متى دخل هيروستراتوس مختبر أريزونا؟
حمد حسن التميمي
هناك شجارات تبدأ بالصراخ، وأخرى تبدأ بضبط زاوية الكاميرا. في الأولى يقع الغضب، وفي الثانية يُجهز للنشر.
يضع الإنسان هاتفه على الطاولة، ويتأكد أن الصورة واضحة، ثم يرفع صوته وينتظر أن يرد الطرف الآخر.
لم يعد يريد حل المشكلة؛ صار يريد منها مشهداً.
وبعد أن ينتهي كل شيء، يفتح التسجيل، ويختار الجزء الذي يظهره بالصورة التي يريدها، ثم يضغط زر النشر وينتظر. وحين يظهر التعليق الأول، يشعر أن ما حدث أصبح مهماً.
قد تظن أن هذا المشهد يخص شخصاً يبحث عن الشهرة، لكنك لا تحتاج إلى تصوير شجار حتى تجد جزءاً منك فيه.
تخرج إلى مكان جميل، فتنشغل باختيار الصورة قبل أن تنظر إليه. تطلب الطعام وتتركه يبرد حتى تنتهي من تصويره. تكتب شيئاً تؤمن به، ثم تحذفه لأن الناس لم يتوقفوا عنده كما توقعت. وفي لحظة ما، لا تعود تسأل إن كنت استمتعت بما حدث، بل إن كان الآخرون قد رأوه؛ وكأن اللحظة التي لا تجد شاهداً عليها لم تحدث كاملةً.
هذه الرغبة لم تبدأ مع الهاتف.
قبل أكثر من ألفي عام، أحرق رجل مغمور يدعى هيروستراتوس معبد أرتميس في مدينة أفسس، وكان واحداً من عجائب العالم القديم. لم يكن يريد مالاً، ولم يحمل قضية يدافع عنها.
تقول الرواية إنه أراد شيئاً واحداً: أن يعرف الناس اسمه. فهم أهل المدينة غايته، فعاقبوه ومنعوا الناس من ذكر اسمه، حتى لا يأخذ من جريمته ما جاء من أجله. لكن مؤرخاً سجله، فعبر الاسم أكثر من ألفي عام، بينما ضاعت أسماء كثير ممن بنوا المعبد وحاولوا إنقاذه.
ومن قصته جاءت «الشهرة الهيروستراتية»:
أن يعجز الإنسان عن بناء شيء يلفت الناس إليه، فيهدم شيئاً أكبر منه حتى يلتفتوا.
وقد لا يكون ذلك الشيء معبداً؛ قد يكون بيته، أو سمعته، أو كرامة شخص يحبه.
وفي عام 2010، دخل هيروستراتوس مختبر أريزونا من دون أن يذكر الباحثون اسمه. دخل على هيئة سؤال:
هل يجعلنا التفكير في الموت أكثر رغبة في الشهرة؟
طلب باحثون، من بينهم جيف غرينبرغ من جامعة أريزونا، من 269 طالباً أن يكتب بعضهم عما يشعر به حين يفكر في موته، بينما كتب الآخرون عن الألم.
وبعد ذلك قاسوا رغبتهم في الشهرة، فوجدوا أن الذين فكروا في الموت أصبحوا أكثر رغبة في أن يكونوا معروفين.
وفي تجربة أخرى، عرض الباحثون على 55 طالباً خدمة تتيح للإنسان أن يضع اسمه على نجم في السماء، فكان الذين جرى تذكيرهم بالموت أكثر انجذاباً إلى الفكرة.
لم يكن النجم هو المهم؛ المهم أن يبقى الاسم معلقاً في مكان أطول عمراً من صاحبه.
فالشهرة ليست دائماً حباً في التصفيق. أحياناً تكون محاولة لمقاومة الاختفاء.
يعرف الإنسان أن عمره سينتهي، فيبحث عن شيء يقنعه بأن اسمه سيواصل الطريق بعده.
وحين لا يجد عملاً يتركه، قد يترك فضيحة. والهاتف لم يصنع هذه الرغبة، لكنه جعل الطريق إليها أقصر؛ فالمنصات لا تسأل ماذا خسر الإنسان حتى يلفت الناس إليه، بل ترى رقماً يرتفع. لحظة غضب، أو سر من أسرار البيت، أو طفل يبكي، أو شخص يُهان؛ كل ذلك يصلح للنشر ما دام قادراً على إيقاف الناس أمامه.
ونحن لا نقف خارج المشهد. نشاهد المقطع، ونستنكر ما فيه، ثم نرسله إلى شخص آخر. نكتب أن صاحبه يبحث عن الشهرة، ونمنحه ما جاء من أجله. فالحريق لا ينتشر لأن أحدهم أشعله فقط؛ ينتشر لأن الآلاف قرروا أن يمنحوه الهواء. ثم يهدأ كل شيء، ويبقى صاحبه وحده أمام ما فعله. قد يعتذر، وقد يتغير، لكن المقطع لا يعتذر معه؛ يعود كلما بحث أحد عن اسمه، ويلتصق به أكثر مما التصقت به حياته كلها.
ومن يُعرف بسبب خلاف، قد يجد نفسه مضطراً إلى صناعة خلاف آخر حتى يبقى. فالناس الذين توقفوا عند سقوطه الأول لن ينتظروا منه حياة عادية؛ سينتظرون مشهداً جديداً. وهكذا يتحول الانتباه الذي رفعه لحظة إلى سجن يقضي داخله ما بقي من عمره. وفي بداية المشهد، كان الهاتف فوق الطاولة والكاميرا تعمل. انتهى الشجار وغادر الجميع، لكن المقطع واصل طريقه من هاتف إلى آخر. حصل صاحبه على ما أراد، ولم ينتبه إلى أن الهاتف لم يكن شاهداً على الحريق. كان عود الثقاب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق