‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات إسماعيل ياشا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات إسماعيل ياشا. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 17 يونيو 2026

حدود أمن تركيا وحدود قوتها

 حدود أمن تركيا وحدود قوتها

إسماعيل ياشا

"لا تحتاج تركيا إلى تدخل عسكري مباشر في الأراضي السورية لحماية أمنها القومي، بل يكفيها التعاون والتنسيق مع دمشق"-

صرح رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان بأن أمن تركيا لا يبدأ من محافظة هاتاي، بل يبدأ من حلب ودمشق وبيروت. وقال في كلمته، الأربعاء الماضي، أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، إن تركيا لن تسمح بفرض أمر واقع في الدول الشقيقة ولن تتغاضى عن أي هجمات تستهدفها، مؤكدا أن بلاده لن تسمح بأوهام "أرض الميعاد". وحذَّر من "نار الفتنة التي يراد إشعالها في البحر الأبيض المتوسط، لا سيما في جزيرة قبرص"، مشيرا إلى أن أنقرة تتابع التطورات عن كثب.

التصريحات التي وردت في كلمة أردوغان حول حدود الأمن القومي التركي موجهة بالدرجة الأولى إلى إسرائيل، وترى أنقرة أن المخططات الإسرائيلية التوسعية تستهدف أمن تركيا وأراضيها، كما تستهدف سوريا ولبنان. إلا أن هذه التصريحات التي جاءت في الوقت الذي يشن الجيش الإسرائيلي هجمات على أماكن مختلفة في لبنان بما فيها عاصمتها بيروت، تطرح هذا السؤال: "إن كان أمن تركيا يبدأ من بيروت، فماذا يمكن أن تعمله أنقرة لحمايتها؟".

تركيا قادرة على استخدام كل ما تملك من قوة بما فيها القوة العسكرية لحماية حدودها البرية والبحرية، وهو من حقها وفقا للقانون الدولي كدولة ذات سيادة، ولكن حماية أمنها القومي ومصالحها خارج حدودها بحاجة إلى أساليب أخرى


تركيا قادرة على استخدام كل ما تملك من قوة بما فيها القوة العسكرية لحماية حدودها البرية والبحرية، وهو من حقها وفقا للقانون الدولي كدولة ذات سيادة، ولكن حماية أمنها القومي ومصالحها خارج حدودها بحاجة إلى أساليب أخرى ووسائل مختلفة مبنية على القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة مع الدول المعنية، مع الاحترام لسيادة تلك الدول؛ لأن تركيا لا تنشئ مليشيات تابعة لها في الدول الأخرى ولا تتدخل في شؤونها الداخلية.

أمن سوريا واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن تركيا واستقرارها، وأظهرت التطورات التي شهدتها سوريا بعد اندلاع الثورة هذه الحقيقة، مع سيطرة تنظيمات إرهابية مثل داعش وحزب العمال الكردستاني على أجزاء من الأراضي السورية المجاورة للأراضي التركية، لتشكل خطرا على الأمن القومي التركي. وقام الجيش التركي بعمليات عسكرية داخل الأراضي السورية لإبعاد ذاك الخطر عن الحدود، في ظل الفراغ الأمني وفقدان دمشق سيطرتها على تلك الأراضي. وبعد نجاح الثوار في إسقاط النظام وسيطرة الجيش السوري على كامل الأراضي السورية، باستثناء جزء بسيط بعيد عن الحدود التركية، لا تحتاج تركيا إلى تدخل عسكري مباشر في الأراضي السورية لحماية أمنها القومي، بل يكفيها التعاون والتنسيق مع دمشق وتعزيز قدرات الجيش السوري كيلا يسمح بتهديد تركيا انطلاقا من الأراضي السورية.

سوريا تستعيد عافيتها يوما بعد يوم وتضمد جراحها بدعم تركيا ودول صديقة أخرى لها، مثل المملكة العربية السعودية وقطر، كما تؤسّس جيشا وطنيا لحماية شعبها وأراضيها. وتعمل تركيا لتعزيز قدرات الجيش السوري من خلال برامج التدريب والتسليح، والمناورات المشتركة، وفقا للتفاهمات والاتفاقيات المبرمة بين دمشق وأنقرة. وفي هذا الأطار ولأول مرة، شارك الجيش السوري الشهر الماضي في مناورات "أفس 2026" التركية لتعزيز التعاون العسكري وتبادل الخبرات مع الجيش التركي والجيوش المشاركة الأخرى.

إن استمرّ الجيش الإسرائيلي في شن الهجمات على أنحاء متفرقة في لبنان بما فيها العاصمة بيروت بحجة حرية العمل العسكري، فإن تركيا لا تملك في الوقت الراهن غير إدانة العدوان الإسرائيلي، وإرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب اللبناني، ومطالبة إدارة ترامب والمجتمع الدولي بالتحرك


توسع الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية لا ينتهك سيادة لبنان فحسب، بل يهدد أمن سوريا ويشكل خطرا على الأمن القومي التركي، إلا أن حماية أمن بيروت أعقد من حماية أمن دمشق، بسبب اختلاف رؤى الحكومة اللبنانية وحزب الله في الحرب والسلم والتعامل مع مواجهة الاحتلال، إضافة إلى المشاكل التي أفرزها نظام المحاصصة. ومن المؤكد أن تركيا مستعدة لدعم الجهود الدبلوماسية اللبنانية الهادفة إلى إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولكن تلك الجهود قد لا تكفي للجم حكومة نتنياهو، ودفعها إلى الخضوع لوقف الحرب وسحب جيش الاحتلال من لبنان.

تركيا ومعها قوى إقليمية أخرى بذلت جهودا دبلوماسية لإنهاء الحرب على إيران ولبنان، وأدت تلك الجهود إلى قبول مذكرة تفاهم لوقف الحرب. إلا أن تصريحات قادة إسرائيل تشير إلى أن تل أبيب لن تلتزم بوقف إطلاق النار، ولا نية لها في الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال الحرب. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في "المنطقة الأمنية العازلة" في لبنان، مضيفا أنهم يعملون على الاحتفاظ بــ"حرية العمل العسكري" ودوام التمتع بها.

وإن استمرّ الجيش الإسرائيلي في شن الهجمات على أنحاء متفرقة في لبنان بما فيها العاصمة بيروت بحجة حرية العمل العسكري، فإن تركيا لا تملك في الوقت الراهن غير إدانة العدوان الإسرائيلي، وإرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب اللبناني، ومطالبة إدارة ترامب والمجتمع الدولي بالتحرك والتدخل لوقف العدوان.

x.com/ismail_yasa

السبت، 13 يونيو 2026

صراع على زعامة جماعة إسماعيل آغا الداعمة للحكومة التركية

 صراع على زعامة جماعة إسماعيل آغا الداعمة للحكومة التركية

إسماعيل ياشا


تشهد الأوساط الإسلامية في تركيا نقاشا ساخنا في الأيام الأخيرة حول ما ذكره الداعية الصوفي أحمد محمود أونلو، المعروف إعلاميا باسم "جُبَّلي أحمد"، في إحدى محاضراته حول علاقته مع شيخ جماعة إسماعيل آغا النقشبندية الراحل، محمود أوسطا عثمان أوغلو أو "محمود أفندي" كما يسميه مريدوه. وادعى "جبلي أحمد" في تلك المحاضرة المثيرة بأن "محمود أفندي" لم يمت، بل هو حي يرزق في قبره، وأنه متصل به على مدار الساعة ويلتقيه شخصيا بين حين وآخر، وأن ما يفعله ما هو إلا استجابة لتوجيهاته وأوامره. وبعبارة أخرى، يقول إن الشيخ الراحل يستمر في إدارة شؤون الجماعة عن طريقه.

المدعو "جبلي أحمد" كان ينشط منذ صغره داخل جماعة إسماعيل آغا، إلا أنه ترك الجماعة بعد وفاة "محمود أفندي" في حزيران/ يونيو 2022، ليؤسس في أيار/ مايو 2024 جماعة جديدة باسم "جماعة خضرة المجدد محمود أفندي"، ولم يعترف بزعامة الشيخين اللذين تم اختيارهما على التوالي من قبل كبار الجماعة، لأنه كان يتوقع أن يعلن هو نفسه شيخا لجماعة إسماعيل آغا. ومن المؤكد أن ادعاءه بخلافة "محمود أفندي" وأنه يدير شؤون أتباعه بموافقته، يهدف إلى كسب شرعية لدى المنتمين إلى جماعة إسماعيل آغا التي تعد من الجماعات الدينية الكبرى في البلاد.

ظاهرة الانقسامات في الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية بعد وفاة شيوخها ليست جديدة


ظاهرة الانقسامات في الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية بعد وفاة شيوخها ليست جديدة. وانقسمت جماعة "مَنزِل" النقشبندية، على سبيل المثال، إلى ثلاث جماعات، وأعلن كل واحد من أبناء الشيخ الثلاثة أنه هو شيخ الجماعة بعد وفاة والدهم؛ لأن تلك الجماعات والطرق الصوفية كشركات قابضة تملك مشاريع اقتصادية عديدة وقوة مالية كبيرة، وعند وفاة شيخ الجماعة أو الطريقة يطمح أبناؤه أو طلابه المقربون في الحصول على نصيب الأسد من التركة الغنية.

جماعة إسماعيل آغا أصدرت بيانا قالت فيه إن الادعاء بأن "محمود أفندي" يدير شؤون جماعته من قبره، يتعارض مع عقيدة أهل السنة والجماعة وأصول التصوف. كما رد عليه دعاة وأساتذة، وبينوا أن ما يقوله "جبلي أحمد" باطل لا أساس له في الإسلام، إلا أن هذا الأخير يصف كل من ينتقده بأنه "وهابي"، على الرغم من أن معظم هؤلاء من أشد المدافعين عن التصوف والمذهب الحنفي والعقيدة الماتريدية.

البروفيسور مهمت علي بويوك كارا، أستاذ المذاهب الإسلامية في جامعة مرمرة، يشبه "جبلي أحمد" وجماعته بالبريلوية وغلوها، ويحذر من مساعي تشكيل جماعات في تركيا على غرار القاديانية الباطنية لإبعاد المسلمين عن الجهاد في الوقت الذي يحوم على المنطقة بما فيها تركيا شبح الحروب الساخنة، ويقول إن الإنجليز هم من يقفون وراء ذاك المخطط، فيما يلفت آخرون إلى وجود جذور الآراء التي يدافع عنها "جبلي أحمد" في الفكر الصوفي وأدبياته.

الصراعات الداخلية التي تشهدها الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية في تركيا تلقي بظلالها على الساحة السياسية؛ لأن بعض تلك الجماعات الكبرى ينتمي إليها مئات الآلاف من الناخبين، وهو ما يجعلها "مخازن أصوات" يسعى كثير من الاحزاب للسيطرة عليها، سواء عن طريق استمالة زعمائها أو إبرام صفقات معها


الصراعات الداخلية التي تشهدها الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية في تركيا تلقي بظلالها على الساحة السياسية؛ لأن بعض تلك الجماعات الكبرى ينتمي إليها مئات الآلاف من الناخبين، وهو ما يجعلها "مخازن أصوات" يسعى كثير من الاحزاب للسيطرة عليها، سواء عن طريق استمالة زعمائها أو إبرام صفقات معها لشراء أصوات المنتمين إليها في مقابل وعود وامتيازات تقدم لها. وتتفاوض بعض تلك الجماعات والطرق الصوفية مع الأحزاب، وتطالب بترشيح عدد من المنتمين إليها في الانتخابات البرلمانية أو المحلية أو تعيينهم في مناصب رفيعة. ومن المؤكد أن دعم تلك الجماعات لهذا المرشح أو ذاك يلعب دورا كبيرا في الفوز في حال كانت نسب الأصوات التي يمكن أن يحصل عليها المتنافسون متقاربة.

جماعة إسماعيل آغا تدعم تحالف الجمهور الذي يشكله حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، كما يدعم "جبلي أحمد" ذات التحالف المؤيد للحكومة. وبعد تصريحاته المثيرة، استقبل رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان "جبلي أحمد"، يوم الجمعة الماضي، في مكتبه بقصر دولما بهتشة في إسطنبول. ونشر "جبلي أحمد" صورته مع أردوغان في حسابه بمنصة "إكس"، داعيا له بالصحة والعافية. ولم يصدر أي بيان من جانب أردوغان، إلا أن تكهنات مطلعين على موقف أردوغان من "جبلي أحمد" تقول إن رئيس الجمهورية ربما وبَّخ "جبلي أحمد" وحذَّره من مغبة تكرار خزعبلاته.

"جبلي أحمد" يقول إن "الله تلبس بلحم ودم وظهر في صورة محمود أفندي"، ويقول إن "محمود أفندي إن قال في حديثه "إن شاء الله" فهو كلامه، وإن لم يقل فذلك كلام الله"، أي أن الله سبحانه وتعالى يكلم الناس بواسطته، تعالى الله عما يقول. وعلى رئاسة الشؤون الدينية التركية أن توضح حقيقة هذا المعتقد الفاسد، بغض النظر عن الحسابات السياسية، لحماية المواطنين من المعتقدات المنحرفة والأفكار الضالة، وأن لا تكتفي بتحذير "جبلي أحمد" خلف الأبواب المغلقة.

x.com/ismail_yasa


الأربعاء، 8 أبريل 2026

ما سبب تحريض الصهاينة ضد تركيا؟

ما سبب تحريض الصهاينة ضد تركيا؟

"مطالبة الصهاينة بطرد تركيا من الناتو ليست وليدة اليوم"

ظهرت في الأيام الأخيرة تحليلات وتصريحات تحرض الولايات المتحدة والدول الغربية ضد تركيا، وتشكك في دورها في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وتدعو إلى إعادة النظر في عضويتها؛ بحجة علاقاتها مع حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وجماعة الإخوان المسلمين. ويوحي توقيت تلك التحليلات والتصريحات بأن الهدف منها ليس الدعوة إلى طرد تركيا من الحلف، علما بأن معاهدة شمال الأطلسي لا تنص على آلية لطرد أي عضو من أعضاء الحلف، بل الهدف بالدرجة الأولى هو الضغط على أنقرة لثنيها عن الجهود التي تبذلها من أجل التصدي لأطماع إسرائيل في المنطقة، ووقف الحرب على إيران.

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، مقرها في واشنطن، نشرت قبل أيام تقريرا بعنوان "تركيا الإسلامية: قاعدة لجهادية الإخوان المسلمين". ويحمل التقرير توقيع كل من سنان جِدِّي وويليام دوران. ويدعي التقرير أن رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، يسعى منذ وصوله إلى السلطة عام 2003، إلى تأسيس نظام إسلامي ويقدم دعما سياسيا وماليا لجماعة الإخوان المسلمين، كما يقول إن أنقرة قدمت دعما كبيرا لحركة حماس، مدعيا بأن قادة الحركة يديرون شبكات مالية داخل تركيا. ويوصي التقرير الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات على شخصيات تركية، وإعادة تركيا إلى "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي، مع إدراج القطاع المالي التركي كجهة مثيرة للقلق.

تحريض الإدارة الأمريكية ضد تركيا، وإفساد العلاقات بين الرئيسين الأمريكي والتركي، في ظل سعي أنقرة إلى استغلال تلك العلاقات في دعم الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها مع دول أخرى، مثل باكستان ومصر، من أجل وقف الحرب على إيران

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات التي تأسست بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، هي مؤسسة أمريكية تدعي بالدفاع عن القيم الديمقراطية ومحاربة العقائد المتطرفة التي تغذي الإرهاب، كما أنها معروفة بتوجهاتها اليمينية المتطرفة إزاء الإسلام والمسلمين، وولاؤها المطلق للكيان الصهيوني، وتتلقى تمويلا من منظمة المؤتمر اليهودي العالمي. وأما "سنان جِدِّي" فهو باحث تركي هارب من تركيا إلى الولايات المتحدة بسبب انتمائه إلى تنظيم فتح الله غولن الإرهابي الذي قام بمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في صيف 2016. وبالتالي، يعكس التقرير تماما وجهات نظر الصهاينة وانزعاجهم من سياسات تركيا برئاسة أردوغان. وكما يقول المثل، "إذا عرف السبب بطل العجب".

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يثني في كل فرصة على نظيره التركي، ويشدد على أن علاقاته معه جيدة. ويهدف التقرير إلى تحريض الإدارة الأمريكية ضد تركيا، وإفساد العلاقات بين الرئيسين الأمريكي والتركي، في ظل سعي أنقرة إلى استغلال تلك العلاقات في دعم الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها مع دول أخرى، مثل باكستان ومصر، من أجل وقف الحرب على إيران. ومن المؤكد أن حكومة نتنياهو منزعجة من الجهود المبذولة لإطفاء النيران التي أشعلتها في أنحاء المنطقة، ولا تروق لها تصريحات ترامب حول تركيا وأردوغان.

إسرائيل تتوجس من علاقات تركيا مع سوريا الثورة وتقاربها مع السعودية ومصر. ويشير كثير من المحللين إلى ولادة محور جديد لحماية أمن المنطقة واستقرارها، ولمواجهة العربدة الإسرائيلية، ويضم ذاك المحور الجديد كلا من تركيا ومصر وباكستان والسعودية. ونشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، قبل حوالي شهرين، مقالا يحذر من أن إسرائيل قد تجد نفسها في عزلة جيوسياسية واقتصادية لم تشهدها من قبل، في ظل تفضيل حلفائها التقليديين في واشنطن الشراكة مع "المحور السني" على حساب الشراكة مع تل أبيب. وهناك تصريحات وتحليلات إسرائيلية أخرى تعكس مدى استياء الصهاينة من تقارب تركيا مع السعودية ومصر.

التقرير الذي نشرته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات يلعب أيضا على وتر "فوبيا الإخوان" لتحريض مصر والسعودية ضد تركيا من خلال تضخيم علاقات تركيا مع حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين. إلا أن تلك العلاقات ليست جديدة، كما أن أنقرة قامت بترميم علاقاتها مع الرياض والقاهرة بعد سنوات من التوتر الذي خيم عليها بسبب موقف تركيا من ثورات الربيع العربي. وبالتالي، لا يتوقع أن تؤثر مثل هذه المحاولات الصهيونية اليائسة على علاقات تركيا مع السعودية ومصر، لأن الرياض والقاهرة تعرفان حجم علاقات أنقرة مع جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس، وطبيعتها.

مثل هذه المطالبات لن تؤدي إلى ما يطالب به الصهاينة، في ظل تزايد حاجة الدول الأوروبية إلى بقاء تركيا في الناتو، كثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف، كما أن تركيا تتجه هذه الأيام نحو تعزيز مكانتها في الحلف

سنان جِدِّي الموالي لجماعة غولن يواصل التحريض ضد تركيا، ويكرر ذات الأسطوانة المشروخة، في مقال كتبه مع باحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ونشرته صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، ويدعي بأن تصنيف تركيا كحليف موثوق عضو في الناتو أمر خطير، وأن تصاعد نفوذ تركيا في المنطقة إلى جانب علاقاتها مع حماس، يشكل تحديا للحلف وأمن الولايات المتحدة. ويؤيد الرأي القائل بأن تركيا ستكون "إيران ثانية"، على الرغم من عضويتها في الناتو وتصنيفها ضمن المعسكر الغربي. بل وينتقد المعترضين على هذا الرأي، لافتا إلى أن تركيا تختلف عن إيران، ويرى أن تركيا أخطر من إيران على أمن إسرائيل والدول الغربية، ويصف تواجد القوات التركية في الشطر الشمالي التركي لجزيرة قبرص بـ"الاحتلال".

مطالبة الصهاينة بطرد تركيا من الناتو ليست وليدة اليوم. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون، قال في كانون الأول/ ديسمبر 2014، إنه "لا يعقل أن تستضيف تركيا قادة حماس وهي عضو في الناتو"، كما دعت الحكومة الإسرائيلية، آنذاك، حلف الناتو إلى اتخاذ خطوات عقابية ضد تركيا لذات السبب. ويتجدد هذيان الصهاينة حول الموضوع بين حين وآخر، وفي أحد أمثلته الأخيرة، دعا رئيس منظمة "الأمريكيون من أجل إسرائيل آمنة"، موشيه فيليبس، في مقاله بمجلة "أمريكان ثينكر"، إلى طرد تركيا من الناتو، وضم إسرائيل وجمهورية قبرص الجنوبية اليونانية إلى الحلف. ومن المؤكد أن محاولات التأثير على مكانة تركيا داخل الحلف ستبقى غير مجدية، وأن مثل هذه المطالبات لن تؤدي إلى ما يطالب به الصهاينة، في ظل تزايد حاجة الدول الأوروبية إلى بقاء تركيا في الناتو، كثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف، كما أن تركيا تتجه هذه الأيام نحو تعزيز مكانتها في الحلف، من خلال تولي قيادة العمليات في البحر الأسود وتنسيق القوات البرية التابعة للناتو، وتستعد لاستضافة قمة مهمة للحلف في عاصمتها أنقرة في تموز/ يوليو القادم.


x.com/ismail_yasa


الأربعاء، 3 سبتمبر 2025

هل تستعد تركيا للحرب مع إسرائيل؟

 هل تستعد تركيا للحرب مع إسرائيل؟


إسماعيل ياشا


وضعت التطورات الإقليمية تركيا وإسرائيل أمام مواجهة حتمية يجري النقاش حاليا حول توقيتها وكيفيتها، في ظل تصادم مواقف الجانبين ومصالحهما في أكثر من ملف ذي أهمية بالغة. ويبحث كثير من المتابعين لشؤون المنطقة عن جواب هذا السؤال: "هل سيبقى التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل في إطار الصراعات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، أم يمكن أن يتطور ليتحول إلى مواجهة عسكرية ساخنة في منطقة هي في الأصل ملتهبة؟".

الملف السوري من أبرز الملفات التي يكاد يستحيل التوافق بين موقفي تركيا وإسرائيل منها، وفيما ترى تركيا تقسيم سوريا خطرا على أمنها القومي، وتدعم أمن جارتها واستقرارها ووحدة ترابها، ترى إسرائيل سوريا قوية وموحدة خطرا يشكل تهديدا لوجودها، كما تتوجس من تعزيز تركيا نفوذها العسكري في سوريا.

إسرائيل لا تريد أن ترى في المنطقة قوة عسكرية أقوى منها، بل تريد أن تصول وتجول وتعربد وتعيث في الأرض فسادا كما تشاء دون أن تواجه أي قوة رادعة. ولذلك، تخيفها القفزة الكبيرة التي حققتها تركيا في مجال الصناعات الدفاعية وسرعة تطور الأسلحة التركية الوطنية


وتسعى دمشق إلى إنهاء احتلال قوات سوريا الديمقراطية "قسد" لثلث الأراضي السورية بشكل سلمي، وتدعم أنقرة هذا التوجه، إلا أن كافة المؤشرات تشير إلى أن "قسد" ستصر على إنجاز مشروعها الانفصالي بدعم إسرائيل، ما يعني أن المواجهة العسكرية بين الجيش السوري الذي تدعمه تركيا و"قسد" التي تدعمها إسرائيل؛ لا مفر منها.

رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، أشار أمس الثلاثاء إلى أن إسرائيل التي وصفها بــ"دولة الإرهاب"؛ ترفع كل يوم مستوى جهودها الهادفة إلى تقسيم سوريا، وأن "قسد" تدور في فلك إسرائيل، مشددا على أن التدخل العسكري بإرادة مشتركة من دمشق وأنقرة سيكون حتميا، إن لم تنفِّذ "قسد" جميع بنود الاتفاق الذي وقَّعه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي في 10 آذار/ مارس الماضي.

قبرص وشرقي المتوسط من الساحات التي تتصادم فيها مواقف تركيا وإسرائيل ومصالحهما. ومن المعلوم أن تركيا هي الضامنة للسلام في قبرص وهي التي تحمي وجود الأتراك في الجزيرة الإستراتيجية، إلا أن إسرائيل ترى التواجد التركي العسكري في الجزيرة وتعزيز العلاقات بين تركيا وجمهورية قبرص الشمالية التركية تهديدا لمصالحها وأمنها القومي، وهو ما أعرب عنه الكاتب الإسرائيلي شاي غال، في مقال له نشر في صحيفة "إسرائيل اليوم" قبل حوالي شهر.

الكاتب الإسرائيلي في ذاك المقال يقول إن "الوجود التركي في شمال قبرص لا يشكل تهديدا للقبارصة اليونانيين فحسب، بل لإسرائيل أيضا"، ويدعو إلى الاستعداد والتخطيط لعملية عسكرية خاطفة لطرد الأتراك من الجزيرة بالتنسيق مع اليونان والقبارصة اليونانيين. كما يلمح في ذات المقال إلى أن إسرائيل يمكن أن تستهدف محطة "آكويو" التركية للطاقة النووية، على غرار استهدافها للمواقع النووية الإيرانية.

إسرائيل لا تريد أن ترى في المنطقة قوة عسكرية أقوى منها، بل تريد أن تصول وتجول وتعربد وتعيث في الأرض فسادا كما تشاء دون أن تواجه أي قوة رادعة. ولذلك، تخيفها القفزة الكبيرة التي حققتها تركيا في مجال الصناعات الدفاعية وسرعة تطور الأسلحة التركية الوطنية. ويشير محللون إلى أن الطائرات المسيرة والصواريخ التركية يمكن أن تضرب منصات الغاز وسفن البحرية والمناطق الاستراتيجية في فلسطين المحتلة، كما يلفتون إلى أن تركيا التي تملك ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف شمالي الأطلسي "الناتو" ليست إيران.

أنقرة تدعم القضية الفلسطينية وترفع صوتها عالية ضد العدوان الإسرائيلي على القدس والمسجد الأقصى والضفة الغربية وقطاع غزة. وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في كلمته أمام البرلمان التركي، إن تركيا قطعت علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل وأغلقت مجالها الجوي أمام طائراتها. وهناك عدد كبير من قادة حركة حماس يقيمون في تركيا، وتدرك إسرائيل أن أنقرة ستواصل دعمها لقضية الشعب الفلسطيني العادلة ومقاومته للاحتلال، بغض النظر عن نتيجة حرب الإبادة التي يخوضها جيش الاحتلال في قطاع غزة.

تركيا تفضل في هذه المرحلة إدارة التوتر مع إسرائيل بدلا من التصعيد، إلا أن وجود تصادم المصالح في ملفات عديدة قد يؤدي إلى التفجير في إحدى المناطق بأي لحظة


تركيا لا تسعى إلى خوض حرب في الوقت الراهن، سواء مع إسرائيل أو غيرها، إلا أنها في ذات الوقت تريد أن تكون جاهزة لأي تطور ساخن يهدد أمنها واستقرارها أو حرب قد تفرض عليها، كما تسعى إلى بناء قوة عسكرية رادعة تحمي أمنها القومي ومصالحها، وتدرك أن حلف الناتو لن يحميها، خاصة إذا كان ذلك ضد مصالح إسرائيل أو الولايات المتحدة. ولذلك، تقوم بتسريع خطواتها، وتسابق الزمن في تعزيز قوتها العسكرية بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة وقنابل جديدة، كقنبلة الغضب، إضافة إلى مشروع طائرة "قآن" الحربية، ومشروع حاملة الطائرات التي ستكون أكبر من سفينة الأناضول التي دخلت الخدمة في نيسان/ أبريل 2023. كما أعلن رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، الأسبوع الماضي، عن تسليم القبة الفولاذية إلى الجيش التركي، وهي منظومة دفاع جوي تركية أقوى من منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية، وتوفر حماية شاملة.

يتساءل كثير من المتابعين للشأن التركي، هذه الأيام، في ظل أنباء تقول إن إدارة الإسكان الجماعي "توكي" التركية ستبني ملاجئ حديثة في كافة المحافظات: هل تستعد تركيا للحرب مع إسرائيل؟ والجواب الصحيح لهذا السؤال هو أن تركيا تفضل في هذه المرحلة إدارة التوتر مع إسرائيل بدلا من التصعيد، إلا أن وجود تصادم المصالح في ملفات عديدة قد يؤدي إلى التفجير في إحدى المناطق بأي لحظة ليجعل حماية الأمن القومي التركي بطرق دبلوماسية مستحيلة. وإضافة إلى ذلك، تبدو إسرائيل التي تهاجم يمينا وشمالا كثور هائج، مستعجلة للمواجهة مع تركيا قبل أن تكمل الأخيرة بناء قوتها العسكرية الرادعة كما تخطط لها.

x.com/ismail_yasa

السبت، 23 أغسطس 2025

حزب العدالة والتنمية أمام اختبار مكافحة الفساد

 حزب العدالة والتنمية أمام اختبار مكافحة الفساد

إسماعيل ياشا


أحال حزب العدالة والتنمية في تركيا، الأحد، المحامي مجاهد برينجي، إلى لجنة الانضباط المركزية بطلب طرده من الحزب، ما دفع برينجي إلى إعلان استقالته من عضوية الحزب وتخليه عن ممارسة السياسة. وجاءت هذه التطورات بعد أن ادعى رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزل، بأن المحامي برينجي اقترح على أحد المعتقلين في قضية الفساد ببلدية إسطنبول الكبرى، أن يوقع على اعترافات مكتوبة، وأن يدفع مليوني دولار ليتم إطلاق سراحه. وفتح الادعاء العام تحقيقا لمعرفة صحة ذاك الادعاء، كما وافقت وزارة العدل على فتح التحقيق في حق المحامي برينجي.

المحامي مجاهد برينجي، هو نجل الكاتب والمؤرخ الراحل، نيازي برينجي، الذي كان ينشر مقالاته ورواياته الوطنية والإسلامية باسم "ياوز بهادر أوغلو". واشتهر في مواقع التواصل الاجتماعي بآرائه القانونية ودفاعه عن حزب العدالة والتنمية، حتى انتخب فيه عام 2021 عضوا للجنة المركزية للقرار والتنفيذ. وقال في حوار مع صحفية إنه لم يطلب مليوني دولار كرشوة، بل كأجرة في مقابل مرافعته عن المتهم، مضيفا أنه من حقه كمحامٍ، إلا أن هذا القول لم يقنع قادة حزب العدالة والتنمية، ورأوا أن برينجي حاول، على الأقل، أن يستغل ارتباطه بالحزب الحاكم للحصول على مبلغ كبير بشكل غير أخلاقي. وأما ما ذكره رئيس حزب الشعب الجمهوري فسيتضح مدى صحته بعد تحقيق الادعاء العام.

طرد المحامي مجاهد برينجي من حزب العدالة والتنمية خطوة في الاتجاه الصحيح، كي يبقى الحزب الحاكم بعيدا عن الفساد الذي يتهم به خصمه حزب الشعب الجمهوري، كما أن ما قام به الرجل أعطى أنصار رئيس بلدية إسطنبول المقال، أكرم إمام أوغلو، فرصة للطعن في نزاهة القضاء، والادعاء بأن كافة الاعترافات التي جاءت في قضية الفساد في بلدية إسطنبول الكبرى انتزعت من المتهمين عن ذات الطريق غير القانوني مقابل وعود بإطلاق السراح.

طرد المحامي مجاهد برينجي من حزب العدالة والتنمية خطوة في الاتجاه الصحيح، كي يبقى الحزب الحاكم بعيدا عن الفساد الذي يتهم به خصمه حزب الشعب الجمهوري، كما أن ما قام به الرجل أعطى أنصار رئيس بلدية إسطنبول المقال، أكرم إمام أوغلو، فرصة للطعن في نزاهة القضاء، والادعاء بأن كافة الاعترافات التي جاءت في قضية الفساد في بلدية إسطنبول الكبرى انتزعت من المتهمين عن ذات الطريق غير القانوني مقابل وعود بإطلاق السراح.

استغلال المناصب والعلاقات مع الحزب الحاكم والمسؤولين للحصول على امتيازات ومكاسب شخصية هو أيضا نوع من الفساد. وانتشرت هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة، وبدأت تظهر أمثلتها أكثر من ذي قبل، بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. وهناك عدد كبير من الأشخاص يضعون صور رئيس الجمهورية، رجب طيب أردوغان، أو وزير الخارجية، هاكان فيدان، وينشرون في حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي صورا ومقاطع فيديو يظهرون فيها مع أردوغان أو غيره من المسؤولين الكبار ليوهموا المتابعين بأنهم مقربون من صناع القرار.

يبدو أن حزب العدالة والتنمية منزعج من هذه الظاهرة، ويدرك مدى خطورة انتشارها على سمعة الحزب ومستقبله. وتعكس تصريحات النائب عن محافظة إزمير والرئيس الأسبق لشبيبة حزب العدالة والتنمية، أيوب قدير إنان، هذا الانزعاج، حيث قال إن هناك أشخاصا يفرشون مكاتبهم بشكل فاخر، ويجلسون على كراسي مزخرفة بالذهب، وكأنهم ملوك جالسون على عروشهم، ثم يعلقون فيها صورة أردوغان للتأثير على المواطنين، مضيفا أن صورة رئيس الجمهورية التركي ليست زينة لتزيين مثل تلك المكاتب.

وذكر أن حزب العدالة والتنمية سيلاحق هؤلاء الذين يستغلون اسم أردوغان وصورته في الترويج لأنفسهم. بل أردوغان هو ذاته، سبق أن لفت في كلمته بمدينة ريزة في كانون الثاني / يناير الماضي، إلى أن هناك أحزابا ومنظمات للمجتمع المدني تعمل كمحلات التجارة، مشددا على أنهم لن يسمحوا بتحويل حزب العدالة والتنمية إلى محل تجارة.

صور الفساد يمكن تقسيمها إلى قسمين: فساد فاضح كتلقي الرشوة والاختلاس، وفساد مقنَّع يتستر وراء القوانين. فالأول هو ما نراه في قضية إمام أوغلو ومعظم قضايا الفساد التي شهدتها بلديات تابعة لحزب الشعب الجمهوري. وأما الثاني فيتم وفق القوانين كشراء البلدية خدمات من شركات معينة أو أشخاص مقربين من رئيسها، بهدف تمويلهم من الأموال المخصصة للبلدية، على الرغم من أن البلدية ليست بحاجة إلى تلك الخدمات أو أنها ليست ضمن أولوياتها. وهذا النوع من الفساد يكاد أن يُرى في جميع البلديات، بما فيها تلك التابعة لحزب العدالة والتنمية. ومن المؤكد أنه مهما كان قانونيا فإنه غير أخلاقي على الإطلاق.

الحزب الحاكم في تركيا أمام اختبار حقيقي في مكافحة الفساد، ويحتاج إلى تنظيف صفوفه من الفاسدين، والمسؤولين الذين يحبون مظاهر الإسراف والبذخ، والمنتفعين الذين يستغلون ارتباطهم بالحزب للحصول على مكاسب شخصية

هناك بلديات تنظم أمسيات لشعراء لإلقاء قصائدهم أو تستضيف كتَّابا لتوقيع كتبهم، وتدفع هؤلاء الشعراء والكتاب الذين ينتمون إلى ذات الحزب الذي ينتمي إليه رئيس البلدية، مبالغ كبيرة تحت مسمى "دعم الأعمال الثقافية". وتشتهر البلدات التابعة لحزب الشعب الجمهوري بصرف الأموال على نحت التماثيل، على الرغم من أن السكان بحاجة ماسة إلى خدمات أخرى عاجلة.

وغالبا ما يسخر المؤيدون لحزب العدالة والتنمية من هذه الشهرة، إلا أن هناك بلديات تابعة لحزب العدالة والتنمية هي الأخرى تصرف أموالا كبيرة على إقامة متاحف مليئة بتماثيل مصنوعة من الشمع. وبالتالي، يتساءل المواطنون: "هل صرف أموال البلدية على تماثيل حرام إذا فعله حزب الشعب الجمهوري، وحلال إذا فعله حزب العدالة والتنمية؟"

الحزب الحاكم في تركيا أمام اختبار حقيقي في مكافحة الفساد، ويحتاج إلى تنظيف صفوفه من الفاسدين، والمسؤولين الذين يحبون مظاهر الإسراف والبذخ، والمنتفعين الذين يستغلون ارتباطهم بالحزب للحصول على مكاسب شخصية، كما أن البلديات التابعة لحزب العدالة والتنمية يجب أن تبتعد عن جميع الإجراءات والمناقصات التي تبدو أنها تهدف بالدرجة الأولى إلى إثراء أشخاص أو شركات، لأن رؤساء تلك البلديات مهما نجوا من المساءلة القانونية فإن المواطنين لن يغفروا أن يضيف رجالُ أعمالٍ ثراء إلى ثرائهم عبر علاقاتهم مع هؤلاء الرؤساء.

الأحد، 17 أغسطس 2025

استياء العلمانيين في تركيا من خطب الجمعة

 استياء العلمانيين في تركيا من خطب الجمعة



إسماعيل ياشا 

أصبح الرأي العام التركي، منذ فترة، يناقش كل يوم الجمعة مضمون الخطبة الموحدة التي ترسلها رئاسة الشؤون الدينية إلى أئمة المساجد في عموم البلاد. فهناك مؤيدون لما يُذكر في الخطب ويدافعون عنه ويشيدون برئاسة الشؤون الدينية، وهم الأغلبية الساحقة، وآخرون ينزعجون منها وينتقدون رئاسة الشؤون الدينية؛ بسبب الخطب التي يرونها تتعارض مع مبادئ العلمانية والأتاتوركية والديمقراطية، ويعتبرونها تدخلا في الحياة الشخصية للمواطنين.

خطب الجمعة التي يتم إلقاؤها في جميع مساجد تركيا، يكتبها مجموعة من الخبراء في رئاسة الشؤون الدينية. وهي تتناول العبادات والمناسبات الدينية، مثل الحج وصوم رمضان، بالإضاقة إلى حث المصلين على التحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الشبهات والمحرمات والرذائل، 

بدأت في الآونة الأخيرة تتطرق أيضا إلى المشاكل الاجتماعية وعلاجها وفق القرآن والسنة. وهو ما أزعج العلمانيين وأثار غضبهم، ودفعهم إلى الهجوم على رئاسة الشؤون الدينية التي يطالبون بإغلاقها

إلا أنها بدأت في الآونة الأخيرة تتطرق أيضا إلى المشاكل الاجتماعية وعلاجها وفق القرآن والسنة. وهو ما أزعج العلمانيين وأثار غضبهم، ودفعهم إلى الهجوم على رئاسة الشؤون الدينية التي يطالبون بإغلاقها.

خطبة الجمعة قبل الماضية كانت بعنوان "الحياء أمر من الله وفطرة في الإنسان"، وجاء فيها أننا "نعيش في زمن تنتهك فيه الخصوصية والحياء بلا حياء، إذ تروِّج بعض وسائل الإعلام ومصممو الأزياء وبعض الجهات في قطاع الموضة، لفكرة التعري باسم "الحرية" و"التحضر"، بينما يقلل من شأن الحجاب والستر". كما ذكرت الخطبة أن "ارتداء الملابس القصيرة أو الشفافة، أيا كان الزمان أو المكان، يعد انتهاكا لأمر الله بالستر"، وأن من ترتدي الملابس الضيقة التي تبرز تفاصيل الجسد، تدخل فيمن وصفهن النبي صلى الله عليه وسلم بــ"كاسيات عاريات".

وأما خطبة الجمعة الماضية فحثَّت على القيام بصلة الرحم في العطلة الصيفية، وأكَّدت أن الإنسان بحاجة إلى الراحة والعطلة، ولكن عطلة المسلم يجب أن تكون ضمن الحدود الشرعية والأخلاقية. وذكرت أن "بعض العطل اليوم أصبحت في كثير من الأحيان مظاهر من الترف والإسراف، تسير وراء الأهواء والشهوات، ولا تعير أوامر الله أي اعتبار"، مشيرة إلى أن "العطل فرصة ثمينة لتنمية الجوانب الدينية والاجتماعية والثقافية لأبنائنا، كما أنها وسيلة لتقوية روابط صلة الرحم".

التعري في الشوارع والأماكن العامة مشكلة حقيقية في تركيا تشتكي منها حتى النساء غير المحجبات؛ اللاتي يقلن إن هناك فرقا بين عدم ارتداء الحجاب والمبالغة في التعري، ويبدين مخاوفهن على أزواجهن وأبنائهن، في ظل خروج نساء وفتيات إلى الشوارع بملابس داخلية. كما يلفتن إلى أن رجلا لو ظهر في الأماكن العامة بملابسه الداخلية لاعتبر ذلك تحرشا بالنساء وتدخلت قوات الأمن لإبعاده عن تلك الأماكن. وتحتج هؤلاء النساء أيضا على الازدواجية في التعامل مع تعري الرجال والنساء، واعتبار تعري الرجال "تحرشا" وتعري النساء "حرية"، ويطالبن بوضع الحد لتعري النساء في الشوارع والأماكن العامة ولا يعتبرن ذلك تقييدا للحريات.

يريدون أن يجردوا المساجد من وظائفها ويحوِّلوا الخطب إلى دعاية للنظام العلماني، أو خطابات لا تضع إصبعا على الجرح ولا تتناول المسائل الاجتماعية من منظور إسلامي، كما يحنّون للدور الذي لعبته رئاسة الشؤون الدينية في عهدَيْ أتاتورك وعصمت إينونو


النقاش حول مضمون خطب الجمعة في تركيا امتداد لأزمة الهوية التي خلقتها محاولات إبعاد المجتمع التركي المسلم عن دينه وقيمه وعاداته وتقاليده. كما يدل على مدى بعد هولاء العلمانيين المنزعجين من الخطب الأخيرة عن عموم المجتمع المسلم وانقطاعهم عن الواقع، لأنهم لا يمكن أن يجدوا أحدا من الحاضرين لصلاة الجمعة يعترض على ما ورد في تلك الخطب، كما أن خطب الجمعة مجرد تذكير ونصيحة موجهة إلى المسلمين، وأن رئاسة الشؤون الدينية لا تملك سلطة لفرض أسلوب حياة معين على المواطنين.

هؤلاء العلمانيون المنزعجون من خطب الجمعة المكتوبة لمعالجة المشاكل الاجتماعية في ضوء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، يريدون أن يجردوا المساجد من وظائفها ويحوِّلوا الخطب إلى دعاية للنظام العلماني، أو خطابات لا تضع إصبعا على الجرح ولا تتناول المسائل الاجتماعية من منظور إسلامي، كما يحنّون للدور الذي لعبته رئاسة الشؤون الدينية في عهدَيْ أتاتورك وعصمت إينونو.

رئاسة الشؤون الدينية أسَّسها مصطفى كمال أتاتورك في آذار/ مارس 1924، وكان الهدف من تأسيسها أن تخدم مبادئ الجمهورية الوليدة وتعمل لترسيخها. وفي إطار سياسة تتريك العبادة التي تبناها أتاتورك، جعلت رئاسة الشؤون الدينية ما يسمى "الأذان باللغة التركية" يرفع في كافة مساجد البلاد من عام 1932 حتى عام 1950، كما صمتت على إغلاق مدارس تحفيظ القرآن الكريم واعتقال كل من يعلّم الأطفال تلاوة كتاب الله. إلا أن السحر انقلب على الساحر، وأنها الآن، بعد أن انتهت وصاية العلمانية المتطرفة على الإرادة الشعبية، تقوم بوظائفها الأصلية في خدمة دين الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولو كره العلمانيون.

x.com/ismail_yasa

الأربعاء، 16 يوليو 2025

هل يعود السلاجقة؟

 هل يعود السلاجقة؟

إسماعيل ياشا

قال أردوغان: "عندما تحالفنا نحن الأتراك والأكراد والعرب نشرت رياح خيولنا النسمات الباردة من بحر الصين إلى البحر الأدرياتيكي"- إكس

دخل مشروع "تركيا خالية من الإرهاب" مرحلة جديدة مع حفل رمزي أقيم بالقرب من مدينة السليمانية العراقية، يوم الجمعة الماضي، لإعلان بدء عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني. وشارك في الحفل عدد من قادة التنظيم الإرهابي وعناصره، وسلَّموا أسلحتهم، وتم إحراق تلك الأسلحة بحضور سياسيين وصحفيين. ويتوقع أن تستمر العملية أربعة أو خمسة أشهر، وفقا لتصريحات المسؤولين.


تخلي حزب العمال الكردستاني عن الإرهاب وتسليم سلاحه خطوة تاريخية لن تلقي بظلالها على تركيا فحسب، بل على المنطقة برمتها، كما أن مشروع "تركيا خالية من الإرهاب" يهدف إلى طي صفحة الإرهاب الانفصالي في تركيا ودول الجوار، مثل سوريا والعراق. وهو مشروع يخدم أمن المنطقة واستقرارها، وبالتالي، ينزعج منه كل من يستغل الإرهاب ويستفيد منه ويعلق عليه آماله لاستمرار حالة الفوضى والاقتتال وتقسيم المقسَّم ضمن خطة سايكس بيكو الجديدة.

هناك منزعجون كثر في داخل تركيا وخارجها من الخطوة التاريخية التي تقدمت بها الحكومة التركية لإنهاء الإرهاب الانفصالي الذي استنزف طاقات البلاد لأكثر من أربعة عقود، وتعزيز الروابط الأخوية بين الأتراك والأكراد والعرب، وسحب الملف الكردي من أيدي القوى الدولية والإقليمية التي تستغله لتحقيق مصالحها على حساب أمن المنطقة واستقرارها ومصالح شعوبها

رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، قال في تعليقه على الانتقال إلى مرحلة جديدة في مشروع "تركيا خالية من الإرهاب": "عندما تحالفنا نحن الأتراك والأكراد والعرب نشرت رياح خيولنا النسمات الباردة من بحر الصين إلى البحر الأدرياتيكي"، مضيفا أن الأتراك والأكراد والعرب حين تحالفوا لم يستطع أحد مقارعة حضارتهم وفنّهم وعلمهم ومستوى ازدهارهم، ولكنهم عندما تفرقوا وتباعدوا عن بعضهم حلت عليهم الهزيمة والحزن، ودمرت جيوش المغول البلدان الإسلامية بلا رحمة، كما اعتدى الصليبيون عليها. ولفت، في كلمته خلال اجتماع استشاري لحزب العدالة والتنمية في العاصمة أنقرة، السبت، إلى أن التاريخ يعيد نفسه اليوم ليتعانق الأتراك والأكراد والعرب بمحبة دون حواجز، وتتشكل من جديد روح ملاذكرد، وتحالف القدس، ونواة حرب الاستقلال.

هناك منزعجون كثر في داخل تركيا وخارجها من الخطوة التاريخية التي تقدمت بها الحكومة التركية لإنهاء الإرهاب الانفصالي الذي استنزف طاقات البلاد لأكثر من أربعة عقود، وتعزيز الروابط الأخوية بين الأتراك والأكراد والعرب، وسحب الملف الكردي من أيدي القوى الدولية والإقليمية التي تستغله لتحقيق مصالحها على حساب أمن المنطقة واستقرارها ومصالح شعوبها. وأكثر من ينزعجون من مشروع "تركيا خالية من الإرهاب" هم العنصريون العلمانيون الكماليون الذين يرفضون تخلي حزب العمال الكردستاني عن سلاحه، ويرغبون في استمرار الاقتتال بين التنظيم الإرهابي الانفصالي والقوات التركية.

أسباب انزعاج هؤلاء عديدة، منها أنهم يرون أن نجاح المشروع سيخدم الحكومة التركية في ظل تأييد شعبي له تتجاوز نسبته 75 في المائة، كما يعرفون أن توقف استنزاف طاقات البلاد سيحسن الاقتصاد، وسيؤدي إلى صرف الأموال لمشاريع تخدم المواطنين بدلا من صرفها لمكافحة الإرهاب. إلا أن السبب الأهم هو أن مشروع "تركيا خالية من الإرهاب" سيعزز دور مفهوم الأمة على حساب القومية العنصرية، وهو ما أعرب عنه رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزل، حين ذكر أن أردوغان يشير دائما إلى الأتراك والأكراد والعرب، ويريد أن يؤسس مظلة سياسية جديدة مبنية على وعي الأمة بدلا من وعي المواطنة، وتحالفا جديدا مبنيا على الإسلام السني.

معركة ملاذكرد التي يشير إليها أردوغان في كلماته، انتصر فيها جيش المسلمين بقيادة السلطان السلجوقي ألب أرسلان، على جيش البيزنطيين بقيادة الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع، عام 1071، وفتحت أبواب الأناضول أمام السلاجقة. ويشهد التاريخ أن السلاجقة لهم فضل كبير في تصدي المسلمين لفتنة البويهيين والفاطميين الباطنيين وحملات الصليبيين. وكانت الدولة السلجوقية دولة آسيوية وشرق أوسطية عاش فيها الأتراك والأكراد والعرب في وئام، وقاتلوا تحت رايتها.

وسائل الإعلام الغربية كثيرا ما تتحدث عن عودة الدولة العثمانية أو رغبة أردوغان في إحياء الإمبراطورية العثمانية، في إشارة إلى تصاعد نفوذ تركيا في المنطقة، إلا أن كل المؤشرات تشير إلى الرغبة في عودة روح السلاجقة

مجلس الوزراء برئاسة أردوغان اجتمع في آب/ أغسطس الماضي في مدينة أخلاط شرقي البلاد، بمناسبة الذكرى الـ953 لانتصار ملاذكرد، كما أقيمت فيها فعاليات بذات المناسبة شارك فيها مع أردوغان حليفُه رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي. وكانت مدينة أخلاط من المدن الأولى التي افتتحها السلاجقة في الأناضول، ونقطة انطلاق الجيش السلجوقي بقيادة ألب أرسلان في معركة ملاذكرد، والمعارك الأخرى التي خاضها الجيش السلجوقي لافتتاح مدن أخرى في الأناضول. كما أنها تحتضن مقابر تاريخيّة تعود إلى القادة والجنود السلاجقة. وبسبب رمزيتها، تم إنشاء مجمع رئاسي فيها لتعزيز روابط مواطني تركيا الحديثة بأجدادهم السلاجقة الذين جعلوا الأناضول وطنا لهم.

وسائل الإعلام الغربية كثيرا ما تتحدث عن عودة الدولة العثمانية أو رغبة أردوغان في إحياء الإمبراطورية العثمانية، في إشارة إلى تصاعد نفوذ تركيا في المنطقة، إلا أن كل المؤشرات تشير إلى الرغبة في عودة روح السلاجقة كي تتصدى للحملات الصليبية الجديدة وفتنة الباطنيين الجدد. ومن اللافت أن أردوغان أشار في تصريحاته إلى الأتراك والأكراد والعرب، ولم يذكر الفرس ضمن تحالف الشعوب الذي سيحمي المنطقة من التشرذم والتدخلات الخارجية.

x.com/ismail_yasa

الخميس، 10 يوليو 2025

ماذا يريد فاتح أربكان؟

ماذا يريد فاتح أربكان؟


إسماعيل ياشا
هاجم رئيس حزب الرفاه الجديد فاتح أربكان، رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، واتهمه، في كلمته التي ألقاها قبل أيام أمام أنصار حزبه في مدينة دوزجة، بالمشاركة في تدمير العراق وليبيا وسوريا ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير. وقال إن الصهيونية العالمية والولايات المتحدة احتلت العراق وقامت بتقسيمه إلى ثلاثة أقسام، كما وصفت القذافي بالدكتاتور وأسقطت نظامه، وأنها رمت بشار الأسد بتهم لا أساس لها من أجل إبعاده عن الرئاسة، وجعلت سوريا غير مستقرة، ووضعتها أمام عتبة التقسيم، وبدأت بعد ذلك تستهدف إيران، كما قال.

تصريحات فاتح أربكان التي دافع فيها عن بشار الأسد والنظام السوري البائد، أثارت ضجة كبيرة، في صفوف الإسلاميين الأتراك والعرب، وأعرب كثير منهم عن خيبة أملهم في نجل الزعيم الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان، وقالوا إن أباه لو كان على قيد الحياة وسمع تلك التصريحات لما قبِل بذلك. إلا أن هذا القول غير دقيق، لأن ما ذكره فاتح أربكان ليس بعيدا عن الأدبيات والشعارات السياسية التي كرَّس أبوه حياته لترسيخها.

تصريحات فاتح أربكان التي دافع فيها عن بشار الأسد والنظام السوري البائد، أثارت ضجة كبيرة، في صفوف الإسلاميين الأتراك والعرب، وأعرب كثير منهم عن خيبة أملهم في نجل الزعيم الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان

أربكان الأب، رحمه الله، بنى آرائه السياسية على معاداة الدول الغربية والصهيونية العالمية، والدعوة إلى الوحدة الإسلامية، بغض النظر عن توجهات أنظمة الدول، كما رأى أن الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة بسيطة يمكن تجاوزها. وكان يُحمِّل الولايات المتحدة مسؤولية إسقاط صدام حسين واحتلال العراق، ولكنه كان يتجاهل الدور المحوري الذي لعبته إيران والمليشيات الشيعية التابعة لطهران في الاحتلال وفي ما آل إليه الوضع في العراق. كما أن إيران بدأت تزرع حقل جماعة "مللي غوروش" في حياة أربكان الأب لتجني الآن الثمار في الساحة السياسية التركية، كدفاع حزب السعادة وحزب الرفاه الجديد عن مواقف طهران في كافة الملفات.

رجب طيب أردوغان ورفاقه تربوا في مدرسة أربكان الأب، ولكنهم حين أدركوا أن طريقة ممارسة السياسة في الأحزاب التي أسسها الراحل تصطدم دائما بجدار المحكمة الدستورية في زقاق مغلق، انشقوا عنه وأسسوا حزب العدالة والتنمية، ليتبنوا خطا سياسيا مبنيا على الواقعية والانفتاح على عموم المجتمع، بدلا من التعلق بالشعارات. وأدى هذا الانشقاق إلى نجاح غير مسبوق في الساحة السياسية التركية، فيما ظل غير المنشقين عن أربكان الأب يمارسون السياسة في حزب السعادة بذات الطريقة القديمة التي تراجعت شعبيتها لدى الشارع بشكل كبير.

فاتح أربكان يبني سياسته على الاستثمار في إرث أبيه واستغلال حب الناس له. ولذلك، يذكر أربكان الأب في خطاباته وتصريحاته عشرات المرات، كما فعل في تلك الكلمة التي قال فيها إن أباه كم كان مصيبا حين حذَّر من المؤامرة التي تعرضت لها الدول الإسلامية، في إشارة إلى تغيير الأنظمة في العراق وليبيا وسوريا. بل يذهب إلى أكثر من ذلك، ويحاول أن يقلِّد أباه في صوته وحركات يديه واختيار كلماته وأسلوب خطابه، كي يستذكر المستمعون الراحل ويتعاطفوا مع نجله.

هناك شريحة من الناخبين المتدينين يعارضون الحكومة في دعمها للمرأة وتبنيها سياسة التمييز الإيجابي لصالحها، كما يرفضون التطعيم الإجباري بشدة، ويرونه مؤامرة تستهدف الشعوب المسلمة. ويطالبون بأن تفعل تركيا أكثر مما تفعله حاليا لدعم الفلسطينيين وسكان قطاع غزة. وينتقد هؤلاء، في هذه الأيام، موافقة البرلمان التركي على قانون المناخ لتطبيق اتفاق باريس للمناخ، ويقولون إن القانون ليس لصالح تركيا، بل يخدم مصالح الدول الكبرى.

أربكان الابن يسعى إلى الحصول على أصوات تلك الشريحة، بالإضافة إلى أصوات محبي أبيه، إلا أن حزب السعادة ينافس حزب الرفاه الجديد في ذلك

أربكان الابن يسعى إلى الحصول على أصوات تلك الشريحة، بالإضافة إلى أصوات محبي أبيه، إلا أن حزب السعادة ينافس حزب الرفاه الجديد في ذلك، علما بأن الخلاف الأهم بين الحزبين أن أربكان الابن أراد أن يتولى رئاسة حزب السعادة ولكن كبار قادة الحزب من رفاق أربكان الأب لم يسمحوا له بذلك، ما دفع فاتح أربكان إلى تأسيس حزب جديد، ليعلن أنه هو الوريث الوحيد والحصري لإرث أبيه السياسي. وبفضل انضمامه إلى تحالف الجمهور الذي دعم أردوغان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حصل حزب الرفاه الجديد على خمسة مقاعد في البرلمان التركي، إلا أن أحد نوابه استقال فيما بعد لينضم إلى حزب العدالة والتنمية. كما اعتمد في الانتخابات المحلية الأخيرة على ترشيح أشخاص كانوا يريدون خوض الانتخابات باسم حزب العدالة والتنمية إلا أن الأخير لم يرشحهم، ورفع شعبيته من 2,80 في المائة إلى 6,19 في المائة.

شعبية حزب الرفاه الجديد بدأت تتراجع بعد انشقاقه عن تحالف الجمهور المؤيد للحكومة، وانضمامه إلى صفوف المعارضة. تشير نتائج استطلاعات الرأي إلى أن شعبية حزب الرفاه الجديد حاليا حوالي 3 في المائة فقط. ويؤكد فاتح أربكان أنه سيترشح حتما للانتخابات الرئاسية، ولكن حزبه قد يخوض الانتخابات البرلمانية ضمن تحالف انتخابي مع أحزاب أخرى. ولأن باب عودة حزب الرفاه الجديد إلى تحالف الجمهور مغلق من الطرفين، فليس أمام فاتح أربكان إلا التحالف مع حزب الشعب الجمهوري أو الانضمام إلى تحالف أحزاب السعادة والمستقبل والديمقراطية والتقدم. ومن المؤكد أن هذا الخيار الثاني هو الذي يرغب فيه أنصار حزب الرفاه الجديد وهو الأفضل له، إلا أن فيتو حزب السعادة قد يحول دونه.

x.com/ismail_yasa

الخميس، 19 يونيو 2025

في العدوان الإسرائيلي على إيران دروس لتركيا

في العدوان الإسرائيلي على إيران دروس لتركيا

إسماعيل ياشا

شن الجيش الإسرائيلي، فجر الجمعة الماضية، سلسلة من الغارات الجوية استهدفت منشآت نووية وعسكرية في إيران، كما قام باغتيال عدد من القادة العسكريين الكبار، بينهم رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة محمد باقري، والقائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، وقائد مقر خاتم الأنبياء المركزي اللواء غلام علي رشيد، بالإضافة إلى عدد من العلماء النوويين الإيرانيين.

الجيش الإسرائيلي استخدم في هجماته طائرات أف-35 الحربية، وطائرات مسيرة أطلقها عملاء الموساد داخل الأراضي الإيرانية، ليتم اغتيال عدد كبير من القادة الكبار والعلماء النوويين بعد تحديد أماكنهم بدقة، ودون أن تواجه الطائرات الإسرائيلية تصديا يذكر أثناء تحليقها فوق المدن الإيرانية، على رأسها العاصمة طهران. وأثار هذا الاختراق الكبير دهشة كثير من المتابعين.

أنقرة أعلنت إدانتها بشدة للعدوان الإسرائيلي على إيران، وقالت إنه يمثل انتهاكا سافرا للقانون الدولي، واستفزازا يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة. كما صرح رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، بأن تلك الهجمات لا تثير قلق الإيرانيين فحسب، بل ستكون لها آثار أوسع نطاقا، كما وصف رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ"الخطر الأكبر على الأمن الإقليمي". وأما حليفه، رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، فيرى أن الهدف النهائي من الفوضى في المنطقة هو تركيا، ويقول إن إسرائيل تسعى إلى محاصرة بلاده وعرقلة مسار "تركيا خالية من الإرهاب"، داعيا إلى كبح جماح الكيان الصهيوني عبر استخدام القوة.

الدور سيأتي على تركيا، عاجلا أو آجلا، لأن إسرائيل لا تريد أن ترى أي دولة قوية في المنطقة، وأنها تعادي تركيا التي يقودها أمثال أردوغان، كما تخاف من تصاعد دور أنقرة في الملفات الإقليمية، والقفزة النوعية التي حققتها تركيا في مجال الصناعات الدفاعية. ويعكس هذا الخوف حديث نتنياهو عن ثقته بعدم عودة الدولة العثمانية، وطلبه من الولايات المتحدة منع الجيش التركي من إقامة قواعد عسكرية في سوريا


معظم الأتراك يتفقون مع بهتشلي ويرون أن الدور سيأتي على تركيا، عاجلا أو آجلا، لأن إسرائيل لا تريد أن ترى أي دولة قوية في المنطقة، وأنها تعادي تركيا التي يقودها أمثال أردوغان، كما تخاف من تصاعد دور أنقرة في الملفات الإقليمية، والقفزة النوعية التي حققتها تركيا في مجال الصناعات الدفاعية. ويعكس هذا الخوف حديث نتنياهو عن ثقته بعدم عودة الدولة العثمانية، وطلبه من الولايات المتحدة منع الجيش التركي من إقامة قواعد عسكرية في سوريا.

تركيا مستهدفة، سواء سقط النظام الإيراني أم لم يسقط. وبالتالي، عليها أن تدرس الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، كيلا تقع في الأخطاء التي وقعت فيها الأخيرة. ولعل أول درس يجب أن تتعلمه، عدم التساهل في تحصين الجبهة الداخلية والتصدي بحزم لمحاولات الاختراق، في ظل سؤال يطرح نفسه، وهو: "هل إسرائيل تستطيع أن تشن هجمات مفاجئة على تركيا، على غرار هجماتها التي استهدفت منشآت نووية وعسكرية في إيران؟".

قوات الأمن والاستخبارات التركية كشفت في السنوات الأخيرة عن عدة خلايا تجسس تعمل لصالح الموساد الإسرائيلي في البلاد. كما قامت تركيا بتطهير جيشها وقوات أمنها وجهاز استخباراتها من خلايا الكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة غولن الموالية لإسرائيل. ومع ذلك، لا بد من اتخاذ تدابير إضافية تحسبا لمحاولات الموساد لتشكيل خلايا جديدة وتوظيف عملاء جدد، كما أن هناك مجموعات وقوى أخرى، غير جماعة غولن، مستعدة للتنسيق والتعاون مع إسرائيل لضرب تركيا وإضعافها وإسقاط حكومتها المنتخبة التي تعبر عن إرادة شعبها.

الدرس الثاني الذي يجب أن تتعلمه تركيا هو أنها تقع في منطقة ملتهبة تفرض عليها التسلح الكافي لحماية نفسها، كما أنها بحاجة إلى منظومة متكاملة للدفاع تشمل طائرات، ودبابات، وسفن حربية، وصواريخ مختلفة، ودفاعات جوية، وأنظمة حرب إلكترونية، دون أن تترك أي فراغ يمكن أن يتسلل من خلاله العدو لتدمير قدراتها العسكرية بهجمات مفاجئة، على غرار الهجمات التي شنها الجيش الإسرائيلي فجر الجمعة الماضية، مستغلا ضعف الدفاعات الجوية الإيرانية.

تركيا أدركت مؤخرا أهمية اعتماد قواتها البرية والبحرية والجوية على منتجاتها الوطنية، وقطعت شوطا لا بأس به نحو أهدافها. وقال أردوغان إن تركيا في ضوء التطورات الأخيرة تضع خطط إنتاج لرفع مخزونها من الصواريخ متوسطة المدى وطويلة المدى إلى مستوى الردع. كما لفت المدير التنفيذي لشركة "بايكار" التركية الرائدة في صناعة الطائرات المسيرة، خلوق بيرقدار، إلى ضرورة تبني مفهوم جديد للدفاع مناسب لمفاهيم الحرب الحديثة، ونشر أنظمة منخفضة التكلفة قابلة للإنتاج المتسلسل بسرعة ويمكن استخدامها والتضحية بها عند الحاجة.

هناك درس آخر يجب على القيادة التركية أن تتعلمه، وهو عدم الابتعاد عن الواقعية في حساباتها؛ لأن تركيا تشهد الآن ولادة قوة عسكرية قادرة على حماية أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية وأمنها ومصالحها. ويدعي الإعلامي الإسرائيلي إيال بيركوفيتش، بأن إسرائيل هزمت حماس في الربع النهائي في الركلات الترجيحية، ثم هزمت إيران في النصف النهائي، وأنها ستواجه تركيا في النهائي. وعلى القيادة التركية أن تجعل تركيا مستعدة لتلك المواجهة الحتمية على أكمل وجه، وأن تتجنب المغامرات، كي لا يتم إجهاض قوتها قبل الولادة.

x.com/ismail_yasa