الخميس، 2 يناير 2014

وجدي غنيم يرد على مشاري العفاسي

وجدي غنيم يرد على مشاري العفاسي




السبيل - هاجم الداعية الشيخ وجدي غنيم، تصريحات الداعية السلفي الكويتي مشاري بن راشد العفاسي، بعد هجومه علي الاخوان و حركة حماس.
وقال غنيم في تسجيل صوتي بثه على موقع "يوتيوب" مدته 24 دقيقة و8 ثواني: إن قارئ القرآن يختلف عمن له حق الفتوى، مطالبًا إياه بأن يظل قارئًا للقرآن وألا يخوض في الفتوى لأنها علم له أصوله وقواعده.
وأوضح الداعية أن الشيخ مشاري استدل على دعوته للإصلاح بآيات قرآنية منها ما جاء في سورة الحجرات في قوله تعالى: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما"، حيث ساوى بين المتظاهرين والمعتصمين في الميادين المطالبين بالشرعية والرافعين راية الشريعة، وبين العلمانيين والصليبيين بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع، .
واتهم غنيم الفريق السيسي بأنه وضع يده في يد العلمانيين والصليبيين الكفرة، حسب قوله، من أجل الانقلاب على شرعية الرئيس الذي انتخبه المسلمون، وألقى القبض عليه وحبسه.

مضيفًا أن السيسي بعد عزل الرئيس ألغى الدستور الذي شارك في وضعه السلفيون، وحصل على موافقة 64% من الشعب، وألغى مجلس الشورى المنتخب، وقتل المسلمين وزج بالمسلمين في السجون وقتل المصلين وأوقف القنوات الدينية ومنع المحجبات من الظهور على التليفزيون، حسب زعمه.
 ووجه حديثه إلى الشيخ مشاري راشد قائلًا: "عيب تقول على إخوانك المطالبين بالشرعية بأنهم كانوا مختلفين على الجاه والمال"، مضيفًا: قلت علينا أننا اختلفنا على السلطة،

مدنية هذا الزمان


مدنية هذا الزمان

فهمي هويدي
ثمة أسطورة رائجة في أوساط المثقفين المصريين تقول إن مصر في وضعها المستجد استعادت مدنيتها، في إيحاء يعطى انطباعا بأنه تم تجاوز الدولة الدينية التي كانت عنوانا للنظام السابق. وهى مسألة تحتاج إلى تدقيق وتحديد، رغم أنني لا أعرف كم عدد المهتمين من أبناء الشعب المصري بما إذا كانت الدولة مدنية أو دينية.
 لأن المواطن العادي مشغول بأمور أخرى بعيدة عن ذلك الجدل الذي هو نخبوي وأكاديمي في جوهره.
علما بأن مصطلح الدولة المدنية جديد على الخطاب السياسي المصري، حتى إنني أذكر أن الشيخ محمد الغزالي رحمه الله استغربه حين وجده يتردد على ألسنة البعض في وسائل الإعلام. حينذاك سألني عن محتواه قائلا إنه يعرف في القرآن سورا مدنية وأخرى مكية، ويعرف أن هناك فرقا بين الحياة المدنية والعسكرية، وأن مجتمع الحضر أو المدينة يختلف عن الحياة الريفية أو البدوية، لكنه لا يعرف بالضبط ما الذي يعنيه مصطلح الدولة المدنية.
وقتذاك قلت له إن للمصطلح معنيين أحدهما بريء والآخر غير بريء.رغم أن علم الاجتماع السياسي لا يعرف دولة مدنية، لأن المصطلح ينسحب على المجتمع وليس على الدولة.
 والمجتمع المدني في التفسير البريء هو الذي تديره المؤسسات لا الأفراد، ويتساوى في ظله المواطنون دون تفرقة حسب الدين أو اللون أو الجنس.
أما التفسير غير البريء فهو الذي تستخدم فيه لافتة المدني لستر التوجه العلماني.
ولأن المصطلح الأخير سيئ السمعة في المجتمع المصري نظرا لشكوك الكثيرين وعدم اطمئنانهم إلى وضع الدين في النظام العلماني. فإن العلمانيين تحايلوا على المصطلح وآثروا أن يغلفوا موقفهم بنسبته إلى المدنية. وهى الصيغة الأكثر قبولا والأقل اشتباها.
وقتذاك اعتبر الشيخ الغزالي أن المجتمع الإسلامي مدني بطبيعته وخبرته، واستدل في ذلك بالموقف القرآني الذي تبني موقفا ثابتا من إدارة المجتمع قرر فيه أنها تتم من خلال «أولى الأمر» ولم يشر في أي موضع إلى «ولي الأمر»، الأمر الذي يعني أن العملية موكولة دائما إلى فريق أو مؤسسة وليس إلى فرد.وكان له حديث طويل عن خبرة المسلمين في هذا المجال، حين اعتبروا الوقف سبيلا لموازنة السلطة وتلبية احتياجات المجتمع، والزكاة لإغاثة الضعفاء وتحقيق التوازن الاجتماعي، وذلك كله بعيدا عن سلطة الدولة أو تحكمها.
هذه الخلفية تسمح لنا بأن نجيب عن السؤال: هل كانت مصر في ظل حكم الدكتور محمد مرسى دولة دينية ثم صارت مدنية بعد عزله في الثالث من يوليو الماضي؟
إذا اعتمدنا التفسير البريء للمصطلح فسنقول إن الدولة لم تكن دينية في الوضع السابق كما أنها لم تكن مدنية في الوضع اللاحق. صحيح أن الرئيس كان ملتحيا في السابق وأن الملتحين ظهروا في محيط الرئاسة كما أن حضورهم كان مشهودا على شاشات التليفزيون وفي الحوارات واللقاءات العامة. لكن هذه الصورة تغيرت كليا في الوضع المستجد حيث اختفت اللحى من الرئاسة ودوائر الحكم.
بالتالي فإننا إذا احتكمنا إلى الصور فربما قررنا أن المظهر الديني اختفي (رغم أن فيدل كاسترو رئيس كوبا السابق كان ملتحيا). وأن المنظر تغير في ظل نظام يوليو.
إذا استثنينا المظهر والصور فإن أحدا لا يستطيع أن يدعى بأن ما كان في مصر هو دولة دينية، في حين ظلت إسلامية المجتمع كما هي لم تزد أو تنقص، حتى بالمقارنة بالعصر الملكي.
 فيما عدا ذلك فإن مؤسسات المجتمع ظلت كما هي في عهد الدكتور مرسى، ومنها ما تبنى موقف التحدي والمعاندة لرئاسة الدولة حينذاك (الإعلام والمحكمة الدستورية مثلا).
وغني عن البيان أن رئيس الدولة وأن تبنى خطابا له مرجعيته الدينية في بعض المواضع، فإنه لم يمارس سلطانا له أي صلة بتلك المرجعية، وحين استأسد ذات مرة وأصدر الإعلان الدستوري الشهير الذي حصن به قراراته، فإنه لم يحتمل معارضته وسارع إلى التراجع عنه وإلغائه.
في إطار ذات التفسير البريء. فإننا لا نكاد نرى أثرا لحضور أو استقلال مؤسسات الدولة في الوضع المستجد، الذي قيل لنا إنه أعاد إلينا مدنية الدولة. حيث لا نكاد نلمح دورا لأي جهة يمكن أن تتحدى النظام أو تعارضه، وإنما نجد ترهيبا دائما واتهامات جاهزة بالخيانة أو العمالة لكل من يجرؤ على ذلك ولو من باب السخرية والتندر.
في نفس الوقت فإن الاحتشاد قائم والتعبئة على أشدها لإدخال البلد في عصمة القائد الفرد، بل نجد جرأة في الإعلان عن رفض الديمقراطية والدعوة الصريحة إلى الفاشية.
 الأمر الذي يجعلنا نتردد كثيرا في قبول الادعاء بانتساب النظام الجديد إلى المدنية من زاوية التفسير البريء.
وإذا جاز لنا أن نعبر عن الحيرة من هذه الزاوية، فإن الإجراءات التي أعلن عنها مؤخرا تدفعنا دفعا إلى قراءة المشهد باعتباره انحيازا إلى التفسير غير البريء لمدنية الدولة بمفهومها العلماني وليس المؤسساتي.
 ذلك أن قرارات التحفظ على الأموال والاتجاه إلى تأميم أكثر من ألف جمعية خيرية تنتسب إلى العمل الإسلامي تعد قرينة قوية في هذا الصدد.
لأن هذه الخطوة ومعها قرائن أخرى تعطى انطباعا بأن المواجهة متجاوزة لجماعة الإخوان ومن لف لفها، وأن المستهدف هو مجمل النشاط الإسلامي للمجتمع.

الأربعاء، 1 يناير 2014

الربيع المفترى عليه


الربيع المفترى عليه


فهمي هويدي
في إطار عملية الجرد التي تتم في نهاية كل عام ومستهل عام جديد استوقفني كم السهام والاتهامات التي وجهت إلى الربيع العربي في عدد غير قليل من الصحف العربية.

كثيرون تحدثوا عن فشله وكثيرون شككوا في دوافعه واعتبروه جزءا من مؤامرة أمريكية استهدفت إعادة رسم خريطة المنطقة، توسلت بالفوضى الخلاقة لإقامة الشرق الأوسط الكبير.
وهؤلاء وهؤلاء وأمثالهم استشهدوا بما حل بالعالم العربي من اضطرابات وصراعات، منذ لاحت نذر ذلك الربيع الذي وصفه البعض بالمشؤوم على أيدي من وصفوا في الصحافة المصرية على الأقل بأنهم عملاء السفارات الأجنبية والمرتزقة وأطفال الشوارع.
لم أستغرب لغة الهجاء ولا منطق الشيطنة والتخوين الذي استصحب فشلنا في إدارة أي حوار جاد، وتسرعنا في تحويل أي خلاف إلى صراع واشتباك تستباح فيه الكرامات والأعراض. ورغم أن ذلك مما يؤسف له لا ريب، إلا أنني معني في الوقت الراهن بموضوع الحملة الأخيرة، الذي أسجل عليه أربع ملاحظات. إحداها في الشكل والباقي في الموضوع.
من حيث الشكل لاحظت تعدد مصادر الهجوم المذكور.
فبعضها تبنته منابر تعبر عن أنظمة ناصبت الربيع العربي العداء منذ لحظاته الأولى خشية أن تنتقل شرارته إلى داخل حدودها. وبعضها ينتسب إلى الأنظمة التي سقطت أو تلك التي تخلخلت قواعدها واهتزت عروشها.
وبعضها يعبر عن فئات صدمها فوز التيارات الإسلامية في الانتخابات التي جرت في بعض الأقطار فانحازت إلى مربع الخصوم والناقمين وأبدت استعدادا لتجريح وإفشال التجربة بأي ثمن، حتى لو أدى ذلك إلى تحالفها مع الشيطان.
ولا يخلو الأمر من أناس تسرعوا في الحكم على التجربة وخاب أملهم فيما علقوه عليها من آمال.
 ومنهم من وجد في بعض الأخطاء التي وقعت من جانب الأنظمة الجديدة ــ في مصر بوجه أخص ــ ما دفعهم إلى اليأس والانتقال إلى معسكر الضد. المخاصم والمناوئ.
وإذا كانت تلك هي المصادر الظاهرة في حملة التنديد والهجاء، فإنها لا تنفي وجود مصادر أخرى خفية، تندرج فيها كل الأطراف التي يسوؤها ويهدد مصالحها أي نهوض في العالم العربى أيا كان مصدره.
وهذه المصادر سأترك تقديرها لخيالك وخبراتك.
ملاحظاتي الثلاث في الموضوع ألخصها فيما يلي:
(1)
إننا نظلم الربيع العربي ظلما بينا إذا توقعنا ثماره أو حاكمناه بعد سنتين أو ثلاث من انطلاقه. فذلك لم يحدث في أي تجربة مماثلة في التاريخ المعاصر. حيث لم نعرف ثورة آتت أكلها قبل سبع أو عشر سنوات من قيامها، ولن أتحدث عن الثورة الفرنسية أو الروسية أو الإسبانية، التي لم تستقر لها الأوضاع إلا بعد عشرات السنين. وإذا وضعت في الاعتبار أن الانتفاضات الشعبية تخرج عامة من رحم الغضب الذي خلفته أنظمة استبدادية وفاسدة، فإن الأنظمة الجديدة تحتاج إلى وقت لإزالة آثار الظلم والفساد، ثم إنها تحتاج إلى وقت لكي تتعلم كيف تحقق الحلم الذي تطلع إليه الشعب. ولا ينبغي أن يتوقع أحد أن يولد النظام الجديد كامل الأوصاف، لأنه في أغلب الأحوال يولد مشوها ويعاني من النقائص. ومن ثم فهو يحتاج إلى وقت لكي يصوب أخطاءه ويحسن إدارة الوضع المستجد.

(2)
إن ثمة خطأ شائعا بمقتضاه يحصر البعض الربيع العربي في الأقطار التي تغيرت أنظمتها فقط، لأن رياحه غيرت في الإنسان العربي بأكثر مما غيرت في الأنظمة العربية. أعني أن أهم وأخطر ما في الربيع أنه أحدث نقلة نوعية في وعي المجتمعات العربية التي اجتاحتها الرغبة العارمة في التغيير، واختارت أن تعلن رفضها للظلم السياسي والاجتماعي. وعبرت عن ذلك الخيار بوسائل شتى تراوحت بين تسجيل المواقف والإعراب عن الغضب عبر مواقع التواصل الاجتماعي وحمل ذلك الغضب إلى الشوارع والميادين، كما تراوحت بين الدعوة إلى إصلاح بعض الأنظمة والإصرار على إسقاطها في أنظمة أخرى. بسبب من ذلك فإن فشل بعض الأنظمة التي قامت خلال السنوات الثلاث الأخيرة أو تعثر البعض الآخر، لا ينبغي أن يستقبل بحسبانه نهاية للربيع أو شهادة تعلن وفاته، ليس فقط لأن ذلك يعد من قبيل التجاذبات والتقلبات المتوقعة، ولكن أيضا لأن آفاق الربيع تتجاوز بكثير حدود أربعة أقطار عربية أو خمسة تغيرت أنظمتها أو اهتزت أركانها.

(3)
إن الذين يصرون على نعي الربيع العربي وإشاعة نبأ وفاته يفوتهم الانتباه إلى أن الأمة العربية استيقظت ورأت الربيع بأعينها في الشوارع والميادين. كما أن الخبرة كشفت عن أن شعوبنا أقوى مما نظن وأن الأنظمة المستبدة والفاسدة رغم جبروتها أضعف مما نظن. لذلك فإن الباب الذي يتوهم البعض أنه تم إغلاقه، لا يزال مفتوحا على مصراعيه، كما أن الحلم الذي يظن البعض أو يتوهمون أنه أجهض، لا يزال حيا يتوهج في أعين كثيرين ممن يرون ما لا يراه الآخرون. ذلك أنك لا تستطيع أن تلغي وجود الشمس وتعلن حلول الظلام بمجرد إغماض عينيك. إذ في هذه الحالة لا يطلب منك سوى أن تفتح عينيك لكي تدرك الحقيقة.

الطير التركي لا يؤكل لحمه!


الطير التركي لا يؤكل لحمه!

أحمد بن راشد بن سعيّد


حقائق الصراع في المنطقة، وثقافة الإمبريالية التي تسود العلاقة بين الشرق والغرب منذ قرون، لا تدع مجالاً للشك في أن ما يجري في تركيا ليس إلا «مكيدة» لإجهاض مشروع الحداثة الذي هندسه بنجاح اسثنائي حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب إردوغان.
المؤامرات جزء من السياسة، وهي حقيقة كونية وتاريخية، والمتابع قصة نجاح الأنموذج التركي على مدى 12 عاماً، لن يحتاج إلى ذكاء خارق ليدرك أن لظاهرة «الإردوغانية» أعداء لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام إنجازاتها المدهشة في الداخل، وقوتها الناعمة التي ما فتئت تلهم الملايين وهي تعبر الحدود إلى المشرق.
لدى إردوغان الكثير مما يباهي به. فاز حزبه؛ العدالة والتنمية، 3 مرات في الانتخابات، واستطاع تحويل تركيا إلى الاقتصاد رقم 17 في قائمة أكبر اقتصادات الكون.
 عندما جاء إلى الحكم في عام 2002 كانت البلاد ترزح تحت وطأة ديون بلغت 26 بليون دولار، سددتها الحكومة في شهر أيار (مايو) 2013، ثم قامت بإقراض دائنها، صندوق النقد الدولي، 5 بلايين دولار.
 ارتفع دخل الفرد من 2700 دولار سنوياً عام 2002 إلى 12 ألف دولار عام 2013، وقفز الاحتياطي إلى 135 بليون دولار، بينما ارتفعت الصادرات من 32 بليون دولار عام 2002 إلى 154 بليون، وانخفضت البطالة إلى أقل من 9 في المئة، وانتشرت الجامعات في تركيا لتبلغ 170 جامعة، بعد أن كانت 70 فقط عام 2002.
 عندما زار إردوغان الولايات المتحدة في شهر أيار (مايو) 2013، أبلغ معهد بروكنغ ما يلي: «تركيا لا تتحدث الآن عن العالم. العالم هو الذي يتحدث عن تركيا» (مجلة فورن بوليسي، 2 حزيران/يونيو 2013).
واكبت المعجزة الاقتصادية سياسة خارجية أكسبت تركيا نفوذاً لم تشهد مثيلاً له منذ مطلع القرن العشرين. اتسم أداء هذه السياسة بقيادة أحمد داود أوغلو بالتجديد، ومد الجسور مع الدول في المحيط الإقليمي، والسعي إلى تطوير التعاون معها وصولاً إلى «تصفير المشكلات»، وبناء أنموذج جاذب، مغرٍ، وفريد، لاسيما في ظل مماطلة الاتحاد الأوروبي في قبول عضوية تركيا.
لكن هذا التقدم لم يستمر طويلاً بعد انتفاضات «الربيع العربي» التي أجبرت تركيا على الاستجابة لها، واتخاذ مواقف أخلاقية تتماهى مع الأنموذج الذي أرادته ملهماً لشعوب المنطقة. حاولت السياسة التركية إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى مع أبشع الدول توحشاً، وتحديداً العصابة التي تحكم سوريا، لكن جرائم تلك العصابة لم تترك في قوس الصبر التركي منزعاً. لا معنى للتصفير، في زمن التغيير.
 في الحقيقة، شكّل «الربيع العربي» تحدياً كبيراً لصانع القرار التركي، لاسيما الثورة السورية التي كان أوارها يستعر في الجوار. كان تتابع الأحداث مفاجئاً وموجعاً، ولم تجد تركيا بداً من أن تلقي بثقلها مع الحق الأخلاقي والإنساني الذي جسّدته ثورة السوريين على حكم دموي طائفي لا يرحم.
كان موقف تركيا من سوريا أخلاقياً، تماماً كموقفها من فلسطين وتونس وليبيا، تماماً كموقفها من الانقلاب في مصر، والذي بادر وزير الخارجية، داود أوغلو، إلى استنكاره مطلع تموز (يوليو) 2013 بقوله إن سياسة بلاده مبنية على قيم أخلاقية تحترم إرادة الشعوب وترفض استلابها وتزويرها.
 ليس بوسع ثقافة الإمبريالية وربيبتها الصهيونية أن تتحمل كل هذا «الخروج» عن هيمنتها. أسقطت قوى الثورة المضادة النظام الديموقراطي المنتخب في مصر بالرغم من النجاحات التي حققها بعد حملة «شيطنة» ضخمة مولتها أموال النفط العربي بإشراف الإدارة الأميركية.
 ولا بأس أن تُجهض الديموقراطيات الهشة الوليدة في كل أنحاء منطقة المشرق، حتى في غزة؛ من أجل إبقاء شعوبها تحت التحكم، ومصادرة حريتها في تقرير المصير.
وقفت تركيا بقوة إلى جانب سوريا الشعب والتاريخ، ما أحبط كثيراً من المخططات الرامية إلى التمكين لوحوش الطائفة النصيرية وحلفائها الرجعيين في التهام المنطقة بأسرها. سوريا كانت نقطة التحول.
لولا الله ثم تركيا لضاعت الثورة السورية رغم كل ما يُقال (وبعضه حق) عن تقصير الإدارة التركية في حق شعب يتعرض للإبادة منذ سنوات.
 لكن الإمبريالية وذراعها الصهيونية لم تغفرا احتضان الأتراك للشعب السوري، وتقديم الدعم له، وتوفير العمق لثورته. ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير؛ مصر، حيث اضطرت تركيا إلى الاصطدام مع دول خليجية داعمة للانقلاب؛ وفاءً لمثال ضحت كثيراً من أجل إبقائه حياً.
ربما وجد أعداء تركيا في جماعة «خدمة» (حزمت باللغة التركية) نقطة الضعف التي يمكن من خلالها إسقاط حكومة حزب العدالة والتنمية، أو إضعافه على الأقل، وهز سمعته وصولاً إلى إفشاله في الانتخابات المقبلة (لم يبق على الانتخابات البلدية سوى 3 أشهر). تحالفت الجماعة (التي يرأسها فتح الله غولن، تركي متأثر بدعوة الشيخ بديع الزمان النورسي، ويعيش في ولاية بنسلفينيا الأميركية منذ عام 1999) مع حزب العدالة والتنمية، وصوّتت له في الانتخابات الثلاث التي دخلها منذ عام 2002. عاشت «خدمة» عصراً ذهبياً في ظل حكم الحزب الذي فتح لها الأبواب للانتشار في كل مفاصل الدولة من التعليم إلى الإعلام إلى الشرطة والاستخبارات، وحتى وزارتي العدل والخارجية. لكن الجماعة التي تحمل أجندة مختلفة عن أجندة حزب العدالة والتنمية أخذت تتململ من بعض سياساته الخارجية لاسيما موقفه من غزة، حيث هاجم غولن تسيير سفينة «مرمرة» التي أبحرت لإغاثة القطاع عام 2010 من دون الحصول على «إذن» إسرائيلي بحسب ما قال، وشعر كثير من الأتراك بالصدمة عندما حمّل غولن رئيس الوزراء التركي مسؤولية قتل إسرائيل 9 مواطنين أتراك على ظهر السفينة. انتقد غولن أيضاً سياسات إردوغان تجاه سوريا ومصر مشدداً على النأي بتركيا عن المشرق العربي، ورفض الانحياز إلى العرب، وانتهاج سياسات تصالحية مع واشنطن وتل أبيب. كثير ممن يحملون صورة ذهنية إيجابية عن «تديّن» جماعة «خدمة» لا يعلمون أن الجماعة لم تكن قط من أنصار غطاء الرأس في تركيا، ودعت الطالبات المحجبات خلال الحملات العلمانية عليه إلى خلعه والذهاب إلى الجامعات حاسرات. تدير حركة غولن شبكة ضخمة غير رسمية من المدارس ومخازن التفكير ووسائط الميديا في 5 قارات، ولها في الولايات المتحدة وحدها أكثر من 100 مدرسة، وتوجد لها مدارس أيضاً في مدينة شتوتغارت بألمانيا، فضلاً عن شبكة مدارس تديرها داخل الأرض التركية تبلغ 900 مدرسة.
استفزت الجماعة رئيس الوزراء إردوغان حتى في الشأن الداخلي، فثمة روايات صحافية تقول إن التفجيرات التي ضربت منطقة الريحانية في شهر أيار (مايو) 2013 كانت بسبب «تقاعس» بعض أفراد الشرطة التابعين للجماعة عن القيام بواجبهم.
 لكن الاستفزاز الأكبر كان موقف «خدمة» من الاضطرابات التي شهدها ميدان «تقسيم» في شهر حزيران (يونيو) 2013 حيث «تفهّمت» موقف المعتصمين، واتهمت إردوغان بالاستبداد، وأسهمت صحيفة توديز زمان المقربة من غولن، والتي تُطبع بالإنكليزية، في ترويج دعاية «دولية» مضادة لحزب العدالة والتنمية.
 في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2013 أغلقت الحكومة المدارس التمهيدية للجامعات، والتي تملك «خدمة» 25 في المئة منها، الأمر الذي أثار غضب الجماعة وفسّرته بوصفه محاولة من إردوغان لتحجيم دورها.
وفي 17 كانون الأول (ديسمبر) داهمت قوات الشرطة ليلاً منازل 52 شخصاً من بينهم رجال أعمال مقربون من رئيس الوزراء، وأبناء وزراء في حكومته (وزراء الداخلية والاقتصاد والبيئة)، واعتقلتهم من دون علم السلطات العليا؛ وذلك لإحراج الحكومة، وإلصاق تهم الفساد بها قبل الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها في شهر آذار (مارس) المقبل.
 وصف إردوغان الاعتقالات بأنها «مؤامرة قذرة»، واضطر إلى الطلب من الوزراء الثلاثة تقديم استقالاتهم حتى يفصل القضاء في التهم الموجهة إلى أبنائهم. ويسود اعتقاد مؤداه أن أنصار فتح الله غولن المنتشرين في الشرطة والقضاء هم من يقفون وراء الحملة. ردت الحكومة بطرد عشرات الضباط والمسؤولين في الشرطة، بمن فيهم حاكم شرطة إسطنبول، وقائد وحدات مكافحة الجرائم المالية والمنظمة في إسطنبول، فيما وصفته بـ «حملة تطهير» نجحت على الأقل في إجهاض المؤامرة.
هل ستتأثر حظوظ حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة بهذه الأحداث؟ ممكن جداً. لكن لو أسفرت نتائج التحقيقات عن براءة المتهمين أو معظمهم، فقد تتحول القضية برمتها إلى نصر لإردوغان.
 ربما حلت جماعة غولن محل «الدولة العميقة» التي كانت من قبل متركزة في المؤسسة العسكرية والقضاء، واستطاع إردوغان ردع تغولها على مؤسسات الدولة.
ما يجري في تركيا الآن هو تحجيم لدولة عميقة أخرى اسمها «خدمة» يبدو أنها وضعت نفسها في «خدمة» الإمبريالية والصهيونية وعملائهما في المنطقة والذين شعروا بالانتعاش بعد الانقلاب في مصر.


العراق إذ يزداد تأزماً في قبضة إيران والمالكي


العراق إذ يزداد تأزماً في قبضة إيران والمالكي

ياسر الزعاترة

حقق نوري المالكي واحدا من انتصاراته التاريخية على معتصمين سلميين في مدينة الأنبار، وتمكن من طردهم من خيامهم وتفكيكها أو حرقها (هل من الصعب إعادتها من جديد؟!)، وذلك بعد هروب عناصر القاعدة المعتصمين فيها، بحسب مستشاره علي الموسوي، وبعد أن تم العثور على سيارتين مفخختين في مكان الاعتصام!
تذكرنا هذه الأكاذيب بحكايات فضائيات الفلول في مصر، والتي يتم نسجها أحيانا على الهواء مباشرة، فيما يأتي مقدمو برامج «التوك شو» بأوراق ويشرعون في القراءة منها بوصفها وثائق مؤكدة، كما تقوم صحف الفلول أيضا بتأليف خطط وبرامج للإخوان جرى العثور عليها لا تمر على عقول الأطفال، فضلا عن العقلاء.
منذ شهور، والمالكي وطائفة مستشاريه (له مستشارون كثر، ومساعدون، ربما أكثر من أوباما نفسه)، منذ شهور، وهم يصرون على أن اعتصام الأنبار قد تحول إلى مأوى لعناصر القاعدة، الأمر الذي كان مثيرا للسخرية، لأن عناصر القاعدة يطاردونه في أماكن أخرى، وهم لا يؤمنون بالاعتصامات أصلا، ولا بالمظاهرات السلمية.
للمالكي همٌّ واحد ووحيد في الآونة الأخيرة. من أجله ذهب إلى واشنطن، ومن أجله يسترضي إيران ليل نهار، ومن أجله يتحول إلى عنصر إسناد يومي لبشار الأسد؛ يدفع لأجل بقائه من أموال العراقيين، لاسيَّما أن الأكثر نفوذا في عراق اليوم هو قاسم سليماني، مسؤول فيلق القدس في الحرس الثوري، كما قال ذلك صراحة مقتدى الصدر الذي يعيش خلافا مستحكما، وثارات تاريخية مع المالكي، ويحاول أن يحافظ على وجود له في الساحة الشيعية؛ هو الذي يرى بعينه كيف يستحوذ المالكي على كل شيء من خلال الحشد الطائفي، وبالطبع عبر تقديم نفسه كسياج يحمي الشيعة، مستندا إلى أن أجواء الحشد الطائفي تدفع البسطاء غالبا إلى أكثر الناس طائفية، وهو ما يدركه المالكي تمام الإدراك.
المالكي يحوز رضا واشنطن، وكذلك رضا إيران، ويعتقد أنه يستطيع بذلك تأمين ولاية ثالثة، وإن لم يمنحه أوباما الموافقة عندما قابله قبل أسابيع، إذ قيل له إن من المبكر الحديث في الأمر، لكنهم منحوه مساعدات عسكرية لأجل محاربة القاعدة، وهي مساعدات مدفوعة الثمن بطبيعة الحال، فيما أراد المالكي أن يقول للأميركان إن الأبواب التي يفتحها مع روسيا وآخرين لن تؤثر على ولائه الأصلي، وإن أدرك الأميركان أنه رجل إيران قبل أي أحد آخر.
واشنطن في المقابل تدرك أن ملف العراق سيوضع على طاولة البحث في المرحلة الثانية من اتفاق النووي كجزء من الملفات الإقليمية، ولا يمكن تبعا لذلك منح المالكي موافقة ستكون جزءا من أوراق المساومة مع إيران، من دون أن ننسى أن تراجع هاجس سقوط بشار الأسد قد أراح المالكي بعض الشيء، وإن بقي الهاجس الأمني قائما إلى حد كبير، مع أنه هاجس يزيد في التفاف الطائفة الشيعية من حوله كما أشير من قبل، رغم أنه لم يقدم لها الكثير.
هذا من الناحية الخارجية، أما داخليا، فالرجل يعيش فشلا على كل صعيد، أعني بالنسبة لما يقدمه من إنجازات للإنسان العراقي، لكن الأمر يبدو مختلفا له ولجماعته، إذ أثروا ثراء فاحشا من أكبر عملية نهب، ربما في التاريخ البشري.
من هنا، يمكن القول إن المالكي لا يؤثر سلبا على وضع العرب السنّة الذين يعيشون التهميش تحت حكمه، بل يؤثر سلبا على كل العراقيين، ربما باستثناء الأكراد الذين يستقلون عمليا، بل ربما استفادوا من المركز فوق الاستقلال أيضا، الأمر الذي يأخذوه عبر ابتزاز المالكي الذي يحرص على تحييدهم لأجل الاستفراد بالعرب السنّة.

غير أن ما ينبغي التذكير به أيضا هو أن جزءا من حالة البؤس التي يعيشها العرب السنّة في العراق، إنما تأتي (فضلا عن تراجع الوضع العربي الداعم لهم)، من تشرذمهم ولعب المالكي على تناقضاتهم، فيما رأينا قدرا من الوحدة يوم الاثنين، لا يعرف إن كانت ستستمر بعد ذلك، أم أنها هبّة عابرة بسبب الدم المسفوح والعدوان السافر على الأنبار.
منذ الاحتلال وهذه الفئة تعاني من مراهقي السياسة الذين مثّلوها، فكان أن حُشرت في دائرة الأقلية، رغم أنها ليست كذلك، واستمر الوضع على هذا المنوال بعد الاحتلال، حيث تلاعب بهم المالكي منذ سنوات، واستقطب فريقا بالمكاسب وأبعد آخرين.
لا حل لهذه المعضلة سوى بتفاهم بين ممثلي العرب السنّة، وبعض القوى الشيعية، ومنها التيار الصدري بعيدا عن استحضار الثارات القديمة، وكذلك الأكراد، أو بعضهم في سياق من استبعاد هذا الرجل (المالكي)
والبحث عن بديل يوفر فرصة لدولة مواطنة في العراق؛ تعزز الوحدة وتنبذ الفساد.
 ربما كان هذا الأمل بعيدا في ظل الأجواء العربية والإقليمية الراهنة، لكنه ليس مستحيلا بحال.
وإذا لم يحدث ذلك، فسيتواصل النزيف القائم أمنيا وسياسيا ومعيشيا، بل على كل صعيد.

سيناريوهات الفتنة القادمة وأبعادها المحلية والعالمية

سيناريوهات الفتنة القادمة وأبعادها المحلية والعالمية


الفشل الذريع داخليا بدا واضحا في إدارة مرافق الدولة، وعدم قدرته على سداد رواتب الموظفين، والارتفاع غير المسبوق لسعر الدولار أمام الجنيه، حيث بلغ ثمانية جنيهات في السوق السوداء، وتداعياته على ارتفاع أسعار السلع الأساسية.

أما خارجيا فيبدو في عدم قدرته على إقناع وكسب مؤيدين له وكسر الحصار والعزلة السياسية التي يعيشها، إضافة إلى أن ملف تجريم قادة ومحرضي الانقلاب والقتل دوليا أمام المحكمة الدولية شارف على الانتهاء، بما يعني إمكانية تجريمهم أمام المحاكم الدولية.

حقيقة الأمر أن الانقلاب في أزمة كبرى، وربما انعدمت خياراته إلا من الهروب إلى الأمام بمزيد من القمع والبطش بالثوار السلميين باحثا عن طوق نجاة، يحميه من المحاكمات الداخلية والدولية التي تنتظره.

بدأ العسكر بإشعال الفتنة الكبرى في مصر من خلال تقسيم المجتمع إلى فريقين: فريق الانقلاب وفريق الإخوان المسلمين، إضافة إلى إعادة اللعب على ملف الفتنة الطائفية
أثناء كل هذه الفترة والحراك الثوري مستمر بوتيرة متصاعدة كما وكيفا باستمرار انضمام شرائح نوعية جديدة من الطلاب والناشطين السياسيين المتحولين من تأييد الانقلاب إلى تأييد الشرعية، استخدم فيها العسكر والنظام المؤقت الجديد كافة أسلحة قمع المتظاهرين، وتحطمت جميعها أمام ثبات وصمود وسلمية الثوار.

وتبع ذلك استخدام العصا الـ"قانونية" بإصدار قانون منع التظاهر، إضافة إلى قرار مجلس الوزراء باعتبار الإخوان جماعة إرهابية وما ترتب عليه من إمكانية الحكم على المتظاهر بخمس سنوات وقائد المظاهرة بخمسة وعشرين عاما، وربما يصل الحكم إلى الإعدام، ناهيك عن انتشار ظاهرة تلفيق الجرائم الجنائية للثوار.

كل ذلك فشل وتحطم أيضا أمام صخرة ثبات وصمود وسلمية الثوار، مما دفع بالعسكر إلى استخدام سلاح جديد كطوق نجاة لهم، بمحاولات إشعال الفتنة الكبرى في مصر من خلال تقسيم المجتمع لفريقين: فريق الانقلاب وفريق الإخوان المسلمين الذي طالما حاول تشويههم وتجريمهم لضرب الثورة بكل قوة تحت غطاء مسمى ضرب الإخوان الإرهابيين، إضافة إلى إعادة اللعب على ملف الفتنة الطائفية.

وقد فشل الانقلاب فشلا ذريعا في جر الثوار إلى مستنقع العنف، مفوتين عليه فرصة امتلاك مبرر يمكنه من سحقهم تحت جنازير الدبابات، ومن ثم قد يبدأ بتدبير العديد من العمليات الإرهابية وتلفيقها زورا لهم، خاصة الإخوان المسلمين، محاولا بذلك أيضا إلقاء قنبلة كبيرة من الدخان يتستر تحتها لتمرير الدستور.

في هذا السياق توضع الخطط وتدبر المؤامرات وتحاك الفتن لتقويض ثمار ثورة 25 يناير أولا، وتفويض مضامين القوة المصرية ممثلة في الحراك الثوري وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين والذي يتزايد على قاعدة من الوعي الشعبي بحقوقه وضرورة استعادة إرادته وشرعيته وتجربته الديمقراطية الوليدة.

وهي التجربة التي انتزعها من أنياب نظام مبارك السابق، والتي سرعان ما انتزعها العسكر منه عبر محاولات متكررة لإدخال مصر في دوامة من الاحتراب الداخلي، وربما حرب أهلية تستمر لسنوات تأكل الأخضر واليابس في مصر، لتمهد الساحة لتمدد أي قوى طامعة في المنطقة.

في هذا السياق، نستطيع أن نرسم سيناريوهات الفتنة المتوقعة في الأيام القادمة، والتي تتم بتدبير أجهزة الانقلاب لتحقيق عدة أهداف مجتمعة بضربة واحدة.

هذا إضافة الى العديد من المتغيرات الجارية الآن دوليا ومحليا تؤكد فرضية ذهاب العسكر لإشعال فتنة كبرى في مصر:

- على المستوى الدولي: انزعاج الغرب الشديد من الوافد الحضاري القادم بقوة مهددا عرشه المهيمن على القرار العالمي ومقدراته، والذي تمثل في النمو المتسارع للنظم الإسلامية التي جاءت تترا على السلطة نتيجة للربيع العربي.

هذا إضافة إلى النمو المتسارع لتركيا ذات الشعارات الإسلامية والانتماء الإيديولوجي للإسلام، وتحديدا فكر الإخوان المسلمين، والتحضيرات الجارية على قدم وساق لوقف الربيع العربي، وتقويض كافة نتائجه والعودة إلى المربع الأول ما قبل اشتعال فتيل الربيع العربي.

- الإجراءات الواضحة لتقويض نظام رجب طيب أردوغان والتي بدأت بالفعل على المستويين المحلي والإقليمي، بإشعال المزيد من الفتن الداخلية والخارجية، مستغلين العديد من أوراق المعارضة الداخلية، وخارجيا أوراق الأكراد، سوريا، وإيران ذات النفوذ المتزايد في المنطقة بعد التنسيق الإيراني والغربي الأخير على تقاسم النفوذ والمصالح بالمنطقة.

- اشتعال الحراك الثوري وغياب قدرة الانقلابيين على السيطرة عليه أو وقفه، مع التزايد الكمي والنوعي في شرائح المنضمين الجدد إلى ثوار الشرعية، خاصة أن نسبة كبيرة منهم من المتحولين من تأييد الانقلاب إلى الانضمام لصفوف أنصار الشرعية.

- الإشارات المتكررة التي تأتي من الجيش والتي تؤكد تململ وغضب الكثير من القيادات الوسطى والدنيا من الانقلاب، ومن كل ما يمارس ضد أهلهم من أبناء الشعب المصري.

بعد فشل الانقلابيين في جر الثوار إلى مستنقع العنف وتفويت فرصة امتلاك مبرر لسحقهم قد يبدأ الانقلابيون بتدبير العديد من العمليات الإرهابية وتلفيقها زورا لهم
- الضغط الأميركي والأوروبي والعربي المؤيد للانقلاب بضرورة تسريع إجراءات تمكين الانقلاب على الأرض، ووقف الحراك الثوري المحرج لهم بشدة أمام العالم وأمام شعوبهم.

- وجود صراعات حقيقية بين قادة الانقلاب على السلطة من جهة، وبين العسكر وبعض النخب السياسية الطامحة في السلطة، والداعية إلى سرعة حسم المشهد السياسي في مصر بأسرع ما يمكن، ولو بكلفة دموية باهظة التكلفة.

- الترتيبات الإقليمية التي تمت بين الإيرانيين والأميركيين في المنطقة والتي تسير في اتجاه دعم وتمكين الانقلابيين في مصر حفاظا على مصالحهم جميعا بالمنطقة، وحصار ووقف أي قوة سنية وطنية يمكن أن تصل إلى السلطة وتهدد مصالحهم.

- السفور والفجور الشديد في أداء حزب النور وشخصيات إسلامية محسوبة على التيار الإسلامي ضد أنصار الشرعية -وتحديدا الإخوان المسلمين- والذي ازداد بشدة غير مسبوقة مع مسلسل الدستور الجديد، والذي يؤكد المحللون أنه يأتي بناء على توجيه مباشر من أجهزة الانقلاب.

- تحويل العديد من القيادات الإخوانية إلى سجن العقرب شديد الحراسة وفرض عزلة فردية، وطوق أمني شديد جدا عليهم، تمهيدا لأمر يدبر بليل تلفه مؤامرات محلية ودولية مشتركة ضد الإخوان المسلمين الحارس الأمين على الإسلام الوسطي المعتدل في مصر والعالم بأسره، خاصة بعد سقوط وتهاوي أكبر المؤسسات الإسلامية الرسمية في مستنقع الانقلاب.

- بعض الاعترافات المزورة لبعض المعتقلين والتي حرص ضباط أجهزة الانقلاب على سرعة الحصول عليها تحت ضغط التعذيب الرهيب، والترهيب باستخدام أهالي المعتقلين للضغط عليهم في وقت زمني واحد في عدد من المحافظات، للإيحاء بوجود تنظيم إرهابي لممارسة العنف على مستوى الجمهورية.

- التحذيرات المستمرة التي توجهها السفارة الأميركية لرعاياها بتوخي الحذر من أعمال إرهابية متوقعة في مصر.

في هذا السياق، نستطيع أن نرسم سيناريوهات الفتنة المتوقعة في الأيام القادمة، والتي تتم بتدبير أجهزة الانقلاب لتحقيق عدة أهداف مجتمعة بضربة واحدة.

- سلسلة من عمليات الإرهاب المدبرة من أجهزة الانقلاب وإلصاقها زورا وبهتانا بالإخوان المسلمين وثوار الشرعية.

- عمليات اغتيال مدبرة من أجهزة الانقلاب بحق بعض القيادات السلفية والإسلامية المناهضة للشرعية وللإخوان المسلمين، خاصة تلك التي كلفت بحدة الخطاب والمواجهة مع الإخوان في الفترة الأخيرة.

- عدد من العمليات الإرهابية الكبيرة في اتجاهات مختلفة (قوات مسلحة، كنائس) داخل القاهرة والإسكندرية وغيرهما، وإيقاع عدد كبير من القتلى.

أهداف إستراتيجية
ويسعى الانقلابيون من وراء ذلك لتحقيق جملة أهداف، من أهمها:
- استعادة التوازن المعنوي داخل الجيش بمزيد من الاستعداء ضد الإخوان والثوار، واستعادة التوازن النفسي ضد الإخوان وثوار الشرعية، خاصة بعد النمو المستمر لمعارضة الانقلاب بين صفوف أقباط مصر وتحوله إلى شكل مؤسسي منظم يعمل داخل مصر وخارجها.

- تمهيد الساحة لتوجيه ضربة قوية ضد قيادات الإخوان بالمعتقلات، أهمها أحكام بالإعدام على ما يقارب الثلاثين من قيادات الصف الأول، خاصة الذين مارسوا أدوارا مهمة أثناء الفترة الأخيرة، إضافة إلى سنوات سجن طويلة تتراوح بين العشرة والعشرين عاما لعدد كبير من القيادات العليا والوسطى في الجماعة.

يسعى العسكر تاليا للتخلص من الأوراق السلفية والإسلامية الموالية للانقلاب والتي انتهى دورها وتتزايد مطالبها بشكل مستمر ظنا منها أنها شريك حقيقي للانقلاب
- التخلص من الأوراق السلفية والإسلامية الموالية للانقلاب والتي انتهى دورها وتتزايد مطالبها بشكل مستمر ظنا منها أنها شريك حقيقي للانقلاب من حقه المطالبة بحصة من المكاسب.

- تثبيت أركان الانقلاب والتمكين له في مصر وتهيئة الوضع لاعتراف أميركي وغربي رسمي، خاصة بعد الانتهاء من مسلسل الدستور.

إذاً، الساحة الدولية والإقليمية متفقة ومهيأة لتوجيه ضربة قوية وعنيفة ضد التمدد الإسلامي السني والذي بلغ ذروته تلقائيا في أوروبا وأميركا ومناطق واسعة من أميركا الجنوبية على مستوى المهتدين الجدد للإسلام، والعودة للهوية الإسلامية الواضحة بين صفوف المهاجرين المسلمين بالدول الغربية.

هذا إضافة إلى تأثيرات الربيع العربي المفاجئ والذي أعلن بداية انهيار النظم الاستبدادية الوكيل الغربي على شعوب ومقدرات المنطقة، بل ووصول الإسلاميين أنفسهم إلى السلطة والذين يعدون (داخل بعض الدوائر الغربية) المصدر الأساسي للخطر على الغرب.

إذاً، هي حرب عالمية ثالثة ضد الإسلام وعناصره الفاعلة، لا ريب في ذلك، وهذا ما تؤكده سنن التاريخ وحقائق الواقع.

وعلى الإسلاميين وأنصار الشرعية أن يكونوا رأس حربة في الدفاع عن حقوق شعوب غافلة نائمة لا تدرك من حقيقة أمرها وما يجري شيئا، وليتحمل هؤلاء الشباب والفتيات الصغار بدمائهم الزكية الطاهرة مسؤولية وأمانة الدفاع عن أمة وشعوب منطقة بأسرها في محطة تاريخية هي أصعب محطات التاريخ العربي والإسلامي.
المصدر:الجزيرة

سياسة واشنطن الخارجية خلال 2013


سياسة واشنطن الخارجية خلال 2013





عرض برنامج "من واشنطن" في حلقة 31/12/2013 طيفا من حلقاته على مدار العام 2013 تحت سؤال: كيف بدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من واشنطن؟

عاد البرنامج لبعض التحديات التي واجهت السياسة الخارجية أثناء التحولات المفصلية بالمنطقة، كالانقلاب في مصر والتقارب الأميركي الإيراني.
لكن البرنامج عرج على مواضيع أخرى، مثل "عيد الشكر بين المسرة والكارثة"، و"التداعيات المحتملة لاستمرار الاستقطاب السياسي بفنزويلا".

بدأت الحلقة بعيد الشكر، حيث عرض مقتطفا من أحد السكان الأصليين يدعى جون كاين ويشتغل مقدم برنامج إذاعي عن عيد الشكر، إذ قال إنه ليس أميركيا، وإن السكان الأصليين يكافحون وسيستمرون في ذلك من أجل الحصول على سيادتهم.
المستعربون الأميركيون
عرضت الحلقة لشريحة من الدبلوماسيين الأميركيين الذين يعرفون بالمستعربين، وهي فئة تتهم عادة بمحاباة العرب في واشنطن مقابل فئة أخرى من الدبلوماسيين الأميركيين الذين يوصفون برعاة مصالح إسرائيل في العاصمة الأميركية، وتحدثت الحلقة عن الدبلوماسي الراحل ريتشارد كيرتس نموذجا لهذه الفئة من الدبلوماسيين.
جون مقدم برنامج إذاعي يقول بمناسبة عيد الشكر الأميركي إنه ليس أميركيا، وإن السكان الأصليين يكافحون وسيستمرون في ذلك من أجل الحصول على سيادتهم
وفي المشهد المصري من الأراضي الأميركية، ذهبت الحلقة إلى مقتطف يقترب من آمال عشرات الآلاف من المصريين المقيمين في الولايات المتحدة بالعودة إلى مصر للمساعدة على بناء نظام سياسي واقتصادي جديد فيها عقب سقوط نظام مبارك. وكان سؤال الحلقة: هل غذى الانقلاب ذلك الأمل أم بدده؟
ووقفت الحلقة أمام سؤال: ماذا يقع حينما تحاول هوليود محاكاة التاريخ؟ وذلك في قراءة لأزمة الرهائن الأميركيين في إيران التي قدمها فيلم آرغو، وربط ذلك في سياق العلاقات الأميركية الإيرانية الراهنة.
وتحت عنوان "مدى نجاح تلميع صورة الانقلاب" قدم البرنامج جانبا من موضوع ناقشه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي تناول فيه دلالات العقد الذي وقعته مجموعة "غلوفر بارك" -إحدى أقوى شركات الضغط الأميركية- مع الحكومة المصرية المؤقتة لتلميع صورتها.

وفي هذا الإطار، كان رأي أستاذ القانون الدولي شريف بسيوني أن مبلغ 250 ألف دولار شهريا لن يغير من صورة النظام أو يلمعه، وأن المصالح الإستراتيجية ومصالح إسرائيل هي ما يهم أميركا.


المصدر: الجزيرة