‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مصطفى العبسي النفس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مصطفى العبسي النفس. إظهار كافة الرسائل

السبت، 24 أكتوبر 2026

وما زالت اليد ممدودة!

 وما زالت اليد ممدودة!

مصطفى العبسي

كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية.


سنوات طويلة وأنا أحاول أن أفهم ما يفعله الضغط النفسي برؤوسنا، وأن أجد ما يخفّف أثره. وأوضَح ما تعلّمته جاءني من رجل جلس أمامي في عيادة التجارب في جامعة مينيسوتا. جلس ولم يقل شيئًا. كان في الخمسين، وقد أمضى أربعًا وعشرين ساعة من دون سيجارة لأنّنا طلبنا منه ذلك.

لاحظتُ شيئًا قبل أن يلاحظه هو؛ إبهامه وسبّابته يفركان بعضهما كلّ دقيقة أو دقيقتين. حركة صغيرة بلا معنى ظاهر، كأنّ أصابعه تبحث عن شيء اعتادت أن تمسكه. ثم وضعنا أمامه الصينية؛ خيارات من الوجبات الخفيفة تختلف في محتواها. مدّ يده إلى كيس الرقائق قبل أن يقرأ ما على الأكياس الأخرى. ولم يبدُ أنّه فكّر. في ملفاتنا صار هذا رقمًا في عمود، وفي ذاكرتي بقي يدًا تمتد. 

في مختبر عياداتنا نسأل سؤالًا واحدًا بصيغ كثيرة: ما الذي يفعله الضغط النفسي بالإنسان، وما الذي يخفّفه؟ وهذه المرّة سألناه عن الإدمان وعن الطعام.

مشاركون بين الثامنة عشرة والخامسة والسبعين. أربع وعشرون ساعة من الامتناع عن التدخين.  ثم تدخّل دوائي يستهدف أنظمة عصبية مُرتبطة بالتوتّر والمكافأة، في مقابل علاج وهمي، وبعد ذلك تأتي الصينية.

المدخّنون الذين تلقوا العلاج الوهمي مالوا إلى الأطعمة الأقلّ صحة أكثر من غير المُدخنين. ومع التدخّل الدوائي تغيّر نمط اختياراتهم.

نشرنا النتائج في مجلة علمية لها مكانة مرموقة في التخصّص. كتبناها بالحذر الذي تستحقه. من يُقلع عن التدخين لا يستبدل السيجارة بالطعام بالضرورة، ودواء واحد لا يفسّر ظاهرة بهذا التعقيد. ما بقي معي من تلك الدراسة كان في مكان آخر غير جداول النتائج.

حين يغيب النيكوتين، يغيب معه ما كان يقوم به، والنظام العصبي الذي ألف تأثيره يحتاج وقتاً كي يتكيّف مع غيابه

السيجارة لكثير من المدخنين شيء أكبر من دخان، هي استراحة قصيرة في يوم طويل، رفيق في العزلة، طقس يتكرّر عند الغضب والانتظار والملل. وبتكرار هذه اللحظات على مدى سنوات، تتشابك المادة الكيميائية بمواقف الحياة حتى يصير التدخين جزءًا من الطريقة التي يواجه بها الإنسان انفعالاته.

فحين يغيب النيكوتين، يغيب معه ما كان يقوم به. والنظام العصبي الذي ألف تأثيره يحتاج وقتًا كي يتكيّف مع غيابه. يرافق ذلك ضيق وتوتّر وتغيّر في الشهية، وفي تلك المرحلة تصبح الأطعمة الغنية بالسكر والدهون أكثر جاذبية لما تمنحه من مذاق ومن إحساس سريع بالمكافأة.

أصدرت جامعتنا بلاغًا خبريًّا عن البحث فالتقطته وسائل الإعلام من أنحاء العالم. صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية وبلغات كثيرة. ترجموها إلى لغات لا أقرأها. وأرسل لي أصدقاء روابط لم أفتح معظمها.

في ليلة عمل متأخّرة، وجدت يدي في كيس مُكسّرات مُملّحة على المكتب. لم أتذكّر متى فتحته ولا كيف وصل إلى هناك. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة وأمامي ملف يحتاج قرارًا أجّلته لأيام. توقّفت وأنا أنظر إلى يدي، كما نظرت قبل سنوات إلى يد ذلك الرجل في غرفة التجارب. لم تكن سيجارة ما تخليت عنه. لكننّي كنت قد تركت أشياء أخرى في تلك السنة وظنّنت أنني أنهيت حسابي معها.

هل عالجنا ما كان يؤلمنا أم وجدنا طريقة أخرى لئلا نشعر به بعض الوقت؟

ثمّة عادات لا نعرف وظيفتها إلا حين نحاول التخلّي عنها. نتخلى عن العادة وتبقى الحاجة التي كانت تخدمها. نبتعد عن طقس مألوف قبل أن نعرف كيف نواجه اللحظات التي كان يخفّف من وطأتها. فتظهر البدائل: طعام أو انشغال لا ينتهي أو هاتف يُفتح ثلاثين مرّة في الساعة.

وتتفاوت هذه البدائل في أثرها على الجسد. لكنها تطرح سؤالًا واحدًا. هل عالجنا ما كان يؤلمنا أم وجدنا طريقة أخرى لئلا نشعر به بعض الوقت؟

وأقول هذا بعيدًا عن أيّ لوم لمن يحاول أن يُقلع عن تغيير أيّ عيادة او التغلّب على أيّ ادمان. تغيّر الشهية ليس إخفاقًا ولا ينبغي لأحد أن يخوض معركتين في وقت واحد. الأجدى أن يعرف ما يجري في جسده وأن يمنحه وقتًا للتكيّف وأن يستعين بمختص إن كانت أعراض الانسحاب ثقيلة.

ما زلت أتذكر ذلك الرجل وأصابعه تفرك بعضها في غرفة بلا نوافذ. كان يبحث بيده عن شيء لم يعرف بعد كيف يعيش من دونه. وفي ذلك المساء، على مكتبي كانت يدي تفعل الشيء نفسه.

ونحن في المختبر نبحث عن وسائل تخفّف هذا الانسحاب. بعضها دواء. وبعضها أبسط من الدواء: أن يعرف الإنسان ما تبحث عنه يده قبل أن تمتد.


مصطفى العبسي
كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية. يهتم في كتاباته بالتجربة الإنسانية في لحظات التحول، خصوصًا ما يتصل بالزمن، والهوية، والعلاقة بين الجسد والنفس. تجمع نصوصه بين الحس الأدبي والتأمل النفسي، وتركّز على الأسئلة الهادئة التي تطرحها مراحل النضج.