مريعة وضعف في الملكات لا تُخطئه عين وفساد ينخر في كل ركن.

كل ذلك أعاد المصريين إلى مربع واحد يُجمعون فيه على رفض السلطة القائمة التي هي استمرار لنهج فاسد ساد في عهد مبارك، وينتظرون من أبنائهم الذين علموهم وأنفقوا عليهم من مالهم القليل ليروا الدنيا وليتعلموا كيف تُقاد الشعوب إلى الرفاه والعدالة، أن يجتمعوا ليبنوا بديلاً قادراً على إسقاط القمع والفساد وصالحاً للحياة والسير إلى تحقيق مطالب الناس.

لقد عبر المصريون عن رفضهم لهذه السلطة بكل سياستها القمعية والاقتصادية، والتي ليست في حقيقتها سياسات وإنما مغامرات تبدد الحاضر وتحرق المستقبل. فلم تحدث في مصر انتخابات كتلك التي جرت امتنع فيها المصريون بوضوح عن الذهاب لمقار الانتخاب لأنهم أدركوا أنها أشبه ببيت طاعة يَستدعي فيه الطاغية أبناء الشعب ليُسلموا بهيمنته وانفراده وحريته في أن يتلاعب بأرواح الناس وحقوقهم.

والخطوة التالية تقع على عاتق أنصار التغيير من مثقفين وفنانين وسياسيين واقتصاديين وشخصيات عامة ورموز عمل مدني، فعليهم، كما اجتمع شعبهم على قرارٍ واحد وفعل واحد في وقتٍ واحد، أن يجتمعوا لتحقيق مطالبه دون فلسفة ودون التفتيش في النوايا ودون البحث عن أخطاء كل طرف في الماضي ودون رفع شعارات لا يتوافق عليها الشعب. فلو دققنا بنظرنا في كل ما نختلف فيه، سنجد أن علاجه هو الحرية لأنها تؤدي لآلية تُدير الاختلاف وتحوله إلى وسيلة للتنافس الإيجابي الذي يُفيد الشعوب وينهض بالأمم؛ أما تفجير الخلافات الفكرية والأيديولوجية اليوم فلا يؤدي إلا إلى مزيد من الشقاق ومزيد من تشقق صف أنصار التغيير، ومن ثمّ يظل الطغاة محمولين على غباء المصلحين وانقسامهم.

لا أغالي إذا قلتُ إن إثارة الخلاف اليوم هو خيانة لدماء الشهداء ولآمال الشعب المعقودة على هذا الجيل ليُغير حاضره ويبني مستقبله، ذلك رغم كرهي لكلمة خيانة. فتلبية دعوة الشعب التي أطلقاها في 18 و19 أكتوبر 2015 واجب على كل من ينادي بالانتصار للحقوق والحريات بإقصاء من يعمل لإعادة الاستبداد وترميم شبكة الفساد والإفلات من المحاسبة عن الأرواح التي أُزهقت من أبناء الشعب مدنيين كانوا أو عسكريين، وأموال الشعب التي جرى تبديدها في مجازفات غير محسوبة وصفقات تبتغي شراء شرعية للمستبدين لا لإطعام شعبنا واستكمال عناصر قوته.

لا أدري لما أذكر الآن شعر الفيتوري رحمه الله:
إن يكن سخَّرنا جلادنا.. فبنينا لأمانينا سجونا
ورفعناه على أعناقنا.. ولثمنا قدميه خاشعينا
وملأنا كأسه من دمنا.. فتساقانا جراحاً وأنينا
وجعلنا حجر القصر رؤوساً.. ونقشناه جفونا وعيونا
فلقد ثُرنا على أنفسنا.. ومحونا وصمة الذلة فينا
الملايين أفاقت من كراها.. ما تراها ملأ الأفق صداها
خرجت تبحث عن تاريخها.. بعد أن تاهت على الأرض وتاها

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

"د.محسوب": هناك أحداث جسام خلال أشهر ستغير كل شئ!


"د.محسوب": هناك أحداث جسام خلال أشهر ستغير كل شئ!

أعيد نشر هذا المقال الذي اقتطعت منه بعض الصحف عبارات بعنوان لا يطابق مضمونه وهو"محسوب: هناك أحداث جسام خلال أشهر ستغير كل شئ"..ولم أكن لأهتم بما تنشره الصحف وما لا تنشره سوى أن بعض من أقدرهم علقوا على العنوان الصحفي دون أن يطالعوا النص الأصلي.. ..
فالمقال يتناول باختصار تطورات التحالفات الدولية لمحاصرة المنطقة منذا 1840 ومحاولة شعوبها الانعتاق من دائرة التهميش والإفقار والاستبداد..
مصر وتركيا وتحالفات 1840 و1914 و2014:
كان يمكن للتمدد المصري عبر الشام وصولا إلى أبواب الإستانة أن يكون إعادة إحياء لنهضة الشرق وإعادة توازن لعلاقات القوى الدولية التي كانت مائلة بالفعل لصالح القوى الغربية عبر إصلاح كيان الدولة العثمانية..
غير إن محمد على في نقاش حاد بينه وبين ابنه القائد العظيم إبرهيم باشا ، في ليلة من ليالي شتاء 1838 ، قال صراحة إنه متمسك بالوضع التقليدي الذي ورثته المنطقة ولا يميل لإجراء أي تغيير.. وأن طرقه على أبواب الإستانة لا تهدف سوى الضغط على السلطان لمنحه وأولاده مزيدا من الحقوق والميزات على مصر والشام..
كان ابنه القائد الشاب يرنو إلى إعادة تجديد دماء الخلافة وبناء المنطقة على أسس أكثر معاصرة بغرض وقف الزحف الغربي على أطراف، بل وقلب الشرق.. لكن الباشا العجوز لم يكن يحلم بأكثر من تأمين مستقبل أبنائه كما تصوّر في حكم بعض ولايات السلطنة..
ارتبكت حركة الجيوش المصرية المقاتلة على جبهة الأناضول بسبب عدم وضوح الرؤية.. فاستغل الغرب اللحظة لإنشاء تحالف عسكري واسع تمكن سريعا من السيطرة على خطوط الإمدادات البحرية ومحاصرة الشواطئ المصرية والسورية.. 
ومن ثم بدأ في فرض شروطه التي تراوحت بين العسكري والاقتصادي.. فمن ناحية فًرض على الدولة المصرية خصخصة منشآتها التجارية والصناعية وعدم زيادة الرسوم الجمركية على الواردات الأوربية بما يزيد على 12% ومن ناحية أخرى تقييد قدرة الجيش المصري بتحديد أعداده وتقييد منح الرتب وحظر بناء السفن المدرعة وتصنيع المدافع الثقيلة..
استسلم محمد على لشروط التحالف الدولي مقابل احتفاظه بحكم مصر والسودان دون أن يدري أن مصر ستُفصل عن السودان أيضا بعد قرن من الزمان..
وكان نتيجة قبول محمد على لشروط التحالف إنهيار منظومة الاستقلال الوطني من اقتصاد وجيش وصناعات مدنية وحربية.. وأُسند لمصر دور خدمي في النظام العالمي ، فأصبح اقتصادها يدور حول زراعة وتصدير القطن ؛ ثم أُضيفت القناة إلى مجمل المنظومة الخدمية للبلاد لتصبح معبرا بريا وبحريا للبضائع والتجار والجيوش..
ولا يزال النظام الدولي بقيادته الأمريكية يعمل بجد للاحتفاظ بمصر ضمن تلك الوظيفة..
أما تركيا، فإنها صاحبة أثقل ظل في التاريخ الأوربي الوسيط والحديث.. فجيوشها التي أطلت على معظم مدن أوربا عدة قرون لاتزال تُزعج بخيالاتها جفون الأوربيين رغم تراجعها منذ نهاية القرن السابع عشر حتى استقرت حول استانبول في الحرب العالمية الأولى لتخوض حرب دفاع عن الوجود في مواجهة تحالف دولي تشكل سنة 1914 بدل حروب الفتوح الأولى.. ولأن الجيوش الغربية لا تنسى أبدا التاريخ فإن تفتيت الميراث العثماني كان هدفا عسكريا للحرب ، والتي انتهت فعلا بتقسيم مهين للمنطقة لم تنقضِ توابعه إلى اليوم..
واليوم يبدو أن الغرب اكتشف أن عملية التقسيم لم تكن كافية ، وأن مزيدا من التفتيت ربما يقيه احتمال استعادة أي من دول ومكونات المنطقة لعافيتها مرة أخرى.. وكان منع نجاح الديموقراطيات بالمنطقة هو جزء من تغييب الشعوب للاستفراد بحكومات ضعيفة لا تملك شرعية حقيقة وتصبح طوع بنان القوى الغربية فتسارع بتنفيذ ما يُطلب منها (كإقامة مناطق عازلة بين شعوبها).. 
وهكذا أصبحت تلك الحكومات ذاتها هي أدواتها في عملية التقسيم الجديدة، بل سارع بعضها للانضمام إلى تحالف 2014 بقيادة الولايات المتحدة بغرض إعادة ترسيم المنطقة..
لكن يبدو أن تركيا عادت مرة أخرى لتصبح رقما صعبا في المنطقة بفضل تكريسها للنظام الديموقراطي، فلم تعد طيّعة كما كان حالها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ، فأصبحت لها رؤى مستقلة وسياسات تستهدف تحقيق مصالحها وإن تعارضت مع مصالح غيرها من القوى المهيمنة على النظام الدولي.. باختصار عادت تركيا صداعا في رأس النظام الدولي.. وهو ما زاد قلق القوى الغربية من انتشار الحريات والديموقراطيات في المنطقة.. وزاد عزمها على محاصرتها كمرض عُضال يهدد هيمنتها على النظام العالمي..
تدعم موقف تركيا كثيرا بانتصار الثورة المصرية بعد أن تغيرت المعادلة وأصبح خطّ القاهرة استانبول يسير في اتجاه واحد دفاعا حق شعوب المنطقة في الحرية وفي التحكم في مصادر ثرواتها .. وبالتالي فإن إعادة القاهرة للقيد اعتبرته القوى الغربية شرطا لاستعادة الطوق حول تركيا ، وهي أهم غايات تحالف 2014..
لكن المسألة أعقد مما يظنه خلفاء سايكس بيكو.. 
فالقاهرة لم تعد تماما للقيد بدليل الحراك الذي لا يكلّ.. وربما أعادها هذا الحراك فجأة لحلبة التفاعل ولدائرة الحرية، وهو ما يفسر حجم العنف الذي يستخدمه الانقلاب في مواجهة الحراك وحجم الصمت المخزي الذي تتذرع به القوى الغربية إزاء جرائم واضحة ضد الإنسانية..
كما إن تركيا ليست بترهلها وسذاجتها السياسة كما كانت قبيل الحرب العالمية الأولى..
والأهم من كل ذلك فإن شيئا تغير في التكوين الثقافي لشعوب المنطقة فأصبحت فئات واعية منها جزءا من المعادلة، سيثبت المستقبل القريب أنه الجزء الأهم..
وستحمل الشهور القادمة في طياتها أحداثا جديدة تؤكد عودة الشرق للصعود لإحداث توازن عادل في علاقات النظام الدولي وتحقيق قدر معقول من الاستقرار والرفاهية والعدالة لشعوب المنطقة..

الأربعاء، 20 أغسطس 2014

تريد عيشا؟!(4) تجريف الوطن


 تريد عيشا؟!(4)

تجريف الوطن
د.محمد محسوب
لم تصدمني خطبة مبارك..ولم تخدعني مشروعات الانقلاب..فكلاهما حلقات في مسلسل متواصل لتجريف وطن يئنّ..
لم تبدأ الخصخصة مع صدور قانون شركات قطاع الأعمال العام (القطاع العام سابقا) سنة 1989 ، وإنما بدأت باكرا في 1982 مع تولي مبارك حكم البلاد وراثةً لا اختيارا من الشعب.. فقد كانت لدينا شركة لصناعة البطاريات السائلة والجافة (ماجد) تكفي السوق الداخلي ونصدر منها لأسواق أفريقيا..

شركة فريدة اسمها "الشركة العامة للبطاريات.. مصنعها ومقراتها كانت بشبرا الخيمة والمطرية ؛ فجأة جرى بيعها إلى شركة كلورايد ليمتد الانجليزية ، وتشريد عمّالها (400 عامل) وإهدار ما راكمته من خبرة عبر 25 سنة ، وفقدان سوق التصدير لإفريقيا.. وتسليم السوق المصري لبطاريات مستوردة.. ليست أعلى كفاءة وإنما أغلى سعرا..
بدت مغرية الصفقة الأولى.. فبدأ التحضير للمزيد.. غير إن الناصحين من حاشية الفساد أشاروا عليه بأن يقنن الموضوع بأن يخرجه في صورة نظريات اقتصادية برّاقة ويكسوه بثوب تشريعي..
في 88-89 بدأت حكومات العسكر تروّج لما أسموه (توسيع قاعدة الملكية) بمعنى بيع بعض الأسهم التي تملكها الدولة في شركات القطاع العام (وأغلبها كان مؤمما من مالكيه المصريين في الستينات) إلى رجال أعمال ؛ وكان الهدف المعلن هو توفير تمويل للمشروعات الخاسرة (وبالتالي فالبيع يكون فقط للمشروعات الخاسرة)..كما وُعد بعدم التفريط في سيطرة الدولة على تلك المشروعات بأن تبقى مالكة للأغلبية..
تطورالأمر سريعا ،، ولم ينشغل نظام الفساد بالبحث عن مبررات جديدة أمام انشغال الناس بالمواجهة التي روج لها مع إرهاب مطلع التسعينات ، فتحوّل الموضوع إلى بيع كامل لأصول الدولة الصناعية والتجارية والخدمية ، وكانت المشروعات الناجحة لا الخاسرة هي الأكثر مبيعا.. بل إن الدولة أنفقت مليارات لإصلاح شركات خاسرة تحضيرا لبيعها .. أحيانا بأقل من كلفة إصلاحها!!
مثلا شركة الدلتا للسكر كانت تمتلك مصنعا لإنتاج سكر البنجر بكفر الشيخ وآلاف الأفدنة المملوكة للشركة لإنتاج ما تحتاجه من بنجر ومعامل بحث وتطوير بالتشارك مع جامعة أسيوط ومدينة سكنية راقية وعقود بالملايين مع المزارعين.. وميزاينة رابحة تمام.. هذا المشروع لم يعرف الخسارة.. فالسكر كاملا مُتعاقد على بيعه لأعوام قادمة والإيثيل والمولاس وكل نواتج عملية التصنيع مُتعاقد على تصديرها لسنوات.. ومع ذلك بيع المشروع بحوالي مليار ومائتي مليون جنيه وهو أقل من أرباح عدة سنوات تقل عن الخمس سنوات..
كانت الدولة قد تعاقدت مع مكاتب أجنبية للتقيم.. أسقطت من حساباتها أهم العناصر الاقتصادية (كقيمة السوق المصري ذاته) .. ليصبح التقييم على أسس حسابية بحتة كقيمة الأرض والآلات والمعدات.. وأسقط كذلك تقييم العمالة وخبراتها المتراكمة.. لأن الهدف كان التخلص من العمالة لا استغلالها..
انتهت عملية الخصخصة بكارثة اقتصادية .. فجيوش من العاطلين غزت الشوارع.. وخبراتنا الصناعية جرى تبديدها.. وغالبية الشركات التي تم خصخصتها جرى تفكيكها للاستفادة من بيع الأراضي المقامة عليها.. والأمثلة كثيرة كشركة المراجل.. وربما الأهم من ذلك أن ماكانت تملكه الدولة من أصول انتقلت ملكيته لشركات مملوكة بالكامل أو تسيطر عليها شركات أجنبية.. ولم يعد لدى الدولة سوى بعض مشروعات قليلة متعثرة تعيش على الدين.. ولم ينمُ في الدولة المصرية عبر 30 سنة سوى أجهزة الأمن وأدوات قمع الشعب..
تحدثت التقارير الدولية عن عمولات مذهلة تسربت إلى جيوب مسئولي الدولة ومنظومة فساد النظام أدت إلى تكوين طبقة من الرأسمالية الانتهازية التي تستفيد من السلطة وتغذيها في ذات الوقت.. 
كما إن تراكم الثروة بيد أهل السلطة جعلها تبحث عن طرق لتهريبها وتدويرها وتعظيمها.. وهو ما جعل مصر منافسا هاما على المستوى الدولي في الفساد المقنن والتجريف الممنهج لثروة البلاد..
وبمجرد الانتهاء من بيع المشروعات السمينة ، تحول النظام بشبكة فساده إلى حالة من الشره جعله يبحث عن كل ما له قيمة في الدولة المصرية لاعتصاره وتدويره لمصلحته ، فجرى تخصيص ملايين الأفدنة لأبناء النظام وأعضاء شبكته بأثمان بخسة حتى تحولت سواحل مصر شرقا وشمالا ، بل وشواطئ النيل إلى غابة من الأبنية اختفى خلفها البحر والنهر ولم يعد لأبناء مصر أن يرو بحرا وأن يمتعوا نواظرهم بمشهد النيل في القاهرة أو الجيزة إلا إذا كان بجيوبه ثمن ذلك..
لكن الجشع ، ليس له حدود ، فتحوّلت غيلان الفساد في خلايا النظام إلى سرطانات تتغذى على كل ما له قيمة ، فلما حوصرت المشروعات الخاصة التي تخرج عن سيطرة النظام وهيمنته ، واضطر المصريون أن يودعوا أموالهم في البنوك ، ولم تجد البنوك طريقة لاستثمارها بسبب تراجع الاستثمار الخاص لغير أبناء النظام ؛ وبضغوط من السلطة اضطرت البنوك إلى إقراض المليارات لنفس أبناء منظومته ، والتي لم تُستغل كاملة داخل البلاد.. 
ففي حالة واحدة على الأقل قام مستثمر مقرب للنظام بشراء أسهم بشركة أوربية بحوالي 15 مليار دولار دفعة واحدة جمعها كاملة من السوق المصري ، سواء تجارة أو اقتراضا..
ربما أن الخصخصة وشراء ديون الدولة وتخصيص الأراضي وعمليات الإقراض الهائلة مثلت المصادر الظاهرة لمنظومة الفساد في عهد مبارك.. رغم أن مصادر أخرى لم تكن ظاهرة للعيان مازالت في حاجة لمزيد من الدراسة لتبين حجم مساهمتها في تجريف الثروة المصرية..
جاءت الثورة فتطلع الشعب إلى تغيير سريع للأوضاع المختلة المنهارة التي تركها نظام مبارك.. غير إن الانقلاب استعاد سريعا الدولة من يد الشعب ، قبل أن تنضج أحلامه أو تكبر آماله.. كما أن الثورة والحكم في سنتها الأخيرة لم تنتبه جيدا لهذه المنظومة ولم تستعد لمواجهتها.. وكنت أشعر بالصدمة كلما رأيت من يستخف بقدرة هذه المنظومة أو حتى يشكك في حجم ما جرفته من مقدرات الوطن..
المفيد أن يدرك القارئ أن ما يراه من صراع.. ليس في حقيقته صراعا حول السلطة.. بل صراعا حول الثروة وما السلطة إلا أداة للسيطرة على تلك الثروة.. فالشعب يريد أن يسترد ثروته.. سواء من يدرك منه أن طريق ذلك أو استرداد الثورة أو من لا يهتم إلا بمعاشه.. بينما أن منظومة الفساد بجناحيها (السلطة ورأس المال) تدافع عن مكتسباتها ودولتها التي تبيض له ذهبا ولن تُفرط فيها بسهولة..
وربما أن ذلك ما يفسر أن تشريعات القهر والقمع التي سارع الانقلاب إلى إصدارها.. تعاصر معها تشريعات تقييد قدرة الشعب على مراقبة عقود الخصخصة أو عقود تخصيص الأراضي أو عقود إنشاء مشروعات.. فالانقلاب يرى أنه يتصرف في ماله..
ألم أقل لكم.. استرداد الثورة طريق لاستعادة الثروة..

الجمعة، 8 أغسطس 2014

تريد عيشا؟! (3) تنمية إقليم قناة السويس ومشروع العسكر..

 تريد عيشا؟! (3)

تنمية إقليم قناة السويس ومشروع العسكر..
د.محمد محسوب

لم تكن فكرة شق قناة السويس وليدة (أكلة اسبجتي) ، إنما كانت حُلم أوربا الناهضة في استعادة مصر كأقصر الطرق التجارية بين الشرق والغرب ، كما كانت في العهد المملوكي قبل تراجع هذا الدور مع زيادة استعمال السفن المسيرة بالبخار واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح..
حفر فلاحو مصر القناة (ع الناشف) بالسخرة .. فقد كان التزام الدولة بتوفير الأيدي العاملة.. بينما تأسست شركة مساهمة دولية لتمويل المشروع طُرحت أسهمها في بورصات العالم واستأثر الفرنسيون والانجليز بغالبيتها في إطار تنافسهم للسيطرة على طرق التجارة..
أما نصيب الحكومة المصرية في ملكية الأسهم فقد اضطرت للتنازل عنه بحكم تحكيم جائر أصدره امبراطور فرنسا..
وتوالت الأحداث حتى وصلنا إلى تأميم القناة ثم غلقها ثم افتتاحها سنة 1975..

لكن عملية إدارتها ظلت محكومة بأطر قانونية ، تبدأ باتفاقية القسطنطينية 1888 ولا تنتهي بها ، بل إن اتفاقات السلام مثّلت إطارا غير مرئي لإدارة القناة بتحويلها من ممر مائي داخل الأراضي المصرية إلى حاجز مائي بين البلد الأم وجزء غالٍ من أرضه وهي شبه جزيرة سيناء..
ومن ثم لاحظ الشعب المصري أنه وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على استعادة كامل سيناء لم تنشأ بها مشروعات كبرى ولم يجر التوسع في إنشاء المراكز الحضارية والسكنية ولم تشأ الحكومات التي ولّاها العسكر أن تجعل من سيناء نموذجا للتنمية والرخاء والتوسع السكاني رغم أنها مؤهلة لذلك بكل المعايير..
الأمر لم يكن خيارا بالنسبة لهذه الحكومات وإنما جزءا من تركيبة وترتيبات اتفاقات السلام التي تُضعف سيطرة الدولة المركزية على أمن سيناء سواء بتقييد وجود قوات من الجيش أو بإضعاف التواجد الأمني من الداخلية أو بحظر أي تطوير حقيقي لسيناء..
استسلمت حكومات مبارك المتتالية لهذه الترتيبات ولم تُنجز سوى مشروعات حاولت بها الحفاظ على القناة كمجرى مائي يخدم التجارة الدولية ولا يضمن لمصر أكثر من 5 مليارات دولار سنويا من المداخيل المالية.. 
وهو مبلغ تافه إذا قيس بأهمية هذه القناة في نطاق الملاحة والنقل الدوليين..
وبقيت سيناء معزولة عن الوطن محرومة من الخدمات والتطوير حتى أنه لا يوجد بها كلية طب مثلا أو منطقة صناعية واحدة أو مستشفى جامعي حقيقي أو طرقا تسهل انتقال أهلها أو مطارا سوى لخدمة السياحة البحرية العارضة أو أو..
وفي نهاية عهد مبارك نشأت فكرة عمل قناة فرعية قصيرة لتيسير الحركة في القناة الرئيسية واستعمال القناة الفرعية (أو التفريعة) كممر ثانوي أو كمخزن للسفن العاطلة االتي يجري قطرها للتفريعة وإصلاحها هناك..
والملاحظ في هذا المشروع الذي جرى الترويج له كثيرا في عهد مبارك أنه لا يخرج بالقناة عن دورها الوظيفي كحلقة ضمن شبكة النقل الدولي ولا يغير من الترتيبات الديموجرافية (توزيع السكان جغرافيا) داخل سيناء أو حول القناة ولا يؤدي لإنشاء مراكز صناعية أو زراعية أو حضارية مستقرة..
جاءت الثورة.. وشعر المصريون أنهم استردوا جزءا من كرامتهم وقدرا من حريتهم للحد الذي انطلقت فيه أفكارهم المبدعة تقترح مشروعات كبرى تعيد موضعة مصر في النظام الدولي بحيث لا تسلم بما هو مفروض علينا أو مقدورٌ لنا من المهيمنين على النظام الدولي وإنما تحاول أن تستغل ميزات الجغرافيا والتاريخ لتحسين القدرات المصرية وتطوير دورهها وتأكيد استقلالها وسلامة أراضيها.. كل أراضيها..
ضمن هذا الزخم الثوري تراكمت اقتراحات وخرجت دراسات منها ما هو قديم حبيس الأدراج ومنها ما هو مستحدث حول كيفية استغلال وظيفة القناة كممر ملاحي عالمي ليس فقط لتطويرها في إطار هذه الوظيفة وإنما لتطوير كامل المنطقة المحيطة والمرتبطة بها لتأكيد سيادة الدولة المصرية والمساهمة في عملية التنمية وتحقيق الرخاء للشعب المصري..
ولتحديد معنى الإقليم ، وهو الاسم الذي استخدمته حكومة الدكتور هشام قنديل ، فيجب فتح خارطة الدولة المصرية وتوجيه النظر إلى أقصى الشمال الشرقي والذي ينطلق سهلا ممتدا من حدود محافظة الشرقية والدقهلية والقاهرة ليستمر في التمدد دون صعوبات في التضاريس حتى يصطدم بالحاجز المائي المسمى "قناة السويس".. فإذا عبرنا هذا الحاجز للضفة الأخرى فإننا يمكننا أن نستمر في انسياب جغرافي متماسك على ضفة القناة الشرقية ثم امتدادا طبيعيا يميل للجنوب وصولا إلى رأس محمد وشمالا وصولا إلى العريش ثم ينتهي برفح.. 
أما في الوسط فإن الجغرافية توزع تضاريسا قاسية ممثلة في جبال متشابكة وممرات رملية أو صخرية تمتد في أحشاء وسط سيناء لتنتهي بعناء عند حدودنا الشرقية مع فلسطين لتكوّن موانع ومراكز دفاعية مذهلة لحماية باقي الإقليم ولتكون بحق بوابة شرقية ثابتة لحماية الأمن القومي المصري..
هذه الصورة الجغرافية هي ما شكّلت رؤية "إقليم قناة السويس" ، فلم ننظر إلى قناة السويس باعتبارها مجرى مائي فقط وإنما جزءا من إقليم متماسك بقلب الوطن (مصر) وليس على أطرافه ؛ غير أنه إقليم رغم غناه الطبيعي وتماسكه الجغرافي فإنه فقير من حيث البنية التحتية وهش من حيث التوزيع الديموجرافي ومتهاوٍ من حيث السياسة الأمنية ، سواء أمن السكان أو الأمن القومي بما جعل القناة حاجزا وليس ممرا..
وبالتالي فإن الأهداف أصبحت واضحة بحيث تحولت من النظرة القاصرة التي تبنتها حكومات العسكر والتي اقتصرت على تطوير المجرى المائي ، إلى تطوير لكامل الإقليم لتحقيق رخاء له وإدماجه في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لكامل الدولة المصرية..
بناء عليه أصبح إقليم قناة السويس يشمل خمس موانئ كبرى موزعة شماله وجنوبه ، هي: العريش وبورسعيد ودمياط شمالا والعين السخة والأدبية جنوبا.. كما يتضمن ميزات زراعية وصناعية وتجارية مذهلة يمكن أن تتكامل جميعا لتحويل الشمال الشرقي لمصر ليس فقط قاطرة للتنمية وإنما نموذجا للتماسك الاجتماعي والاستقرار الأمني في مواجهة مخاطر تتمنى لو بقي الإقليم على ما هو عليه من هشاشة وضعف وتناثر..
إذا فلم يكن كافيا تطوير الممر المائي وإنما تقرر أن يجري معه تطوير الخمس موائي لتصبح قادرة على استيعاب كل أنواع السفن بما يزيد من مداخيل القناة لتتضاعف (على الأقل) في نهاية المرحلة الأولى للمشروع.. كما أن مشروعات خدمة وصيانة السفن لم تكن سوى جزءا لتدعيم الممر المائي ، لتتوزرع على الإقليم بحيث يصبح بكل ميناء أو على مقربة منها مركزا للصيانة والإصلاح..
لكن الأهم كان إنشاء المراكز الصناعية الكبرى غرب مدينة السويس وجنوبها وشرق مدينة بور سعيد وشرق مدينة الاسماعلية وجنوب مدينة العريش وجنوب مدينة رأس سدر امتدادا حتى الطور.. تبدأ بإنشاء صناعات تحويلية مستفيدة من مرور البضائع عبر الممر المائي ، بحيث تشجع أطراف التجارة الدولية على نقل المنتجات الصناعية في صورة أولية أو مفككة ليجري إتمام صناعتها أو تجميعها في مراكز الصناعة التحويلية بإقليم القناة ثم إعادة شحنها للأسواق المتجهة إليها.. ثم الانتقال لتوطين صناعات متكاملة مستفيدة من وجودها قريبة من أهم معبر مائي بالعالم..
كما أن الأهم هو ما يرتبط بذلك من خلق مراكز سكانية موزعة على الإقليم ومرتبطة ببعضها دون تناثر بحيث تصبح بيئة مناسبة لنمو الصناعات وتوطين الزراعة ، وكذلك بيئة مناسبة لنمو التجارة الداخلية والمشاركة في التجارة الخارجية..
 لكنها – وهذا هو الأهم – بيئة مناسبة لتغيير التوازنات الأمنية بالمنطقة لتصبح لصالح الدولة المصرية بحيث تكون نتيجة إنشاء مراكز سكانية وحضارية ودعم وتطوير القائم منها هو إدماج كامل لسيناء في منظومة الدولة المصرية اقتصاديا ومجتمعيا وأمنيا.. خصوصا أن المشروع تضمن إنشاء موانئ إضافية ومطارات متعددة وأنفاق لخدمة عملية توطين الصناعات والزراعة وخدمة السكان وليس فقط للضرورات السياحية..
أما عن تمويل هذا المشروع المركب فإن الجهل يدفع البعض إلى القول أنه لا يمكن تمويل هذه المشروعات سوى بالاقتراض أو بيع أصول الدولة للأجانب أو بالتبرع والتسول.. وهذه هي مصادر التمويل التي اعتادتها حكومات العسكر خلال عشرات السنين حتى اعتقد البعض أنها هي الطرق الوحيدة للتمويل.. دون دراية بأن الاقتصاديات الكبرى لا يمكن بنائها بهذه الطرق الخطرة بل والهزلية والفاسدة.. وإنما تكمن القدرة على التمويل بالقدرة على استثمار الميزات الوطنية دون تفريط فيها بالإضافة إلى ضمان هيمنة وطنية على المشروعات الكبرى لأن عدا ذلك يمثل تفريطا..
وأخيرا جاء الانقلاب ليستعيد منهجية تفكير حكومات العسكر السابقة ، فعاد للنظر للقناة باعتبارها معبرا مائيا يخدم التجارة الدولية فأعلن عن مشروع لتطويرها وشق القناة الثانوية الخدمية ، مستبعدا تطوير المنطقة بشكل كامل أو إلحاق سيناء بمفهوم التنمية.. 
كذلك عاد لفكرة التمويل بالاقتراض أو التفريط في أصول الدولة أو التبرع.. فحكومات العسكر محكومة بضيق الأفق وقصر النظر والقيود التي تقررها التزامات وترتيبات أمنية عتيقة أضحى واجب مصر إعادة النظر فيها..
لكن ربما الأهم أن رؤية العسكر مرتبطة بحماية مصالحه.. فتنمية مشورع "إقليم قناة السويس" بالمعنى الذي طرحناه كان سيسترد للدولة المصرية والشعب المصري ملايين الأفدنة التي تسيطر عليها القوات المسلحة على جانبي ضفتي القناة وفي أفضل المناطقة السيناوية ، رغم أن أهميتها الاستراتيجية من الناحية الأمنية غير موجودة.. وإنما يجري التمسك بها لقيمتها الاقتصادية ولمواقعها المميزة.. ليتم تدويرها ببيعها لبناء قرى سياحية أو غيرها من المشروعات التي لا تغيًر من الحالة الاقتصادية أو الأمنية أو المجتمعية للدولة المصرية.. وإنما تزيد من تكريس دورها الخدمي والتابع ووضعها الضعيف والهش..
ربما يدرك القارئ الآن أن حكومات العسكر إنما تدافع عن مصالحها الدونية ومصالح القوى المهيمنة على النظام الدولي ولا تهتم بالمصالح العليا للدولة المصرية إلى في البروبجندا الإعلامية.. وهو ما يجعلنا نكرر أن ألف سنة من حكم العسكر لا يقيم اقتصادا ولا يبني وطنا..
وإلى الحلقة القادمة..





تريد عيشا؟! (1) علاقات غير مشروعة : العيش والذل- الفساد والحرية



السبت، 2 أغسطس 2014

تريد عيشا؟! (2) حكومات العسكر بين التأميم والخصخصة


تريد عيشا؟! (2)
حكومات العسكر بين التأميم والخصخصة
د . محمد محسوب


حكومات العسكر بين التأميم والخصخصة
التأميم حق لكل دولة في مواجهة مشروعات تمثل خطرا على سيادتها أو سياستها أو استقلالها الاقتصادي أو تمثل احتكارا لنشاط معين أو غيره من الأسباب الكبرى التي دفعت احيانا دولة رأسمالية كبرى كانجلترا إلى تأميم بعض المشروعات التي تمثل أهمية للشعب الانجليزي وكانت على شفا الإفلاس فتدخلت لانقاذها بتأميمها أو تضخمت لدرجة هددت باحتكار نشاط اقتصادي كامل فتدخلت بتقسيمها أو تأميمها كليا أو جزئيا..
يحدث قريبا من ذلك حتى في الولايات المتحدة الأمريكية الأكثر رأسمالية سواء فعلته الحكومة أو كان بتدخلا قضائيا.. لكنه شديد الندرة لأن مثل هذه المخاطر نادرة أيضا ولأن التأميم بطبعه يضرب التناغم الاقتصادي ويدفع الحكومة للعمل بالسوق كبقال أو تاجر فتنسى مهمتها كموجه وحارس..
وأيضا تمثل الخصخصة أداة تتبناها بعض الحكومات حتى الاشتراكية منها لإقامة مشروعات استراتيجية وخطرة يتجنبها رأس المال الخاص الذي يبتعد عن المخاطر بطبعه ، ثم ترى تلك الحكومات أن تتخلص من ملكية المشروع بعد أن وقف على قدميه وأصبح مغريا للجمهور ليسهم في ملكيته..
لكن لدينا في المحروسة قصة أخرى..
العسكر لدينا لم يؤمموا مشروعا أو مشروعين أو مائة خلال حمأة التأميمات في 1961 حتى 1963 وإنما أمموا النشاط الاقتصادي كاملا.. فصدرت قوانين من سطر واحد ملحق بها المشروعات المراد تأميمها فإذا هي بالآلاف.. من مصانع الحديد والمعدات وشركات نقل الأفراد والبضائع حتى مصانع السكر والأطعمة إلى الفنادق والموتيلات الصغيرة حتى مصانع الحلويات والشاي إلى المنازل والمقاهي ومحالات الجيلاتي والأفران..
فجأة انتقلت مصر من 1959 إلى 1963 من منظومة اقتصادية متراكمة متناغمة ومتماسكة إلى نشاط اقتصادي مملوكا كاملا للدولة وإن قالت القوانين أنها كانت مملوكة للشعب.. لكن الشعب لم يرها حتى الآن..!!
البعض يدافع عن حملة التخريب الاقتصادي تلك بعناوين وهمية وحجج يصيغها في عبارات عامة لا معنى لها كالتي استعملها العسكر عند التأميم مثل تحقيق ملكية الشعب لأدوات الإنتاج أو توزيع عادل للثروة وإنهاء الطبقية أو غير ذلك منقولا من معجم المصطلحات الاشتراكية اللينينة.. دون حتى تطبيق مدرك لها..!!
لكني أفضل أن أصطحب القارئ في رحلة قصيرة عبر عملية تأميم واحدة من تلك التي حصلت سنة 1961.. تأميم شركة كوكا كولا المصرية..
الشركة مصرية مملوكة لعائلة مصرية اصيلة في الحوامدية.. ورأس العائلة رجل مصري أصيل من الطبقة المتوسطة وليس باشا أو بيه ولا من أصل تركي أو غربي.. اشترى الشركة سنة 1961 من مالكيها الأمريكان (عائلة باتي) ودفع 50% من الثمن على أن يدفع الباقي خلال سنة.. بعد سبعة أشهر أممت حكومة العسكر الشركة ضمن مئات المشروعات التي تأممت... ثمّ فجأة أبرمت نفس الحكومة اتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية لتعويض رعايها ممن تضرروا من التأميم وضمنهم جرى تعويض عائلة باتي الكريمة عن كامل المشروع وليس نصفه باعتبار أن العائلة قبضت النصف من العائلة المصرية..
وتقرر أيضا تعويضا تافها للعائلة المصرية الحوامدية غير إن لجنة تقدير التعويض رأت أنها لا تستحق التعويض لأنه دُفع تعويضا للأمريكان.. بمعنى أن الأمريكان تلقوا نصف ثمن الشركة من المشترين المصريين أولا.. ثم كامل قمية الشركة تعويضا من الحكومة المصرية السخية التي ترفع راية الاستقلال وعدم التبعية.. ثم بالتالي لم يجر تعويض المصريين عن الشركة أو رد نصف الثمن الذي دفعوه.. بل جرى مصادرة أموال أخرى لديهم تسديدا لدينهم في تعويض عائلة باتي الأمريكية المحصنة بالاتفاقية التي أبرمها العسكر..
كل ذلك ليس مهما.. فبعد 20 سنة رأت حكومة أخرى ضمن حكومات يعينها العسكر ويقيلها أن تقوم بخصخصة الشركات والمشروعات التي جرى تأميمها من مالكيها المصريين..
وفي حالتنا جرى خصخصة شركة كوكاكولا مصر وبيعها لمساهمين أهمهم شركة أمريكية كبرى..!!! يعني عادت الشركة مرة أخرى لملكية أهلها !!!! ولم ير الشعب المصري حتى الآن كيف جرى تأميم هذه الشركة أو آلافا غيرها.. وكيف جرى إعادة خصخصتها وآلافا مثلها.. كما لم يرو نتيجة للإيرادات التي حققتها تلك الحكومة (الغير مراقبة لأنها حكومات يضمن العسكر أنها شريفة وطاهرة اليد !!!) من تأميم الشركات أولا ثم إعادة خصخصتها ثانيا.. وإنما رأت كروشا انتفشت حتى الثمالة وشعبا تقشف حتى الجوع..
ثم أنشأ العسكر لنا نخبة ذكية انقسمت.. بعضهم ليبراليون يقولون: نعم الخصخصة هي مدخل لتوسيع قاعدة الملكية وفتح الباب أمام بناء اقتصاد حر.. لكننا نرى أنه كلما تحرر اقتصادنا كلما جرى تقييد الشعب وتجويعه.. وتجربة الخصخصة منذ 1989 حتى اليوم ليست سوى قصة تخريب وفساد تحتاج روايتها ضمن حكاوات ألف ليلة وليلة..
بينما فريق آخر من نخبتهم يقول" لا بل كان التأميم لترويق الفقراء ورفع شأنهم وتحقيق العدالة الاجتماعية.. لكن الفقراء استمروا فقراء بل ازدادوا فقرا.. بينما العدالة الاجتماعية لاتزال الغائب الأكبر في دولتنا المحروسة.. بينما تحققت طبقية غير مسبوقة في تاريخ مصر من تركيز للثراء بيد 5% من الشعب المكلوم إلى توريث للوظائف (قضاء وجيش وشرطة وأجهزة مهمة...) بينما وُضع الفقراء في دائرة مغلقة من الفقر وعدم القدرة على تحسين أوضاعهم الاقتصادية سوى بالعمل بالخدمة ضمن دول الكفالة في الخليج... فتحول الشعب المصري بين التأميم والخصخصة إلى التشتت في أنحاء الأرض بحثا عن لقمة عيش حتى ولو ركب سفينة متهالكة أملا في أن تقله إلى إيطاليا أو فرنسا ليعمل في جمع العنب بعشرين يورو يوميا أو يعمل في أسواق باريس أو أعمال النقاشة التي لا يقبلها سوى رعايا الدول المحكوم عليهم بالمعاناة مقابل 50 يورو في اليوم.. هذا إن وجد عملا.. وربما اشتغل يوما وفقد العمل شهرا.. أو لا قدر الله غرق بالبحر أثناء هجرته بحثا عن رزق.
القضية إذا ليس في أن تدفع رجال الأعمال إلى التبرع ثم تهددهم بالمصادرة وربما إعادة سيرة التأميم مرة أخرى.. لأن هذا كله لا يهم شعبنا الذي رأي نفس السيناريو سابقا وأدرك أنه نزاع بين سلطة تريد أن تجمع إلى سلطتها التحكم في الثروة وبين رجال أعمال هي أنتجتهم وكبرتهم ووسعت عليهم سابقا من خيرات الشعب الذي لا يرى ولا يعرف خيراته إلا وهي بيد الغير..
والقضية ليست اقتصادا حرا أو موجها أو خصخصة وتوسيع قاعد الملكية التي توسعت دون أن يجد المصري فيها مكانا له ليكون مالكا لخيراته..
إنما القضية هي الحرية التي تجعل الشعب يختار حكامه (حلوين أو وحشين) ثم يبدلهم إن بدا له ذلك في الانتخابات.. 

فيُفرض على الحكام والحكومات أن تكون أعمالهم مُراقبة من نواب مختارين بحرية.. ويُفرض على الهيئات والمؤسسات أن تنشر إيراداتها ومصروفاتها بشفافية فيراها الشعب.. ويجلس خلف مكاتب الصحافة والإعلام أوفياء للشعب ومخلصين لضمائرهم يتتبعون الفساد سواء كان فساد سلطة أو فساد أشخاص.. وتنشأ منظومة واسعة من المؤسسات الحكومية والمدنية التي تضمن شفافية الإيرادات والمصوفات وتكافح الفساد الإداري والمالي...
وهذا لا ينشأ إلى في حرية..
ربما تعرف الآن لما تمثل الحرية أهم عدو للعسكر..
ولما هي أول طريق لتحقيق عدالة اجتماعية وسيطرة الشعب على مقدراته..
لا تدعوهم يلعبون مرة أخرى لعبة التبرع ثم التأميم ؛ ومن ثم العودة للعبة توسيع قاعدة الملكية والخصخصة.. لأن كل ذلك ما هو إلى تدوير لأموال الشعب وأصول الدولة بيد العسكر لتدر عليهم أموالا يتحكمون بها في الشعب..
وإلى الحلقة القادمة..
‫#‏استمارة_جوَّعْتونا‬






تريد عيشا؟! (1) علاقات غير مشروعة : العيش والذل- الفساد والحرية





الأربعاء، 30 يوليو 2014

تريد عيشا؟! (1) علاقات غير مشروعة : العيش والذل- الفساد والحرية




 تريد عيشا؟! (1)
علاقات غير مشروعة : العيش والذل- الفساد والحرية
د.محمد محسوب


جرى البعض خلف الانقلاب مفرطا في حريته وكرامته أملا في تحقيق عدالة اجتماعية واستقرارا أمنيا دون أن يدرك أن هؤلاء حكموا ستين سنة فلم يحققوا عدالة ولا عدلا ولا استقرارا.. وإنما ذهبوا بحريتنا وقتلوا كرامتنا
الحرية لا تعني أن تفعل ما تريد..إنما أن تملك الحق في التعبير ونقد أي مسئول دون خوف على حياتك أو على رزقك.. وأن يملك الشعب محاسبة الحكومة الفاشلة وأن يكشف رؤوس الفساد وأن يعرف ميزانية البلاد وأوجه إنفاقها وأن يراقب كل قرش يدخل أو يخرج لخزانة الدولة وأن يفرض إرادته فيُغير الحكومات بانتخابات نزيهة ويُسقط الرؤساء بالطرق الديموقراطية المعروفة..
فلو كنت ممن يفكرون فقط في العيش والرزق ، وهو حقك ، فاعلم أن البرلمان الانجليزي قاتل 100 سنة ليحصل على حقه في رقابة الميزانية..
ومجلس شورى النواب المصرية سنة 1879 اعتصم نوابه بمقره وحاصرتهم داخلية الخديو طلبا لرقابة ميزانية البلاد ومعرفة الموارد والمصارف..
فبدون المال لا تحصل نهضة.. وبدون رقابة حقيقية على الميزانية لا يتوفر المال بل يتبدد بيد حكومات فاسدة لا يمكن تتبع فسادها.. ومصر لم تعرف رقابة على موازنة بل ولم تشمل أي موازنة فيها كل موارد الدولة منذ 60 سنة..
وعلى مدار الأيام المقبلة سأحكي كيف انهارات الخدمات والمؤسسات بالدولة المصرية عبر 60 سنة رغم كل المحاولات لاستنهاضها وإصلاحها.. فقط لأن الحرية كانت غائبة.. ولا أمل لإنهاضها أو لإصلاحها إلا بإسقاط الانقلاب واستراداد الحرية.. لأن الديموقراطية لم تعد خيارا لشعب وإنما وسيلته الوحيدة للبقاء والسيطرة على خيراته والتقدم والمنافسة.. أما بقاء الانقلاب - لا قدر الله - فيعني أننا نركب قطارا سريعا إلى كارثة في كافة المناحي..
لأن النظم الدكتاتورية (العسكرية) يكمن في بنائها وتركيبتها جرثومة الفساد وفيروس التخلف..
لا تتسرع وتضرب مثلا بشمولية شيوعية أو أيديولوجية.. لأن الأيديولوجيات ربما تكون دافعا مؤقتا لتحقيق انجازات مع غياب الحريات.. لكنها انجازات لا تبقى وتنهار عند المواجهات الكبير بمجرد أن يطوي الموت القادة المؤمنين بالأيدولوجيا ويبقى فقط الذين يسترزقون منها ويتعيشون على بقاياها بينما هم ينهبون ثروات البلاد ويتسترون على شبكات الفساد.. وكان سقوط القطب الشيوعي درسا لمن يعتبر..
غير إن الدكتاتورية العسكرية مختلفة حتى عن الشمولية الأيديولوجية.. فالعسكرية لا تملك عقلا ولا فكرة ولا معتقدا ولا رؤية للمستقبل.. لا تملك سوى مدفعا ودبابة هو ما أهلها للاستيلاء على الحكم.. وفي الحكم تكتشف أن المسألة كبيرة عليها فتبدأ في بناء شبكة عنكبوتية حولها من المستشارين والمساعدين ورجال الأعمال والمثقفين والإعلاميين المنافقين القادرين على كتابة شعر في قاتل ومدح ذكاء أكثر الناس غباء.. هؤلاء يتحولون بالتدريج إلى شبكة مستقرة متماسكة متضامنة من الفاسدين والمستفيدين منهم فيبتلعون الدولة بخيراتها ولا يتركون للشعب المهدور سوى بقايا موائدهم..
هذا حدث في كل دكتاتورية عسكرية من الأرجنتين إلى البرازيل سابقا ومن مصر إلى كل دولة عربية وإفريقية سارت على خطاها..
الحرية طريق للنهوض .. والدكتاتورية.. خصوصا العسكرية طريق للسقوط..
سنتأمل معا على مدار عدة مقالات ماذا أورثتنا هذه الدكتاتورية المتوحشة.. والمستقبل المظلم الذي ينتظرنا لو تركناها تعبث من جديد بحاضرنا ومستقبلنا...
‫#‏استمارة_جوَّعْتونا‬






تريد عيشا؟! (1) علاقات غير مشروعة : العيش والذل- الفساد والحرية




السبت، 5 يوليو 2014

بلير مبعوث العناية الدكتاتورية


" بلير مبعوث العناية الدكتاتورية "

" محسوب" يفجر مفاجأة عن "السيسي" و "بلير"


قال الدكتور محمد محسوب في تدوينه طويلة :
" بلير مبعوث العناية الدكتاتورية فسّر لنا سلوك إنجلترا تجاه مصر خلال 130سنة.. فقد اعتادت إنجلترا أن تتغذى على ثروات مصر منذ 130 سنة.. فابتلعت احتياطي الذهب المصري في الحرب العالمية الأولى ، ثم استدانت الملايين من الخزانة المصرية خلال الحرب العالمية الثانية ، وفي الحالين لم ترد ما نهبته.. وفي عصر مبارك كانت لندن المحطة الأشهر للأموال المنهوبة من بلاد يعاني أغلب أبنائها الفقر أو ضيق ذات اليد..

وبعد الثورة طالبناها بالمساعدة في رد الأموال، فتهربت مستعينة بالتغطية التي قدمتها لها مؤسسات الدولة العميقة في مصر خصوصا نائب عام مبارك والمجلس العسكري واللجنة التي شكلها المجلس ، حرص أن تكون من قضاة حتى لا يتدخل في الموضوع متطفلون مثلنا.. وهي باقية لليوم لا تفعل شيئا سوى حماية الملف وضمان إغلاقه.

وأضاف: كل ما فعلته إنجلترا هو أنها عرضت إرسال مبعوث آخر يقيم في القاهرة ليأكل بمطاعمها ويبيت بفنادقها ويتفضل علينا بتقديم النصائح بشأن كيفية استرداد الأموال المنهوبة... رفضت أن استقبله بالقاهرة.. قمت بتسجيل وتصوير أطول فيلم وثائقي عن أموالنا المهربة في إنجلترا أذاعته "البي بي سي" عدة مرات فضحتُ فيه سلوك الحكومة الإنجليزية.. لكنها لا تخجل عندما يتعلق الأمر بالمال.. رغم النقاشات التي دارت بمجلس العموم في حينها..

وبعد الانقلاب سارعت إنجلترا بدعمه علانية وخفية.. وفجأة في لقاء مع وزير خارجية إيطاليا يفاجئ رئيس وزراء إنجلترا الضيف الإيطالي بالحديث عن موضوع لم يكن محلا لنقاشهما ولم يكن الوقت أو المكان مناسبين للحديث فيه.. ،فأعلن ديفيد كاميرون أنه قلق من أنشطة الإخوان المسلمين وأنه شكّل لجنة لمراجعة أفكارها ، في سابقة لم تحدث من 300 سنة أن تفتش دولة ديمقراطية في أفكار أشخاص أو جماعة سلمية.. ،لكن الهدف مهم وهو التضييق على مقاومي الانقلاب.. وربما ردا لجميل الهدايا الخليجية.

وأردف: وأخيرا.. اكتشف داعمو الانقلاب أنه يختنق بسبب الأوضاع الاقتصادية واستمرار الحراك الثوري رغم كل الأموال التي ألقيت بحجره.. فسارعت إنجلترا الوفية للدكتاتورية المصرية وغير الراغبة في أي تحول ديمقراطي يطالبها برد أموال منهوبة.. سارعت إلى إرسال مبعوثها للعناية الدكتاتورية السيد توني بلير ،ليصبح مستشارا اقتصاديا لدكتاتور مصر.. وتوني بلير مشهور عنه عدم الخجل إذا تعلق الأمر باكتساب بعض المال وزيادة جرعة الكراهية للإسلام والعروبة .. بلير هو المبعوث الدولي للرباعية الدولية (الأمم المتحدة-أميركا-روسيا-الاتحاد الأوروبي) لتحقيق السلام في الشرق الأوسط.. ومع ذلك فلم يعترض أي من أعضاء الرباعية أن الرجل إنما يرتكب جريمة واضحة.. جريمة استغلال منصبه لتكسب المال.. و أن المسألة نموذج لتعارض واضح للمصالح.. فهو مبعوث دولي للسلام في المنطقة وبذات الوقت مستشار لأحد دكتاتوريها!

طالما الأمر يتعلق بدعم انقلاب في مصر يمنعها من التحول الديمقراطي واستقلال إرادتها ،فإن أمورا كثيرة تصبح مباحة.. مع ذلك ،فإن السيد بلير لن يحقق أي نجاح سوى في أن ينهب بعض الأموال الخليجية ويعطي بعض النصائح النيوليبرالية لقائد الانقلاب ستزيد أوضاعه سوءا فوق السوء الذي يعانيه..، فالسيد بلير لم يحقق أي تقدم في ملف القضية الفلسطينية سوى مزيد من الدعم للدولة العبرية ومزيد من الإدانة للمقاومة الفلسطينية.. وكسب المال بالطبع... وهو لم يدخل قضية أو معركة إلا وخسرها.. لكني أتقدم له بالشكر والامتنان ،لأنه أخيرا فسّر لنا سلوكيات الدولة الإنجليزية تجاه مصر منذ 130 سنة.