توقَّف، إنك امرؤٌ فيكَ جاهلية!
مضر أبو الهيجاءمن نافلةِ القولِ أنَّ كلَّ محاولاتِ النهضةِ العربية والإسلامية تُحيطُ بها المؤامراتُ التي تحاولُ إحباطَها وحرفَها وإفشالَها، كما تتداخلُ معها عُقَدٌ وإشكالاتٌ أخلاقية، وتصوراتٌ وسلوكياتٌ جاهلية؛ الأمرُ الذي يُشيرُ إلى أنَّ أيَّ معالجةٍ حقيقيةٍ يجبُ أن تطرحَ البعدينِ الذاتيِّ والموضوعيِّ، وأنَّ الاقتصارَ على النظرِ والمعالجةِ لبعدٍ واحدٍ لن يصلَ إلى المعالجةِ الحقيقيةِ وتقويمِ الطريق.
الإشكاليةُ الفلسطينيةُ السوريةُ تُشيرُ إلى حجمِ الاهتراءِ والاختراق.
إنَّ بروزَ الإشكاليةِ بين الفلسطينيِّ والسوريِّ على أرضِ الشام بعد الثورةِ والتحرير، وبعد عودةِ العلماءِ الكرامِ والثوارِ الأبرار، يُشيرُ إلى بروزِ قرني شيطان ومخططاتٍ جهنميةٍ تستهدفُ إقامةَ وإقرارَ جاهليةٍ تسعى لتفتيتِ النسيجِ العربيِّ الكرديِّ الشركسيِّ الإسلاميِّ على أرضِ الشام، لا إلى إشكاليةٍ حقيقيةٍ تناقشُ معضلةً موضوعية؛ فسوريا لم تعرفْ في تاريخِها موقفًا سيئًا بالمعنى العنصريِّ تجاهَ الفلسطيني، لاسيما في الحقبةِ القومية، على ما فيها من مساوئ وآثار وإجرامٍ مسَّ الفلسطينيَّ كما مسَّ السوريَّ بلا تفريق.
وإذا كان البعثيون والنصيريون أبناءُ الجاهليةِ لم يتخذوا موقفًا عنصريًا تجاهَ الفلسطيني، فلا يمكنُ أبدًا، ولا يُتصوَّر مطلقًا، أن يكونَ للثوارِ الأحرارِ والعلماءِ الأبرارِ وعمومِ الشعبِ وأهلِ الشام، أصلابِ الصحابةِ الكرام، موقفٌ سيئٌ تجاهَ الفلسطيني؛ حاشاهم من ذلك. فهذا -والله- اتهامٌ يُطلقه شيطان، ولا يمكنُ أن تكونَ له حقيقةٌ موضوعيةٌ إذا ما أُمعنَ النظرُ فيه بعقلٍ منتمٍ ونظرٍ نزيه.
لن تجدَ فلسطينُ أوفى لأرضِها وقدسِها من أهل الشام الكرام.
إنَّ فلسطينَ بالنسبةِ لعمومِ العربِ والمسلمين، وخصوصًا أهلِ الشامِ ومصرَ والعراقِ واليمنِ والمغرب، عشقٌ دفينٌ لا يعلمُ حجمَه إلا من خالطهم، وسمعَ بكاءَهم في التهجدِ وبين الصلوات، ورأى دموعَهم تنهمرُ في كلِّ مقامٍ تُعرضُ فيه مأساةُ فلسطين.
فكيف يغيبُ هذا المشهدُ الواسعُ، وهذا اليقينُ المشهودُ في عمومِ أرضِ الشامِ ولدى أهلِها الكرام، أمامَ ظنونٍ وفتنةٍ يُطلقها بعضُ الشياطين، حتى وإن كانوا على رؤوسِ منصاتٍ لها متابعون؟
لا توجدُ دولةٌ اسمُها فلسطينُ في التاريخ.
إنَّ العقلَ الجاهليَّ الذي لا يزالُ يستبدلُ دينَ اللهِ وكتابَه وأحكامَ شريعتِه بالدينِ القطريِّ وأحكامِ الانتماءِ الجاهليِّ الوضيع، والذي يتجاوزُ الأخلاقَ الإنسانيةَ وأخلاقَ الثوراتِ العظيمةِ ومطالبَ أهلِها المحقة، يُعبّرُ عن إرادةِ كاهنٍ لعينٍ يقفُ خلفَ كلِّ هذا، ويحاولُ العبثَ وطمسَ أخلاقياتِ ثورةِ الشام المباركةِ والعظيمة، قبلَ أن يمسَّ القضيةَ الفلسطينيةَ ذاتَ الخصوصيةِ الرفيعةِ بين العالمين، باعتبارِها جزءًا من عقيدةِ المسلمين.
لا توجد في التاريخ كله دولة مستقلة بالمعنى السياسي الحديث باسم فلسطين، وإنما يُشار تاريخيًا إلى “أرض فلسطين” باعتبارها جزءًا من بلاد الشام، التي تشكل وحدة جغرافية وتاريخية وحضارية وسياسية مترابطة، ظلت عبر العصور إطارًا واحدًا رغم تنوع مكوناته ومراكزه.
ومن هذا المنظور تُقرأ محاولات تقسيم المنطقة إلى كيانات سياسية وعرقية منفصلة بوصفها نتاجًا لمشاريع سياسية حديثة أعادت تشكيل الجغرافيا وفق مخططات الخصوم ومشاريع الأعداء.
كما يُطرح أن فصل فلسطين عن محيطها الشامي والعربي لا يقتصر على البعد الجغرافي، بل يرتبط بتصور سياسي وأخلاقي أوسع لإعادة هندسة المنطقة وإضعاف ترابطها، بما ينعكس على بنيتها الاجتماعية والسياسية والشعورية فيضعفها جميعًا.
إن المنتمين الراشدين ينظرون لأرض فلسطين بوصفها جزءًا من الشام، وأن مستقبلها يتداخل مع محيطها الإقليمي الأوسع، بما فيه سوريا ومصر والعراق واليمن والسودان وغيرها من الدول ذات الارتباط التاريخي بالقضية الفلسطينية، ضمن سياق صراع إقليمي ودولي أوسع أعاد توظيف الجغرافيا الفلسطينية في قلب التفاعلات السياسية في المنطقة مستهدفًا التفتيت بشكل أكبر.
الإشكاليةُ الفلسطينيةُ توأمُ المعضلةِ الكُرديّة
الإشكاليةُ الفلسطينيةُ تُعدُّ مدخلا لفهمِ المعضلةِ والحالةِ الكردية، من حيثُ تشابهُ بعضِ عناصرِ التشكلِ التاريخيِّ والسياسيِّ في الإقليم، في سياقِ بناءِ الدولةِ القُطريةِ الحديثة وما ترتبَ عليه من إعادةِ تشكيلِ الجغرافيا السياسية بأيدي الاستخراب الغربي، وما زرعه من نقاطِ توترٍ تفاعلَ معها الواقعُ السياسيُّ وأقرتها أنظمةٌ قوميةٌ متعاقبة.
ومن هذا المنظور، يمكن النظرُ إلى القضيتين باعتبارهما مثالين على إشكالياتٍ بنيويةٍ في المنطقة، حيث تتقاطعُ الجغرافيا بالتاريخ، وتتشابكُ الهويةُ مع السياسات، ويظلُّ السؤالُ الأساسي مرتبطا بكيفيةِ إدارة التعدد ضمن إطارٍ مستقرٍّ وعادل، يعكسُ الهوية والانتماءَ الثقافيَّ الواسعَ والعميق.








