ما لم تقله.. ولوبون يحفظه
في اللحظة التي تبتلع فيها كلمة كانت تستحق أن تُقال، لا تختار الحكمة، بل تختار السلامة.
هذا الفعل اليومي الصغير الذي يبدو فضيلة هو في حقيقته تدريب ممنهج على إسكات الذات، تدريب بدأ مبكراً، حين علمك المحيط أن الغضب عيب والهدوء فضيلة، وأن من يصمت يُكرم ومن يتكلم يدفع الثمن.
غوستاف لوبون حين درس سيكولوجيا الجماهير رصد شيئاً يزعج هذه المعادلة من الداخل:
ما لم تقله لم يختف، بل ذهب إلى مكان آخر تحت السطح يتراكم كضغط لا مخرج له، حتى ينفجر في لحظة لا تتوقعها وبطريقة لا تتحكم فيها.
غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال أكثر إقلاقاً: إذا كان المجتمع هو من علمك أن غضبك خطأ، فهل الهدوء الذي تفخر به فضيلة حقيقية، أم أنه جرح قديم تعلمت أن تسميه نضجاً؟
المشكلة ليست في الغضب نفسه، بل في الخلط بين كبته وإدارته.
الغضب الصحي بوصلة داخلية تُخبرك أن حداً قد انتُهك وأن ثمة شيئاً يستحق الدفاع عنه.
لكن المجتمع لا يُفرق بين النوعين، يعاقب على التعبير ويكافئ على الصمت، حتى تتعلم أن تُسمي كبتك نضجاً وابتلاعك للإهانة حكمة.
وهنا يكمن الثمن الحقيقي، ليس في لحظة الغضب بل في سنوات الصمت التي تسبقها والتي لا يراها أحد لأنها تشبه الاتزان.
وما يجعل هذا الفخ أكثر إحكاماً هو أن الجسد لا يعرف الكبت. ما يبتلعه العقل يحفظه الجسد في مكان آخر، في توتر مزمن لا سبب له، أو إرهاق يأتي دون مقدمات، أو قسوة مفاجئة تفاجئك قبل أن تفاجئ من أمامك.
الغضب المبتلع لا يتبخر، بل يغوص أعمق ويتخذ أشكالاً أخرى، حتى يصعب أن تربط بين ما تشعر به اليوم وبين الكلمة التي لم تقلها منذ سنوات.
والمفارقة المؤلمة أن الإنسان الذي يُجيد كبت غضبه لا يصبح أكثر هدوءاً، بل أكثر قابلية للانفجار.
لوبون رصد هذا في الجماهير حين تحولت من صامتة مطيعة إلى عنيفة لا تُسيطر عليها في لحظة واحدة، والآلية ذاتها تعمل في الفرد.
الغضب المكبوت لا يتبخر، بل يبحث عن منفذ، وحين يجده يخرج بحجم سنوات لا بحجم اللحظة التي استفزته.
وهكذا يدفع الإنسان المؤدب ثمناً مضاعفاً، مرة حين يكبت، ومرة حين ينفجر في لحظة لم يخطط لها.
الثمن الأكبر لهذا الأدب المفروض ليس الانفجار المفاجئ، بل شيء أبطأ وأكثر إيلاماً:
فقدان القدرة على معرفة ما تشعر به فعلاً. الإنسان الذي كبت غضبه سنوات طويلة يجلس يوماً ويُدرك أنه لم يعد يعرف متى يكون غاضباً حقاً ومتى يكون راضياً، لأن الحد بين المشاعر الحقيقية والمشاعر المقبولة اجتماعياً ذاب ببطء حتى لم يعد يرى الفرق. الرمادي الموحش الذي يلف حياة كثيرين ليس غياب الفرح فقط، بل غياب الغضب أيضاً، لأن من لا يستطيع أن يغضب لا يستطيع أن يشعر بالكامل.
حين تفكر في آخر مرة ابتلعت فيها كلمة كانت تستحق أن تُقال، هل كان ذلك نضجاً فعلاً، أم كان تدريباً إضافياً على نسيان صوتك؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق