‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحبر الأصفر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحبر الأصفر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 25 أكتوبر 2026

كيف تطرح السؤال الواعي على الذكاء الاصطناعي؟

كيف تطرح السؤال الواعي على الذكاء الاصطناعي؟

الحبر الأصفر

أحمد عبدالرحمن العرفج





الذكاءُ الاصطناعيُّ، هذا الماردُ الإلكترونيُّ الجديدُ، يحتاج في واقعه إلى تعاملٍ ذكيٍّ ودقيقٍ، وخاصَّةً في موضوع صياغة الأسئلة؛ فالآلةُ لا تملك حاسَّة سادسة لتقرأ بها ما يدور في دهاليز عقلِك المزدحم.


وقديمًا قال العربُ وعقلاؤهم:
«طرحُ السُّؤالِ الصَّحيحِ نصفُ الإجابة»، بل إنَّ بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك، وأكَّد أنَّ «طرح السُّؤال أهمُّ من الإجابةِ نفسها». 
لقد كان العربُ يهتمُّونَ بالسُّؤالِ اهتمامًا بالغًا؛ لأنَّه مفتاحُ العقلِ، وأمارةُ الفطنةِ، بينما يكتفي بعضُنا اليوم، بدخول منصَّات الذكاءِ الاصطناعيِّ، وكأنَّه يدخلُ إلى مطعمٍ يكتفي فيه بقوله للنَّادل: «أبشرِّك، أنَا جائعٌ!».. طيِّب وما الخُطوة التَّالية؟ هل نأتِي لك بجرادٍ مشويٍّ، أم بكتفِ خروفٍ؟!
هذا المحرَّكُ البرمجيُّ ليس قارئًا لفنجان المستقبل، بل هو مرآةٌ تعكسُ مدى وعيِك ووضوحِك. وبناءً على ما تقتضيه أدبيَّات البحث العلميِّ، وممارسات هندسة الأوامر العالميَّة.! 
وحتى يتَّضح المقال، إليكم هذه الكلمات التي تجمعُ السُّخرية بالمثال:

قُلْ وَلا تقُلْ للذكاءِ الاصطناعيِّ:
* أوَّلًا:
حدِّد له الدور والمهمَّة باستخدام صيغة «بصفتِكَ»
لا تقلْ: «اكتُبْ لي خطَّةً تسويقيَّة» وتصمت، كأنَّك تسألهُ عن أحوال الطَّقس في القطبِ المتجمِّد!
قُل له مثلًا: «بصفتِك خبيرًا في التَّسويق الرقميِّ، وتحترف هذا العمل منذ عشر سنوات في السُّوق السعوديِّ، اكتبْ لِي خطَّة تسويقيَّة مبتكرة». 
من المهمِّ جدًّا هنا أنْ تبدأ بعبارة «بصفتك» أوَّلًا لتضعهُ في الخانة التي تريدُها بدقَّة، وتذكرُ له الموضوع بوضوحٍ عبر هذه العبارة السحريَّة، لتلبسه الوشاح المناسب، بدلًا من تركه يرتدي ملابس السِّباحة في حفلٍ رسميٍّ!
* ثانيًا: زوِّده بالخلفيَّة والمُعطيات
لا تقلْ: «كيفَ أنجحُ في مشروعِي؟» (هذا سؤالٌ يصلحُ لجلسةِ سمرٍ فوق رمال الثمامة، أو جلسة على شواطئ جُدَّة، ولكنَّه لا يصلحُ لآلةٍ صمَّاءََ تنتظر أرقامًا وبياناتٍ!).
قلْ له مثلًا: «بصفتِي شابًّا أملكُ متجرًا إلكترونيًّا لبيع الشَّاي المحكورِ، وأواجهُ تحدِّيات مثل قلَّة الزبائنِ، وضعفِ المبيعاتِ في فترةِ الظُّهر والفترة المسائيَّة، كيفَ أتغلَّب على هذه التحدِّيات؟». عندما تقدِّم له تفاصيل شايِِك المحكورِ في المقدِّمة، فلن يضطر للتَّخمين، فيعطيك وصفةً لبيعِ التُّمور بدلًا من ضبط مزاج عشَّاق الشَّاي!
* ثالثًا: حدِّد له القيود والتنسيق
لا تقل: «أعطنِي معلوماتٍ عن الإدارة»؛ لتفاجَأ بتقريرٍ أطولَ من معلَّقة امرئ القيس، يجعلك تكرهُ الإدارة والتقنية معًا.
قلْ له مثلًا: «بحدود 150 كلمةٍ فقطْ، وعلى شكل نقاطٍ مختصرةٍ ومباشرةٍ، صُغْ لي خمسَ أفكارٍ عمليَّة لإدارة الوقت». هكذا تضع شروطَك أوَّلًا، فترسم له خطوطًا حمراءَ، وسياجًا يمنعه من الثرثرة الإلكترونيَّة.
حسنًا، ماذا بَقِي!؟
بَقِي القول تُظهِر الحقيقةُ المُضحكةُ المُبكيةُ بأنَّ الذكاء الاصطناعي ليس ذكيًّا لدرجة قراءة النَّوايا، فإذا كان سؤالُك عشوائيًّا مشتَّتًا كخلطةِ «سمك لبن تمر هندي»، فلا تلم العقلَ الإلكترونيَّ إذا أتتك الإجابةُ هجينةً على هيئة «شوربة كوارع بالشوكولاتة»، لا تسمن، ولا تغني من جوعٍ؛ لذا عليكَ إتقان فنِّ السُّؤالِ.

الجمعة، 23 أكتوبر 2026

هل تنوع الشواهي يفيد المقاهي؟

 هل تنوع الشواهي يفيد المقاهي؟


أحمد عبد الرحمن العرفج

شاع بين البشر وهمٌ قديم يرفع من شأن التطابق ويرى في النمطية أماناً، كأنما الوجود لا يستقيم إلا بصهر العقول في قالب واحد. 

غير أن الحقيقة العارية تخبرنا بأن سنة الكون الراسخة هي الاختلاف لا الاتفاق، فهو الناموس الذي يحمي العالم من رطوبة الركود والتعفن البطيء، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}.

من هنا نلمح هندسة الكون؛ فهناك أصولٌ محسومة تضيق دائرتها لا خلاف فيها كاحترام النظام والآداب العامة، وهناك - في الجانب الآخر- فروعٌ تتسع فيها الخيارات حتى اللانهائية، وهذا العمق صاغه الإمام ابن قدامة حين قال : "اتفاق العلماء حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة".!

هذا التوسع في قاعدة الاختلاف يتجلى في أدق تفاصيل معاشنا وأبسطها؛ خذ مثلاً رشفة الشاي في مجلس واحد، إذ تتفرع الخيارات وتتشعب الأذواق في الكأس ذاتها؛ فهذا يطلبه أخضر بنعناع وسكر، وذاك أخضر بلا نعناع وبمحليات، وثالث يرتشفه أحمر بالحبق، ورابع يفضله خالياً من السكر تماماً؛ لتجد في الجلسة الواحدة عشرات الطلبات لكوب واحد، فإذ "لولا اختلاف الأذواق لبارت الأسواق".

وقد التقط هذا المعنى الفيلسوف نيتشه بنصه : "يجب أن نكون أحراراً في اختلافاتنا، فالنمطية هي موت الروح"، ثم وسّع المعنى الفيلسوف الفرنسي جيل ديلوز بقوله الشهير : "الاختلاف هو الجوهر الأصيل والوجود الحقيقي، أما الهوية المتطابقة فليست سوى وهم باهت".

إن الفروق بين البشر هي شعلة سنة التدافع الكونية التي تحرك عجلة الحضارة وتدفع الإنسانية للأمام، شريطة ألا يتحول هذا التمايز إلى شقاق أو خلاف يمزق القلوب.

حسناً ماذا بقي؟!

بقي القول : إن الشجاعة تكمن في قبول محيط التباين الصاخب دون التخلي عن رصانة الأصول، وأن نردد دائماً ونقول : اختلاف العلماء رحمة، واختلاف الشواهي يرفع من مبيعات المقاهي.


الاختلاف
النمطية
التنوع
ابن قدامة
نيتشه
جيل ديلوز
سنة الكون
اختلاف العلماء رحمة
التباين بين البشر
قبول الآخر

الاثنين، 19 أكتوبر 2026

هذا البلاغ عن تعفن الدماغ ..!

هذا البلاغ عن تعفن الدماغ ..!


د.أحمد عبد الرحمن العرفج

انتشر مصطلح تعفن الدماغ (Brain Rot) كانتشار النار في الهشيم ، وهو لا يصنف كمرض طبي عضوي ، بل يصف حالة من التدهور المعرفي، الإرهاق الذهني، وقلة التركيز الناتجة عن الإفراط في استهلاك المحتوى التافه والمقاطع القصيرة عبر الإنترنت.

وهذا "الإدمان الرقمي" يؤدي إلى تشتت الانتباه، ضعف الذاكرة، وفقدان القدرة على التفكير النقدي و الإبداع .

أما تعريف و أضرار " تعفن الدماغ فهي على النحو التالي :

1. استهلاك المحتوى "فائق المعالجة" ؛ فمثلما تضر الأطعمة المصنعة بالجسم، فإن "تعفن العقل" ينتج عن "المحتوى الرقمي فائق المعالجة".

و ميزة هذا المحتوى أنه سريع الإيقاع :(مثل فيديوهات TikTok وReels) تلك التي تعتمد على التحفيز البصري والسمعي الشديدين دون تقديم أي قيمة فكرية، مما يجعل الدماغ يعتاد على مستويات غير طبيعية من الدوبامين.

2. اضمحلال الانتباه (Attention Span Decay) :

تؤدي هذه الظاهرة إلى عدم قدرة المستخدم على التركيز في المهام الطويلة مثل قراءة كتاب أو مشاهدة فيلم عميق، حيث يصبح الدماغ "مبرمجاً" على طلب مكافأة (ضحك أو صدمة) كل 15 ثانية.

3. "لغة" تعفن الدماغ :

ارتبط المصطلح بظهور مصطلحات وميمات (Memes) غريبة وغير مفهومة خارج سياق الإنترنت (مثل مصطلحات Skibidi أو Rizz في سنوات سابقة)،

حيث يكرر المستخدمون كلمات لا معنى لها لمجرد أنها "ترند"، مما يؤدي إلى تراجع في المهارات اللغوية والتواصلية الواقعية.

4. التأثير التقني (خوارزميات التوصية) :

إن "تعفن الدماغ " هو النتيجة المباشرة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي التي لا تهتم بجودة ما تشاهده، بل تهدف فقط لإبقائك داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة عبر عرض محتوى تافه لكنه "مسبب للإدمان".

باختصار؛ #تعفن_الدماغ هو حالة من الخمول الفكري والتشبع الرقمي تجعل الشخص مستهلكاً سلبياً غير قادر على التفكير النقدي أو التركيز العميق.

إن أضرار هذا التعفن كثيرة و من أبرزها ما يلي :

1- تشتت ذهني:

صعوبة في التركيز على المهام البسيطة أو القراءة الطويلة.

2- ضعف الذاكرة:

نسيان المعلومات وتراجع الذاكرة العاملة.

3- خمول عقلي:

ضعف التفكير النقدي والإبداع، الاعتماد على المعلومات الجاهزة.

4- إرهاق وتوتر:

شعور دائم بالتعب الذهني، القلق، والعزلة الاجتماعية.

و السؤال هنا ؛ لماذا سمي بهذا الاسم؟

و الجواب هو : لقد اختيرت مفردة "Brain Rot" ككلمة العام لعام 2024 من قبل قاموس أكسفورد.

و يشير المصطلح إلى "التدهور المفترض" في الذكاء أو مهارات التفكير النقدي بسبب "التصفح السلبي" لمقاطع الفيديو القصيرة (مثل ريلز وتيك توك) التي توفر تحفيزاً مستمراً للدوبامين دون أي فائدة معرفية حقيقية.

حسنا ؛ كيف تعرف أنك تعاني منه؟

الجواب ؛ هذه بعض الأعراض :

1-ضعف التركيز:

صعوبة في إتمام المهام البسيطة أو القراءة لفترات طويلة.

2- ضبابية الدماغ:

الشعور بالتعب الذهني الشديد حتى دون مجهود بدني.

3- تأثر الذاكرة:

ضعف الذاكرة قصيرة المدى وتشتت الانتباه الدائم.

4- القلق الرقمي:

الشعور بالتوتر عند الابتعاد عن الهاتف المحمول.

و أخيرا :

كيف "تنظف" دماغك؟

هناك بعض الحلول ؛ منها :

1- الصيام الرقمي:

تحديد وقت معين لاستخدام الهاتف وإيقاف الإشعارات غير الضرورية.

2- التركيز العميق:

تدريب العقل على القراءة الورقية أو تعلم مهارات يدوية.

3- التفاعل الواقعي:

استبدال المحادثات الرقمية بلقاءات اجتماعية حقيقية.

و في النهاية أقول :

‏#ناصية

‏هذا تحذير وبلاغ

‏⚠️⚠️⚠️⚠️

‏بأن المقاطع القصيرة تشتّت الذهن وتسبّب

‏" #تعفن_الدماغ "!

‏#قاله_العرفج

‏#نواصي_الانتباه

السبت، 17 أكتوبر 2026

لا تكن على طبيعتك!

لا تكن على طبيعتك!

الحبر الأصفر








 د,أحمد عبدالرحمن العرفج

جاءت أوصافُ الإنسان في القرآن الكريم على النحو التَّالي: 
ظَلومٌ، جَهولٌ، كَفورٌ، يَئوسٌ، جَزوعٌ، مَنوعٌ، هَلوعٌ، عَجولٌ، قَتورٌ، شَحيحٌ، مُجادلٌ، طَاغٍ، خَصيمٌ، وكَنودٌ!

وهي نفسٌ وُصفت بأنَّها أمَّارةٌ بالسُّوء.!
وعلى الجانب الآخر، جاءت السُنَّة النبويَّة لتؤكِّد هذه الطبيعة وتكشف عيوبَها؛ فوُصف الإنسانُ بأنَّه: ضعيفٌ أمامَ الشَّهوات، حريصٌ وشديدُ الطَّمعِ، يشيخُ ويكبرُ ويهرمُ الشحُّ فيه، يتبعُ هواه، وتغلبُه الغَفلةُ، وعُرضةٌ للخطأ والنِّسيان الدَّائم.

ومن جهة الفلاسفة، فقد جرَّدوا هذه النَّفس، ورأوا أنَّ الإنسان في أصله:
 
ذئبٌ لأخيهِ الإنسان، وميالٌ للشرِّ والعدوانِ، والدَّليلُ على ذلك قول المتنبي:
«وَالظُّلمُ مِن شِيَمِ النُّفوسِ فإنْ تجِدْ
ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ»!
فهو أنانيٌ يبحثُ عن مصلحته، وعنيفٌ بطبعه، ومحبٌّ للسيطرة والتملُّك.
بينما جاء علمُ النَّفس الحديث ليؤكِّد أنَّ النَّفس البشريَّة في طبيعتها الأولى: 
مدفوعةٌ بغرائزَ بدائيَّةٍ عدوانيَّةٍ وجنسيَّةٍ، ومحكومةٌ بالخوفِ والقلقِ، وميَّالةٌ للإنكارِ والهروبِ النَّفسي، وخاضعةٌ للشَّهوة اللَّحظيَّة، والبحث الأنانيِّ عن اللَّذة.

وبعد كلِّ هذه الحقائق والصِّفات، يأتيك أحدُ هؤلاء «المدرعمِين» الذِين أطفأوا نورَ بصيرتَهم وأنوارَ سياراتِهم؛ ليدخل عليكَ بكلِّ وقاحةٍ وعينٍ قويّةٍ ويقولُ لك:
«كُنْ على طبيعتِكَ .. أو خلِّيك طبيعيًّا»!

حسنًا، ماذا بَقِيَ؟

بَقِيَ القولُ:
يَا هذا، لو تُرِك البشرُ على طبيعتِهم الجافَّة لتحوَّلت الأرضُ إلى غابةٍ، وفسدت الحياةُ! 
إنَّ مهمَّة الإنسان الوجوديَّة الكُبرى في هذه الدنيا ليست الاستسلام للغرائز، بل هي جهادُ النَّفس وتغييرُ هذه الطِّباع بالتطبُّع والتَّغيير الحَسن. 
تعلَّم وافهم فـ»أهلُ الجنَّة هم أهل التطبُّع لا الطبعِ». وما جاءت الأديانُ، والقوانينُ، والأنظمةُ إلَّا لتهذيبِ هذه الطِّباع المتمرِّدة والمعكوسة، ولذلك يقول الرسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في قفلِ هذا الباب العظيم: «إِنَّمَا العِلْمُ بالتَّعَلُّمِ، وإنَّمَا الحِلْمُ بالتَّحَلُّمِ، ومَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ، ومَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ».
خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن أو قريب منه
الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : السلسلة الصحيحة 

وأخيرًا ؛ يقولُ ابنُ المقفع:
«لا تستسلم لطبائع السُّوء فيك، فإنَّه ليس أحدٌ من النَّاس إلَّا وفيه من كلِّ طبيعة سوء غريزة، وإنَّما التفاضلُ بين النَّاس في مُغالبة طبائع السوء».

الجمعة، 16 أكتوبر 2026

وطن الانتصارات يدحر ضجيج الاعتداءات

وطن الانتصارات يدحر ضجيج الاعتداءات

أحمد عبد الرحمن العرفج


🔴 وطن الانتصارات يدحر ضجيج الاعتداءات .

في زمن الحروب، لا يحتاج المرء إلى من يشرح له معنى الوطن؛ فالقلب يعرفه قبل المعاجم، والوجدان يحفظه قبل الخرائط. الوطن ليس أرضًا نمشي عليها فحسب، بل طمأنينة تمشي معنا؛ وسقفٌ احتمينا به حين اشتدّ القيظ، ويدٌ أطعمتنا حين جاع الحلم، وصوتٌ علّمنا أن ننام آمنين، وأن نستيقظ أعزّاء.

حين تقترب أصوات الحرب، نقول له: 

أيها الوطن، أنت الذي ربّيت فينا السكينة حتى صارت خُلُقًا، وغذّيت فينا الانتماء حتى غدا فطرة.

نعم ؛ قد يعلو ضجيج الأعداء، وتستخفّ الحماقة برؤوس أصحابها، ويتفنّن الكائدون في طيشهم، وينفث الحاسدون شرّهم، ويتخبّط المغرّدون في أسواق الشائعات؛ لكن الضوضاء لا تقتلع جذرًا، ولا تجرح السماءَ حصاة حوثية حمقاء طائشة .

حبّ الوطن لا يعني التظاهر بأن الخطر غير موجود، بل أن نواجهه بالوعي والتماسك، وألّا نمنح الإشاعة من أعمارنا ما لا تستحق. 

وحين نقرأ قوله تعالى: «وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ»، ندرك أن الأمان نعمةٌ تُصان بالشكر، ويحرسها العقل، ويشدّ أزرها العمل.

وقد أحسن أحمد شوقي حين قال: «وطني لو شُغلتُ بالخلد عنهُ، نازعتني إليه في الخلد نفسي».

ولقد مرّت بك - أيها الوطن العظيم - المحن مرةً بعد أخرى، فخرجت منها جميعًا بتقدير امتياز، حتى غدت التحديات في تاريخك شواهد على الصلابة، لا علامات على الانكسار.

فما من امتحانٍ واجهته إلا تجاوزته بعزيمة، ولا عثرةٍ اعترضت طريقك إلا جعلت منها عتبةً إلى أفقٍ أرحب.

لقد تعلّمنا منك فنون الانتصار، واستلهمنا من عطائك معاني الاقتدار، وأدركنا من جمالياتك أن القوة ليست صخبًا، بل قدرةٌ على جعل الحياة مزهرة ولو عصفت بها الرياح.

يا وطن، إذا ارتفعت أصوات المدويات ، ارتفع في صدورنا صوت الوفاء.

يا وطني ؛ أنت لست معصومًا من امتحان الأيام، لكنك أكبر من أن تختصرك لحظة خوف، وأعلى من أن تلتفت تغريدة عابرة.

حسنًا، ماذا بقي؟

بقي أن نقول: نحن لا نسكن الوطن وحده؛ بل الوطن يسكننا، ولا يغادرنا. وبقي أن يعرف الأعداء والحاسدون والكائدون أن الحماقات و الرعونات تعبر، وأن الأوطان الراسخة تبقى شامخة، وأن الشموخ لا يطلب إذنًا من الريح بل هو يفرض نفسه عليها .


وطن الانتصارات
السعودية
حب الوطن
الاعتداءات الحوثية
الشائعات والحملات المغرضة
الأمن والاستقرار
الانتماء الوطني
وعي المجتمع السعودي
محن الوطن
ثبات السعودية