‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحوثيون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحوثيون. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

ليست حرباً منسية

ليست حرباً منسية

مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن


لا يمكن لحرب في اليمن أن تُضاف إلى قائمة الحروب المَنسية. ما الحرب المَنسية؟ منذ العام 1989، العام الذي سقط فيه جدار برلين، شهد العالم حوالى 350 حرباً، أغلبها حروب داخل ذات الدول State-based war. غالبية تلك الحروب تُصنّف حروباً منسية، أمكن للعالم أن يتجاهلها ويمضي في سبيله. إذا ما استثنينا أميركا الشمالية فقد شملت تلك الحروب الكوكبَ بأسره. 

يمكن لليمن أن يأخذ شكل "أفغانستان على البحر"، كما وصفته نيوزويك قبل عقد ونصف العقد من الزمان. البلد الذي أخذ ركناً خطراً في الجزيرة العربية، بل كان بوّابة عبور الإنسان الأوّل من أفريقيا إلى آسيا ثم أوروبا، يمكن تجاهل سلامه لا حربه.

قبل سنوات طويلة قيل عن ذلك البلد أنّ أهميته لا تتجاوز سطراً واحداً في وسائل الإعلام. كان ذلك سوء تقدير شديداً لأهمية البلد من أكثر من ناحية. بالإضافة إلى محاذاته لبحرين ومحيط، وإطلالته على أحد أهم مضائق العالم، هو أيضاً الكتلة الديمغرافية الأكبر في الجزيرة العربية، بعدد من السكّان يتجاوز الأربعين مليوناً. حياة هذا العدد الكبير من البشر داخل أرض فكّكتها الحروب هو تهديد لأمن الإقليم، أمن الملاحة، ولأي منظومة أمن واستقرار في دائرة قطرها ألفي كيلومتر.

تتغيّر الطبيعة السياسة لليمن، غير أنّ الثابت فيها هو أهميتها الحاسمة بالنسبة لأمن الإقليم، وبالضرورة العالم

اليمن في مركز منطقة بالغة الحساسية في العالم. يُشكّل الاحتياطي النفطي للخليج والعراق حوالى 37% من احتياطي العالم من النفط، بعدد يُقدّر بـ1.8 تريليون برميل. لن يختفي النفط من العالم، كما ليس بمقدور البشرية تجاوز هذا الكنز. تُسمّي الاتفاقيات المناخية العام 2050 بحسبانه عام "الحياد الكربوني"، وهو العام الذي سيشهد انخفاضاً كبيراً في الطلب على النفط من أجل "الاحتراق وتوليد الطاقة". الصناعات البتروكيماوية، الصناعات الثقيلة، والنقل المُعقّد، ستبقى مُعتمدة على النفط. منطقتنا، إجمالاً، ستبقى أحد أهم مراكز العالم، تلعب الطاقة الأحفورية دوراً في هذه الأهمية. هي أيضاً مصدر الديانات السماوية، ومُعترك الحضارات القديمة، المنطقة الوسط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. هذه البقعة من العالم لا يمكن غضّ الطرف عنها، سرعان ما أثبتت سياسة أوباما "الاتجاه شرقاً" سذاجتها. لطالما قيل إنّ أهميتها تكمن في أمرين اثنين: النفط وإسرائيل. الحقّ أنّ الأهمية تتجاوز هذين الموضوعين إلى التاريخ والجغرافيا. هنا يأتي اليمن مسألةً جغرافية بالغة التعقيد في ذاتها، ولأنّها صارت إلى جزء من حزام النار المُشتعل من بندر عبّاب إلى المخا. 

في الأيّام الماضية من الحرب قرأنا أسماء جبال في وسط اليمن توصف بالاستراتيجية، تدخّل "التحالف" العربي في تلك المعارك من جبل إلى آخر، فالتباب والمرتفعات التي لم يسبق لليمنيين أن حفظوا اسمها باتت استراتيجية. الجغرافيا تحكي حين تنهار السياسة ويتيه المجتمع. في ستينيات القرن الماضي قاتلت السعودية إلى جوار الملكيين ضدّ الجمهورية، والآن تقف إلى جوار الجمهورية. تتغيّر الطبيعة السياسية للبلد، غير أنّ الثابت فيها هو أهميتها الحاسمة بالنسبة لأمن الإقليم، وبالضرورة العالم. يرى الباحث يونيل غوزانسكي وفريقه، في مقالة مشتركة، إنّ سيطرة الحوثيين على باب المندب يسهم في استكمال "الكماشة البحرية" حول الجزيرة البحرية. بالنسبة لغوزانسكي فالحوثي ليس بحاجة إلى إغلاق المضيق. يكفي فقط أن يشكّل الحوثي تهديداً مُستمراً لحركة الملاحة وجعل طرق التصدير غير موثوقة، لمنح الحوثيين أوراق ضغط تفوق قدرتهم العسكرية.

الأرضية الطائفية التي تشكّل المنطلق الفلسفي لمعارك الحوثي تجعل المسألة اليمنية أكثر تعقيداً ممّا يراه الناظر من بعيد

المشكلة اليمنية سرعان ما صارت مشكلة دولية مُعقّدة. الأرضية الطائفية التي تشكّل المنطلق الفلسفي لمعارك الحوثي تجعل المسألة اليمنية أكثر تعقيداً ممّا يراه الناظر من بعيد. 

دعونا نقتبس ملاحظة كتبها فهمي هويدي قبل أكثر من 15 عاماً: "يمثّل الحوثيون أقليّة داخل أقلية، داخل أقلية". 

هكذا يبدو البناء: الحوثية أقلية داخل الهاشمية، الهاشمية أقلية داخل الزيدية، الزيدية أقلية داخل المجتمع المدني. قفز الحوثي على كلّ هذه الحواجز وقرّر أن يحكم البلد. 

لا يمكن لمنظومة حكم تتأسّس على هذا النحو إلا أن تُحاط بحقيقتين اثنتين: الحاجة إلى الطغيان كوسيلة واحدة للحفاظ على السلطة، والرفض الشعبي المُستدام. حين يتعلّق الأمر بمنظومة الحكم الحوثية فإنّ البعد الطائفي العنصري يمثّل عنصر عدم استقرار مُستداماً. خصوصاً والحوثي يصرّ على مصادرة الفضاء العام طائفياً. فلم يمض على دخول مدينة التربة، في محافظة تعز، سوى بضعة أيّام حتى كان جهازه الدعوي قد اعتلى المنابر وبدأ يخطب في الناس حول فضيلة آل البيت وحقّهم المطلق، والحصري، في السلطة. ثم، في فعل يشبه مانيفيستو النصر، أذّن المؤذّن بالنصّ المُعتمد لدى الطائفة.

الخطاب الدعائي الحوثي، بكلّ تنويعاته من الأنشودة إلى الفتوى، يقتات من النسخة التي تمتلكها الحوثية من الدين. 

بهذا يصبح الحوثيون جزءاً من حلقة النّار التي أسّستها إيران حول المنطقة، وهي حلقة أكثر خطورة من الكمّاشة البحرية. الحوثية، إذاً، ظاهرة عابرة للحدود، رصاصة تُطلق في اليمن وتطيش في كلّ المنطقة، ولا نبالغ إذا قلنا: والعالم.

هذه الصورة البانورامية تساعدنا على القول إنّ الحرب اليمنية لن تذهب إلى قائمة الحروب المَنسية. 

الحوثي يطل برأس الأفعى الإيراني

 آخر كلام       

الحوثي يطل برأس الأفعى الإيراني 

د. محمد المقاطع 

إيران تطلُّ برأسها الشرير والقبيح مرة أخرى، هذه المرة تتدثر بثوب الحوثيين لتواري سوءاتها، ولتخفي حقيقتها الإرهابية المعادية للعرب والمسلمين، تطل برأس أفعى خبيثة تنفث سمومها وشرورها برأس حوثي وتستهدف المملكة! 

تتعمد زعزعة أمنها واستقرارها، ولم تتورع، بل ولم تتردد، أن تتقصّد مكة المكرمة والمدينة المنورة، وها هي تضرب المنشآت المدنية والحضرية والمدنيين المسالمين في مطارات الملك خالد والملك فهد وأبها، مرتكبة جرائم شنيعة وتقتل عشرات الأشخاص الأبرياء وتجرح المئات بدم بارد وحاقد! 

إن إيران كانت وما زالت بلد الإرهاب ورعاية الإرهابيين، بدءاً من عصاباتها الحاقدة المسماة «الحرس الثوري»، وهم في حقيقتهم ميليشيات إرهابية، تمرّست في الإرهاب وتدربت عليه ومارسته في كل الأوقات منذ 47 عاماً. 

وهي مَن يوم سيطرت ميليشياتها الإرهابية على إيران عام 1979، أعلنت جهاراً نهاراً وبعدائية أنها ستصدّر الثورة، وقد تمكنت من التغلغل في اليمن والعراق ولبنان عبر مؤسساتها الطائفية من خلال الأموال التي تجمعت بشتى الطرق بما فيها مقدرات وأموال الشعب الإيراني، وبدلاً من بناء بلدها بنت منظماتها الإرهابية الداخلية الممثلة «بالحرس الإبليسي» وجهاز الباسيج الإرهابي. 

وقد قامت بإرسال خبرائها ومقاتليها في تلك العصابات لتكون هي المهيمنة على اليمن والمتحكمة في شؤونه، وقد وجدت ضالتها في الحوثيين الإرهابيين المتمردين، لتغدق عليهم الأموال وتدربهم وترسل إليهم مجاميع من عصابات الحرس الثوري لقيادة انقلابهم، وللهيمنة على شؤونهم تماماً كما تم في العراق ولبنان. 

وقد جعلت من النَّفَس المذهب الطائفي وقوداً يثير الفتن ويشعل الحروب ويقتل الناس الأبرياء. وها هي اليوم إيران الأفعى الخبيثة تطل برأسها الحوثي، المدجج بترسانة تسليح مخيف خزّنته إيران في اليمن على مدار 14 سنة من التخطيط والخبث ليُستخدم ضد دول الخليج وخصوصاً المملكة، فبات لزاماً بعد أن كشفت إيران نواياها الشريرة وعدوانها وإجرامها على دول الخليج وفي مقدمتها المملكة، عبر ضرب البنى التحتية لها ومنشآتها الحيوية والمدنية ومصادر الطاقة فيها، بمبرر الرد على الأميركيين، وهي مَن يجبن جبناً مهيناً عن توجيه نيرانها للسفن الحربية الأميركية الأقرب إلى أراضيها ومياهها الإقليمية، بشكل سافر ومباشر وقبيح بشروره ومراميه. وما إن توقف قتالها مع الأميركان، والذي كانت توجّه خلاله نيران ردها لدول الخليج حقداً وتدميراً وعدوانية، حتى بدأ مخططها القديم الحديث وهو ضرب عمق السعودية، لما تمثله من قدرة ردعية وقوة إقليمية شامخة ومركز ثقل للإسلام الصحيح - الذي تنتمي إليه وتسانده معظم دول الإقليم - واستخدمت الحوثيين واجهة لعدوانها ونواياها الشريرة، بعد أن دجّنتهم بالسلاح، وأغدقت الأموال عليهم، وزرعت في داخلهم قيادات الحرس الثوري لتشنّ عدوانها على المملكة، ولم تتورع عن ضرب منشآتها المدنية أو موارد الطاقة فيها، وامتد عدوانها لمطار الملك خالد بالرياض ومطار الملك فهد في الدمام ومطار أبها ومطار تبوك بل وتمادت بأذرعٍ حوثية على مكة والمدينة لتروّع وتقتل الآمنين والمسلمين القادمين لأداء العمرة ومناسكها، ولم تردعها حرمة الأشهر الحُرُم ولا حرمة الأماكن المقدسة ولا حرمة ارتداء إحرامات العبادة! 

إن موقفاً خليجياً موحداً وداعماً للسعودية ومتضامناً في الدفاع عن دول الخليج وفي معية باكستان والسعودية ومصر يجب أن يكون حاسماً ومدوياً في مواجهتها لبتر ذراعها الحوثية الخبيثة والقضاء على قيادات وأفراد العصابات الحوثية الموجودة في اليمن.

 بل يجب أن يتم إنهاء الأفعى الإيرانية نفسها وقطع رأسها فهو الخبيث والحاقد والمدبر للعدوان وتوسيع رقعة العدوان، ولن يستقر الإقليم ولن تشرق شمس السلام والاستقرار في دولنا إلا بقطع رأس الأفعى وإسقاط النظام في إيران. 

ويجب أن ندرك أن أميركا وأوروبا لن يقفوا معنا، وبكل أسف ينظرون للأمر على أنه لا يعنيهم، ويسخّرون تداعياته لمصالحهم السياسية والمالية فقط!


الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

مخطط الجاهلية الحوثية والصهيونية

مخطط الجاهلية الحوثية والصهيونية



عبد المنعم إسماعيل


كاتب وباحث في الشئون الإسلامية

يسعى شياطين الخطر الحوثي والباطنية الشيعية السبئية إلى الكوارث الاتية:

الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وفي أمهات المؤمنين زوجات النبي عليه الصلاة والسلام وفي خلافة الصديق رضي الله عنه وفي خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه وفي إجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين

الطعن في السنة المحمدية الصحيحة.

والطعن في فهم الصحابة رضوان الله عليهم وفي منهج الصحابة العقدي الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الدولة الأموية التي توافق عليها الصحابة الكرام، وفي الأئمة الأربعة الأعلام المشهود لهم بالعلم والفضل

التأصيل حسب الهوى الباطني الناتج عن مكر شيعة ساسان مدح خصوم الإسلام والسنة النبوية الشريفة

الاستسلام لمتوالية الكذب على الله والرسول بمزاعم الإمامة

الانتساب لكل راية تفرق الأمة الإسلامية حسب الهوى

جعل الامامة وفقا لتصورات سدنة الشيعة أصل الإيمان الحوثي.

التعامل مع القائد شيطان الحوثية وكأنه حاكم بأمر الله.

التعامل مع الشياطين من أجل الوصول للغاية الشيعية الباطنية الحوثية الخمينية حتى لو كانوا يهود صليبين أو صوفية أو قبورية أو مجوس لا دينيين.

الاعتماد على حروب المكر والتدليس والتشويه العقدي لمنهج أهل السنة والجماعة الرباني

استغلال دهماء الجماعات الإسلامية المحدثة التي لا تفرق بين الإسلام والجماعة أو الجماعة والأمة الإسلامية المعصومة في جملتها.

التوافق مع الطابور الخامس المتناغم مع الدولة الإيرانية الشيعية الخمينية بعد 1979 وبعد 2003 وبعد جرائم الشيعة في العراق والشام ولبنان واليمن بعد عام 2011

إسقاط ضحايا المكر العقدي والفكري المتوافق مع الشيعة الحوثية أو النصيرية في براثن مدح طغاة الإرهاب الشيعي الإجرامي الذي قتل ملايين المسلمين.

ومع ذلك قال عنه اوثان العقول والنفوس أنهم شهداء وهذا قمة البلاء الجاهلي.

خلاصة مخطط الباطنية الخمينية الصفوية الحوثية المجرمة:

العودة بالعراق السني إلى ما قبل الفتح الإسلامي زمن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

القضاء على الشام الأموي وإعادته إلى جاهلية الحكم الباطني النصيري أو الدرزي

تغيير الواقع اليمني السني إلى جاهلية يمنية باطنية حوثية.

إعادة الجاهلية الباطنية إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة عن طريق إعادة شرك القبور إلى الواجهة حسب منظومة الجاهلية الباطنية الخبيثة.

تمهيد الطريق الى حكم المسيح الدجال الذي يعادي الإسلام والسنة وعموم موروث الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

هدم الدول العربية والإسلامية المحيطة بفلسطين لخدمة التفوق الإسرائيلي الصهيوني خاصة السعودية بلاد الحرمين ومصر والشام الأموي والعراق السني.

تغيير معالم العقيدة الإسلامية السنية الموروثة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لتصبح وفقا لتصورات الطرق الشركية والجماعات الضالة المتناغمة مع الباطنية والصهيونية والصليبية العالمية والطائفية التكفيرية المدمرة.


الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

فجر اليمن.. المحاولة الأخيرة

 فجر اليمن.. المحاولة الأخيرة

 د.مروان الغفوري

كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن

أطلق رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، عملية "فجر اليمن" لطرد المليشيا الحوثية من سائر البلاد. عملية مركّبة، بقوّات يمنية خالصة على الأرض، وقوّة جوية وبحرية غير يمنية. البداية كانت مُفاجئة وسريعة، إذ استُعيد شريط بحري خطِر، من باب المندب إلى المخا، خلال ساعات. هناك توقّعات بحسم المعركة خلال وقت قصير، بالنظر إلى اكتمال عناصر الحسم: قوة برية ضخمة، مدعومة بالتعبئة العامة، تفوق برّي وبحري حاسم، وإجماع داخلي وخارجي على إنهاء حقبة عبدالملك الحوثي.

يمثّل الحوثي النسخة الحديثة من تيار ديني عمره زهاء 800 عاماً. ضمن مصادفة تاريخية وجد له مكاناً في شمال اليمن، جبال صعدة وما حولها، وهناك وضع بذرته. ثمانية قرون من اللا-استقرار عاشها اليمن الذي سيُدعى في مرحلة من تاريخه بمقبرة الأتراك. والحقّ أنّه كان، على مرّ تلك القرون، مقبرة لليمنيين.

قبل ستين عاماً تمكّن اليمنيون، بدعم حاسم من الجيش المصري، من الإطاحة بآخر إمام من تلك السلالة التاريخية. غير أنّ الثورة التي أطاحت بالإمام أبقت على الإمامة، ظنّاً منها أنّ دمج الإمامة داخل الجهاز الجمهوري سيُفرّغ الإمامة من الأحلام والخيال.  

 كسر هيبة الموت على ذلك النحو المجازي يخفّف من وطأته، ما يجعل شرايين وخطوط التعبئة مستدامة

عقب انتصار صالح عسكرياً على رفيقه علي سالم البيض، 1994، راح يستثمر في المشروع الإمامي مُعتقداً أنّ بمقدوره التحكّم بتلك اللعبة الخطرة. اندفع إلى ذلك التكتيك خوفاً من خصومه داخل القوات المسلّحة، ومن الشعبية المُتزايدة لتيار الإسلام السياسي المُتمثّل في حزب الإصلاح. وأيضاً، بسبب النمو المُتزايد للتيارات السلفية التي ترى في الزيدية تحديّاً من نوع خاص. في رسالة كتبها يحيى المتوكّل، أحد أفراد السلالة الذين ثاروا ضدّها، إلى القائد الشعبي المعروف، مجاهد أبو شوارب، تخوّف الأوّل من نيات صالح الرامية إلى "تأسيس جماعة دينية مسلّحة من أصحاب المذهب الزيدي تُعنى بالدفاع عنه" كما في نصّ الرسالة المُوقّعة بتاريخ 1 يوليو/تموز 1995. سرعان ما رأت الجماعة الدينية النور، وخلال سنوات قليلة خاضت حربها الأولى ضدّ الدولة. نقف الآن على بعد ثلاثة عقود من تلك الرسالة وها نحن نرى البذرة وقد صارت إلى دويلة في شمال اليمن، مدرّعة بالسلاح والخوف والعنصرية.

الحرب الراهنة كشفت جانباً استثنائياً عن هذه الجماعة- الدولة. أوقفت كلّ مظاهر الحياة عدا التعبئة العامة المُستدامة، وإعادة هندسة المجتمع ثقافياً. بوصفها تمثّل أقلية اجتماعية، وحتى دينية، اندفعت في اتجاه إنتاج شعبها الخاص. حالياً تستوعب مؤسّستها المُعقّدة المُسمّاة "المدارس الشرعية" حوالي 12 ألف طالب للعلوم الشرعية، علوم آل البيت. سيلتحق هؤلاء بجهاز التعبئة الشامل الذي أسّسته الجماعة. معارك الجماعة في ريف تعز يقودها، حاليّاً، شابٌ اسمه "أبو نصر الشميري". أبو نصر، هذا، كان طفلاً في دكان أبيه في صعدة قبل عقدين من الزمان. كما يُنبئنا الاسم، فالعائلة تنتمي إلى محافظة تعز، وهي محافظة أبعد ما تكون عن إيديولوجيا جماعة الحوثي. غير أنّ "المحاضن التربوية" للجماعة حوّلت الطفل، عبر عملية تنشئة وهندسة غاية في التعقيد والكثافة، إلى قاتل مؤدلج يؤمن بكلّ ما لا تعرفه ولا تقبله عشيرته.

الموت، داخل الطقوسية الحوثية، شأن يسير، بل داعية بليغ

هذا النوع المُعقّد من التنظيمات المُزوّدة بخبرة تاريخية عميقة، يفرض كلفة باهظة على كلّ عملية تستهدفه. خلال ثلاثة عقود توغّل الحوثي في نسيج المجتمع، ربط مصالح فئة واسعة بوجوده، اختطف الأبناء وأعاد إنتاجهم إلى حوثيين، وحوّل الفقر إلى نظام للتعبئة العامة. 

الفقراء غالبا ما يكونون مُرتزقة جيدين. إشاعة الفقر هي استراتيجية حوثية مستدامة، وقد رأينا كيف تؤتي أُكلها في الحرب الراهنة. من اللافت أنّ الناس باتت تعتقد أنّ الحوثي، لفرط القوّة البشرية التي حشدها، لم يعد يتنبه إلى الآلاف منها التي تفقد حياتها في معاركه.

نرى كيف يحوّل الحوثي الموت إلى مشهد كرنفالي، تُعزف فيه الأناشيد وتمضي الجنازات في مشاهد مهيبة حاملة صور القتلى. في تقدير عدنان الجبرني، أبرز الخبراء في الظاهرة الحوثية، فالمقصود من وراء تلك الطقوسية هو تطبيع حياة الناس مع الموت باعتباره شأناً طبيعياً. كسر هيبة الموت على ذلك النحو المجازي يخفّف من وطأته، ما يجعل شرايين وخطوط التعبئة مستدامة. الاحتفالات تأتي بالموت من الجبهات إلى الأحياء والفقراء، وتمجّد الراحلين بوصفهم الناجين الوحيدين، لذا نرى أُسراً تعلن عن مقتل العديد من أبنائها واحداً وراء الآخر. تفعل ذلك بالحدّ الأدنى من الندم. فالموت، داخل الطقوسية الحوثية، شأن يسير، بل داعية بليغ. الجنازة الكرنفالية التي تحمل نعوشاً وهمية إلى المقابر هي، في ذاتها، حملة للتعبئة، تملك إغراءها الخاص. لاحظ محمد الحيدري، الخبير العسكري، أنّ أسرى الحوثي ينفجرون بكاءً ما إن يقعوا في الأسر، على خلاف ما يتوقّعه المرء من انفعالات الأسير. يُرسل الحوثي مقاتليه إلى غايتين: السلب أو الشهادة. الوقوع في الأسر هي حقيقة أخرى لم يتدرّبوا عليها، كما أنّها تحرمهم من العودة الكرنفالية، تحت غطاء من الفخر والأناشيد، إلى قراهم.

غيّر الحوثي كثيراً في البنية النفسية للفرد، وفي السياق العام للمجتمع، ووصلت اختراقاته إلى المحكية الشعبية والكود اللغوي. فعل ذلك ضمن نشاطه الدؤوب لتنفيذ إبادة ثقافية شملت التعليم، التربية، التشريع، العقيدة، الإبداع، الصورة، الطقوس، إعادة كتابة التاريخ، هندسة الحياة الاجتماعية، وحتى نظام الأعياد والمواسم. تخلّق، إلى حدّ كبير، الشعب الحوثي، وتشكّلت النواة الصلبة للحاضنة الاجتماعية، والعمق الثقافي. تلك هي المنعة المُتزايدة التي ينجزها الحوثي إلى جانب الطيران المُسيّر والصواريخ. 

كل يوم يمضي يراكم فيه الحوثي منعة وقوّة، وتزداد أسوار مدينته صلابة. لذا فإن عملية فجر اليمن هي المحاولة الأخيرة قبل فوات الأوان.

الجمعة، 2 أكتوبر 2026

تركيا واختبار اليمن لحلف مكة

تركيا واختبار اليمن لحلف مكة

إسماعيل ياشا

"اتجهت الأنظار إلى تركيا وباكستان جراء الهجمات التي بدأ الحوثيون يشنونها على السعودية"

وقَّع كل من ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، ورئيس جمهورية تركيا رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان، في 7 آب/ أغسطس الماضي فيي مكة المكرمة اتفاقية، للدفاع المشترك تنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع. وأزعجت هذه الخطوة الاستراتيجية أطرافا عديدة رأت فيها تهديدا لمصالحها وأهدافها، وكان المتوقع أن يتم اختبار مدى جدية الاتفاقية وفاعليتها من قبل تلك الأطراف.

لم يتأخر ذاك الاختبار المتوقع، واتجهت الأنظار إلى تركيا وباكستان جراء الهجمات التي بدأ الحوثيون يشنونها على السعودية. وارتفعت أصوات تصف "حلف مكة" بـ"نمر من ورق"، وتقول إن اتفاقية الدفاع المشترك "ولدت ميتة"، مشيرة إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصل بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وطلب منه قصف الحوثيين، كما قام بزيارة القاهرة ليلتقي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بدلا من طلب الدعم من أنقرة وإسلام آباد.

السؤال الذي يجب أن تجيبه أنقرة هو: هل ستدعم في اليمن النظام الجمهوري الديمقراطي الذي يتساوى فيه جميع اليمنيين؛ أم النظام الإمامي الكهنوتي الذي يعتبر السلالة فوق المواطنين العاديين ويؤمن بأن حكم البلاد من حق أبناء تلك السلالة فقط بناء على أمر إلهي؟


أنقرة ترى أن مثل هذه التعليقات والانتقادات "غير منصفة"، وتلفت إلى أن الحلف ما زال في مرحلة التشَكُّل، وأن هناك خطوات لا بد منها مثل مصادقة البرلمان التركي على الاتفاقية. وردا على تعليق أحد الصحفيين، أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي "الناتو" مرة واحدة فقط منذ تأسيس الحلف، مضيفا أنه لا أحد يقول إن حلف الناتو "نمر من ورق"، ووصف الانتقادات الموجهة لحلف مكة بأنها "غير عادلة"، كما ذكر أن الأزمة اليمنية عمرها 11 سنة.

فيدان في تصريحات أخرى أكد أن تركيا سوف تفي بالتعهدات التي أعطتها في اتفاقية مكة، وأعرب عن تضامن أنقرة مع الرياض ضد الهجمات التي تتعرض لها السعودية، مضيفا أنه لن تكون هناك صعوبة في توفير الاحتياجات العسكرية التي قد تحتاج إليها السعودية. وبعد هذه التصريحات اجتمع رؤساء أركان الدول الثلاث في الرياض تلبية لدعوة السعودية، من أجل مناقشة سبل مساندة السعودية وفق اتفاقية مكة للدفاع المشترك.

تصريحات وزير الخارجية التركي تشير إلى أن أنقرة لا ترى حماية السعودية من الهجمات والأزمة اليمنية كملف واحد؛ ففي الملف السعودي مستعدة لتقديم المساعدات العسكرية المطلوبة من قبل الرياض لحماية أمن المملكة وسيادتها، ولكنها في الملف اليمني تميل إلى دعم الحلول السياسية والدبلوماسية. ويبدو أن هناك في أنقرة من يرى أن الأفضل لتركيا أن تقوم بالوساطة بين الأطراف اليمنية، كما يبدو أن هناك مِن الإسلاميين العرب مَن ينصح مسؤولين أتراكا بأن تسعى تركيا إلى جمع الفرقاء في اليمن.

هذا الموقف من الأزمة اليمنية قد يبدو في الوهلة الأولى "موقفا حكيما ومثاليا" لوقف إراقة الدماء بين "الأشقاء اليمنيين"، إلا أنه محكوم عليه بالفشل بسبب اصطدامه بالواقع؛ لأن الأزمة في اليمن بين الشعب اليمني الذي يريد الحفاظ على وحدة البلاد ونظامها الجمهوري وبين مجموعة عقائدية تسعى إلى فرض النظام الإمامي على الشعب بقوة السلاح. ومن المستحيل أن يلتقي

تركيا مهما حاولت فصل ملف دعم السعودية من ملف الأزمة اليمنية، فإن مواجهتها مع الحوثيين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب شبه مؤكد في حال شاركت بسفنها الحربية في التحالف البحري المشكل بقيادة السعودية لحماية أمن الملاحة وسلامتها

المشروعان في حل وسط. ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن تجيبه أنقرة هو: هل ستدعم في اليمن النظام الجمهوري الديمقراطي الذي يتساوى فيه جميع اليمنيين؛ أم النظام الإمامي الكهنوتي الذي يعتبر السلالة فوق المواطنين العاديين ويؤمن بأن حكم البلاد من حق أبناء تلك السلالة فقط بناء على أمر إلهي؟

مشكلة الحوثيين في اليمن تشبه إلى حد ما مشكلة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في سوريا، ولذلك فإن الحل الوحيد لمشكلة الحوثيين يكمن في هزيمتهم عسكريا، وإنهاء احتلالهم للعاصمة صنعاء، وإعادتهم إلى حجمهم الطبيعي. ومن المؤكد أن القبائل التي تنتفع من دعم الحوثيين ستعلن انشقاقها عنهم وستنضم إلى القبائل الداعمة للحكومة الشرعية حين ترى تغير موازين القوى على الأرض. وبعد ذلك يمكن اندماج الحوثيين في مؤسسات الجمهورية اليمنية ومشاركتهم في العملية السياسية كغيرهم من المواطنين اليمنيين. وبعبارة أخرى، لا حل في اليمن ولا أمن ولا استقرار قبل هزيمة الحوثيين أمام الجيش اليمني.

رئيس الجمهورية التركي وصف اتفاقية مكة للدفاع المشترك بأنها "خطوة قوية في الاتجاه الصحيح" لإيجاد حلول لمشاكل المنطقة من داخلها، وأضاف قائلا إنه ليس من المستغرب أن يتم اختبار خطوة بالغة الأهمية كهذه في منطقة جغرافية صعبة. وها هي هجمات الحوثيين تختبر مدى قوة حلف مكة وفاعليته ومدى التزام الدول الثلاث به. كما أن تركيا مهما حاولت فصل ملف دعم السعودية من ملف الأزمة اليمنية، فإن مواجهتها مع الحوثيين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب شبه مؤكد في حال شاركت بسفنها الحربية في التحالف البحري المشكل بقيادة السعودية لحماية أمن الملاحة وسلامتها.

x.com/ismail_yasa

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

في مديح الحرب

في مديح الحرب


مروان الغفوري

كاتب وروائي وطبيب قلب 

عادت الحرب إلى اليمن. لم تكفّ عن العودة منذ ثمانية قرون. اليمن الذي مزّقته الحروب مئات المرّات صار أكيداً أنّه بحاجة إلى مزيد منها، وربّما إلى حرب كبرى، كي يخرج من تلك الدوامة. 

هذه الفكرة تمثّل جوهر رواية "حرب الشيخ أحمد" التي كتبتُها بين عامي 2019- 2021، وأصدرتها دار الفارابي في بيروت. 

قبل أن يصير أحمد إلى الشيخ انتظره والده على الجبل، سأله عن المعركة، فقال أحمد إنّه لم يقتل أحداً. يتكرّر الأمر، فيشعر الأب بالمهانة، سيموت يوماً وخلف ظهره غلامٌ لم ينل من دم أحد. فرّ أحمد من قريته، أخذته الوهاد والجرود، وكلّما توغّل في أرض التبابعة ضجّت الحربُ في رأسه. 

ركضت خلفه من جبل إلى آخر، ومن وادٍ إلى الثاني، بل كانت تسبقه، إلى أن اهتدى، وقد صار في الوادي، إلى الفكرة السهلة والعبقرية: 

لماذا لا نصنع نحنُ الحرب الكبيرة التي ستلتهم كلّ هذه الحروب الصغيرة؟ ولمّا أدرك أنّ اليمنيين ليس في مقدورهم، بمفردهم، إنتاج الحرب الكبرى جلس وانتظرها. 

من أين ستجيء، إذاً، يا أحمد؟ كانوا يسألونه، وكان يشير إلى البحر.

 يتقادم به الزمن ويفرّ مرّة أخرى إلى جبل في جنوب اليمن، في تعز. هناك يسكن. يبني مسجداً ويجلس في انتظار كبرى الحروب. غير أنّها لم تأت. أحاطت الحروب بحياة أحمد وبالجبل، إلّا أنّها جميعها لم تكن كافية لإحلال السلام. أمّا وقد آوى إلى غرفته المُظلمة، المُطلّة على فراغ البلاد، وبدأ يفقد بصره، فقد تبيّن له أنّ أم الحروب لن تصل قط، وأنّ هذه البلاد موبوءة بالحروب الصغرى. ثم جاءه البشير، كان يصيح من أعلى الجبل: يا أحمد، يا أحمد... فعرف أحمد كلّ شيء.

الحرب الراهنة بدأت بالأناشيد والأشعار، لم يحدث أن تحمّس اليمنيون لمعركة مثل هذه، ظنّاً منهم أنّها يمكن أن تكون الحرب الأكبر، الحرب الأم، الحرب التي ستلتهم صغار الحروب وشظاياها وتأتي بالسلام.

لم يحدث أن تحمّس اليمنيون لمعركة مثل هذه، ظنّاً منهم أنها يمكن أن تكون الحرب الأكبر

ما الأخلاقي في الحرب الراهنة؟ ما هو غير الأخلاقي؟ لماذا وقعت في المُقام الأوّل؟ كنتُ قبل أشهر أتحدّث إلى الصديق محمد العمراني، وهو من الذين يقعدون منها مقاعد للسمع، قال لي "الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، لا لنا ولا للحوثيين، ولا للإقليم". ستحدث الحرب، قال. فلتكن الحرب الكبرى، قلتُ. في خطاب دانى الساعتَين بشّر عبدالملك الحوثي أتباعه بالتصعيد الشامل، أي الحرب الكبرى. احتشد بكلّ ما يملك. احتشد اليمنيون بعواطفهم وبما يزيد عن نصف مليون مقاتل. كلّهم ذاهبون إلى الحرب لإنهائها، ماضون إلى النار بنيّة إحلال السلام، يرحّبون بهذه الحرب لأنّهم ملّوا الحروب وسئموها، يلقون القصائد والأهازيج في طريقهم إلى الحرب التي أنهكتهم. إنّه البحث عن الشفاء في السم.

انفجرت الحربُ وكسب الحوثي معركة الساعات الأولى قبل أن ينكسر. وصل إلى البحر، وهو ابن جبل لا يدري ما يفعله بالبحار والجزر. نيابة عنه تحدّثت إيران عن مكاسبه، وهدّد قادتها بإشعال البحار اليمنية في وجه أميركا إن هي هاجمت إيران!

صار الشأن اليمني إلى مسألة دولية، مياه اليمن تخصّ العالم. ماذا عن ترابه؟ يخصّ فقط اليمنيين. اليابسة لنا والمياه لغيرنا. في الزمان القديم كان رسول كسرى يقرأ على اليونانيين: ونريد منكم الماء والتراب. ما من حدود لجوع فارس للماء. 

صار الشأن اليمني إلى مسألة دولية، مياه اليمن تخصّ العالم. ماذا عن ترابه؟ يخصّ فقط اليمنيين. اليابسة لنا والمياه لغيرنا

مع سقوط المخا وباب المندب في القبضة الواهية للحوثيين تحدّثت الصحف الإسرائيلية عن نجاح إيران في اختراع حلقة نار جديدة تمتدّ من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، مروراً بالمحيط الهندي. دول أخرى في المنطقة رأت حلقة النار تلك وشعرت بحجم التهديد. الحرب الكبرى التي أرادها اليمنيون ليُغيّروا واقعهم الصعب باتت تهدّد بتغيير واقع الإقليم بأكمله. ميزة الحرب الكبرى أنّه لا حدّ لسقفها، وأنّها لا تنهي الحروب الصغيرة وحسب، بل الكيانات الجيوسياسية. فعندما أطلق شابٌ صربي، كان يقف أمام محل كباب، النار على ولي عهد النمسا لم يكن يفكّر سوى بأمر واحد: على النمسا أن تتوقّف عن التدخّل في بلادنا. طاشت تلك الرصاصة وأشعلت حرباً كبيرة بين عامي 1914 و1918. 

مع نهاية الحرب كانت هذه الإمبراطوريات قد اختفت من الوجود: الإمبراطورية العثمانية، الإمبراطورية البروسية/ الألمانية، الإمبراطورية النسماوية- المجرية، والإمبراطورية الروسية.

ستحدث الحربُ الأم يوماً ما، وهذا ما ينتظره اليمنيون. الطريق إلى السلام الآمن والدولة يمرّ عبر السيل الخطر، لا بُدّ من تخطّي السيل. لا أخطر من أن تصير الحربُ إلى وضع مستدام، كما يجري في اليمن. لا ينشأ وضعٌ كهذا ما لم تكن التناقضات الداخلية قد استعصت على الحل، أو بلغت من التعقيد مستوى يجعل من خلق أرض مشتركة لكلّ الناس أمراً مستحيلاً. في الحقيقة، يحدث ذلك في غياب الأفكار، الأفكار الخلاقة في المقام الأوّل. وتلك ينتجها الأدباء والفلاسفة لا الساسة والجنرالات. افتقر اليمن في قرونه الماضية إلى ذلك النوع من المنتجين. 

هل يمكن تسوية الأرض الصعبة عبر آلة الحرب؟ تاريخياً نعم، الإمبراطوريات القديمة، ونسبة كبيرة من الدول الحديثة، قائمة على التنوّع العرقي والثقافي. ينصّ دستور نيجيريا، على سبيل المثال، على أنّ البلاد تتأسّس على التنوّع العرقي. لنأخذ إندونيسيا مثالاً: استقرّ المجتمع الإندونيسي على عقيدة اجتماعية جديدة عنوانها "الوحدة في التنوع". 

إليكم الشكل الذي يأخذه التنوّع في إندونيسيا: 

17 ألف جزيرة، ستة أديان، 1300 عرقية، وحوالي 700 لغة محلية. السلام الهادئ الذي ترسو عليه كلّ هذه الاختلافات، ولا أقول التناقضات، لم يحدث مصادفة ولا قدراً، ولا يمكن القول إنّ الوصول إليه كان وليد صدفة هادئة. تعيّن على الشعب أن يعبر السيل مرّات عديدة، أن يواجه أشكالاً مختلفة للاستعمار، وأن يتجاوز تاريخاً مُعقّداً من الحروب الأهلية والتناقضات. 

تأخّر اليمن كثيراً، وربما لاحت له فرصة الآن. 

الخميس، 24 سبتمبر 2026

هل تدخل تركيا في حرب مع الحوثي؟

 هل تدخل تركيا في حرب مع الحوثي؟



كاتب وصحفي تركي.

ذهبت إلى اليمن للمرة الأولى قبل 28 عاما. كنت أصور فيلما وثائقيا عن الحروب العثمانية في اليمن. بدأنا التصوير من ميناء الحديدة، وواصلناه على امتداد الطريق حتى صنعاء، وكنت مندهشا مما أراه. وكان تغير المناخ والظروف الطبيعية يثير استغرابنا.

وفي الحديدة الواقعة على ساحل البحر، رأينا الهياكل الحديدية للمنازل تتآكل بسبب الرطوبة. وأثناء توجهنا إلى صنعاء، عانينا من شدة الحر في الصحراء، ثم شعرنا بالبرد ونحن نصعد بين الصخور الوعرة شديدة الانحدار. أما صنعاء، الواقعة على ارتفاع 2500 متر، فكان مناخها وأجواؤها مختلفين تماما.

وكانت اليمن واحدة من أكثر الدول التي رأيتها صعوبة وإدهاشا والصعوبة من حيث طبيعتها الجغرافية.

وحين تكون جغرافيا بلد فيها وعورة، تفرض نمطا معينا من الحياة وأسلوبا خاصا في الحرب والسلم والمعاش، وبالطبع ليس من شأني أن أشرح لإخوتنا العرب طبيعة اليمن وأهله. لكن ما نراه في مذكرات الولاة العثمانيين وكتب التاريخ هو أنهم أناس أشداء شجعان، مقاتلون ومكافحون. وقد واجه العثمانيون صعوبات كبيرة في اليمن.

عندما ذهبت إلى اليمن عام 1998، رأيت الهلال والنجمة مرسومين على جوانب القوارب الموجودة على الساحل وعلى جدران المنازل القديمة. وكان هذا هو شكل العلم المستخدم في العهد العثماني.

وبينما كنت أتجول في شوارع صنعاء مع رجل مسن، أمسك بذراعي وقال: "لم يكن ينبغي لكم أن ترحلوا من هنا، ولم يكن ينبغي لنا أن نحاربكم".

أثرت فيَّ اليمن كثيرا خلال الأسبوع الذي قضيته هناك، وهي اليوم تؤثر في العالم بأسره.

لم يكن بإمكان إيران والهند وإسرائيل أن تجد فرصة أنسب من هذه لاختبار جدوى الاتفاق ومدى تأثيره، أو على الأقل للإضرار بسمعته؛ إذ يبدو من غير المنطقي توقع انخراط أطراف تحالف لم يمضِ على توقيعه ثلاثة أشهر في حرب مباشرة من أجله

الأزمة في الشرق الأوسط تعمقت واتسعت

بدأت المقال بهذه المقدمة لأن الأيام التي قضيتها في اليمن عادت إلى ذهني مع سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب.

كما أن من لم ير اليمن ولم يعرف اليمنيين يصعب عليه كثيرا أن يجيب عن أسئلة من قبيل: ماذا يعني القتال هناك؟ وفي أي ظروف تجري المواجهات؟ ولماذا يُعد مضيق باب المندب مهما؟ وإذا أضفنا إلى ذلك التحولات الجيوسياسية والتوازنات التي أصبحت أكثر تعقيدا، يصبح تحليل التطورات وفهمها أكثر صعوبة.

وللأسف، فإن التداعيات التي خلّفتها الحرب الإيرانية- الأمريكية التي أشعلتها إسرائيل، في المنطقة كلها ثم في العالم لم تتراجع، بل اتسعت وأصبحت تؤثر في العالم. وبعد مضيق هرمز، بدأت المخاطر المتزايدة في طرق التجارة عبر باب المندب والبحر الأحمر تؤثر بشكل مباشر في أسعار الطاقة والاقتصاد.

وحتى إن لم يكن الحوثيون قد أغلقوا الممر المائي بعد، فإن مجرد احتمال حدوث ذلك في أي لحظة يعد كافيا لرفع الأسعار والتأثير في التجارة.

ألن تتدخل باكستان وتركيا في الأزمة؟

من يعرف المنطقة جيدا يستطيع أيضا رؤية تأثير مختلف الدول فيها، فهي ساحة تتواجه في ايران الداعمة للحوثي مع الحكومة اليمنية وداعميها، وتشارك الولايات المتحدة وإسرائيل في الأحداث بصورة غير مباشرة.

وكانت الأزمة اليمنية المستمرة منذ فترة طويلة قد تحولت بعد الحرب مع إيران إلى جزء من صراع أكبر، واتسع نطاق تأثيرها. واليوم تواجه الأزمة اليمنية مجالا جديدا للتأثير والانتشار.

وبسبب اتفاق مكة، بدأ ذكر تركيا وباكستان أيضا بوصفهما طرفين في هذا الصراع. وبينما يهدد بعض المتحدثين باسم الحوثيين تركيا وباكستان علنا، تصدر من البلدين تصريحات تتعلق بالصراع.

من الطبيعي أن تشغل هذه الأزمة الخطيرة جدول أعمال تركيا بصورة مكثفة. وقد أدلى وزير الخارجية هاكان فيدان بتصريحات مهمة عن الأزمة خلال مشاركته في برنامج تلفزيوني، قال فيها: "رئيسنا أيضا قائد يفي بكلمته

والسؤال الذي يدور في أذهان الجميع هو: 

هل سيصبح اتفاق مكة فاعلا في هذه المواجهة؟ ولا أستبعد أيضا أهمية السؤال عن سبب عدم قصف الولايات المتحدة الحوثيين رغم طلب السعودية منها ذلك.

وفور سقوط الصواريخ على السعودية، أظهرت الأخبار التي نُشرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية والإيرانية والأمريكية أن هناك من يريد لاتفاق مكة أن يموت قبل أن يولد. ولن يكون من الخطأ القول إن إسرائيل، التي تعارض الاتفاق علنا، وبلدانا أخرى تعارضه بصورة غير معلنة، تراقب التطورات بعناية وتسعى بأمل إلى النيل من سمعة الاتفاق.

أثار اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان صدى عالميا واسعا، لا سيما بين الدول المعارضة له. وفور استهداف الحوثيين الأراضي السعودية بالصواريخ، استغلت وسائل إعلام مناوئة للاتفاق الحدث للترويج بأن غياب الدعم التركي والباكستاني للرياض أجهز على الاتفاق قبل أن يدخل حيز التنفيذ الفعلي.

لم يكن بإمكان إيران والهند وإسرائيل أن تجد فرصة أنسب من هذه لاختبار جدوى الاتفاق ومدى تأثيره، أو على الأقل للإضرار بسمعته؛ إذ يبدو من غير المنطقي توقع انخراط أطراف تحالف لم يمضِ على توقيعه ثلاثة أشهر في حرب مباشرة من أجله، ومع ذلك استغلت تلك الدول هجمات الحوثيين لتسجيل نقاط سياسية ضده.

وخلال الحرب الإيرانية، عندما أطلق الحوثيون صواريخ على إسرائيل، قصفت الولايات المتحدة مواقعهم مرات عدة. أما هذه المرة، فلم تفعل ذلك رغم تسريبات مررت إلى وسائل الإعلام تزعم طلب السعودية ذلك.. لماذا؟

عندما تحدثت إلى عدد من المحللين في الولايات المتحدة، قالوا إن واشنطن لا تريد فتح جبهة جديدة بسبب الانتخابات. لكنني لا أعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي. فالولايات المتحدة، استجابة لرغبة إسرائيل، تريد من السعودية العودة إلى اتفاقات أبراهام. وقد تحدث ترمب عن ذلك عدة مرات. وربما تقصف الولايات المتحدة مواقع الحوثيين جوا بعد فترة، لكنها أوصلت رسالتها إلى الرياض.

هاكان فيدان: تركيا قد ترسل معدات عسكرية إلى السعودية

من الطبيعي أن تشغل هذه الأزمة الخطيرة جدول أعمال تركيا بصورة مكثفة. وقد أدلى وزير الخارجية هاكان فيدان بتصريحات مهمة عن الأزمة خلال مشاركته في برنامج تلفزيوني، قال فيها: "رئيسنا أيضا قائد يفي بكلمته.

ونحن كدولة وقعنا على اتفاق في هذا الشأن، وهناك تضامن بيننا. ونجري تقييمات وتحليلات للوضع. وفي المرحلة التي وصلنا إليها، نتابع الوضع عن كثب بصفتنا أعضاء في تحالف مكة. ولدينا بعض المحادثات التي لم تُعلن للرأي العام.

وقد تكون هناك احتياجات عسكرية، ولا سيما في بعض القضايا التقنية، ولن تكون لدينا مشكلة في تلبيتها… نحن أعضاء في حلف الناتو منذ عام 1952. وربما لم يُفعّل الناتو المادة الخامسة سوى مرتين في تاريخه، ولم تكن له مهام أخرى خارج ذلك.

ومع ذلك لم يقل أحد إن الناتو نمر من ورق أو شيء من هذا القبيل. إن وصف اتفاق وُقع قبل ثلاثة أشهر فقط بهذه الطريقة، رغم تحركه بهذه السرعة، يهدف إلى إنهاء شيء قبل أن يبدأ… وهذه أمور لا تستحق أن تؤخذ على محمل الجد. سترون أن تحالف مكة سيحدث تغييرا كبيرا في قواعد اللعبة".

وبذلك تكون تركيا قد أعلنت للمرة الأولى أنها قد تقدم المساعدة إذا طُلب منها ذلك في الصراع مع الحوثيين. لكن في أي مجالات يمكن لتركيا أن تقدم الدعم للسعودية؟

في المقام الأول، يمكن نقل الخبرة الكبيرة التي تتمتع بها تركيا في مجال الاستشارات العسكرية. كما يمكن نشر أنظمة الرادار التركية "كالكان" و"ألب"، التي تنتجها تركيا، في السعودية لرصد الصواريخ والطائرات المسيرة التي يطلقها الحوثيون.

ولإسقاط الطائرات المسيرة الانتحارية التي ترصدها هذه الرادارات، يمكن إرسال منظومة "كوركوت" للذخائر الذكية وصواريخ "حصار". كما يمكن تعطيل الطائرات المسيرة التي يرسلها الحوثيون باستخدام أنظمة الحرب الإلكترونية.

صعوبات تواجهها السعودية

في الواقع، تبدي السعودية منذ أربع سنوات اهتماما كبيرا بالصناعات الدفاعية التركية، وسبق أن أبدت رغبتها في شراء العديد من المنتجات. وحتى من دون اتفاق تحالف مكة، يمكنها شراء جميع المنتجات التي ذكرتها ونشرها على أراضيها.

ولكن اتساع مساحة السعودية، يتطلب عددا كبيرا جدا من أنظمة الدفاع الجوي. ولا يكفي أن تحصل عليها من الولايات المتحدة وحدها. فصواريخ باتريوت المستخدمة ضد الصواريخ الباليستية قد استنفدت المخزونات الأمريكية جزءا كبيرا منها. وفي ظل هذه المعطيات تبرز تركيا كقوة مستعدة لإرسال أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيرة وأنظمة الحرب الإلكترونية إلى السعودية على الفور.