‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمد الشبراوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمد الشبراوي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 يوليو 2023

المتفرّجون على الظلم والساكتون عنه!

المتفرّجون على الظلم والساكتون عنه!
استمرار الظلم ونظم الاستبداد مرهون باستمرار الوهن وفقدان المجتمع لعافيته في المقاومة

محمد الشبراوي

 29/07/2017

المتفرجون الساكتون على ظلم الظالم عملًا بمبدأ "لا شأن لنا طالما كان بعيدًا عنا" لا يعلمون أن آلية الظلم والظالمين تعمل على أساس أن الجميع مستهدفون، لذلك يخطئ من يظن أن الظلم الواقع على غيره لن يصل إليه، ذلك أن الظالم لا حياة له إلا بتعميم ظلمه بل إنه ما أن يفرغ من إيقاع الظلم على الآخرين لا بد أن يطال بظلمه من أعانه عليه سواء بالسكوت والرضا وغض الطرف أو بالعمل والقول، ذلك أن سنة الله في الكون أن من أعان ظالمًا سلطه الله عليه.

بل إن الظلم لا محالة لا بد أن يطال الظالم نفسه وتلك حقيقة وأمر واقع لا فكاك منه يؤكده قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَٰؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} الزمر51، وكذلك قال تعالى: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} النحل 34.

ولقد حرم الله تعالى الركون إلى الظالمين، وكذلك حرم الدفاع عنهم فقال في كتابه العزيز {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ} القصص 17. 

إن الظلم عواقبه وخيمة سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول، فيعم الخوف وينعدم الأمن بل ويصبح الظالم نفسه أشد خوفًا، كما يعم الضنك وضيق المعايش فلا تقوم للدول وللشعوب قائمة، فكم من أمم لم تقم لها قائمة بسبب الظلم وركونها إلى الظالمين وقديمًا قالوا إن الله يقيم دولة العدل ولو كانت كافرة ولا يقيم دولة الظلم ولو كانت مسلمة.

 ما أكثر الظالمين المستبدين الذين ثارت عليهم الشعوب وعلى أعوانهم ولو بعد حين  فتحولت ديارهم إلى خرابات

ولأن الظلم والبغي إفساد في الأرض لذلك قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} يونس 81.

لذلك فإنه كما لا يمكن الوصول إلى نتائج سليمة باستخدام أدوات فاسدة فإنه لا يمكن أن يتحقق استقرار للشعوب بالظلم والبطش والطغيان، ولا يمكن أن يتحقق نماء وازدهار وعمران إذا اختلت موازين العدل وعم الفساد وتصدر المفسدون. 

في واقعنا الذي نعيشه في بلادنا لا تدرك السلطة أن الرفاه والاستقرار والنهضة لا يتحقق منها شيء عبر اعتماد الظلم منهجًا واتخاذ البطش والعصف بالحقوق والحريات أدوات في حكم الشعوب.

إن الظلم كالسرطان الذي ينتشرفي الجسد وقد لا يدرك المرء وجوده إلا بعد أن يبلغ مبلغًا لا نجاة فيه من هلاك محقق، فالظلم مهلكة للأفراد كما للدول يقول الله تعالى {وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} الكهف 59.

وحينما يحل الموعد لا يتأخر إطلاقًا {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ... فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} إبراهيم 44 -47

وما أكثر الظالمين المستبدين الذين ثارت عليهم الشعوب وعلى أعوانهم ولو بعد حين، فتحولت ديارهم إلى خرابات وأثرًا بعد عين قال الله تعالى {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ} النمل 52، وقال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} الأنبياء 11.

أما الحال في الآخرة فهو العذاب والخزي وقد قال الله تعالى {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ} سبأ 31-32.

حشد المجتمع لسائر قواه الفاعلة والاصطفاف الرشيد وترك مقاعد المتفرجين ومغادرة منازل الساكتين أمر لا مناص منه لمقاومة الظلم

كثيرًا ما نتكلم عن الظالمين والطغاة والمستبدين ولا نتكلم عن هؤلاء المتفرجين الساكتين رغم أن الظالم لم يكن ليتمادى في ظلمه وطغيانه إلا بسبب هؤلاء المتفرجين الساكتين، لقد درج الأمر على أن يتجه الغضب واللوم إلى الظالم والمستبد دون أن نتعرض لهؤلاء الذين تقوى الظالم والمستبد بسكوتهم وتشرذمهم.

إن استمرار الظلم ونظم الاستبداد مرهون باستمرار الوهن وفقدان المجتمع لعافيته في المقاومة والبقاء في مواقع المتفرجين، لذلك تسعى نظم الاستبداد والطغيان إلى تفريغ وتصفية طاقات المقاومة لدى المجتمعات، والاستقواء عليها وقهرها عبر أساليب القمع المختلفة التي جعلت مقاومة الظلم والاستبداد أمرًا مكلفًا للغاية ويفوق قدرة احتمال الكثيرين، لتضيق الخيارات لدي الشعوب بين استبداد صارم واستبداد لين واستبداد عاقل واستبداد عادل وما هذا أو ذاك إلا كالمستجير من الرمضاء بالنار.

المتفرجون الساكتون عن الظلم والمستسلمون له ذمهم الله في كتابه وتوعدهم بالخذلان فقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.

إن حشد المجتمع لسائر قواه الفاعلة والاصطفاف الرشيد وترك مقاعد المتفرجين ومغادرة منازل الساكتين أمر لا مناص منه لمقاومة الظلم ووقف زحف الاستبداد والطغيان، ولا بد أن يكون الجميع على استعداد لدفع الثمن.  

ماذا وراء الرعب من كورونا رغم وجود ما هو أخطر منه؟





الخميس، 26 مارس 2020

ماذا وراء الرعب من كورونا رغم وجود ما هو أخطر منه؟


ماذا وراء الرعب من كورونا رغم وجود ما هو أخطر منه؟


محمد الشبراوي

منذ اللحظة الأولى للإعلان عن ظهور فيروس كورونا في مدينة ووهان الصينية، عاش العالم حالة بين الوهم والحقيقة وتضاربا في التأويلات والنظريات تجاه ذلك العدو الخفي العابر للحدود، والذي فاجأ الجميع، حتى أصبح العالم على قلب رجل واحد مرعوبا هلعا، كأن نهاية العالم قد بدأت.

أربع نظريات حول انتشار فيروس كورونا
في ظل حالة الرعب التي سيطرت على العالم من "فيروس كورونا"، تعددت القراءات أو النظريات حول انتشار الفيروس، ما بين قائلين بأنه مؤامرة أمريكية موجهة لكبح جماح الصين التي باتت في طريقها لتتبوأ صدارة العالم، في حين يراه آخرون مؤامرة صينية ضد العالم الغربي، بينما يرى فريق ثالث أنه مؤامرة وراءها شركات دواء عالمية ومصالح تجارية، أما الرؤية الرابعة فيشير أصحابها إلى أن كورونا هو المنقذ لاتفاق باريس للمناخ 2015 المعطل، والذي سرى مفعوله بداية 2020 وينص على موافقة الدول النامية على اتخاذ إجراءات لخفض الانبعاثات، شريطة موافقة الدول المتقدمة على تقديم التمويل اللازم لذلك، وقد رفضت كل من الصين والهند والبرازيل ذلك بحجة أن الدول الغنية لم تفِ بوعودها وتملّصت من الوفاء بالتزاماتها قبل حلول 2020.

إذن نحن أمام أربع قراءات أو نظريات حول انتشار كورونا تجعل الحقيقة تائهة، لتبرز حقيقة أخرى مؤكدة ألا وهي الرعب والهلع العارم الذي تلبس العالم، وفرض حظر جبري وطوعي على أكثر من مليار ونصف المليار شخص على الأقل حتى الآن.

لماذا تصاعد رعب العالم من كورونا؟

حالة من الهلع والرعب هي أقل ما يوصف به التعامل مع فيروس كورونا، وتبدو غير طبيعية ومبالغا فيها، فقد لعبت الماكينة الإعلامية دورا لا يستطيع المراقب أن يسلم إجمالا ببراءته، غير أن هناك من لعب بقصد وهناك من انساق مع الركب.

لقد بلغ الضخ الإعلامي المستند على تقديرات وتوقعات حجما غير مسبوق بخصوص "فيروس كورونا"، مما ضخم مشاعر الخوف والقلق بما يؤثر على النواحي النفسية والجسدية للكثيرين، رغم أن الكثير حول الفيروس غير يقيني بل يتشابه مع غيره من الفيروسات، ويعد وفقا لتقارير سابقة أقل تأثيرا من بعضها، كالإنفلونزا الموسمية على سبيل المثال؛ مما دفع البعض إلى تبني فكرة وجود غايات غير بريئة من خلق بعض الإعلام لحالة الهلع والخوف، هي نتاج خلطة مصالح سياسية واقتصادية وتجارية تقف وراء تشكل رأي عام عالمي على هذا النحو تجاه كورونا، واستدلوا ببعض قرائن قد تزكي وجهة نظرهم.

هناك مستفيدون من التهويل الإعلامي

وفقا لتقارير الأسواق المالية العالمية، شهد الأسبوع الأول للإعلان عن كورونا أرباحا قياسية غير مسبوقة سجلها مؤشر ناسداك لشركات تعمل في مجال الصحة، حيث سجل ارتفاعا ناهز 12 في المائة في قيمة الأسهم خلال أسبوع واحد قبل تحول فيروس كورونا إلى قضية عالمية.

فعلى صعيد صناعة مكملات "فيتامين سي" حققت شركات عالمية ارتفاعات كبيرة في أسهمها، وكان منها شركة بلاك مورس التي زادت مبيعات أسهمها مئات الملايين عن اليوم السابق (6 كانون الثاني/ يناير 2020) بلغت 11 في المائة، وكذلك شهدت شركات صناعة الأقنعة الواقية ارتفاعات مماثلة في كل من أوروبا وأستراليا وأمريكا والصين.

تمويل بمئات الملايين

ومن ناحية أخرى، كشفت أنباء عن أن المنصة الرقمية التي تدير "نيوز غارد" المتخصصة في مكافحة الأخبار الزائفة، وحسابات عديدة لشركات علاقات عامة وإعلام، تتلقى تمويلا بمئات الملايين من مجموعة عملاقة تعمل في مجال المنتجات الطبية وصناعة الدواء، وهذا ما لم ينفه القائمون على "نيوز غارد"، بما يدعم وجود تدخلات من المجموعات العملاقة للتأثير في الاتجاهات، وهذا في حد ذاته إن لم يكن يدعم باتجاه نظرية المؤامرة في انتشار كورونا، فإنه لا ينفي وجود استفادة للشركات العملاقة من الواقع الحالي عبر التهويل الإعلامي ورفع مستوى الخوف والقلق لدى العالم، والذي يصب بفوائد لهذه الشركات.

الإنفلونزا أخطر من كورونا وتقتل الملايين

هناك سؤال بالتأكيد طرحه كثيرون، وهو لماذا لم يتأهب العالم لفيروسات أشد خطرا بمراحل من كورونا كما تأهب الآن؟ بدون شك ما زال السائلون يبحثون عن إجابة شافية، ولا يكفي القول بأن كورونا عابر للحدود، ولم يترك دولا عظمى ولا صغرى إلا مر عليها، خاصة وأن فيروس الإنفلونزا الموسمية على سبيل المثال أكثر خطرا من كورونا، والتقارير الدولية العديدة التي تصدر كل عام رصدت أعدادا ضخمة بالملايين للإصابات والوفيات بالإنفلونزا الموسمية في سنوات سابقة، وفي السنة الحالية 2020.

 ففي 2017 أفاد مسؤولون بالمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن ما يصل إلى 646 ألف شخص يموتون بسبب الإنفلونزا الموسمية في العالم.

وقد شهدت أمريكا في الفترة من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 وحتى منتصف شباط/ فبراير 2020 وفيات بسبب الإنفلونزا ما بين 16 ألفا و41 ألفا، وبلغت الإصابات خلال الموسم بين 30 مليونا و40 مليونا، وأما الوفيات بين الأطفال فقد بلغت 105 حالات.

وفي فرنسا وبعيداً عن كورونا، فقد أُعلن تفشي وباء الإنفلونزا الموسمية مع وفاة 26 شخصا، علما بأن هذا الوباء يصيب كل عام في فرنسا ما بين مليونين إلى ستة ملايين شخص، وقد مات بسببه العام الماضي فقط نحو 9500 شخص على الأقل.

ما سبق أعلاه يمثل نماذج لإصابات ووفيات بالإنفلونزا الموسمية، وليس كورونا الذي تعامل العالم معه بإجراءات تبدو شديدة الانفعال وتدعو لكثير من التساؤلات؛ ربما يقبل البعض لها تبريرا ولكن يراها آخرون مبالغا فيها عن الحد.

إذن ماذا وراء الرعب من كورونا؟

ليست المشكلة في فيروس كورونا وكونه وباء أو جائحة عالمية، ولكن المشكلة الحقيقية باتت في وباء الرعب والهلع والترقب، الذي أصاب العالم، وتحوم شبهات حول تصنيعه، فترقب الشيء يولد الشيء وترقب المرض يولد المرض، وهناك عملية ترعيب من كورونا، فماذا وراءها؟

حالة الرعب والهلع التي انتابت العالم من كورونا، غذتها بدون شك الصور القادمة من ووهان الصينية ثم التقارير الإعلامية المتتالية من بلاد العالم، لتكتسح المعلومات المتلاحقة عن انتشار الفيروس في إيران وأوروبا والعالم الفضائيات وشتى وسائل التواصل. ويعيش العالم هلعا جماعيا شديدا عادة ما يصيب البشر عندما يكون العدو مجهولا، وهذا هو أقسى وأشد أنواع الهلع ويدفع لتصرفات غير عقلانية.

الضرب على وتر الخوف بكورونا

الخوف غريزة بشرية، وهناك في هذا العالم من يدرك ذلك بقوة، ويضرب بفيروس كورونا على وتر الخوف بشدة، في ظل عالم من يملك فيه المعلومة ويحتكرها يمكنه أن يتحكم في مستوى تصور المخاطر لدى الناس، ويسهل عليه أن يتحكم بعد ذلك في مسارات الأفراد والشعوب والدول ويحجر على العالم لو أراد.

في عالمنا يلعب الإعلام دور البطولة والسيطرة والتوجيه، ولا يمكن أبدا أن نفك الارتباط بين الإعلام بوسائله المختلفة وبين ما يعيشه العالم اليوم وعاشه من قبل في تجارب سابقة تكشفت حقائقها بعد وقت.

أين الحقيقة في هلع العالم من كورونا؟

سؤال سيستغرق وقتا حتى نضع أيدينا على إجابته، وهو أين الحقيقة في هلع العالم من كورنا؟ أربع نظريات أشرنا إليها سابقا جميعها لها ما يدعمها وهناك ما قد يقدح فيها، غير أن ما يحدث الآن أعتقد أنه من الخطأ القول المطلق فيه بتنحية نظرية المؤامرة لأنه من الصعب تمرير ما يحدث على أنه طبيعي بالكلية.

تجربة فريدة للتحكم والسيطرة

وبعيدا عن النظريات المختلفة حول حقيقة كورونا، أعتقد أن العالم خضع لتجربة فريدة من نوعها في التحكم والسيطرة، ساهم في تفعيلها إعلام السماوات المفتوحة ووسائل الاتصال المختلفة، ليعيش العالم فترة سكون إجباري كانت الأرض في حاجة لها لتتنفس الصعداء، بعد ما أصابها من ملوثات، فجاء كورونا ليقود المشهد ويخضع الجميع له جبرا أو اختيارا، وتتوقف غالبية ملوثات هذا الكون من وسائل الانتقال المختلفة برا وبحرا وجوا، وتتوقف الكثير من المصانع والشركات، وكأن أمنية غوتيرش، الأمين العام للأمم المتحدة، قد تحققت بعد أن دعا عقب مؤتمر مدريد إلى عدم الاستسلام وقال إنه مصمم أكثر من أي وقت مضى ليكون 2020 عاماً تلتزم فيه الدول بالوصول إلى تحييد الكربون في عام 2050 ومنع ارتفاع حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة.

الخاتمة

بدون شك ما يعيشه العالم الآن من تجربة سيطرة ذاتية عبر حجر اختياري وتوقف للأنشطة الحياتية بسبب رعب كورونا له تبعاته، فالتقارير تشير إلى خسائر اقتصادية تقدر بالتريليونات، غير أنه مهما كانت تلك الخسائر فهي خسائر ناعمة إزاء قتل البشر وسفك دمائهم والتدمير القاسي للدول والقتل الوحشي والإبادة الجماعية بالأسلحة الفتاكة.

وعلى وجه العموم وانطلاقا من الزاوية الإيمانية، فإن ما أصاب العالم بسبب فيروس كورونا سواء كان طبيعيا أم مخلقا ليتسلط بعض الخلق على الخلق هو أمر قدره الله، وإيماننا أنه لا ينزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة، وذلك الإيمان لا يعفينا من الأخذ بالأسباب المادية والمعنوية، وأن يدرك العالم أنه أمام تحدٍ نوعي واختبار حقيقي، لا يصلح معه التجاهل والتهاون باعتباره لا شيء ولا الاستسلام في مواجهته باعتباره قدرا محتوما.

كورونا ليس بهذا الرعب الذي يعيشه العالم الآن، ولكن هناك عملية ترعيب غير مسبوقة، ومن الواضح أن العالم بعد كورونا لن يكون كما كان قبله؛ فهناك تحولات عميقة ستسفر عنها المرحلة القادمة، وسيتكفل الوقت بالجزم حول حقيقة ماذا كان وراء الرعب العالمي من كورونا.

الأحد، 13 أغسطس 2017

في ذكرى رابعة.. سؤال

 في ذكرى رابعة.. سؤال 

محمد الشبراوي

سؤال ما زال يتردد منذ أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة، التي وقعت في الرابع عشر من أغسطس/ آب 2013، حول الصمت الدولي ومدى مصداقية انتصار الغرب لحقوق الانسان، والديمقراطية خاصة في ظل استمرار تدهور أوضاع حقوق الإنسان في مصر، ودخول البلاد مرحلة استهداف السلطة للمعارضين والرافضين للانقلاب عبر الاغتيال أو القتل خارج إطار القانون، أو ما يُعرف بـ"التصفيات الجسدية"، وكذلك تنامي ظاهرة الإخفاء القسري.. 
ولا سيما أن هناك من لا يزال يأمل في كسب موقف غربي رسمي مناصر، وبعيدا عن ازدواجية المعايير، التي تتعامل بها القوى الغربية المهيمنة على النظام العالمي (أمريكا والاتحاد الأوروبي)، خاصة في ظل عدم محاسبة أي مسؤول أو حتى توجيه اتهام على مستوى الداخل المصري.

 سنوات على المجزرة


رغم مرور سنوات حتى وقتنا الحالي، فإن ردود الفعل الرسمية للفاعلين الدولي لم تراوح على مدار هذه الفترة منطقة الشجب، والاستنكار والإدانة، أو التعبير عن القلق، ولم تدفع تجاه أي إجراء حقيقي على الأرض لمحاسبة الجناة.

على مستوى المنظمات الدولية، فقد توالت تقارير المنظمات، التي وثقت وأدانت ما حدث في رابعة والنهضة وما بعدهما حتى وقتنا الراهن، ويأتي على رأسها منظمة هيومن رايتس واتش، ومنظمة العفو الدولية.

هيومن رايتس ووتش
 في ملخص تقريرها المهم والصادر في 12 أغسطس/ آب 2014، أشارت هيومن رايتس واتش إلى أن عمليات القتل لم تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان فحسب، بل إنها ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، بالنظر إلى اتساع نطاقها وطبيعتها الممنهجة، وكذلك إلى الأدلة التي توحي بأن عمليات القتل كانت جزءا من سياسة تقضي بالاعتداء على الأشخاص العزل على أسس سياسية.

 وجاء في أهم التوصيات الموجهة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة؛ أن تُشكل من خلال المجلس الأممي لحقوق الإنسان لجنة دولية لتقصي الحقائق بغرض التحقيق في كافة انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن أعمال القتل الجماعي للمتظاهرين منذ 30 حزيران/ يونيو 2013، كذلك تعليق كافة مبيعات وتوريدات الأصناف والمساعدات المتعلقة بالأمن لمصر حتى تتبنى الحكومة إجراءات لإنهاء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مثل تلك المتعلقة بقمع المظاهرات السلمية إلى حد بعيد، ومحاسبة منتهكي الحقوق.

 مجلس حقوق الانسان
كذلك، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف قد اعتمد تقرير مصر النهائي للمراجعة الدورية الشاملة لملف حقوق الإنسان، والذي اشتمل على أكثر من 300 توصية قدمتها 122 دولة من دول العالم لمصر؛ بغية تحسين ظروف حقوق الإنسان. وقد اعتبر رافضو الانقلاب في مصر وقتها ذلك انتصارا كبيرا للملف الحقوقى المصري.

غير أنه منذ تاريخ اعتماد هذه التوصيات في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، لم يحدث ثمة تقدم في الملف الحقوقي المصري، بل تفاقمت الانتهاكات حيث انتقدت منظمة هيومن رايتس ووتش وقت اعتماد مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة تقرير مصر للمراجعة الدورية الشامل في 20 آذار/ مارس 2015؛ ما وصفته بـ"قمع غير مسبوق ومستمر تمر به مصر الآن، ولا سيما أن الحكومة المصرية، ومنذ الاستعراض الدوري الشامل في تشرين الثاني/ نوفمر 2014، ارتكبت انتهاكات أكثر".

العفو الدولية
كذلك أشارت منظمة العفو الدولية في تقاريرها المتوالية عن مصر، خاصة منذ 2015/2016 وحتى تاريخه، إلى استمرار وضع حقوق الإنسان في التدهور، حيث فرضت السلطات بشكل تعسفي قيودا على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات وحرية التجمع السلمي، كما أشارت إلى أصدار مئات من أحكام الإعدام الجائرة.

 وحول ما يتعلق بالإفلات من العقاب أشارت منظمة العفو إلى تقاعس السلطات المصرية عن إجراء تحقيقات فعَّالة ومستقلة ونزيهة بخصوص معظم حالات انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الاستخدام المتكرر للقوة المفرطة من جانب قوات الأمن، مما أسفر عن وفاة مئات المتظاهرين منذ تموز/ يوليو 2013.

سؤال ما زال يتردد؟
في اطار الاستعراض السابق، وبعد سنوات من مجزرة فض اعتصامي رابعة والنهضة، ما زال هناك من يأمل في نصرة النظام العالمي الذي يقوده الغرب وأمريكا، لملف حقوق الانسان والديمقراطية في مصر، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت، حيث يرى البعض أن هناك قصورا في الملف الحقوقي من جانب رافضي الانقلاب في ثلاث مسارات هامة، وهي مسار التوثيق ومسار المتابعة الجنائية ومسار جماعات الضغط، ومن الممكن عند تدارك القصور فيها أن يتم الوصول إلى محاكمة المسؤولين دوليا.

ورغم وضوح الحالة المزرية لحقوق الإنسان والإدانات والاستنكارات المتتالية والتوصيات الصادرة والحقائق الموثقة وتصاعد الانتهاكات المنهجية والمتنوعة، وقتل الآلاف واستمرار اعتقال عشرات الألوف يثور على الدوام تساؤل حول مدى إمكانية دعم المنظومة العالمية لتحول ديمقراطي حقيقي ومدى صدقية الانتصار لحقوق الانسان؛ في ظل ما يأمله البعض من أن ينتصر النظام العالمي بقيادة أمريكا والغرب (بمنظماته الأممية ومجالسه ومحاكمه الدولية التي يسيطر عليها) للديمقراطية وحقوق الإنسان في الحالة المصرية وفي غيرها، رغم ازدواجية المعايير على أرض الواقع، ومشاركة الغرب وأمريكا في انتهاك الديمقراطية وحقوق الانسان في مناطق مختلفة من العالم، وفي منطقتنا العربية تحديدا. وهذا ما سوف نحاول تقديم الإجابة الواضحة عليه وبيانه في القادم بإذن الله.

الأحد، 26 فبراير 2017

هل مشكلة مصر وزراؤها أم نظام حكمها؟


هل مشكلة مصر وزراؤها أم نظام حكمها؟

محمد الشبراوي
منذ تولي نوبار باشا أول نظارة للوزراء في مصر في الثامن والعشرين من شهر أغسطس/ آب 1878، مر على مصر منذ عهد الخديوي إسماعيل؛ 115 وزارة، بما فيها وزارة شريف إسماعيل الثانية في عهد السيسي.

وبعد الثالث والعشرين من يوليو/ تموز 1952، كانت الوزارة الثالثة والستون في تاريخ مصر الحديث أول وزارة بقيادة ضباط 23 يوليو، وترأسها الرئيس الراحل اللواء محمد نجيب، ومن وقتها عايشت مصرُ أربعة وخمسين وزارة - وصولا لوزارة شريف إسماعيل الحالية - لم تنجح واحدةٌ منها في تحقيق تنميةٍ حقيقيةٍ أو إنجازٍ يُحسب لها باستثناء ما تم وفقا للتطور الطبيعي للحياة في مصر.

وإذا استبعدنا تلك الفترة التي سبقت حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، حيث كان اقتصاد الحرب هو الذي يسيطر على البلاد بعد 1967، وأخضعنا للتقييم فترة ما بعد الحرب، بداية من الحكومة رقم 85 والتي ترأسها الرئيس الراحل أنور السادات في 25 أبريل/ نيسان 1974، حيث شهدت مصر ما سُمي بالانفتاح، وتوالت وعود السمن والعسل والرفاهية على الشعب المصري، ثم وصولا إلى ثورة يناير/ كانون الثاني 2011 والوزارة رقم 107 برئاسة أحمد شفيق، والتي كانت قبل تنحي مبارك؛ فإننا سنجد أن مصر شهدت 23 مجموعة وزارية اقتصادية على مدار 37 عاما، أي بمعدل وزارة كل عام ونصف تقريبا، حتى ثورة يناير، لينطلق بعد ذلك قطار التغيير الوزاري ويمر بثمانِ محطاتٍ وزارية خلال ست سنوات (نستثني منها حكومة هشام قنديل في عهد الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي)، ليصل قطار التغيير الوزاري محطته الحالية وزارة شريف إسماعيل الثانية.

إلى أين صارت مصر؟


لم يكن الاستعراض السابق لعدد الوزارات التي مرت على مصر سوى محاولة للإجابة عن سؤال: إلى أين صارت مصر، ولماذا صارت هكذا، ومن المسؤول عما صارت إليه الآن؟

مصر بعد الثالث والعشرين من يوليو/ تموز 1952، وسيطرة الضباط على الحكم أصبحت تعاني أمراضا مزمنة أشدها هو المرض الاقتصادي المزمن، والذي تبحث عن دواء له منذ عقود؛ فلم يجد معها دواء التغييرات الوزارية والتي توالت بشكلٍ هزلي، حتى أصبح يتولى الأقلُ كفاءة والأسوأ سمعة، كأنما يُراد ذلك عن عمد حتى لا ينتبه أحدٌ إلى السبب الحقيقي لمرض مصر العضال طوال أكثر من ستة عقود، والمتمثل في نظام حكمها.

لقد كان من حظ ضباط يوليو 1952 أن ورثوا اقتصادا عفيا للدولة المصرية، رغم وجود احتلال أجنبي في جزء من أراضيها، وحاول جمال عبد الناصر أن يحدث تنمية بشكل ما فكان مشروع كالسد العالي ومشاريع أخرى، لمحاولة بناء قاعدة صناعية وتم تأميم قناة السويس، وكل ذلك لا يمكن أن ننكر أنه كان محاولة لإنجاز شيء، لكن سياسات النظام وقتله للحياة السياسية واعتماده منهج الدولة البوليسية وهيمنته على شتى مناحي الحياة؛ كل ذلك وغيره أدى إلى تراجع مصر عما كانت عليه، حتى إبان الفترة الملكية، وتحولت مصر في فترة وجيزة إلى دولة توطن فيها الفساد بقوة، بل وشهدت تقنينا ومأسسة بمعنى الكلمة للفساد، ليتحول الأمر من فسادٍ في بعض مؤسسات الدولة إلى دولة للفساد كاملة الأركان.

مقارنة لا بد منها


بعقد مقارنات بسيطة مع دولٍ كانت في وضعيات شديدة السوء، منها ما كان مدمرا بالكامل بسبب الحروب، كاليابان على سبيل المثال، والتي دمرتها قنبلتان نوويتان وخرجت من الحرب العالمية الثانية أطلالا، إلا أنها استطاعت خلال فترة وجيزة أن تبني نهضتها، لتصبح واحدة من أقوى اقتصاديات العالم على الإطلاق. وللعلم فقد كانت اليابان ومصر من الدول التي رشحتها تقارير الأمم المتحدة في منتصف القرن الماضي لتصبح من أقوى عشرة اقتصاديات في العالم، واعتبرت التقارير فرصةَ مصر أفضل من اليابان نظرا لوضع اليابان الصعب بسبب الحرب العالمية الثانية.

ناهيك عن دول أخرى بدأت نهضتها في السبعينات وما بعدها (ماليزيا، وكوريا الجنوبية، ومعهما دول النمور الآسيوية والقائمة تطول بأسماء الدول في أوروبا وآسيا والأمريكتين، بل وحتى في أفريقيا)، وقد استفادت جميعها من متغيرات الأوضاع العالمية وحققت نموا مستداما، جنت شعوبها ثماره خلال سنوات وجيزة، وتحولت من دول تتلقى المعونات وتطلب القروض إلى دولٍ مانحة ومقرضة أو على الأقل دولا مكتفية.

أين الداء وما هو الدواء؟


إن داء مصر وداؤها في القرار السياسي ونظام الحكم، فهذا هو سبب أمراضها جميعا، والسبب الأول والأخير لمرضها الاقتصادي المزمن.

واحد وثلاثون مجموعة وزارية مرت على مصر بعد حرب أكتوبر/ تشرين الثاني، منذ 1974 خلال اثنين وأربعين سنة، تحت حكم نظام 23 يوليو، وفي ظل سيطرة حاكم فرد فشلت جميعها في تحقيق نمو حقيقي، بينما نجح غيرها في دول أخرى في تحقيق تنمية مستدامة.

في مصر ماذا عساه أن يفعل رئيس وزراء أو وزراء لا يملكون قرارا سياسيا وجاؤوا بإرادة منفردة لحاكم فرد - يمسك خيوط السلطة جميعها بين يديه - وليس لهم من دونه ولي ولا نصير.

لذلك فالتغييرات الوزارية في مصر لا تعدو أكثر من كونها تبريدا للأجواء الساخنة، والوزراء ليسوا سوى حملة مستأجرين لأوزار نظام الحكم وإخفاقاته، ومحلل لاستمراره، ووسيلته المفضلة لصرف الأنظار عن المسؤول الأول والأخير عما تعيشه البلاد من إخفاقات متتالية. فهم ليسوا أكثر من سكرتارية لحاكم فرد ومؤسسات صلبة؛ عيونهم جميعا معلقة نحو الخارج.

لذلك فمصر في ظل استمرار نظام حكم 23 يوليو 1952 على ما هو عليه، ومع نسخته الرابعة في عهد السيسي، لن يجدي لعلاج أمراضها المزمنة ومرضها الاقتصادي المعضل أي تغييرات وزراية؛ لأن المشكلة ليست مشكلة وزارة، ولكنها مشكلة نظام يعاني مشاكل بنوية، وبلغ مبلغا غير مسبوق من الشيخوخة، وصار ميتا موتا إكلينيكيا، وإن من إكرام الميت سرعة دفنه.