‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. إيهاب عويص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. إيهاب عويص. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 2 أغسطس 2020

حوار مع متنصرة



 







  

د. إيهاب عويص
إن من يعتنق المسيحية من المسلمين مختلفون تماما عمن يعتنقون الإسلام من المسيحيين. 
فهؤلاء يقبلون على الإسلام بعد دراسة مستفيضة واقتناع كامل يكلفهم الكثير من حريتهم الشخصية والمزيد من الأعباء ويجعلهم في خندق واحد مع المستضعفين في الأرض, وهم يرضون بذلك في مقابل العثور على الحقيقة والتحرر من الأوهام والشعور بالاطمئنان الداخلي والقرب من الله تعالى طلبا للفوز بالآخرة. 
أما أولئك فهم يقبلون على المسيحية دون أدنى شعور بالخشوع أو التأثر, أو النشوة بمعرفة الحقيقة أخيرا والمتعة في العثور على أجوبة. بل يكونون مفعمين بالروحانيات و"الرومانسية الإبداعية", مقارنة بـ"الواقعية الجامدة" للإسلام كما يسمونها. 
و هم بالتأكيد لا يتوقعون أي تضحية بل يفكرون في كمية المكاسب الدنيوية التي سيحصلون عليها من حرية وتحرر وانتماء إلى صفوف النخبة. 
إنهم لا يبحثون عن الله أو دينه الحق بل يبحثون عن حياة مفعمة بالحيوية والنشاطات الاجتماعية المثيرة. هم لن يحاولوا التدين أو الالتزام, وبالتأكيد لا يريدون أن يكونوا مَلكيّين أكثر من الملك.
وقد واتني الفرصة للتحدث مع واحدة من أولئك المتنصرين, فكان هذا الحوار:

قالت لي بأنها سُعدت كثيرا بالتخلص من دعوة الحجاب وبقية القيود المفروضة على المرأة المسكينة في الإسلام, وأنها تود الاقتران بمسيحي, لن يهينها باتخاذ زوجة أخرى أو ثلاث أو رباع. 
قلت: وماذا إن كان لديه كالباقين عشيقات وخلان؟ فهذا لا مفر منه في مثل ذلك الجو من التحرر والاختلاط.
قالت: الكبت عندكم أكثر خطراً, ويولد الشذوذ والانحراف, إما عند قومي الجدد فقد تعودوا ولم يعودوا يبالون بمثل هذه الأمراض والآفات. 
قلت: قد كنت في أكثر من دولة في أوربا, و كان القوم فيها أكثر من قومك تعودا و لامبالاة, و لم يكن لديهم من كبت ولا إسلام, ولكنني وجدت عندهم أضعاف ما عند بعضنا من أمراض وآفات, ترجعينها بظلم إلى الكبت و الإسلام!
قالت: حتى وإن كان, فأنا واثقة أنه سيرجع إلي بعد كل مغامرة على أية حال, ولا تنسى أنني أنا أيضا أستطيع اللجوء إلى صديق لطيف عند الحاجة, وما أكثر هناك الأصدقاء. 
سألتها: ألست ضد تعدد الزوجات؟! فكيف تقبلين إذن بتعدد الأخدان[1]؟! وكيف لا ترين في ذلك غضاضة ولا امتهان لحقوق و كرامة الإنسان؟! بينما تثور ثائرتك على نظام تعدد الزوجات, وتجعلين من ذلك مدفعا ترشقين به الإسلام, رغم أنه كما ترين بنفسك يتجه شيئا فشيئا نحو عالم النسيان, ورغم أنه بالأصل ليس من أسس, ولا حتى فرائض الإسلام. وعندما أثبت لها أن ذلك كان سنة الله في الإنجيل, من بعد التوراة, قبل أن يمنعه بعض الحكماء, و أغلب الكهان. 
قالت بلامبالاة: ما كان قد كان, وأنا لا يعنيني إلا مسيحية هذا الزمان. و لكنهم غيروا شرع الله! قلت باستغراب. قالت: إن الدين يتطور, تماما كما الإنسان. 
قلت: ما الذي يعجبك في المسيحية, ولا يوجد في الإسلام. قالت: المرح والمحبة والتسامح, بينما الإسلام دين الكآبة والتعصب والإرهاب. 
قلت: قد فهمت ما تعنين بالمرح و المحبة, فأنت كما قلت؛ تحبين السهر والمُسكرات والاختلاط, وتكرهين العُقد و التزمت و الالتزام, ولكن ماذا عن التسامح؟! ألم تسمعي عن المخالفين للكنيسة وكيف أحرقوا أحياء؟ ألم تسمعي عن الحروب الصليبية والنهب و الأسلاب؟ ألم تسمعي عن محاكم التفتيش و التنصير بالإكراه؟ ألم تسمعي, و تسمعي, و تسمعي؟ 
قالت: قد قلت لك سابقا, ما كان قد كان, وأنا لا تعنيني إلا مسيحية هذا الزمان. 
قلت: فماذا عن الاستعمار, ومراكز تصنيع و تصدير أقوى أسلحة الدمار؟! من هم أصحاب الحروب العالمية؟ وأين توجد أعلى نسبة في الإجرام؟ أين نشأت النظريات الفاشية والعنصرية؟ ومن اضطهد اليهود؟ وأجبرنا أن نعوض نحن اضطهادهم من أرضنا ودمنا والأعراض, من اخترع "قوات التدخل السريع" و"الضربات الاستباقية" و"إن لم تكن معي فأنت ضدي"؟؛ أليسوا متسامحي هذا الزمان؟!!! 
غمزت بمكر قائلة: يبدو أنك تغار من دين الأكابر. 
قلت: بل يبدو أنك أنت في التفكير من الأصاغر. هل تؤمنين حقيقة أن يسوع[2] هو الإله؟! 
قالت: هذا هو عيبكم يا معشر الإسلام. لقد شرح لي المبشرون كل القصة باختصار, إنه ابن الإنسان بالجسد, ولكنه بالروح هو ابن الله. ألا تقولون في قانون إيمانكم[3] أنه إله من إله! سألتها باستغراب. قالت: ألا تفهم؟!!قلت لك هو بالروح فقط من الله. 
قلت: ألسنا كلنا كذلك كما تقولون: "أبناء الله". 
قالت: يسوع بالذات كان روح في امرأة طاهرة دون جنس أو جماع, تلك المرأة حرمت نفسها من الجنس. من الجنس ألا تفهم!!! و بذلك صارت بجدارة "أم الإله". 
قلت: ولكنكم تقولون أنها حين ولدت يسوع لم تتجاوز الاثنتي عشرة من الأعوام! وكان لها خطيب تسكن عنده استعدادا للزواج[4]!! ثم إذا كانت علة الألوهية عندكم هي امتناع طفلة عن الجنس, ولادة طفل من دون جماع, فلا ريب أن آدم كان أكثر من إله, فقد جاء دون شُبهة جنس أو جماع, و لم يكن له من ام و لا أب. 
قالت: كان لا بد من وجود أول الخلق, ولا تنسى أنه هو من جر علينا الخطيئة الأصلية بنهمه للتفاح[5]. 
قلت: وماذا عن حواء التي خُلقت من دون أم أصلا ناهيك عن الجنس والجماع, هل أضحت بذلك عندكم أيضاً ربةً من الأرباب؟! 
قالت: كف عن التهكم, فأنت لن تفهم معنى ابن الله. 
قلت: إن فهمت أنت ففيضي علي ببعض ما أنعم عليك به "الآباء"[6]. فهل هو إله كما تقولون في تقليدكم[7]؟ أم ابن الله كما تقولون في كتابكم؟! أم إله من إله و نور من نور كما تقولون في قانون الإيمان؟!! 
قالت: إلى متى تظلون في جهالتكم يا معشر العبيد لا العُبَّاد؟! إنه إنسان وليس إله, حاول أن تفهم إنه في الروح فقط من الإله. 
قلت: ولكنكم تقولون أنه إله من إله, و ليس إنسان من إله. وأنت, إن لم أكن مخطئا, إنسان من إنسان. وأعرف أن الحيوان يولد من حيوان, ولم أسمع عن حيوان من إنسان, أو ابن إنسان. والآن أسألك مرة أخرى: هل هو إنسان من إله أم إله من إله؟ هل هو جسد من نور, أم نور من نور؟ 
قالت: يا لهذا الفجور؛ إنك تستهين بالله رب الأرباب. 
قلت لها: حيرتموني! ألم تقولين للتو أنه ليس أصلا بإله! قالت: إن الله مجزأ لأب و ابن و روح الأقداس. 
قلت: ذلك الابن هو ابن الأب إذن, وليس ابن الثلاثة أجزاء!!! 
قالت: ألا تفهم؟! هو ذاته جزء من "الأقانيم الثلاثة"[8] التي تسميها أجزاء. 
قلت: بل أنت من سميتها, ولكن, إن كان هو جزء منها و ليس ابنها, وهي الثلاثة كما تقولون تكون الله, فكيف يكون المسيح وحده إذن هو ابن الله؟ وكيف يكون الأب بالذات هو الله؟! وما محل الروح القدس من الإعراب؟!! وماذا يفعل الاثنان من غير روح عندما تَحلُ على الآباء؟!!! لا تنسي أنها روح واحدة يتبادلها الاثنان, وهما عليها بـ"قرار كَنَسّي أعلى" مُقدمان, و"يهرطق"[9] من لا يلتزم بذلك "الترتيب المقدس للثالوث", مع أن الثلاثة واحد, وهم متساويان!!! ثم ما ذنب الخَليقة كل تلك الملايين من الأعوام؟ عندما كان الآب وحده يحتكر الألوهية في الأذهان! قد أفهم ذلك بالنسبة للابن؛ فقد كان مختبئاً, ينتظر تَكَون شعب اليهود و امبراطورية الرومان, كي ينزل و يُصلب, بعد أن يضرب و يبصق عليه و يهان. ولكن ماذا عن الروح القدس؟ ألم يكن يُكلم كل الرسل و الأنبياء؟! بل و يمتلئ منه القديسين و الآباء! كيف لم يَسُر لهم بأنه جزء من الأجزاء؟! كيف رضي أن يهمله جزء أخر, هو معه سيان؟!! إن لم تشرحي لي كما شرحوا لك, فسأظل عبدا لله, و لن أستطيع أن أتحرر من العبودية مثلك, وأنشئ مع الثلاثة علاقة حب شأن بقية الأحرار. قالت: ستظل عبداً و لن تَخلُص؛ ما دمت لا تعرف قيمة الأجزاء, أما أنا فقَبلت يسوع الذي كان يحوم حولي منذ الصغر, وأخيرا فتحت له الباب, هو يحبني وتحمل كل العذاب والإهانة لأجلي, ومات على الصليب ليخلصني من الخطيئة الأصلية للإنسان. 
قلت لها: ألا تقولون أنه قد قام من الموت بعد ثلاثة أيام؟! قالت: بالطبع. 
فقلت: لقد استرد إذن ثمن الفداء!!! وبالتالي لم ترفع عنكم بَعد خطيئة التفاح! 
قالت: و هل كنت تريد أن يظل لله إلى الأبد بين الأموات؟! إنه إله, و يفعل ما يشاء. 
قلت: و ما حاجة الإله للموت إذن, إن كان يقدر أن يخلصكم دون أن يموت, ناهيك على أن يُعرض نفسه للضرب وللبصاق. 
قالت: لقد فعل ذلك لأنه يحبنا, ويريد أن يخلصنا من خطيئة آدم الفجعان. 
قلت: لقد وسوس لآدم الشيطان, فلماذا لم يدفع الثمن هو أصلا؟! بدل يسوع الذي ليس له ذنب بالأمر و لم يكن بالحسبان!! 
قالت: و لكن هكذا ذنب لا يغفره إلا إله ابن الله. 
قلت: قد قال بولس في كتابكم أن "الشيطان هو إله هذا الدهر"[10], وقال أيوب أنه "من أبناء الله"[11]. 
قالت: تلك أمور قد أُضيفت إلى الكتاب المقدس, تماما كما أضيف بظلم على لسان "القديس بولس الرسول" ما يفيد أنه عدو للنساء. 
قلت: إذن أنتم في كتابكم تعترفون بالزيادة و النقصان. قالت: بلى, فلسنا متحجري العقل و لا الفؤاد. 
فقلت: وماذا عما قاله "يوحنا" في رؤياه[12]؛ عن الضربات وشطب النصيب من "شجرة الحياة"[13], لمن يزيد أو ينقص حرفا من الكتاب!!! كم من الآباء يا ترى سيحمل وزر تلك اللعنات و النكبات؟! ويُحرَم من "المدينة المقدسة"[14] الوارد ذكرها في رؤياه!!! ثم تخيلي معي, لو أنني أستاذ, وأنت تدرسين كتابي, ولكنك تعلمين أن نسختك قد غيروا فيها وزادوا وأنقصوا من الكلمات و النصوص بل والأسفار, ولست متأكدة أي من ذلك كلامي فعلا, وأيهُ من خطأ النُساخ, أو بعمد من الشيطان. وجاءتك أسئلة, وجدت في نسختك عليها إجابات متناقضة, أو لم تجدي لبعضها إجابة على الإطلاق! فما أنت فاعلة بالامتحان الذي سيتوقف عليه مستقبلك و تخرجك إلى الحياة؟!!! 
قالت: أختار أصح إجابة, وأبحث عن الباقي في ما يقول لي الأساتذة الآباء. 
قلت: وإن عرفتي أنني وحدي أنا الأستاذ, ولن أقبل إجابة مبنية على قول المقلدين والنُساخ, ومن يفعل ذلك في امتحاني النهائي, أُسقطه, بل وأطرده من مدرسة الحياة. قالت: مثالك ضدك ليس ضدي, فمدارسكم كذلك فعلا معشر الإسلام, أما أنا فقد درست منذ الصغر في مدرسة مسيحية, وشتان في أسلوب التعليم و الجزاء بين الاثنان. 
تساءلت: أليس أبواك مُسلمان؟!!! 
قالت: بلى, ولكن تلك المدرسة أرخص من مثيلاتها, رغم أنها للرُقي و لللغة الإنجليزية عنوان. 
قلت بحسرة شديدة: ليس حبا بالعلم يا مسكينة, ولكن تغريباً و غسل دماغ. من يدفع الفرق يا فهيمة؟ أليس مجلس الكنائس العالمي أو الفاتيكان؟! ها قد تعلمت الإنجليزية وحياة الأكابر, فيا لفرحة أهلك بالمقابل. 
قالت: هذه حياتي الشخصية, و يكفي أنهم قد فرضوا علي الاسم والهوية, أما الدين فأنا من أختاره؛ فقد علموني في الكنيسة حقوقي, وأذاقوني حتى الثمالة من طعمة الحرية. لا أزال أجد حلاوتها على لساني, رغم الصداع الشديد بعد أن استيقظت من نومتي الهنية. لقد حرروني من كل قيودي وأغلالي, وتَفتح ذهني, ولم أعُد تلك الغبية. أنا اليوم أملك قراري, وقد قررت أن أدوس على كل أسمالكم البَلية. لا أعني الحجاب فقط؛ بل وأيضاً... خرقة العُذرية.
قارنت بين حالة العلماء المسيحين الذين أسلموا وبين حالتها المَرَضيَة. فحمدت الله الذي ضم الينا خيارهم ورمى لهم شرارنا, تلك فعلاً قسمة مُرضيَّة. 

الجمعة، 5 يونيو 2020

عرض لكتاب نادر يفضح مدى تواطؤ الانتداب البريطاني مع اليهود

عرض لكتاب نادر يفضح مدى تواطؤ الانتداب البريطاني مع اليهود

د. إيهاب عويص
مـــرت عـــلينا قـــبل أيـــام ذكـــرى "الـــنكبة" الـــتي اخـــتار لـــها الـــسياســـيون يـــوم 1948/5/15م كـــتاريـــخ "لـــبدايـــة" قـــيام الـــعصابـــات الـــصهيونـــية بـــالمـــجازر والـــفظائـــع وأعـــمال النهـــب الـــتي أدت إلـــى طـــرد مـــا يـــربـــو عـــلى 750 ألـــفا مـــن الفلســـطينيين مـــن بـــيوتـــهم وأراضـــيهم، وهـــدم أكــثر مــن 500 قــريــة وتــدمــير المــدن الفلســطينية الــرئــيسية وتــحويــلها إلــى مــدن يــهوديــة بــعد تـــغير أســـمائـــها إلـــى الـــلغة الـــعبريـــة. ولـــكن انتشـــر فـــي الآونـــة الأخـــيرة نـــسخة مـــصورة مـــن كـتاب نـادر يـوضـح أن المـأسـاة الـحقيقية قـد بـدأت قـبل ذلـك بـثلاث عـقود مـن الـزمـن بـتواطـؤ فاق كافة التوقعات من الانتداب البريطاني.
الــكتاب طــبع فــي شهــر نــوفــمبر مــن ســنة 1938م، أي قــبل حــوالــي عشــر ســنوات مــن قــيام الـــكيان الـــصهيونـــي الـــغاصـــب. ويـــبدو أن أحـــد الـــعائـــلات الـــتي تـــوارثـــه قـــد قـــامـــت مـــشكورةً بـتصويـره ونشـره عـبر وسـائـل الـتواصـل. ولشـد مـا أعـجبني، فـقد حـاولـت الـبحث عـن طـبعة جـــديـــدة مـــنه قـــد تـــتوفـــر فـــي المـــكتبات، إلا أنـــني لـــم أوفـــق إلا بـــالـــعثور فـــي أحـــد المـــتاجـــر الإلــكترونــية عــلى نــسخة واحــدة مــن طــبعتها الــيتيمة، بــسعر عــال نســبيا، رغــم أنــها بــحالــة سيئة وبدون غلاف. وتـــكمن أهـــمية هـــذا الـــكتاب فـــي كـــون صـــاحـــبه كـــان شـــاهـــد عـــيان عـــلى تـــلك الـــفترة، وفـــي الــصور الــتي وثــقت الأحــداث المــذكــورة، خــاصــة وأن الــتصويــر والتحــميض وقــتها لــم يــكن بـالأمـر السهـل كـما هـو الـحال الـيوم، وبـالـذات بـالنسـبة للفلسـطينيين، وبـالأخـص بـالنسـبة لـتصويـر الجـرحـى فـي المسـتشفيات، أو الـعقوبـات بـحق المـواطـنين (مـنها ربـط أذن أحـدهـم بـحبل طـويـل وشـده)، والـتي أُخـذت خـلسة حسـب تـوضـيحه جـزاه الله عـنا كـل خـير. وحـتى تـــصويـــر المـــظاهـــرات كـــان مـــن مـــسافـــة بـــعيدة أو مـــن عـــلى الشـــرفـــات أو اســـطح الـــبنايـــات، وتصوير القرى والمدن المنكوبة كان بعد التفجير والاحراق. كـما تـكمن أهـمية ذلـك الـكتاب الـنادر أيـضاً فـي الـصور الأخـرى الـتي اسـتطاع صـاحـبه الـــوصـــول إلـــيها عـــن تســـليح وتـــدريـــب الـــقوات الإنجـــليزيـــة لـــليهود، ومـــقارنـــة ذلـــك بـــتصويـــر فلسـطينيين بـعد حـكم الاعـدام عـليهم بـتهمة الـحيازة لمجـرد مسـدس، أحـدهـم عـمره خـمسة وســــبعين ســــنة. بالإضافة إلــــى تــــوثــــيق أمــــثلة مــــن تــــدمــــير المــــساجــــد وأضــــرحــــة الــــصحابــــة رضـوان الله عـليهم وتـمزيـق الـقرآن الـكريـم. كـما تـضمن الـكتاب صـور تـدمـير مـنازل الـثوار بـعد سـلبها، وأخـرى لـسجن قـرى بـأكـملها عـن طـريـق بـناء سـياج مـن الأسـلاك الـشائـكة لا تـفتح إلا 3 مـرات بـالـيوم، ولمـدة نـصف سـاعـة لـكل مـرة. وحـتى صـور لـتدمـير واحـراق قـرى واحــياء بــل ومــدن بــأكــملها عــندمــا تــتكرر بــها الــثورة رغــم كــل ذلــك. والأدهــى أن المــدة الــتي كـان يـعطيها الإنجـليز لـلسكان لـنقل مـمتلكاتـهم قـبل الـنسف بـالـديـنامـيت كـانـت 24 سـاعـة، لا يســتطيعون اســتخدام إلا ســت ســاعــات فــعلية مــنها نــتيجة لــفرض حــظر الــتجول طــوال الــليل وبــقية الاجــراءات الــتي تــفرضــها قــوات الانــتداب عــليهم. و ُيظهــر صــاحــب الــكتاب أن ســــبب تــــلك الــــسياســــة الإنجــــليزيــــة الــــظالمــــة هــــو: "إجــــلاء الــــشعب الــــعربــــي عــــن بــــلاد آبــــائــــه وأجداده، وإحلال شعب غريب ُيجلب من آفاق الأرض محله". وقـــــد عـــــدد فـــــي كـــــتابـــــه حـــــالات الـــــعصيان المـــــدنـــــي والمـــــظاهـــــرات، والـــــثورات الـــــتي قـــــام بـــــها الــسكان ضــد هــذا المخــطط الــظالــم، حــتى انــتهى إلــى الاضــراب الــعام الــدائــم الــذي بــدأ يـوم الأحـد 1936/4/19م، ثـم تـطور إلـى الـثورة الـكبرى "الـتي امـتدت حـتى يـومـنا هـذا - تشرين الأول 1938م - ولاتزال في منتهى شدتها" (أي وقت طباعة الكتاب). ورغـــم أن الاحـــتلال الانجـــليزي لفلســـطين كـــان فـــي ســـنة 1917م، إلا أن صـــاحـــب الـــكتاب اعــتذر عــن عــدم تــوفــر صــور لــديــه قــبل ســنة 1921م (وهــي الــسنة الــسابــقة لإقــرار "عــصبة الأمــم الانــتداب الانجــليزي عــلى فلســطين بــشكل رســمي عــلى أســاس وعــد بــلفور). ولــكن السـبعة عشـر عـامـاً الـتي وثـقها فـي كـتابـه (1921-1938م) كـانـت كـافـية لـتكشف لـنا مـدى وحـشية الـعصابـات الـيهوديـة، وتـغولـها عـلى الفلسـطينيين تـحت حـمايـة الإنجـليز، سـواء فـي المـدن بـإلـقاء قـنابـل فـي الأسـواق المـكتظة وعـلى المـصلين فـور خـروجـهم مـن صـلاة الجـمعة. أو فـــي الـــقرى بـــالإغـــارة عـــليها ونهـــب المـــمتلكات وتـــدنـــيس المـــقدســـات وتـــرويـــع الآمـــنين عـــن طـــريـــق الاعـــتداء عـــلى الـــنساء والأطـــفال، وقـــذف "مـــاء الـــفضة" عـــلى اجـــسادهـــم لحـــرقـــها وتشويهها، واتلاف عيونهم بواسطة الرش. والـعجيب أن هـذا لـم يحـدث فـقط تـحت نـظر وحـمايـة الإنجـليز، بـل يـروي لـنا قـصة حـدثـت خـــلال الـــثورة الـــثانـــية فـــي 1921/5/1م تـــثبت تـــورطـــهم المـــباشـــر بـــحقد تـــقشعر لـــه الأبـــدان: "وكـان مـن وقـائـعها أن الإنجـليز أسـروا مـرة أربـعين جـريـحاً عـربـياً بـعد مـوقـعة جـرت بـينهم وبــين الــعرب بــجوار مســتعمرة مــلبس الــيهوديــة، فــجاءوا بــهم إلــى هــذه المســتعمرة، وعهــدوا بهم إلى اليهود، وهناك أجهز عليهم اليهود وقتلوهم شر قتلة". ولـــم يـــملك غـــالـــبية الـــسكان غـــير المســـلحين مـــا يـــدفـــعون عـــنهم هـــذا الـــبلاء إلا بـــالمـــظاهـــرات، ورغـم ذلـك كـانـت انـتقام الإنجـليز قـاسـيا جـدا، فـداسـوهـم بـأقـدام جـيادهـم، وعـلقوا قـادتـهم عـــــلى أعـــــواد المـــــشانـــــق، بـــــل وأحـــــد الـــــصور كـــــانـــــت لـــــشهيد بـــــقر الـــــجنود الانجـــــليز صـــــدره بحـرابـهم. وحـتى المـساجـد لـم تحـميهم، فـأحـدهـم أُطـلق الـنار عـلى وجـهه مـن مـسافـة قـريـبة فــور خــروجــه مــن المسجــد، أدت إلــى قــتله وتــشويــه وجــهه تــمامــا. بــل وكــان الــجنود الإنجــليز يتحـرشـون بـالمـتظاهـريـن السـلميين عـن عـمد ليسـتفزوهـم، فـلا يجـدون مـا يـدافـعون بـه عـن أنفسهم إلا برمي أحذيتهم والحجارة، ليبدأ القتل والتنكيل بهم من كل جانب.
ثــم وصــف صــاحــب الــكتاب أحــد الأســالــيب الــدنــيئة الــتي مــارســها الإنــكليز ضــد المــدنــيين، وأطـلقوا عـليها أسـم "الـتفتيش" ومـا هـي بـالـتفتيش كـما أوضـح، بـل كـانـت "عـملية تخـريـب وتـــفظيع، وتـــعذيـــب وتـــقتيل، وســـلب ونهـــب"؛ حـــيث يـــدخـــلون كـــل يـــو م تـــقريـــباً عـــلى قـــريـــة أو مـديـنة صـغيرة فـيتصيدون بـعض رجـالـها بـالـرصـاص ويـضربـون آخـريـن، ويـقتلون المـاشـية. ثــم يــدخــلون الــبيوت والــحوانــيت بــدعــوى تــفتيشها فيخــربــونــها ويكســرون الابــواب والــنوافــذ ويحــطمون الأثــاث والأوانــي، ويــمزقــون الــقرآن، ويــتلفون الــثياب والمــؤن بخــلطهم عــن عــمد حــتى لا يــنتفع بــأي مــنهما، ثــم يــصبون فــوقــها مــا يجــدونــه مــن الــسمن والــزيــت والــبترول. وبــــعد أن ينهــــبون مــــا تــــصل إلــــيه أيــــديــــهم مــــن الــــنقود الحــــلي والأشــــياء الــــثمينة يجــــمعون الأهـالـي لـيسوقـونـهم إلـى مـكان خـارج الـقريـة، حـيث يـفتشونـهم مـنفرديـن، ثـم يـتركـوهـم مـدة طــويــلة تــحت أشــعة الــشمس. وكــل هــذا مــوثــق بــالــصور، بــعضها حــصل عــليه مــعد الــكتاب مـن كـراسـة أصـدرتـها سـيدة إنجـليزيـة نـبيلة كـانـت تـقيم فـي حـيفا، هـالـها مـا ارتـكبه قـومـها مــن فــظائــع فــي قــريــة "إجــزم" بــجوار حــيفا، فسجــلت مــا أمــكنها تــصويــره، مــع تــوضــيحه باللغة الإنجليزية.
وكـــان مـــن نـــتائـــج الـــتفتيش وتـــفجير الـــقرى بـــالـــديـــنامـــيت وحـــرقـــها أن هـــاجـــر ســـكان الـــقرى والــبلدات إلــى المــدن الــكبيرة، حــتى لــم تــعد تــتسع المــساكــن فــأقــامــوا بــالمــساجــد والــكنائــس والــحوانــيت والــشوارع. وتــوســع الــيهود فــي مســتعمراتــهم. بــينما انــشغل الإنجــليز بــاعــتقال الأهالي من الشوارع وتحميلهم بالسيارات بالقوة ليقوموا ببناء الطرق وأعمال السخرة. الـكتاب يـعتبر بـمثابـة وثـيقة تـاريـخية عـن جـرائـم تـلك الـفترة الـتي لـم تـأخـذ حـقها مـن الـبحث بـــــعد أن غـــــطت عـــــليها جـــــرائـــــم أفـــــظع تـــــم ارتـــــكابـــــها بـــــعد عـــــام 1948م. ولـــــكن بـــــعد قـــــرائــته والاطــــلاع عــــلى الــــصور المــــوثــــقة فــــيه، نــــصل إلــــى نــــتيجة مــــفادهــــا أن جــــرائــــم الــــيهود بــــعد 1948م لـم تـكن إلا اسـتفحالاً لمـا بـدأتـه قـبل ذلـك بـثلاثـة عـقود، وأن تـلك الجـرائـم بـرمـتها لـم يـكن ليجـرؤ الـيهود عـلى الـقيام بـها لـولا حـمايـة ومـساعـدة الانـتداب الـبريـطانـي، الـذي وإن كـان يـدرك أي قـارئ لـلتاريـخ أنـه لـم يـكن يـقف عـلى الـحياد كـما ادعـى، إلا أنـني شـخصياً رغــم كــثرة قــرائــتي فــي ذلــك صــعقت فــعلاً مــن مــدى انــحيازهــم وتــواطــئهم ومــشاركــتهم، بــل ومدى دناءة أساليبهم في ذلك.
Palestine book

السبت، 30 مايو 2020

نصر من بين ركام الهزيمة(التدبير الإلهي في قلب الموازين)

نصر من بين ركام الهزيمة
(التدبير الإلهي في قلب الموازين)


يعيش المسلمون حالياً في واحدة من أحلك فترات تاريخهم؛ ففي هذا الزمن الذي توقفت فيه الحروب في غالبية البلدان، ماتزال نيرانها مستعرة في بلادهم. وفي الزمن الذي رُسمت فيه الحدود وتوقف الاحتلال، ماتزال كثير من أراضيهم محتلة، ليس بأطراف بلادهم البعيدة وحسب كتركستان الشرقية وغيرها، بل وفي قلب بلادهم؛ أولى قبلتيهم ومسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم. وفي الزمن الذي تتكتل فيه الدول من قوميات ولغات مختلفة، متناسية خلافاتها، تتقسم وتتشرذم دولهم ذات نفس القومية واللغة، بالإضافة إلى الدين والتاريخ المشتركان، بل وتتراشق فيما بينها. وفي الزمن الذي يحل فيه للجميع كراهية الإسلام والمسلمين، والتحريض ضدهم وتحقيرهم في الفن والإعلام بل وأحياناً بالمقررات المدرسية، وممارسة التمييز والإرهاب بحقهم، وحتى تقتيلهم. يحرم عليهم الرد بالمثل، ويطالبون دون غيرهم بضبط النفس، بل وبالتبرؤ من جميع أشكال العنف والكراهية السابقة، بما فيها تلك التي توفرت لها أسباب مشروعة دولياً.
 وفي هذا الزمن نجد أن أكبر نسبة من القتلى، والمضطهدين والمهجرين في العالم هي من المسلمين. وأكبر نسبة من الشائعات والاتهامات في العالم موجهة ضد المسلمين، وأكبر نسبة من الأكاذيب والافتراءات هي بحق دينهم، وأكبر نسبة من التدليس والتزوير هي من نصيب تاريخهم.
جيوشهم لم تنتصر بمعركة منذ سنين بعيدة إلا على أبناء جلدتها. وعلماؤهم لم يجدوا الفرصة للنباغة والإبداع إلا عند أعدائهم. وأموالهم استثمرت في كل شيء إلا في اكتفائهم الذاتي واستغنائهم عن تكنولوجيا المتحكمين فيهم.
وقد استسلم معظم المسلمين لليأس؛ حتى صار أكثرهم تفاؤلاً لا يعول على نهوض الأمة قبل أقل من جيلين. وبلغت الانهزامية والانبطاح فينا مبلغاً تعالى فيه نعيق الداعون إلى استمراء الذل والهوان. وإلى الاعتراف بالأمر الواقع، والتكيف معه بدعوى استحالة تغيره، واستحالة عودة ماضينا التليد، بل وعدم الرغبة بعودته أصلاً، لمنافاته للأعراف العصرية التي أقرها أسيادنا الجدد. وتعالت أصوات على الضفة الأخرى تقرقع دون صحة أساس وتجعجع دون ذرة طحين. ووسط هذا كله ران صمت مطبق من الغالبية المغلوب على أمرها، التي أقرت بعدم استحقاقها النصر الإلهي وهي بهذا الضعف والهوان. ولكن غاب عنها أن عدم استحقاقها لا يعني عدم استحقاق الإسلام لنصر الله، وان كان أتباعه منهزمين.
كنت قد بدأت المقال بأن هذه الفترة هي من أحلك فترات تاريخ المسلمين، وهذا يعني أنه قد كان هناك فترة أحلك منها، وكان المسلمون آنذاك أكثر ضعفاً وهواناً، فكيف نصر الله دينه حينها رغم ذلك؟!
بدأ غزو التتار لبلاد الإسلام في بداية القرن الثالث عشر وتحديداً سنة 1219م فاجتاحوا كازاخستان ثم أوزبكستان ثم تركمنستان ثم أفغانستان ثم إيران ثم أذربيجان، حتى اقتربوا من العراق وكل هذا في سنة واحدة!
وبعد أن قضى التتار  على القوات الإسلامية هناك، مكثوا سنوات يرسخون حكمهم، دون أن تخرج عليهم ثورة إسلامية واحدة، ودون أن يتحرك لقتالهم جيش إسلامي واحد، مع أن جيوش المسلمين كانت تملأ المناطق المجاورة في العراق والشام ومصر والحجاز وغيرها!!
وقد بلغ من استسلام المسلمين وهوانهم في تلك الحقبة ما رواه ابن الأثير في (الكامل 10/494): "كان التتري يدخل القرية بمفرده، وبها الجمع الكثير من الناس فيبدأ بقتلهم واحدًا تلو الآخر، ولا يتجاسر أحد المسلمين أن يرفع يده نحو الفارس بهجوم أو بدفاع". وكتب أيضاً: "ولقد بلغني أن إنسانًا منهم أخذ رجلاً، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح؛ فوضع رأسه على الأرض، ومضى التتريُّ فأحضر سيفًا وقتله به".
ثم ما لبث التتار أن دخلوا العراق حتى حاصروا بغداد عاصمة الخلافة العباسية، فخرج إليهم الخليفة مسالماً، بمشورة وزيره الشيعي "مؤيد الدين العلقمي"، فكان مصيره القتل رفساً بالأقدام امعاناً في إهانة مكانة الخلافة في نفوس المسلمين. ثم دمر التتار مكتبة بغداد، التي كانت أعظم مكتبة على وجه الأرض في ذلك الزمن، بما احتوت من عصارة فكر المسلمين لأكثر من ستمائة عام في مختلف العلوم والفنون والآداب، والتي القيت جميعها في نهر دجلة، حتى تحول لون مياهه إلى الأسود من أثر مداد الكتب.
وقبل أن تجف دماء المليون مسلم الذين قتلوا في بغداد، توافد معظم أمراء المسلمين من العراق والشام على زعيم التتار (هولاكو) ليقدموا له فروض الطاعة والولاء. ولكن هوانهم لم ينجهم من مصيرهم المحتوم، بل عجله عبر نقض العهود واستعداء بعضهم على بعض، حتى استطاع التتار خلال عامين إثنين فقط من احتلال بقية أراضي العراق، وكامل بلاد الشام، وأجزاء كبيرة من تركيا.
طوال هذه المدة لم يهزم التتار هزيمة حقيقية، وحتى فشلهم باحتلال مصر وخسارتهم فلسطين بسبب قوة إيمان الملك المظفر (سيف الدين قطز)، لم تؤثر على كونهم مايزالون يسيطرون على غالبية بلاد المسلمين. فكيف هزمهم المسلمون و استعادوا تلك الأراضي الشاسعة، وضموا للبلاد الإسلامية أراض التتار وكثير من الأراضي الأخرى التي احتلوها كما نرى في خارطة العالم الإسلامي؟!
في الحقيقة لم يفعلوا، فلم تكن لهم القوة الكافية لأقل من ذلك. فكيف حصل كل هذا إذن؟!
إن لله جنوداً لا يعلمهم إلا هو، ومن بين أولئك الجنود دعاة مغمورون، لا نكاد نعثر في التاريخ على اسم واحد منهم، ولكن أفضالهم لا تقل أهمية عن أفضال أي من الفاتحين المشهورين في التاريخ الإسلامي. وقد أبدى المؤرخ  (توماس أرنولد) استغرابه في هذا الصدد في كتابه المشهور Preaching of Islam "الدعوة إلى الإسلام" حيث قال: "… ولكن لم يكن لينهض الإسلام من تحت أنقاض عظمته الأولى، وأطلال مجده الخالد، كما استطاع بواسطة دعاته أن يجذب أولئك الفاتحين المتبربرين ويحملهم على اعتناقه، ويرجع الفضل في ذلك إلى نشاط الدعاة من المسلمين الذين كانوا يلاقون من الصعاب أشدها لمناهضة منافسيين قويين، كانا يحاولان إحراز قصب السبق في ذلك المضمار، وليس هناك في تاريخ العالم نظير لذلك المشهد الغريب، وتلك المعركة الحامية التي قامت بين البوذية والمسيحية والإسلام، كل ديانة تنافس الأخرى، لتكسب قلوب أولئك الفاتحين القساة، الذين داسوا بأقدامهم رقاب أهل تلك الديانات العظيمة ذات الدعاة والمبشرين في جميع الأقطار والأقاليم…". ثم توج ذلك النصر العجيب بإسلام أحد أكبر زعماء التتار، الذي كان ابن عم هولاكو مباشرة، وتسمَّى باسم (بركة)، ثم ما لبث أن تولى زعامة "القبيلة الذهبية" المسيطرة على بلاد القبجاق (أحد أكبر أقسام الامبراطورية التترية التي قسمت على أبناء جنكيز خان، وتقع في روسيا حالياً)، وأصبح اسمه (بركة خان). وبإسلامه دخل رعاياه في دين الله أفواجاً. وتدريجياً دخل الغزاة القاهرين في دين المقهورين، وذابوا في المجتمعات الإسلامية التي حكموها وأصبحوا من أهلها. وهكذا تم نصر الله لدينه بطريقة ما يزال يعجب منها كل دارس لتاريخ تلك الفترة.
ولكم أن تقارنوا بين حال المسلمين زمن الاحتلال التتري، الذي ظنه الكثيرون نهاية الإسلام، حتى كتب الكثير من علماء المسلمين ومؤرخيهم في تلك الحقبة يرثون العالم الإسلامي، وبين حالنا الآن، ليتلاشى اليأس من روح الله، ويحل محله التفاؤل وحسن الظن بالله. فحتى وإن ضعفت قوة المسلمين، فالله قادر أن يغير من حال إلى حال.
وقد حدثنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم  عن حقبة أخرى في آخر الزمان سيضعف فيها المسلمون عن مواجهة قوم تتضائل أمامهم قوة وبطش التتار والصليبيين والصهاينة، بل وقوة كل البشر مجتمعين: "...أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى : إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا ، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ" رواه مسلم (2937) وكيف أن الله نصر دينه، وأباد أعداء المسلمين بواسطة أحد أضعف مخلوقاته؛ ألا وهو الدود.
وكما ترون، فنحن نعيش حالياً بين حقبتين عانى فيهما المسلمون ضعفاً أكثر بمراحل بعيدة من الضعف الذي نعاني منه الآن، وشاء الله بتدبيره أن يقلب موازين القوى وينصر الإسلام فيهما بطريقتين مختلفتين كانتا فوق امكانية أي تدبير بشري.
ونحن لا نعلم بأي طريقة سينصر الله دينه في حقبتنا هذه، ولا كيف سيقلب موازين القوى:
 هل ستكون بواسطة دعاة الإسلام والمسلمين الجدد في أوروبا وأمريكا بطريقة مشابهة لما أوضحناه أعلاه في قصة التتار؟!
 أم ستكون بواسطة التغيرات الحاصلة حالياً بفعل فيروس الكورونا؟! خاصةً وأنه لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، ولا يبدو أن العالم بعدها سيظل كما عرفناه قبلها.
 أو ستكون بطريقة شبيهة بالطريقة الاعجازية التي نصر بها الروم بعد غلبهم كما أوضحنا في مقال: (معضلة رضوخ هرقل في قمة جبروته)؟!
 أو بواسطة بدء دورة جديدة من الزمن تدريجياً، كما أوضحنا في مقال (مفاهيم خاطئة) تنهار فيها التكنولوجيا، وتتوقف الأجهزة الكهربائية والإلكترونية عن العمل، ويعود النصر مرتبطاً بالسيف ونواصي الخيل كما نفهم من أحاديث كثيرة مثل: "...فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ ، هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَجَاءَهُمُ الصَّرِيخُ ، إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ ، فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَيُقْبِلُونَ ، فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ..." (صحيح مسلم 5291)، أو حتى فجائياً كما استقرأ (آينشتاين) عالم الذرة الذي بُنِيتْ القنبلة النووية أفكاره حين قال: "لا أعلم بأي سلاح سيحاربون في الحرب العالمية الثالثة، لكن سلاح الحرب العالمية الرابعة سيكون المقلاع"، مشيراً إلى أن الحرب العالمية الثالثة لن تبقي أي بنية تحتية لصناعات الأسلحة الحديثة، مما سيجبر الإنسان إلى العودة مرة أخرى إلى السيف وأسلحة القذف المباشر كالمقلاع الذي تقذف به الحجارة.
 أم قد تكون بواسطة عبقرية رجل واحد فقط من رجالات المسلمين، يحسن استخدام مواهبه بالطريقة التي أوضحناها في مقال (القدرة الكامنة)، كذلك الرجل الصالح (لقب بالمهدي في الأحاديث الضعيفة) الذي قال عنه رسولنا الكريم  صلى الله عليه وسلم : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُمْلَأَ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَجَوْرًا وَعُدْوَانًا، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مَنْ يَمْلَؤهَا قِسْطًا وَعَدْلًا ، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا" صححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأيضاً الألباني في "الصحيحة" (4/40).
⁃ أو بواسطة جندي آخر من جنود الله الذين لا يعلمهم إلا هو، والذي قد لا يكون بشراً؟
 أو بواسطة كل تلك الأمور مجتمعة أو بعضها أو غيرها؟!
لا نعلم ذلك في الحقيقة، ولكننا نعلم يقيناً أن الله لا ريب ناصر دينه ومحقق وعده، سواءً ساهمنا في ذلك مع العاملين، أم جلسنا باستسلام نندب حظنا مع القاعدين.