الاثنين، 10 أغسطس 2026

فوز عبدول السيد في ميشيغان.. هل تغير غزة موازين القوى داخل الحزب الديمقراطي؟

  فوز عبدول السيد في ميشيغان.. 
هل تغير غزة موازين القوى داخل الحزب الديمقراطي؟

ألطاف موتي
حسم عبدول السيد فوزه بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان
  • من غزة إلى ميشيغان.. كيف يتحدى عبد السيد المنظومة الديمقراطية التقليدية؟

تكشف الحملات السياسية أحيانا عن تحولات تاريخية أعمق بكثير مما تظهره نتائج الانتخابات وحدها. ويبدو أن فوز عبد السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان يمثل إحدى تلك اللحظات. ومع أن السباق كان رسميا منافسة بين مرشح تقدمي وآخر تدعمه المؤسسة الحزبية، إلا أن الحملة كشفت عن تحول أوسع داخل الحزب الديمقراطي؛ إذ سلطت الضوء على تغير المواقف تجاه حرب غزة، واختبرت نفوذ منظمات الضغط (اللوبيات) النافذة، وأثبتت الأهمية المتنامية للحركات السياسية الشعبية.

وسواء فاز عبد السيد في الانتخابات العامة أم لا، فإن الانتخابات التمهيدية بحد ذاتها قد طرحت بالفعل سؤالا أكثر أهمية: هل يدخل الحزب الديمقراطي حقبة سياسية جديدة تبدأ فيها الافتراضات التي صاغت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط لعقود من الزمن بالتغير؟

استثمرت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) والمنظمات السياسية المؤيدة لإسرائيل المتحالفة معها بكثافة لدعم خصم عبد السيد

غزة لم تعد مجرد قضية سياسة خارجية

لعقود طويلة، ظل الدعم لإسرائيل أحد أقوى نقاط الإجماع الحزبي في واشنطن. ورغم أن الرؤساء اختلفوا أحيانا مع الحكومات الإسرائيلية بشأن المستوطنات أو التكتيكات الدبلوماسية، إلا أن العلاقة الإستراتيجية نادرا ما تحولت إلى قضية محورية في الانتخابات المحلية.

وقد أدت حرب غزة إلى تغيير هذا المشهد السياسي.

فقد أدت التداعيات الإنسانية للصراع إلى تكثيف النقاش داخل الحزب الديمقراطي، لا سيما بين الناخبين الشباب، والأمريكيين العرب، والنشطاء التقدميين، والمجتمعات الجامعية، والعديد من الأمريكيين اليهود الذين انتقدوا علنا إدارة الحكومة الإسرائيلية للحرب. ونتيجة لذلك، أصبحت سياسة الشرق الأوسط متداخلة مع نقاشات محلية أوسع تتعلق بحقوق الإنسان، والقانون الدولي، وحرية التعبير، واتجاه القيادة الأمريكية.

وتجسد ولاية ميشيغان هذا التحول بوضوح شديد؛ فهي موطن لواحدة من أكبر الجاليات العربية الأمريكية في الولايات المتحدة، وأصبحت الولاية مركزا للسخط السياسي خلال حركة "غير ملتزم" في الانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 2024. وقد بنيت حملة عبد السيد على هذه البيئة السياسية المتغيرة، بينما دمجت ذلك مع أجندة أوسع تركز على الرعاية الصحية، والإسكان ميسور التكلفة، وسلطة الشركات، والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

ولا يكمن المغزى في أن غزة وحدها هي التي حسمت الانتخابات، بل في أنها أثبتت أن سياسة الشرق الأوسط باتت قادرة الآن على التأثير في السياسة الانتخابية بطرق كان من الصعب تخيلها قبل سنوات قليلة فقط.

اختبار للنفوذ السياسي الراسخ

أصبحت الحملة أيضا اختبارا مهما للنفوذ السياسي في واشنطن.

فقد استثمرت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) والمنظمات السياسية المؤيدة لإسرائيل المتحالفة معها بكثافة لدعم خصم عبد السيد. وعكس هذا التدخل الأهمية المتزايدة التي توليها تلك المنظمات للسباق في سعيها للحفاظ على الدعم ثنائي الحزب الطويل الأمد لإسرائيل.

وعلى الرغم من ذلك الجهد، فقد فاز عبد السيد.

إلا أن انتخابات واحدة لا تثبت أن "أيباك" قد فقدت نفوذها؛ فهي تظل واحدة من أكثر منظمات الضغط خبرة وفعالية في واشنطن، ولا يزال العديد من المرشحين المفضلين لديها يفوزون بالانتخابات.

ومع ذلك، تشير ميشيغان إلى أن الموارد المالية والتأييد المؤسسي وحدهما قد لا يضمنان النجاح في مواجهة الحملات الشعبية المنظمة جيدا والقائمة على صغار المتبرعين، والمتطوعين، والناخبين المتحمسين للغاية.

وإذا ظهرت نتائج مماثلة في أماكن أخرى، فقد تصبح السياسة الديمقراطية تدريجيا أقل اعتمادا على حراس البوابة التقليديين وأكثر استجابة للحركات الناشطة والطاقة السياسية المحلية.

جرت العادة بأن تصاغ السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط عبر إجماع حزبي داخل الكونغرس، وعلاقات مؤسسية قوية، وحسابات إستراتيجية نادرا ما تتغير كثيرا من إدارة إلى أخرى

لماذا سارع ترامب بالرد؟

كانت الهجمات الحادة التي شنها دونالد ترامب على عبد السيد مباشرة بعد الانتخابات التمهيدية معبرة بالقدر نفسه.

فعلى مستوى ما، انعكست فيها إستراتيجية الحملات الانتخابية القياسية؛ إذ سعى الجمهوريون طويلا لتصوير الديمقراطيين التقدميين على أنهم خارج التيار السياسي الأمريكي السائد.

ومع ذلك، فإن سرعة رد فعل ترامب وشدته يوحيان بشيء أكثر عمقا، حيث بدت حملته عازمة على رسم صورة نمطية لعبد السيد على المستوى الوطني قبل أن يتمكن من تقديم نفسه للجمهور.

ويشير هذا النهج إلى إدراك جمهوري بأن سباق ميشيغان يمثل أكثر من مجرد منافسة محلية، بل هو محاولة لتشكيل التصورات العامة لائتلاف ديمقراطي ناشئ يجمع بين الشعبوية الاقتصادية والنقد المتصاعد للسياسة الأمريكية التقليدية تجاه الشرق الأوسط.

وسواء نجحت هذه الاستراتيجية الجمهورية أم لا، يظل الأمر غير مؤكد، بيد أن حقيقة مسارعة كلا الحزبين إلى التعامل مع السباق باعتباره ذا أهمية وطنية تظهر وزنه السياسي الأوسع.

لماذا يكتسب هذا الأمر أهمية للشرق الأوسط؟

قد تكمن الأهمية الكبرى للحملة فيما هو أبعد من السياسة المحلية.

فقد جرت العادة بأن تصاغ السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط عبر إجماع حزبي داخل الكونغرس، وعلاقات مؤسسية قوية، وحسابات إستراتيجية نادرا ما تتغير كثيرا من إدارة إلى أخرى.

ولا ينبغي للمرء أن يتوقع زوال هذا التماسك سريعا، فالكونغرس، والرئاسة، والبنتاغون، والتزامات أمريكا الأمنية الأوسع كلها تفرض قيودا جوهرية على أي تغيير في السياسة.

إلا أن الانتخابات هي التي تحدد المناخ السياسي الذي تعمل في ظله تلك المؤسسات.

فإذا كان الناخبون في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية يكافئون بشكل متزايد المرشحين المستعدين للتشكيك في جوانب من السياسة الأمريكية الراسخة في الشرق الأوسط، فمن المرجح أن يقوم مرشحو الرئاسة المستقبليون، وقادة الكونغرس، والبرامج الحزبية بتعديل مواقفهم وفقا لذلك.

وهذا لا يعني بالضرورة قطيعة جذرية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، لكنه ينذر بنقاش أكثر حدة حول المساعدات العسكرية، والإستراتيجية الدبلوماسية، والالتزامات الإنسانية، ودور واشنطن في الصراعات الإقليمية المستقبلية.

وبالنسبة للحكومات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، قد يكون التطور الأهم سياسيا لا إيديولوجيا؛ إذ قد تواجه الإدارات الأمريكية المستقبلية ضغوطا محلية أقوى لشرح وتبرير السياسات الإقليمية أكثر من أي وقت مضى في العقود الأخيرة.

كشفت ميشيغان عن أمر يستبعد أن يزول، ألا وهو أن النقاشات التي كانت محصورة يوما في متخصصي السياسة الخارجية أصبحت تؤثر اليوم في المنافسة الانتخابية المحلية

التطلع لما وراء انتخابات واحدة

لا ينبغي النظر إلى صعود عبد السيد ببساطة على أنه نجاح لسياسي تقدمي واحد، بل يفهم بشكل أفضل باعتباره دليلا على أن الحزب الديمقراطي يشهد تغييرا داخليا عميقا.

فقد تحولت حرب غزة إلى قضية سياسية داخلية، وأثبتت الحركات الشعبية قدرتها أحيانا على قهر المعارضة المؤسسية النافذة، بينما يعيد السخط الاقتصادي صياغة التحالفات السياسية، وقد أدرك الجمهوريون مسبقا مغزى هذه التطورات ويحاولون وضع تعريفات لها قبل أن تنضج.

ولا يضمن أي من هذا تحقيق إعادة تشكيل دائمة، فالسياسة الأمريكية طالما أنتجت مرارا حركات بدت تحويلية قبل أن تفقد الزخم.

ومع ذلك، كشفت ميشيغان عن أمر يستبعد أن يزول، ألا وهو أن النقاشات التي كانت محصورة يوما في متخصصي السياسة الخارجية أصبحت تؤثر اليوم في المنافسة الانتخابية المحلية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن نتائجه ستتجاوز واشنطن بكثير لتصل إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء في الشرق الأوسط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق