آخر كلام
وجهة وطن: رئيس بعقلية مضارب
محمد البغلي
ثمة شخصية متعارف عليها في أسواق الأسهم والعقارات، هي تلك التي تحمل عقلية المضارب الذي يستهدف الربح السريع ضمن مدى زمني قصير.
وغالباً لا ترتبط حركة المضارب ببناء استراتيجيات أو رسم سياسات وخطط بعيدة المدى بل بالفرص المتاحة في فترة محددة، وهي مصحوبة بمخاطر عالية، مما يترتب عليها مكاسب عالية أو خسائر فادحة... حسب التحليل أو التحالفات أو حتى الحظ.
وتوصف شخصية المضارب في الأسواق بأنها «ملح السوق»، أي أنها ضرورية في حركة التداولات، ولكن زيادتها عن حدودها المقبولة قد تسبب أضراراً «نظامية» وفقاعات تدمر الثقة والمؤسسية والشفافية.
هذا ما يترتب على الإفراط في المضاربة في أروقة البورصات والأسواق، أي المرافق التي يفترض أنها تتقبل أو تنسجم مع شخصية المضارب،
فكيف يمكن أن يكون الأمر عندما تكون هذه الشخصية في موضع لا يناسب وجودها أصلاً، كأن يتصرف رئيس الولايات المتحدة الأميركية بعقلية المضارب؟
عقلية ترامب المضاربية لا تتعلق فقط بالاتهامات والشكوك المتزايدة بوجود منافع وتضارب مصالح في الربط بين قراراته وتصريحاته مع أداء أسواق الأسهم والنفط والعملات المشفرة والتي في أكثر من مناسبة تتحرك في اتجاه يسبق تصريحات ترامب بشكل يعزز من مخاوف تسريب المعلومات، بل أيضاً بالطريقة الفوضوية السريعة والمتقلبة في إدارة العديد من الملفات الحساسة والدقيقة سواء الهجرة والحدود في الداخل الأميركي أو خارج أميركا كالرسوم الجمركية فضلاً عن الحرب التي شنتها أميركا مع الكيان الصهيوني في منطقة الخليج العربي وترتب عليها اعتداءات إيرانية غاشمة على دول مجلس التعاون الخليجي. شخصية ترامب المضاربية هي التي شجعته على اقتباس مخاطرة عملية اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته مطلع العام الحالي في عملية شن حرب سريعة على إيران عنوانها الأساسي حملة اغتيالات لصفوف القيادة الإيرانية دون وضع احتمالات بكيفية التصرف في حال لم تفضِ إلى استسلام إيراني مماثل لاستسلام الفنزويليين.
وهذه الشخصية هي التي خفضت أهداف حربها «أو كما يقال في الأسواق: الحد من الخسائر» في إقليمنا الخليجي من الإطاحة بالنظام الإيراني وتدمير السلاح النووي والقضاء على منظومة الصواريخ إلى العمل على مجرد إعادة افتتاح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب، بل إن هذه الشخصية لا تتورع عن المزايدة على مطالب الإيرانيين غير المستحقة في عملية الحصول على رسوم مرور عبر مضيق هرمز عندما تصرح بأن «أي رسوم عبر المضيق ستحصلها أميركا لا إيران» وهو تصريح غير مسؤول، لأن الأصل هو ضمان حرية الملاحة في الإقليم لا أخذ رسوم غير مبررة.
قد يكون في سلوك ترامب اليومي وتصريحاته المتابعة أمثلة لا حصر لها على شخصيته المضاربية، وهذا ما يستوجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تتعامل من خلاله وفق مصلحتها البعيدة المدى من خلال توسيع نطاق الشراكات الدولية والإقليمية وتنويعها والتوصل إلى صيغ تضمن عدم التعرض لأي اعتداءات إيرانية جديدة وعدم وضع عوائق في حركة ملاحة مضيق هرمز.
شخصية المضارب كما هي معروفة في الأسواق حادة ومتقلبة وعنيفة ومخيفة أيضاً، فكيف يمكن الاطمئنان عندما يرأس هذا المضارب أقوى دول العالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق