حين يستعملك ربك
حين يستعملك ربك..
تروى قصة آدم أحيانًا وكأن الأرض كانت عقوبةً نزل إليها الإنسان بسبب خطيئته، وكأن الله أخرجه من نعيم الجنة إلى شقاء الحياة، لكن القرآن يفتح لنا أفقًا آخر؛ فلم تكن الأرض في قصة آدم عقوبة نزل إليها بعد الخطيئة، ولا كان الخروج من الجنة إبعادًا عن مقام التكريم؛ فإن الله تعالى قد قدّر له الاستخلاف في الأرض قبل أن يخلق آدم، وأخبر ملائكته بذلك
فقال سبحانه: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30).
فالأرض لم تكن حادثًا طارئًا فرضته الخطيئة، وإنما كانت ميدان الاستخلاف الذي سبق في التقدير الإلهي، فلم تكن الأرضُ سجنًا أُهبط إليه الجسدُ ليعاقَب، بل كانت محرابًا أُقيم ليتجلى فيه السر، ولم يكن الهبوط انكسارًا في مسيرة العروج، بل كان بدايةَ رحلةٍ قُدِّر لها أن تبدأ بالتطهير لتنتهي بالتمكين.
إن الذين ينظرون إلى القصة بعين الحرف يرون الخطيئة سياجًا يُحاصر الأب الأول، أما الذين يقرؤونها بنور البصيرة فيرون أن الإرادة الإلهية قدرت الخلافة قبل أن تُغرس الشجرة، وكتبت الاستخلاف في الأرض قبل أن تزل القدم، فكيف يكون الهبوط عقوبةً، والقرار الإلهي قد سبق بالخليفة قبل إيجاد المكلف؟
إنما كانت الشجرة ابتلاءً لتتكشف كوامن القدرة، وكانت الزلة سبباً ليتعرف العبد على اسم الرب «التواب»، فلولا العثرة ما انكسر القلب، ولولا الانكسار ما طُرِق باب الاجتباء، ولولا الاجتباء ما أُلبِس الإنسان رداء الأمانة في المعترك.
هناك، عند أعتاب التوبة، لم يكن التلقي مجرد كلمات تُحفظ، بل كان نفحةَ حُب تفتح للروح أفقاً أسمى من جنة الأكل والشرب؛ كان انتقالة من نعيم الجزاء المجلوب بالجاهزية إلى نعيم المجاهدة الصانع للكرامة.
لقد كان آدم في الجنة يُنْعَم عليه، فلما نزل إلى الأرض صار يُستعمل؛ وبين أن تكون مُنْعَماً عليك وبين أن تكون مُستعمَلاً، تتجلى أسرار المحبة، فالأولى عطاء ربوبية، والثانية اصطفاء عبودية؛ الأولى رزق الأجساد والأرواح، والثانية إشراق الأنوار الإلهية على يد العبد لتسري إلى الوجود.
حين يستعملك ربك
الاصطفاء في كتاب الله ليس مقعداً يُستراح عليه، بل هو مضمارٌ يُركض فيه، ليس وثيقة أمان تُريحك من عناء السير، بل نفخة إلهية تُحَمِّلك ثقل العوالم، حين يختارك الله، لا يعدك بليالٍ دافئة بلا سهر، ولا بمسالك مفروشة بالورود؛ بل يعدك بأنه سيكون معك، يُلهمك إن عييت، ويشد أزرك إن ضعفت، ويكون سمعك الذي تسمع به وبصرك الذي تبصر به، وأي شرف لأمة من التراب أصلها، أن يجعل الله من بين أناملها الفانية دلالة عليه، ومن بين كلماتها الضعيفة هدايةً لقلوب عباده؟
إن الناس يرجون الراحة، والعارفين يرجون التمكين في الخدمة، الراحة طينٌ يتطلب السكون، والخدمة نورٌ يبتغي السريان؛ (فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (الأنعام: 122)؛
فكم من إنسان طوى الدهر ذكره لأنه عاش لنفسه في استراحة ومات! وكم من عبد أضناه التعب في أبواب النفع المتنوعة فأضحى اسمه نجماً في السماء تصلي عليه ملائكة الرحمن!
فقيمة المرء ليست في قيمة ما ادخره من هدوء، بل في حجم الشعلة التي اقتبسها من النور الإلهي ليضيء بها ظلمات الآخرين.
قد تكون خدمتك كلمة تثبيتٍ لقلبٍ مكسور، أو مسحة عطفٍ على رأس يتيم، أو غرس علمٍ ينفع الأجيال، أو صبراً شامخاً في وجه الباطل؛ لا تهم الصورة، فالصور خالية، وإنما الإخلاص روحها، وصدق النسب إلى الله سرها.
حين تحاصرك الأثقال، وتستبد بك الرمضاء، وينتابك العياء من طول الطريق، لا تتلفت بحثاً عن ظلال الاستراحة؛ بل انظر إلى علياء الموقف، تطلع إلى الأثر الخفي الذي يتركه حفاؤك في الطريق؛ فلعل هذا التعب الذي تشكوه هو أزكى عبيرٍ يرتفع منك إلى الملأ الأعلى.
ولعل هذا الثقل الذي ينوء به كاهلك هو الحبل الذي يشدك إلى محراب العبودية كي لا تسقط في هاوية الفراغ، الله لا يستعمل المحبوبين ليضنيهم، بل يستعملهم ليظُهر بهم، وليجعل من ذواتهم جسوراً تعبر عليها رحمته إلى عباده.
السؤال الذي ينبغي أن يطرق جدران قلبك كل صباح ليس: ماذا سآخذ اليوم من الدنيا؟، وإنما أين أقامني سيدي في اليوم؟ وفي أي ميدانٍ أجرى نوره على يدي؟ إذا رأيت نفسك تُساق إلى قضاء حوائج الناس، وتُدفع إلى إحياء الموات في النفوس، ويُجرى الخير على لسانك وقلمك وقدمك، فاعلم أنك في مجلس الاجتباء، فلا تقل أرهقتني التكاليف، بل قل: الحمد لله.
إن قصة الإنسان في هذا الكون ليست مرثية نزولٍ من الفردوس، بل هي ملهمة صعود بالإحسان، تبدأ من زلةٍ تُستغفر، لتمر بتوبة تُقبل، فاجتباء يُرفع، فاستعمال يُشرف، حتى تنتهي بالعودة الكبرى؛ عودة ليست كالدخول الأول، بل عودة المحارب الذي يحمل جراحه كأوسمة، ويقدم تعبه كقربان، ويدخل الجنة لا لكونه ساكناً قديماً فحسب، بل لكونه خليفة أدى الأمانة، وحفظ العهد، وعمر الأرض بصدق عبوديته.
إن الأرض لم تكن منفى لآدم، وإنما كانت ميدانًا؛ ولم تكن التوبة سقوطًا، وإنما كانت طريقًا إلى الاجتباء؛ ولم يكن الاجتباء دعوة إلى الراحة، وإنما كان إعدادًا لحمل الأمانة؛ ولم يكن الاستخلاف امتيازًا، وإنما كان استعمالًا، وما أكرم العبد حين يكون الله قد اختاره لشيء.
فاطمئن أيها المكدود في مناهج الخير، وافرح باستعمال الله لك؛ فالراحة لم تُخلق لهذه الدار، فما أشرقت شمس العطاء إلا من فجوة العناء، وما خُلقنا لنستريح بل خُلقنا لنستعمل فإذا أتممنا البناء قيل لنا:
(ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ) (الحجر: 46).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق