‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حاتم عزام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حاتم عزام. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 15 مايو 2018

تذكرة المترو .. والغرق الإقتصادي

تذكرة المترو .. والغرق الإقتصادي


صحيح ان أسعار تذكرة المواصلات في دول أوروبية كثيرة ( سويسرا و ألمانيا و الدنمارك و السويد و فرنسا و النرويج كمثال)  أعلي كثيرا من مثيلاتها في مصر، لكن و لكي تصح المقارنة، فيجب علينا ان نقارن حزمة الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية  التي تقدم للمواطن في هذة الدول ايضاً .
فعلي سبيل المثال فالتعليم في هذة الدول متطور و جودته متميزة و من أرقي الخدمات التعليمية  المتاحة و هو مجاني ، و المدارس الحكومية علي أعلي مستويات الجودة من جميع النواحي بل وافضل من كثير من المدارس الدولية الخاصة بمراحل . وكذا أنظمة الرعاية الصحية المقدمة و التي تتيح خدمات و رعاية صحية فائقة و متطورة و خدمة تحترم صحة المواطن و كرامته و رعايته ، و تقديم الرعاية الصحية غير مرتبط بالقدرة المادية المباشرة للمواطن الذي لا يموت بسبب عدم قدرته علي العلاج او تشخيص المرض . 
آما عن معدلات دخل الأفراد فهي أضعاف مضاعفة بالمقارنة بمصر  و من لا يعمل فشبكات الضمان الاجتماعي تضمن له دخل كريم لمدة جيدة و يساعدونه خلالها  علي إيجاد عمل ، ليس هذا فحسب، بل و تأهيله و تدريبه علي نفقة الضمان الاجتماعي  اذا تطلب الامر ، و ان لم يستطع ان يجد عمل بعد فترة عامين، علي سبيل المثال في بعض هذة الدول،   يلجاء مباشرة للدولة لتضمن له حد الكفاف و تنفق عليه بشكل مباشر يكون متقشفا بالمقارنة باعانة البطالة في بعض هذة الدول،  لكنه يلبي كل احتياجاته الاساسية التي تمكنه من الحياة
ببساطة ايضا و بدون الذهاب بعيداً : في هذة الدول مياة شرب نظيفة و صرف صحي لكل مواطن ! 
في هذة الدول المحترمة لا يمكن ان يصير المسؤول مسؤولا الا باختيار الناس و ارادتهم و لا يستطيع سجنهم او قتلهم اذا اعترضوا علي سياساته . و في سويسرا علي سبيل المثال با يستطيع حاكم بلدية او ” كانتون” اي “مقاطعة او محافظة”  ( و ليس حاكم دولة) ان يرفع سعر تذكرة المواصلات سنتاً واحداً الا بقرار مؤسسي من سلطة منتخبة و قد يستدعي الامر في كثير من الأحيان الاقتراع المباشر للمواطنين اذا تخظي رفع هذا السعر مثلا المعدلات العادية و وصل للضعف مثلا .   
الليبرالية الاقتصادية لا تعني  عدم وجود شبكات الضمان الاجتماعي و الصحي و التعليمي و الحد الأدني من الدخل ، و لا مصادرة حق الناس في اختيار مسؤولينهم و محاسبتهم . 
ما يحدث في مصر الان هو تبديد للثروات و فساد ممنهج مصحوب بفشل اداري و المواطن و كرامته لا قيمة لهم . حزمة مِن السياسات و الممارسات التي تؤدي الي إفقار مصر و مزيد من الظلم الاجتماعي و سيطرة المؤسسة العسكرية علي مفاصل الاقتصاد قاطبة ، مما بالطبع ايضا يفسد معه اي منافسه اقتصادية او ليبرالية اقتصادية . 
ان مصر يتم جرها بشكل متعمد لحظيرة صندوق النقد الدولي للسيطرة عليها ، باستخدام عقيدة الصدمة الاقتصادية كتلك التي تمت في دول كثيرة مِن قبل، فلم تذهب هي له راغبة لتطوير اقتصادها مثلا . وبالطبع تعلم المنظومة الدولية التي تدير صندوق النقد الدولي من يقبع علي السلطة في مصر و ما هي ممارساته .. فصندوق النقد الدولي ليس جهاز حيادي بل جهاز يعمل وفق منطومة دولية . 
اتحدث من بعد انقلاب ٣ يوليو ٢٠١٣ العسكري في غير موضع عن الغرق الاقتصادي الذي سيقود اليه البلاد ، بالطبع بعد الغرق الاجتماعي في بحور الظلم و القتل و الإعتقال و التعذيب و بث الكراهية و الفرقة و التمزق المجتمعي . و ها هو ذا كل الذي كنا و ما زلنا نحذر منه يحدث يوما تلو الآخر .  
ان التضاعف في سعر تذكرة المترو ليس سوي مقدمة جديدة لسلسلة من موجات الغلاء الطافح التي ستطال كل شئ .. نعم كل شئ مجددا .. فلا احتياطي نقدي حقيقي في البلاد و لا عائدات حقيقية و الديون الداخلية و الخارجية و طباعة النقود علي المكشوف لسد العجز هو ما تتقنه هذة السلطة التي تهوي مجددا لمزيد من الغرق الاقتصادي و الاجتماعي . 
بداية اللحاق بما تبقي، و الذي يتضائل يوماً بعد يوم ، هو في تصحيح المسار و عودة الديموقراطية و الإرادة  للشعب و فتح المجال السياسي المدني و الحريات ليأتي من يخدم الشعب و الوطن و يكون تحت الرقابة و المحاسبة ، لا ان يُستبعد المواطن في وطنه الذي يملكه

السبت، 2 ديسمبر 2017

" جعلوني مرشحا "

             من صفحة حاتم عزام           

أتقدم بخالص الشكر للشؤون المعنوية للقوات المسلحة لأخذهم ملاحظاتي التي دونتها بالأمس بتاريخ 1.12.207( مرفقه ) في الاعتبار، و انهم انتبهوا لاستكمال الحبكة الدرامية بإلقاء القبض أخيراً علي المرشح المحتمل ( مازال في الخدمة العسكرية ) الذي أعلن ترشحه منذ أربع سنوات و يقاضي المجلس العسكري . و انهم سيحاكمونه عسكريا و انهم مشكورين اتصلوا بمحامي صديق لهم و مدافع شرس عن السلطة الحالية ( الاستاذ اسعد هيكل ) و عينوه محامي له

" جعلوني مرشحا "
- السن ( ٤٢ سنة فئة الشباب و الأمل )
- خلفية عسكرية ( مع الجيش و الدولة بوجهة نظر لا تتعارض مع الفكر الرسمي السائد لمن يحكم الان)
- لغة الخطاب ( عربية فصحي توحي بالتدين لمغازلة المزاج العام المحافظ )
- إجادة الانجليزية ( مغازلة التوجهات الليبرالية و العلمانية )
- مؤهلات علمية ( القدرة علي الإنجاز و التعليم لمخاطبة الشريحة البيروقراطية و تطلعات المستقبل )
- محاولة الترشح السابقة من ٢٠١٤ ( ملف تقاضي معد بعناية و مرتب و متدرج ظهر علي السطح فجأة )
-حسن سير و سلوك في ملف خدمة القوات المسلحة ( الانضباط و طهارة اليد )
-اهداء الي شهداء الوطنية و الشهيد محمد زرد في مطلع المنتجات الدعائية ( الحس الوطني و التضحية)
-اداء تستطيع ان تلمس فيه الصدق ( دغدغة مشاعر المصريين الطيبين )
- الاعلان عن ترشحه فجأة في نفس يوم اعلان شفيق ( توقيت يدل علي أعداد الملف بالكامل من قبل و جاهزيته)
الحقيقة السيناريو "فنياً" تم اعداده بمهارة فائقة!
لكن لو ان هذا الإنسان بهذة المكانة العلمية و العملية في الخدمة العسكرية و قائده الاعلي العسكري هو من يحكم الآن بحكم الامر الواقع ، و هو يفعل هذا كله و منذ ٢٠١٤ و حتي الآن ، بل و مازال في الخدمة العسكرية، و طالع ما شاء الله عليه بالبدلة كاملة، بل قل و مازال علي قيد الحياة، لا بل يقاضي المجلس العسكري ليحصل علي حق الترشح منذ ما يقارب ٤ سنوات!!!
فإن هذا ليدلل عَلِي ان عقلية الدراما التليفزيونية للشؤون المعنوية تحتاج الي بعض التطوير و الإبداع وسط واقع يخفي فيه قسرياً أشخاص بسيطة محدودة التأثير وليسوا اصحاب وظائف رسميّة في الدولة بسبب " بوست علي الفيسبوك " !
خلاف هذا فإن المرشح نفسه زي الفل الحقيقه .. يعني فيه كل ما يطلبه المستمعون .. و تجوزه بنتك و
أنت مغمض .
والله الموفق و المستعان
Hatem Azzam‎‏.

الثلاثاء، 31 مارس 2015

قمة "أحلى من الشرف مفيش"


قمة "أحلى من الشرف مفيش"


حاتم عزام

المشهد الأول

وزير الدفاع المنقلب، سيسي مصر، مستقبلاً بكل الود والترحاب الأمير تميم أمير دولة قطر، في الوقت الذي يعقد قضاؤه الشامخ جلسات المحاكمة للرئيس محمد مرسي بتهمة التخابر مع الدولة ذاتها، في مشهد يجعل من نعمة العقل ابتلاءً مؤرقاً لصاحبه.

فالمشهد يمثل إقرارا من سيسي مصر بأحد أمرين: إما التآمر بتلفيق قضية التخابر مبررا لجريمة الخيانة العظمي التي نص عليها الدستور المصري، وهي الانقلاب على الشرعية.

وإما أن سيسي مصر هو أيضاً متخابر مع دولة قطر، أو على أقل تقدير متواطئ مع الرئيس مرسي.. الثابت أن جرائم التخابر مع دول أجنبية للإضرار بمصالح الوطن ليست مزحة، وهي من جرائم الخيانة العظمى التي لا يستهان بها، وإلا كان ذلك تواطؤاً معها، فهي لا تسقط بالتقادم، وبالأحرى أمام البروتوكولات الدبلوماسية وتطييب الخواطر، ويشكل أركانها طرفان: المتخابر العميل والمُتخَابر معه.

في هذه الحالة، فإن ما دأب على إعلانه وترديده قضاء سيسي مصر وإعلامه، وملفات القضية التي تنظر أمام قضاة يباشرون عملهم، وهم رهن المكالمات الهاتفية لمدير مكتبه عباس، كل ذلك يدعي أن الرئيس محمد مرسي هو المتخابر العميل مع دولة قطر، وأن دولة قطر هي الدولة المُتخابر معها للإضرار بالمصالح المصرية.

وإن كنت ممن أبتلوا بنعمة العقل في زمان "العكاشيات"، فلن تستطيع إلا أن يغلبك عقلك بأسئلة لا إرادية: هل سيتم تقديم سيسي مصر للمحاكمة بتهمة التخابر مع دولة قطر أو بتهمة التواطؤ مع دولة تتخابر ضد مصر في وقت يستقبل رأس هذه الدولة وقضايا تخابرها ضد مصر تنظر أمام المحاكم المصرية؟!

أم بتهمة التآمر بتلفيق قضية التخابر مبررا لجريمة أكبر نص عليها الدستور الذي أقسم على احترامه سيسي مصر، وهي الخيانة العظمى بالانقلاب على الشرعية الدستورية؟ ..أم تحيا مصر !

المشهد الثاني

قاعة مؤتمرات شرم الشيخ تضج بالتصفيق لسيسي مصر وهو يعلن أمام أقرانه من أصحاب السمو والفخامة رؤساء الدول العربية ووفودهم، وهو يتحدث والحسم والحزم يتلبسانه باقتدار، دفاعاً عن شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي قامت جماعة الحوثي بانقلاب مسلح عليه.

حوثي اليمن الذي يزعم أن أنصاره قاموا بثورة في اليمن وليس انقلابا، تماماً كالذي يزعمه سيسي مصر، فضلا عن تصريحات جماعته وميليشياته الصحافية والإعلامية التي اعتبرت تجربة سيسي مصر الانقلابية ملهمة لهم، حيث استحضروا في غير مرة، وبوضوح ودون مواربة، ما تحدثوا عنه من استنساخ لما فعله سيسي مصر برئيسه مرسي فيما يقومون به مع رئيسهم هادي في اليمن.

فمستضيف ورئيس قمة الدفاع عن شرعية رئيس اليمن المنتخب هو جنرال عسكري صاحب أحدث انقلاب عسكري عربي على شرعية رئيسه المنتخب الذي أقسم أمامه قسم الولاء لاحترام الشرعية الدستورية وزيرا للدفاع.

المشهد الثالث

التحالف العربي لدعم الشرعية مجتمعاً ومتوعداً الحوثي وجماعته بتصعيد عملية عاصفة الحزم ضد انقلابه على الشرعية الدستورية في اليمن، ومن مكونات هذا التحالف من دعم انقلاباً عسكرياً على الشرعية في مصر بكلفة معلن عنها، في المكان ذاته بمدينة شرم الشيخ قبل أيام، وصلت إلى أربعة عشر مليار دولار.

بل ويعلم من يجاورونه في جلسة القمة الافتتاحية بدعمه الحوثيين وحليفهم علي عبد الله صالح وميليشياتهما اللذين قاما بالانقلاب.. ومهما استعذت بالله من الشيطان الرجيم ثلاثا، فسيظل ابتلاؤك بنعمة العقل حاضراً منغصاً عليك.

المشهد الرابع

تحيا الأمة العربية.. تحيا الأمة العربية.. تحيا الأمة العربية.. تصفيق..

وأمام هذا الختام الحماسي الذي ابتُذلت فيه قيمة «تحيا الأمة العربية»، تماما كما ابتُذلت قيمة «تحيا مصر» بعد الثالث من يوليو 2013، لا تملك إلا أن تترحم على الفنان المصري الراحل توفيق الدقن ودوره الشهير في فيلم (بحبك يا حسن) الذي جسد فيه باقتدار شخصية «عبده دنص» صايع وبلطجي الحارة وهو يتغنى بالشرف بمقولته المشهورة «أحلى من الشرف مفيش.. يا آه يا آه».. فما أكثر "عبده دنص" في هذا الزمان!

الثلاثاء، 3 مارس 2015

حاتم عزام يكشف لمعتز مطر " تعليمات " السعودية الجديدة للسيسي و سر الزيار...

حاتم عزام: "التعليمات" السعودية الجديدة للسيسي


حاتم عزام:
(المصدر: مداخلة د. حاتم عزام، نائب رئيس حزب الوسط المصري في برنامج مع معتز على قناة الشرق أمس)

زيارة قائد الانقلاب، عبد الفتاح السيسي، إلى مصر تبدو أقرب إلى الاستدعاء منها إلى الزيارة. ولم يستغرق هذا الاستدعاء أكثر من ثلاث ساعات.

وما وصلني من معلومات عن التعليمات الجديدة الموجهة للسيسي، يمكن إجمالها في رسائل ثلاث:

* أن القرض أو الدعم المالي لن يكون كما في السابق، إذ إن هناك شروطا جديدة.

* بحث السيسي عن دور زعامة في قيادة حلف عسكري مع السعودية بخصوص القوات العربية المشتركة، غير مقبول.

* هناك إعادة صياغة للسياسيات الخارجية السعودية في المنطقة.
هذه هي الثلاث رسالة التي وصلتني بشكل غير مباشر نقلا عما دار في هذا اللقاء، الذي لم يستغرق وقتا طويلا، ولم يكن هناك تباحث ولا شيء من هذا القبيل، فلو كان هناك تباحث وتعاون لاستغرقت الزيارة أكثر من ذلك، فالملك سلمان استقبل الرئيس التركي، أردوغان، في زيارة استغرقت ثلاثة أيام للتباحث والمناقشة والتعاون، فأنت أمام واحد يستقبل ثلاث ساعات ورئيس دولة يستقبل ثلاثة أيام.
المداخلة

الأحد، 6 يوليو 2014

رسالة مؤثرة من "حاتم عزام" إلي الرئيس "مرسي"

رسالة مؤثرة من "حاتم عزام" إلي الرئيس "مرسي"




وجه المهندس حاتم عزام نائب رئيس حزب الوسط التحية الي الدكتور محمد مرسي .
وقال"عزام" في تدوينة عبر حسابه علي موقع "فيس بوك":
"تحية إكبار الي رئيس جمهورية مصر العربية د.م محمد مرسي ، الرئيس الذي مازال شرعيا و ديموقراطياً ، فلم يستقل او يتنازل عن إرادة الشعب ، بل الهم صموده الأسطوري الثوار ليقاوموا إنقلاب العسكر من أول يوم" ووضع حياته رهينة كي تبقي الثورة حية في ربوع مصر كلها".
وأضاف "عزام:"علي مدار عام كامل تنغص علي السارق سرقته فلا يهنأ بها..ولن يهنأ بها ان شاء الله بل قصاص عادل ناجز لقاتلي المصريين وسارقي إرادتهم".
وتابع"عزام":"الرئيس محمد مرسي، أختلف البعض كثيراً او اتفقوا علي أدائه، وأياً كان قد حكم فعلاً أم لم يحكم بالأساس ، لكن الثابت أن موقفه ضد الإنقلاب أدخله كتب التاريخ من صفحات الزعماء الكبار، تماماً كما دخل وزير دفاعه كتب التاريخ من صفحات المجرمين ضد الإنسانية".

الاثنين، 31 مارس 2014

لم يوقع على بيانه إلا بنجلاديش وسيريلانكا وميانمار: فشل ذريع للانقلاب في "تبييض" جرائمه


لم يوقع على بيانه إلا بنجلاديش وسيريلانكا وميانمار: فشل ذريع للانقلاب في "تبييض" جرائمه


بقلم: المهندس حاتم عزام / نائب رئيس حزب الوسط المصري

ملخص خيبة ممثلي الانقلاب في مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بجينيف:

*وفد الانقلاب بالأمم المتحدة فشل فشلا ذريعا في مهمته في اجتماعات آلية "الاستعراض الدوري الشامل" بالمفوضية السامية لحقوق الإنسان.

*لم يستطيعوا أن يبرروا المجازر الإنسانية والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي تمارسها سلطة الانقلاب ولم ينطل على وفود الدول تدليسهم.

*الطامة الكبرى بالنسبة لهم هو تقرير الدول ال٢٧ الأوروبية بالإضافة للولايات المتحدة الذي يدين سلطة الانقلاب بارتكاب جرائم وانتهاكات غير مسبوقة.

*سعت دولتا الإمارات والسعودية تقديم العون لبعثة الانقلاب، وحاولوا تغيير وجهة نظر هذه الدول ال٢٧، لكنهم لم يفلحوا وسخرت منهم الدول.

* فتفتق ذهن وزير خارجية الانقلاب، نبيل فهمي، واستدعى سفراء هذه الدول بالقاهرة ووجه لهم خطاباً شديد اللهجة، لكن أتى هذا بنتيجة عكسية.

*اجتمعت بعدها الدول الداعمة للانقلاب، الإمارات والسعودية، وشعروا أن أموالهم واستثماراتهم مهددة فقرروا شنَ حملة مضادة لدعم الانقلاب ووفده.

*قامت الإمارات والسعودية بمعاونة وفد الانقلاب بتنظيم حملة لجمع توقيعات بعض الدول بالأمم المتحدة في بيان مضاد لبيان ال٢٧ دولة.

*في هذه الأثناء، ومع فشلهم بالأساس في إقناع دول محترمة بالوقوف جانب جرائمهم ضد الإنسانية، صدر حكم الإعدام الصادر بحق 529 مصري، مما زاد الطين بلة.

*لم يدع لهم بطش الانقلاب وغباؤه فرصة لتبييض وجوههم أمام أي دوله محترمة، فانتهوا بتقديم سلطة الانقلاب بتقرير هزيل مزرٍ حصلت على نسخة منه.

*تُرى من الذي دعم سلطة الانقلاب في تقريرها للرد على تقرير الدول ٢٧ بخلاف الإمارات والسعودية، إنها دول تميزت بخبرتها في انتهاك حقوق الإنسان.

*فلم تجد الإمارات والسعودية بعد جهد كبير إلا دول مثل بنجلاديش وسيريلانكا وميانمار وباكستان وكوبا وفنزويلا للتوقيع على تقرير سلطة الانقلاب.

* وكأن هذه الدول، والذي لا يخفى على أحد أن لها أعدداً كبيرة من العمالة في السعودية والإمارات، وقعت تحت ضغوط اقتصادية من قبلهما.

* فأصبح التقرير دبلوماسياً في النهاية وثيقة إدانة جديدة، تقر أن الانقلاب في مصر يسير على خطى هذه الدول في تعاملها مع الحقوق والحريات.

*وعاد وفد ممثلي الانقلاب، أحمد الفضالي، "مشرف موقعة الجمل" وكمال الهلباوي وماريان ملاك وميرفت التلاوي ومحمد فائق يجرَ أذيال الخيبة والعار.

الأربعاء، 25 ديسمبر 2013

نجيب ساويرس وأعراض خسارة الرهان الثاني

نجيب ساويرس وأعراض خسارة الرهان الثاني


تخطت التصريحات الأخيرة لنجيب ساويرس كل الخطوط الحمراء، ويجب ألا نأخذها مأخذ الهزل، وينبغي الرد عليها وتفنيدها، والرد عليها هنا سيكون من ناحيتي الشكل والموضوع، وسيكون موثقا بالشواهد والدلائل.

أما من ناحية الشكل فإن تصريحاته غير مقبولة، لأنه لا يحق له ابتداء الحديث باسم الثورة وارتداء ثوبها.. لماذا؟ لأنه لا تهمه الثورة ولم ينتمِ يوما إليها، وإنما يهمه فقط الحفاظ على إمبراطوريته المالية التي انتعشت وانتشت في عهود فساد مبارك السياسي، ولولاها ما كان.

هل نجيب ساويرس ماهر اقتصاديا؟ بالطبع نعم، ولا يستطيع أحد إنكار ذلك، لكن ما لا ينكر أيضا أنه كان جزءا من تحالف السلطة والثروة الذي أسسه نظام مبارك، وتمتع بامتيازات ومحسوبيات بفضل قربه من المتحكمين في مفاصل الدولة، وتمكن بفضل هذه العلاقة اللصيقة بمبارك وأسرته من أن يوسع نفوذه المالي والاقتصادي ويبني إمبراطوريته الاقتصادية بشكل كبير.
هل نجيب ساويرس ماهر اقتصاديا؟ بالطبع نعم، ولكن ما لا ينكر أيضا أنه كان جزءا من تحالف السلطة والثروة الذي أسسه نظام مبارك، وتمتع بامتيازات ومحسوبيات بفضل قربه من المتحكمين في مفاصل الدولة
صحيح أن له قدرات إدارية كرجل أعمال ناجح، إلا أنه لم يكن ليؤسس هذه الإمبراطورية إلا بانتفاعه من الفساد السياسي لنظام مبارك، وكان يدفع ثمن هذا الانتفاع متمثلا في تقديم الغطاء الدولي لدعم نظام مبارك، وكان يمارس هذا الدور في المحافل الدولية كلما سنحت الفرصة.

إحدى الدلائل البسيطة على خطاب ساويرس الداعم لنظام مبارك في المحافل الدولية تتجلى في لقاء له مع قناة أميركية مع المذيع شارلي روز، حيث قال بالحرف "أدعم مبارك لأنه يفعل دائما الصواب لمصر، وله علاقات جيدة بإسرائيل ودعم الحرب الأميركية على العراق".

إذا هو يتحدث مع الأميركيين عن مبارك بما يحبوا أن يسمعوه ليرضوا عنه، علاقات ممتازة مع إسرائيل ودعم للغزو الأميركي للعراق.

وحينما انطلقت ثورة يناير 2011 أصبح النظام السياسي الفاسد لمبارك مهددا، وبما أن ساويرس يلتصق التصاقا شديدا بهذا النظام واستثمر فيه كثيرا محققا نماء وازدهارا لإمبراطوريته الاقتصادية، فقد وقف ضد الثورة بكل جهده وسخّر طاقات مؤسساته الخدمية والإعلامية لمساندة مبارك، وحاول بكل ما يملك إفشال الثورة وعدم تحقيق أهدافها، لأن ضياع مبارك وأبنائه ونظامه يعني ضياع العديد من المميزات المباشرة لأعماله.

لن ينسى كل من شارك في ثورة يناير كيف تواطأ ساويرس ضد الثورة المصرية حينما قطعت شركة الهاتف المحمول المملوكة له "موبينيل" الاتصالات عن كل عملائها يوم "جمعة الغضب" في ٢٨ يناير/كانون الثاني 2011 في محاولة لإفشال تظاهرات هذا اليوم المفصلي من أيام الثورة المصرية، وهو إجراء لم يكن ليحدث من دون موافقة مسؤولي الشركة.

لم تقف جهوده عند هذا الحد، بل سعى لتوجيه الرأي العام المصري من خلال قنواته الفضائية وصحفه وظهوره الشخصي إعلاميا للقضاء على الثورة في مهدها، فبكى نجيب ساويرس نظام مبارك، وحاول إبقاءه، وقال مقولتيه الشهيرتين "الشباب في الميدان لا يعبرون عن الشعب المصري"، و"أدعم استكمال مبارك فترته الرئاسية"، بل وصل به الحد إلى أن تظاهر مؤيدا له ولبقائه، وله لقاءات مسجلة على فضائيات "المحور وBBC وOnTV" بهذه المعاني والأهداف تحديدا دون مبالغة.

فشل رهان ساويرس للقضاء على الثورة في مهدها، وفشلت مساعيه في إجهاض الثورة مبكرا، فما كان منه إلا أن يركبها، عملا بمبدأ تجاري شهير "إذا لم تستطع أن تهزمه فاشترِه".

وفجأة أصبح من الثوار! ويتحدث في الفضائيات نفسها عن ظلم تعرض له في عهد مبارك، وأصبح داعما للشباب الذين كان يراهم مرتبطين بالخارج لتنفيذ أجندات، وفتح لبعضهم قنواته وأغدق عليهم الأموال.

أسس حزبا سياسيا (استثمار مباشر) ودعم العديد من الأحزاب الأخرى (استثمار غير مباشر)، وتأتي الانتخابات الرئاسية فنجده يدعم ويستثمر في أحمد شفيق رمز النظام السابق الذي يعرف جيدا كيف يتعامل معه لتنمية إمبراطوريته الاقتصادية، لكن العملية الديمقراطية أتت بما لا تشتهيه سفن إمبراطوريته، ففشل شفيق ونجح الرئيس محمد مرسي، وهنا كانت بداية تغيير الإستراتيجية.. من ركوب الثورة إلى الانقضاض عليها.

طفت على السطح بعد بدء فتح الملفات في عهد مرسي أكبر قضية تهرب ضريبي عرفتها الدولة المصرية قامت بها مجموعة ساويرس الاقتصادية من خلال تحايل لتفادي دفع ١٢ مليار جنيه ضرائب مستحقة للدولة 
والحقيقة أن لمخططات نجيب ساويرس وجاهة تبرر هذه الإستراتيجية الجديدة، فهو ببساطة لن يستطيع الاستفادة اقتصاديا من هذا النظام السياسي الجديد بقيادة مرسي كما كان يفعل في عهد مبارك.

وبالفعل، بدا ذلك واضحا عندما بدأت الملفات التي كانت مغلقة بأمر نظام مبارك، تفتح بأمر النظام الديمقراطي المنتخب الجديد، وطفا على السطح منها أكبر قضية تهرب ضريبي عرفتها الدولة المصرية والتي قامت بها مجموعة ساويرس الاقتصادية من خلال تحايل على القانون لتفادي دفع ١٢ مليار جنيه ضرائب مستحقة للدولة المصرية.

أجبر نجيب ساويرس على التفاوض مع مصلحة الضرائب المصرية، فبعد أن رفض سداد أي مبلغ رفعت مصلحة الضرائب دعوى قضائية تتهمه بالتهرب الضريبي وإخفاء أرباح بلغت ٦٨ مليار جنيه في صفقة بيع شركة "أوراسكوم".

عرض ساويرس سداد 4.7 مليارات جنيه فقط، رفعها بعد ذلك إلى ستة مليارات، بينما أصرت الضرائب على أن يسدد ١٤ مليارا، فرفع عرضه إلى سبعة مليارات، وانتهى التفاوض باتفاق على أن يسدد 7.2 مليارات جنيه فقط، على أن يدفع منها 2،5 مليار جنيه (كاش) للخزانة العامة للدولة، وتعهد بسداد الباقي على عامين بشيكات بداية من يونيو/حزيران ٢٠١٤.

أدرك ساويرس أثناء هذه الفترة أنه إزاء عهد سياسي جديد نزيه غير سابقه، سيكون فيه مطالبا بسداد حقوق الدولة وتنتهي فيه أسطورة الربح السهل المبالغ فيه والتي عاش فيها ملتصقا بدولة فساد مبارك، وأصبح لأول مرة مدينا بمليارات للدولة بعدما تعود أن يأخذ منها بغير حساب.

كانت هذه لحظات فارقة، أدرك فيها أنه لا بأس من الاستثمار في الانقلاب الذي يمكن أن يعيد الدولة الفاسدة بالمفهوم الذي عرفه واعتاد التعامل به، إذ لا بأس من استثمار مئات الملايين من الجنيهات للحفاظ على مليارات المستقبل، وهذا ما فعله حين موّل ودعم حركة تمرد ماليا بحسب تصريحاته هو شخصيا لصحيفة النيويورك تايمز بتاريخ 10/7/2013.
أضف إلى هذا دعمه وتمويله جبهة الإنقاذ التي قادت مظاهرات طوال العام الأول لحكم الرئيس محمد مرسي، والتي شهدت عنفا ممنهجا من ميليشيات مقنعة بقناع أسود عرفت بـ"البلاك بلوك"، حملت فيه السلاح والخرطوش والمولوتوف، ولم يكشف حتى الآن النقاب عن العقل المدبر والممول لهذه الميليشيات، لكن الأيام المقبلة ستكشف هذا.
أما من ناحية الموضوع فإن تصريحات السيد ساويرس الأخيرة التي هدد فيها المجتمع المصري باستخدام العنف وحرض على السلم الأهلي تعني أنه بات يائسا بائسا، لا سيما بعد فشل الانقلاب أمام هذا الرفض الشعبي الجارف طوال الأشهر الخمسة الماضية، فقد قال في آخر تصريحات له على هذه الحشود والمظاهرات المتواصلة منذ الانقلاب "الشعب زهق وتعب، والكلام ده مش هيكمل، مش هانسيب أكل عيش الناس ومصيرهم في إيد 200/300 واحد، وإن كان الناس الموجودة دلوقت مش هتاخد الخطوة الجامدة خلاص OK إحنا ننزل كشعب إحنا قادرين ناخد ده، مش هما 300/400 واحد.. خلاص، إحنا سايبين الجيش والشرطة تعمل الدور ده وحدها، وده غلط برضه".
هذه التصريحات الهوجاء تبين أن استثماراته في الانقلاب أصبحت مهددة، وآماله بعودة النظام الفاسد الذي يجيد التعامل معه تتلاشى، لا سيما في ظل تزايد حالة الغضب الشعبي تجاه كل من مول وساهم في دعم الانقلاب مثله، مما يهدد مصالح شركاته الخدمية والإقبال عليها في حال انكسار الانقلاب نهائيا قريبا بإذن الله، لذا لم يتورع عن تهديد كل من يحاول كسر الانقلاب، حتى ولو هدد هو السلم المجتمعي وحرّض على العنف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وتبقى أسئلة موضوعية ينبغي توجيهها لنجيب ساويرس:
من أنت، ومن تمثل حينما تستخدم "إننا" تركنا الجيش والشرطة ولم نرد التدخل؟

وإن كان عدد المتظاهرين ثلاثمائة أو أربعمائة كما تدعي، فلماذا عجزت القوة العسكرية والقتل والاعتقال عن أن تخمد أصواتهم؟ أليست مقولتك هذه "إن المتظاهرين الموجودين في الشارع لا يعبرون عن المصريين" هي نفسها التي قلتها عن الثوار في الأيام الأولى للثورة في يناير/كانون الثاني، وفبراير/شباط ٢٠١١؟

وهل هناك علاقة بين ما صرحت به وبين أول ظهور جديد لـ"البلاك بلوك" أخيرا؟ هل تتصور ما هي العقوبة التي يعاقب عليها القانون -إذا احتُرم- في بلادنا على تلك التصريحات الهوجاء؟

ألا تعلم أنك تسكب الزيت على النار وتحرض على العنف والاحتراب الأهلي؟

الغريب هو حديث ساويرس بلهجة واثقة وكأنه صاحب القرار فوق مقدرات مصر من جيش وشرطة، وأن قراره نافذ بعد أن يتركهما يقومان بدورهما في إخماد صوت المصريين المطالبين بالحرية، فإن لم يستطيعا فله هو شأن آخر
ويبقى الأهم من الخطاب التحريضي لساويرس في هذا الوقت الحساس تلك اللهجة الواثقة التي يتحدث بها وكأنه صاحب القرار فوق مقدرات مصر من جيش وشرطة، وأن قراره نافذ بعد أن يتركهما يقومان بدورهما في إخماد صوت المصريين المطالبين بالحرية، فإن لم يستطيعا فله هو شأن آخر.

هل امتلك السيد ساويرس مصر ليتحدث هكذا؟ ثم ألم يكفِك يا ساويرس آلاف الشهداء من المصريين الذين قدّموا أرواحهم رخيصة حتى تتحرر مصر من الاستبداد والفساد من ٢٥ يناير/كانون الثاني ٢٠١١ إلى الآن.

أنصح ساويرس بأن يكون نجيبا ويبدأ بترتيب أحواله وتأهيل نفسه على أن الانقلاب زائل وأن الثورة ستنتصر لا محالة، وأقول له "إن رهانك الثاني على فشل الثورة وعودة نظام مبارك خاسر أيضا، فاجعل جل تركيزك في تسديد باقي المليارات السبعة المستحقة عليك لخزانة الدولة، لأن مصر تحتاج إليها يا نجيب".

وأخيرا يا ساويرس.. مرحبا بك رجل أعمال ناجحا تسهم في بناء مصر وتستثمر بها وتخلق فرص العمل للمصريين وتسدد حقها عليك في دولة تسودها الديمقراطية والقانون، ولا مرحبا بك وأنت تحرض ضد المصريين وتسعى مجددا لإخماد ثورتهم على نظام مبارك الفاسد الذي سعيت جاهدا لاستعادته.

لا مرحبا بك وأنت متهرب تنتفع بمليارات الشعب دون وجه حق وتنفق أموالك في محاولة يائسة لتعيد بلادنا إلى عصور الاستبداد والفساد لتنتفع أنت وأسرتك بمصالح ضيقة.
المصدر:الجزيرة

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

جيش الدولة.. لا دولة الجيش

جيش الدولة.. لا دولة الجيش

المتابع لإعلام الانقلاب العسكري يستطيع أن يلحظ ترويجه لمصطلح "التحريض ضد الجيش" لكل من ينتقد قائد الانقلاب العسكري وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، ويسميه بحقيقة ما قام به من انقلاب عسكري ويحمله المسؤولية الجنائية والسياسية عن قتل وإصابة واعتقال عشرات الآلاف وتمزيق السلم المجتمعي وتدمير الاقتصاد الوطني.
 
ولأن أبواق الإعلام الانقلابي ومنافقي السياسة أرادوا أن يختزلوا المؤسسة العسكرية المصرية في "شخص" السيسي الذي أطاح بالدستور والقانون والعملية الديمقراطية وإرادة المصريين الحرة، رأيت أنه من اللازم علينا أن نوضح بما لا يدع مجالا للشك موقفنا من المؤسسة العسكرية.
 
إن أحد أهم أهداف ثورة ٢٥ يناير/كانون الثاني هو التأسيس لمصر جديدة مدنية ديمقراطية، دولة الدستور والقانون، الشعب فيها هو مصدر السيادة والسلطات.
 
ومن تجليات مصر الجديدة الديمقراطية أن تنضبط العلاقات المدنية-العسكرية لتصبح كمثيلاتها في الدول المتمدنة والمتقدمة في نظامها السياسي بقوة الدستور والقانون والإرادة الشعبية لا بقوة السلاح واستقواء قائد المؤسسة العسكرية بمؤسسته على إرادة الشعب الذي يملك ويمول هذه المؤسسة.
انشغال المؤسسة العسكرية بالسياسة بشكل مباشر أو غير مباشر هو أمر خطير مخيف على هذه المؤسسة الرفيعة وتهديد مباشر للأمن القومي للبلاد، إذ يفرغ طاقتها في غير مهمتها الرئيسية والجليلة ويجرها إلى أتون الصراعات السياسية
ويجدر بنا في هذا السياق التأكيد على النقاط الآتية:

أولا: أن المؤسسة العسكرية هي مؤسسة وطنية نكن لها ويكن لها الشعب المصري كل الاحترام والإجلال لدورها الهام الذي أوكله لها الدستور من حفظ تراب الوطن وحماية أراضيه.

ثانيا: أن انشغال المؤسسة العسكرية بالسياسة بشكل مباشر أو غير مباشر هو أمر خطير مخيف على هذه المؤسسة الرفيعة وتهديد مباشر للأمن القومي للبلاد، إذ يفرغ طاقتها في غير مهمتها الرئيسية والجليلة ويجرها إلى أتون الصراعات السياسية. فلا جيش في السياسة ولا سياسة في الجيش.
ثالثا: دور المؤسسة العسكرية هو استخدام وتوجيه قوة السلاح والرصاص لمواجهة الأعداء وحماية الوطن لا إلى أبناء الوطن من رجال ونساء وشباب وأطفال.
رابعا: وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة هو موظف عام في الدولة، ورئيسه -القائد الأعلى للقوات المسلحة- هو الرئيس المدني المنتخب بإرادة الشعب الحرة النزيهة لإدارة شؤون البلاد.
وفي هذا الإطار ليس من حق ولا واجب ولا مهمة وزير الدفاع أن ينصب نفسه حكما على دستور البلاد المقر شعبيا ووصيا على مؤسسات منتخبة انتخابات نزيهة حرة وديمقراطية وعلى أدائها السياسي ليقرر الإطاحة بها من عدمه.
خامسا: أنه يجب أن تخضع المؤسسة العسكرية لرقابة ممثلي الشعب المنتخبين بشكل يحدده الدستور، يحفظ للمؤسسة هيبتها ومهنيتها وكفاءتها، فالشعب هو الذي يمول كل مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية، ويجب أن يكون هو الرقيب -عبر ممثليه المنتخبين- على كل مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية.
سادسا: أن يضبط دستور الدولة علاقات مؤسسات الدولة بعضها ببعض، فلا تصبح المؤسسة العسكرية دولة داخل الدولة أو فوق الدولة.
سابعا: أن المؤسسة العسكرية هي مؤسسة مهنية منضبطة يجب ألا تتحول إلى مؤسسة ربحية أو اقتصادية.
ثامنا: الوظائف المدنية في الجهاز الإداري للدولة كالمحافظين وقادة الأجهزة الإدارية والرقابية للدولة ليست حكرا وملكا أو مكافأة نهاية خدمة للمتقاعدين العسكريين لضمان سيطرة المؤسسة العسكرية على مفاصل الجهاز الإداري للدولة. الأصل في هذا يجب أن يكون الكفاءة والمدنية إلا إذا اقتضت ضرورة ملحة ومحددة غير هذا.
تاسعا: انتهت عصور الانقلابات العسكرية على المدنيين المنتخبين في التاريخ الحديث للدول المتقدمة، ونزول الجيش في الشارع لضرب المتظاهرين هو أمر خطير جدا جدا ويقذف بمصر إلى هوة سحيقة، كما ذكر قائد الانقلاب نفسه قبل ذلك.
حاد السيسي عن مهمته، وأجرم في حق المصرييين سياسيا بالإطاحة بالدستور وبالمؤسسات المدنية المنتخبة ديمقراطيا، وجنائيا بارتكابه مذابح إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية راح ضحيتها الآلاف وقسم الشعب المصري على أساس الرأي
عاشرا: أنه يجب على وزير الدفاع -وهو موظف عام بالدولة يتقاضى راتبه من دافعي الضرائب المصريين- ألا يستغل قوة سلاح مؤسسته (التي يمولها الشعب) لقمع هذا الشعب والالتفاف على إرادته والإطاحة بها.
كما يجب عليه ألا يستغل مهنية ضباط مؤسسته والتزامهم السمع والطاعة لقائد المؤسسة في قتل المصريين.
إن السيسي حاد عن مهمته وأجرم في حق الشعب المصري جرما سياسيا بالإطاحة بالدستور وبالمؤسسات المدنية المنتخبة ديمقراطيا، كما أجرم جنائيا بارتكابه مذابح إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية راح ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب المصري، ومارس من خلال سلطته الانقلابية سياسة فصل عنصري قسم بها الشعب المصري على أساس الرأي السياسي والهوية الأيديولوجية.
إن جوهر الصراع الدائر الآن هو صراع الدولة العسكرية السلطوية في مصر التي تأسست عام ١٩٥٢ وما صاحبها من تراكم لدولة فساد عميقة لم تسلم منها أي من مؤسسات الدولة والتي تحارب حرب بقائها من جهة، ومع إرادة شعب حرة انطلقت في ٢٥ يناير/كانون الثاني ٢٠١١ تريد أن تمضي قدما في بناء دولة مؤسسات مدنية ديمقراطية حديثة.

نريد جيشا للدولة .. لا دولة للجيش
المصدر:الجزيرة

الجمعة، 25 أكتوبر 2013

سُلم السيسي

سُلم السيسي


في إطار تدليسه على الشعب المصري، عاب وزير الدفاع والقائد العام للانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، في خطابه للقوات المسلحة المصرية والشرطة، على رئيسه والقائد الأعلى للقوات المسلحة الذي اختطفه لينقض على السلطة، أنه استخدم الآلية الوحيدة الموثوقة التي تعارفت عليها كل دول العالم الديمقراطية للوصول للحكم ألا وهي الانتخابات الحرة النزيهة.

قال السيسي في حديثٍ سياسي بملابسه العسكرية "إن الرئيس مرسي اتخذ الديمقراطية سُلّما للوصول للحكم ثم أخذ السُلّم معه فوق". ثم أخذ يتلعثم في الكلام في مشهد هزلي حتى استطاع أن يكمل حديثه بعد جهد جهيد، وكأن تلعثم لسانه آية تدليسه وعدم اتساق ظاهره مع ما يضمر، ناهيك عن قلة حجته السياسية.

والآن، وبعد أن استغل السيسي مظاهرات احتجاجية في ٣٠ يونيو/حزيران الماضي سُلّما ليقوم بانقلاب عسكري في 3 يوليو/تموز، إذا بسلطته الانقلابية التي دهست الدستور والقانون بالمجنزرات العسكرية وقتلت آلاف المتظاهرين المحتجين على هذا الانقلاب واعتقلت من استطاعت أن تعتقله، وبعد عجزها عن وقف المظاهرات بالقتل والاعتقال، تلجأ إلى إصدار قانون لوأد حق التظاهر والاعتصام السلمي وهو حق دستوري تعرفه كل الشعوب المتمدنة.

استخدم السيسي المظاهرات سُلّما لتبرير الانقلاب العسكري علي الديمقراطية المدنية، وهو ما ليست له أي سابقة في أي دولة ديمقراطية بالعالم، ولكنه يبدو أنه اليوم قد أخذ السُلّم معه إلى فوق
وكأن السيسي بعد أن استخدم المظاهرات سُلّما لتبرير الانقلاب العسكري على الديمقراطية المدنية -وهو ما ليست له أي سابقة في أي دولة ديمقراطية بالعالم- قد أخذ السُلّم معه إلى فوق.

حتى دعوته الشهيرة بزيه العسكري المصريين للتظاهر والاحتشاد بالميادين لتفويضه بقتل المتظاهرين والمعتصمين في المنصة ورابعة والنهضة ورمسيس وغيرها، قد أخذها معه إلى فوق بعد الانقلاب.

إن القانون المزمع إصداره من سلطة الانقلاب لتنظيم المظاهرات، ما هو إلا محاولة يائسة وبائسة جديدة من سلطة الانقلاب العسكري لوقف الاحتجاج السلمي ضدها والذي باتت تخشى من فعاليته كسلاح سلمي مدني لإسقاطها أكثر من خوفها من أي شيء آخر خصوصا بعد اتساع رقعتها النوعية بعد انكشاف حقيقة الانقلاب العسكري لكثيرين.

ويبقي السؤال الأهم: عن من سيصدر هذا القانون؟ عن سلطة غير شرعية ولا منتخبة، بل سلطة سفاح منقلبة على الديمقراطية والرئيس المنتخب والدستور المستفتى عليه شعبيا، وبالتالي فإنه ليس لهذا التشريع أي شرعية.

ناهيك عن صدوره في مناخ انقلاب يكرس الدولة البوليسية العسكرية وحالة من الطوارئ وحظر التجوال والقتل والاعتقال والتخوين على أساس الرأي السياسي وغياب لمجلس تشريعي منتخب يناقشه، وبالتالي نستطيع أن نكون على يقين من أن هدفه هو تجريم التظاهر لا تنظيمه.

أما من ناحية المضمون، فإن القانون يحظر على المواطنين في مادته التاسعة حقهم الدستوري في الاعتصام السلمي، وبالتالي يسهل الطعن في عدم دستوريته.

وتأتي المادة العاشرة من القانون بمخالفة أخرى صريحة لحق المواطنين الدستوري في التظاهر السلمي، إذ قيدت المادة حق التظاهر السلمي بإعطاء السلطة التنفيذية "الانقلابية" مممثلة في وزارة الداخلية حق إلغاء المظاهرات أو التجمعات إذا ارتأت ذلك، وعلى المتضرر اللجوء إلى قضائنا "الشامخ"، وهنا يصبح من السهل التنبؤ بموقف قوات الشرطة التي تقتل المتظاهرين في وضح النهار!

والجدير بالذكر أن مشروع القانون السابق في عهد وزير العدل الشرعي أحمد مكي -والذي لم يقر ولم تتم مناقشته بالبرلمان وكان لنا عليه العديد من الاعتراضات في حزب الوسط- كان ينص على عكس هذا الإجراء، بحيث لا تستطيع الداخلية وقف المظاهرة بقرار إداري دون اللجوء بنفسها إلى قاضي الأمور الوقتية، بأن تطلب منه إصدار قرار مسبب بإلغاء المظاهرة.

مشروع القانون السابق بعهد وزير العدل الشرعي أحمد مكي كان يمنع الداخلية من وقف المظاهرة بقرار إداري دون اللجوء بنفسها إلى قاضي الأمور الوقتية، بأن تطلب منه إصدار قرار مسبب بإلغاء المظاهرة
أما المادة الرابعة عشر فتحدد حرما آمنا أمام القصور الرئاسية ومجلس الشعب والشورى ورئاسة الوزراء مسافة من خمسين إلى مائة متر، يستطيع المواطنون التظاهر بعدها.

أي أنه إذا أخطأت وزارة الداخلية في عدم منع المظاهرات، فإن شوارع القاهرة التي لا يتعدي بأي حال عرض أي منها خمسين مترا هي الحصن الأخير.

وبطبيعة الحال فإن الحديث عن الأوناش التي كانت تسحل أبواب القصر الرئاسي الذي كان يجلس فيه الرئيس المنتخب والشماريخ والمولوتوف التي كانت تقذف بداخله، وتسلق أسواره لاقتحامه، هذه أشياء أدت دورها لإسقاط الرئيس الشرعي وتبرير الانقلاب العسكري "وأخذها السيسي معه إلى فوق".

ليست هذه هي المواد الوحيدة التي تظهر قمعية هذا الانقلاب ومخالفته لما كان يرتكز عليه كذبا وزورا من شرعية شعبية مزيفة أتت به عبر مظاهرات حماها ورعاها بل ودعا إليها، لكنها ملامح هامة علها تكشف عمن أعمت عقولهم وأبصارهم أذرع السيسي الإعلامية التي رسخت زيف هذا الانقلاب.

هذا القانون مآله مآل كل قوانين المخلوع مبارك، ولن ينجح أن يثني شعبا قويا صامدا ثابتا بسلميته تحت وطأة زخات رصاص سلطة الانقلاب في أن يستعيد ثورته وديمقراطيته.
المصدر:الجزيرة

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

اللقيطة

اللقيطة


دستور مصر ٢٠١٢
تشكيل لم يخل من توافق 
الجمعية التأسيسية ٢٠١٢
تشويه ممنهج
آلية للتعديل

الدستور هو الوثيقة الأسمى التي تعبر عن العقد الاجتماعي للدولة وهو القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة ونظام الحكم، و كيفية تشكيل الحكومة وتنظيم السلطات العامة فيها من حيث التكوين والاختصاص والعلاقات بين السلطات، وحدود كل سلطة والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات ويضع الضمانات لها تجاه السلطة.

وتولي الدول الديمقراطية عملية صياغة دساتيرها أهمية بالغة، حيث تتم تلك العملية عادة من خلال إحدى طرق ثلاث: الأولى تتاح للشعب فيها فرصة انتخاب ممثليه ليقوموا بصياغة الدستور من خلال جمعية تأسيسية منتخبة.

وفي الطريقة الثانية يتم وضع الدستور بواسطة جمعية نيابية منتخبة من الشعب، أو جمعية تأسيسية مختارة من هذه الجمعية النيابية المنتخبة، وهي طريقة "الاستفتاء الدستوري"، التي سلكتها مصر عقب ثورة ٢٥ يناير/كانون الثاني 2011.

لجنة الخمسين متخاصمة مع ثورة ٢٥ يناير، بداية من مسودتها التي أنكرت أي ذكر للثورة الحقيقية، ونال بعدها مقص الرقيب العسكري داخل ظلام الغرف المغلقة من دستور الثورة
أما الطريقة الثالثة، فتوضع الدساتير فيها بواسطة لجنة حكومية مشكلة من طرف حكومة منتخبة، أو بواسطة الحاكم الشرعي المنتخب بنفسه، ثم يُعرض الدستور على الشعب في استفتاء عام، ولا يصبح الدستور نافذا إلا بعد موافقة الشعب عليه.

ويبقى العامل المشترك بين كل الطرق الديمقراطية لصياغة الدساتير هو مراعاتها لأن يكون تشكيل الجمعية التأسيسية أو اللجنة الدستورية معبرا عن الشعب.

بهذا الشرح الأكاديمي لماهية الدستور نجد أنفسنا في مواجهة حقيقية مع "اللقيطة". تلك اللجنة الخمسينية التي عينت بعد الانقلاب "لقيطة" لأنها منقطعة النسب عن الشعب المصري، فلا هي منتخبة، ولا من عينها منتخب. باطلة دستوريا وقانونيا لأنها لم تتبع الأطر القانونية لإجراء التعديلات الدستورية التي أقرها دستور ٢٠١٢ المستفتى عليه، و من المفترض أن أي طعن على عمل هذه اللجنة يبطل عملها.

لجنة الخمسين متخاصمة مع ثورة ٢٥ يناير، بداية من مسودتها التي أنكرت أي ذكر للثورة الحقيقية، ونال بعدها مقص الرقيب العسكري داخل ظلام الغرف المغلقة من دستور الثورة.

 أما عن تشكيل الخمسينية فحدث ولا حرج عن تبوؤ رموز نظام مبارك السياسي -الذي قامت ضده ثورة يناير- مناصب القيادة فيها، بالتزامن مع تجاهل شباب الثورة الحقيقية الذين باتوا ملاحقين بتهم التخابر والخيانة في ظل الانقلاب، وتمت الاستعاضة عنهم بممثلي حركة تمرد التي هي صنيعة مخابراتية بالدرجة الأولى.

يأتي هذا في الوقت الذي صار فيه العديد من أعضاء الجمعية الدستورية المنتخبة التي صاغت دستور مصر ٢٠١٢ قيد الاعتقال والسجن، بدءا من رفقائي بحزب الوسط المهندس أبو العلا ماضي رئيس الحزب والأستاذ عصام سلطان نائبه، وغيرهما الكثير ممن لا تتسع لهم مساحة المقال.

تلك اللجنة الانتقائية لا تمثل الشعب المصري، لأنها تضم ممثلين عن أربعة أحزاب سياسية فقط، منها حزب "مباركي" كرتوني لا يتعدى عدد أعضائه بضع مئات وهو حزب التجمع، والأحزاب الثلاثة الأخرى لم تمثل أكثر من٣٠٪ من مقاعد برلمان ٢٠١٢، وهو البرلمان الذي انتخبه العام الماضي ٣٢ مليون مصري في أول انتخابات حرة بعد ثورة يناير، في حين غاب عن تشكيلها من مثل ٧٠٪ من الشعب المصري في هذا البرلمان.

فضلا عن تشكيلها في أجواء قمعية تتميز -من بين أمور أخرى- بقتل آلاف المتظاهرين، وإصابة أضعافهم واعتقال الساسة في ظروف استثنائية، عادت فيها حالة الطوارئ وأمن الدولة وعسكرة مفاصل الدولة، ناهيك عن غياب الحقوق والحريات الأساسية كحق التعبير، إذ بات كل رافض للانقلاب العسكري متهما إما بالخيانة أو تهديد الأمن القومي، وهو ما ينفي وجود مناخ حر يسمح بالمناقشة أو الحوار المجتمعي الحقيقي حول عملها، خصوصا وأن عملها يتم في الغرف المغلقة.

وكيف تصاغ تعديلات على دستور مستفتى عليه في ظل سلطة انقلاب عسكري يتظاهر الملايين ضدها في شتى محافظات مصر، على مدار أكثر من ثمانين يوما حتى الآن، رغم اعتقال عشرات الآلاف من المطالبين بعودة الشرعية التي منحوها أصواتهم.

أما مدة الشهرين التي ستعمل خلالها الخمسينية، فالسؤال هو كيف ستخرج لنا منتجا جيد الطهو بمنطق من زعم أن ما تمت صياغته في ستة أشهر في جلسات معلنة على الهواء مباشرة كان مسلوقا.
إنني أربأ بعدد قليل من الشخصيات صاحبة التاريخ المحترم في العمل الوطني أن تكون ديكورا في هذه اللجنة اللقيطة، مما يخصم حتما من رصيد نضالهم. 


دستور مصر ٢٠١٢
في هذا السياق تجب المقارنة بين عمل "اللقيطة" وبين عمل تأسيسية الدستور المنتخبة التي بذل فيها جهد كبير من الجميع، و شهدت حوارا مجتمعيا -لم يخل من تشويه إعلامي ممنهج ومتعمد- لإقرار دستور يليق بثورة يناير.

من الإنصاف الإقرار بأن دستور 2012 كان متصل النسب بشعبه، وجسد إرادة شعبية واضحة في مختلف مراحل صياغته وبنائه، وكانت الكلمة العليا فيه للشعب، وصوت لصالحه 77% من المصريين
وإذا كانت عملية كتابة دستور ٢٠١٢ شهدت جدلا واسعا، إلا أنه من الإنصاف الإقرار بأنه دستور متصل النسب بشعبه، وجسد إرادة شعبية واضحة في مختلف مراحل صياغته وبنائه، فقد اكتسب شرعية أصيلة، إذ كانت الكلمة العليا فيه دائما للشعب المصري، وتشكلت جمعيته التأسيسية بموجب الإعلان الدستوري في مارس/آذار ٢٠١١، والذي "استُفتي" عليه الشعب المصري وصوت له بنسبة ٧٧٪. وتشكلت الجمعية التأسيسية التي صاغته بموجب هذا الإعلان الدستوري "بانتخاب"١٠٠عضو من الجمعية العمومية للبرلمان "المنتخب" بغرفتيه مجلسي الشعب والشورى.

ومع ذلك أثار تشكيل هذه الجمعية التأسيسية جدلا واسعا أيضا، إلا أنه من الإنصاف القول إن تشكيلها الثاني والنهائي قد نتج عن عملية توافق حقيقية، ناتجة عن حوار وتفاوض جاد ومتكافئ بين الأطراف السياسية الفاعلة.

ويبقى دستور ٢٠١٢ الدستور المصري الوحيد الذي لم يكن هبة من ملك ولا منحة من حاكم، بل وثيقة صاغتها جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب، مصدر السلطات والشرعية الذي صوت عليه بعد ذلك وأقره في ظل حكم رئيس منتخب من هذا الشعب.

تشكيل لم يخل من توافق
بعد إخفاق تشكيل الجمعية التأسيسية الأولى بحكم قضائي مسيس، اقترحتُ على ممثلي الأحزاب في البرلمان استضافتهم في اجتماع متصل ومغلق في مكان بعيد عن الإعلام والتأثيرات الخارجية التي لا تخلو من المزايدات، على ألا ينتهي الاجتماع إلا بأقصى توافق ممكن من الحضور حول تشكيل الجمعية التأسيسية قبل انتخابها.

وبالفعل شرفت باستضافة ممثلين عن معظم الأحزاب والتيارات السياسية الفاعلة في فندق "سوفيتل" لمدة أسبوع متصل حتى توصلنا لتشكيل توافق اعتمد من الحضور.

ومن الجدير بالذكر هنا أن وحيد عبد المجيد، وأيمن نور، وسيد البدوي، وفريد إسماعيل، وأسامة ياسين، وباسم الزرقا، ومحمد سعد الأزهري، كانوا مصرين على الوصول لهذا التوافق على التشكيل.

وكان لجهد وحيد عبد المجيد دور محوري، حيث كان منسقا لتلك الجلسات، وكنت أساعده في هذا بعدما اشترطت على الحضور ألا أكون من الأعضاء المائة ليظل دوري حياديا في التوصل لتوافق حول التأسيسية، حتى توج هذا الجهد التوافقي بالإعلان عن تشكيل تأسيسية الدستور بشكل توافقي في مؤتمر صحفي بمقر حزب الوفد.


الجمعية التأسيسية ٢٠١٢
بعد ذلك عملت التأسيسية لمدة ستة أشهر متصلة بمقر مجلس الشورى، وبثت جميع جلساتها على الهواء مباشرة، بالتزامن مع عمل "لجنة التوافق" التي ضمت ممثلين عن جميع الأطياف السياسية، وممثلين عن الأزهر والكنيسة للتوافق حول صياغة المواد الأكثر حساسية في الدستور، ولعب المهندس أبو العلا ماضي دورا محوريا في عمل هذه اللجنة هو وزملاؤه حتى انتهت بتوقيع الحضور جميعهم على الصيغة النهائية لهذه المواد لينتهي الجدل حولها.

هذا إلى جانب الاتفاق على تحسين تشكيل الجمعية بعد ثلاثة أشهر من بداية عملها، بتصعيد عدد من الاحتياطيين بدلا عن الذين لم يحضروا أو اعتذروا عن الحضور (تنفيذا لوعد الرئيس محمد مرسي في اتفاق فيرمونت)، وفي هذه المرحلة تم انتخابي، بعدما رفضت أن يطرح اسمي في التشكيل الأساسي، كما تم تصعيد عبد الجليل مصطفى وجابر جاد نصار وآخرين.

وبعد خمسة أشهر وصلنا خلالها لهذا القدر من التوافق، بدأت حمى انسحابات البعض لأسباب سياسية بحتة، ولكن بقي كل ما توافقوا عليه بالدستور دون أن يمس منه حرف، وبالتوازي مع ذلك جابت لجان المحافظات المصرية لشرح مواد الدستور للمصريين، و لجان أخرى لتلقي الاقتراحات من الأفراد والجمعيات المختلفة، لتتم الجمعية عملها ويتم الاستفتاء على الدستور بإشراف قضائي كامل، رغم حملات التشويه الإعلامي، ورغم حشد جبهة الإنقاذ للتصويت بـ"لا".

تشويه ممنهج
أما المنسحبون من لجنة الدستور في اللحظات الأخيرة فهم من قادوا حملات التشويه الإعلامي للدستور الوليد، وتشويه جمعيته التأسيسية التي تعرضت للحصار والهجوم بالمولوتوف بشكل خلا من أي سلمية، وكان على رأس هؤلاء جابر جاد نصار.

أستطيع أن أخلص مطمئنا إلى أن اللجنة "اللقيطة" لن تلد سوى جنين سفاح مشوه ماديا وأدبيا، لا شرعية له ولن يستطيع الحياة وسط مجتمع من الأصحاء الشرعيين الأحرار، لذا فهو ميت حتى قبل ولادته
وفي لقاء جمع بين عضوي الجمعية التأسيسية جابر جاد نصار ومنار الشوربجي، والأستاذ وائل قنديل وآخرين في مكتب جريدة الشروق بالمهندسين، أسرّ لهم جابر نصار بأن هذا الدستور هو أفضل وثيقة دستورية مصرية على الإطلاق، فتعجب الحضور، وسأله وائل قنديل مدير تحرير جريدة الشروق في حينها -ولم يكن عضوا بالجمعية التأسيسية للدستور- لماذا إذن تهاجمه وأنت عضو بجمعيته التأسيسية؟ فرد نصار قائلا: الهجوم محاولة ضغط لتحقيق أقصى المكاسب. وما أرويه واقعة معلومة والشهود عليها أحياء يرزقون.
آلية للتعديل
و رغم كل ذلك يبقى دستور٢٠١٢ عملا بشريا يحتمل الصواب والخطأ، لكنه يظل أيضا في تقدير كثير من المنصفين أفضل ما كتب من دساتير مصرية حتى الآن، وما يعوزه من تعديل تعهد الرئيس مرسي بطرحه على أول برلمان منتخب للتصويت عليه.

وقد تشكلت بالفعل لجنة في رئاسة الجمهورية، حضرها ممثلون عن العديد من الأحزاب السياسية وأرسل لها آخرون اقتراحاتهم لتعديل الدستور، وكان الحديث يدور عن تعديل من١٠ إلى١٥ مادة من أصل ٢٣٦ مادة، و تعهد الرئيس مرسي بتقديم هذه التعديلات للبرلمان المنتخب القادم لإقرارها، وهي إحدى الآليات التي نص عليها هذا الدستور لتعديله.

بدأ الدستور بالديباجة التي جسدت روح وأهداف ثورة ٢٥ يناير، وهي جزء لا يتجزأ من مواده، ولا تفسر تلك المواد إلا في إطارها، بحسب أحكام سابقة للمحكمة الدستورية العليا بمصر، لذلك هيمنت مكتسبات ثورة ٢٥ يناير المجيدة على هذه الوثيقة.

وبالطبع، لم تكن الديباجة فقط هي التي تتحدث عن ثورة ٢٥ يناير، بل ترجمت العديد من مواد الدستور مكاسب هذه الثورة، منها على سبيل المثال باب الحقوق والحريات الذي يعد من أفضل ما كتب في الدساتير المصرية على الإطلاق.

بعد هذه المقارنة الكاشفة، أستطيع أن أخلص مطمئنا إلى أن هذه اللجنة "اللقيطة" لن تلد سوى جنين سفاح مشوه ماديا وأدبيا، لا شرعية له، ولن يستطيع الحياة وسط مجتمع من الأصحاء الشرعيين الأحرار، لذا فهو ميت حتى قبل ولادته.
المصدر:الجزيرة