السبت، 27 أبريل 2019

الفاشية التي يتهمون بها الإسلام السياسي ظلما وعدوانا


الفاشية التي يتهمون بها الإسلام السياسي ظلما وعدوانا





د. محمد الجوادي

أصبح من الثوابت والمأثورات في الفكر اليساري العربي الحديث أن يُهاجم اليساريون التقليديون (ومن يزعمون أنهم تعلموا منهم) جماعة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي بالباطل والحق، ويُشاركهم في هذا من يعرفون ويقدمون أنفسهم على أنهم عبيد البيادة ممن يؤدون دورا محددا ومحصورا وهو محاربة الإسلام وأهل الإسلام، رافعين قميصا يقول إنهم تيار مدني، ويتكرر هذا الهجوم بطريقة روتينية صماء وكأنه أصبح من البديهيات أو المسلمات في كتابات الساسة والصحفيين العرب الذين يدّعون اليسارية بدرجاتها المُختلفة (الماركسية والشيوعية والاشتراكية والتروتسكية والماوية).

كما ينتقل هذا الهجوم برشاقة الرقص إلى تراث التجارب الوهمية المشوهة لليسار من قبيل كتابات الناصريين المحصورين في زاوية ضيقة، وينحصر هذا الهجوم في قولهم إنهم ضد الفاشية الدينية، ويبدو هذا التعبير المتأنق أو المتحذلق وكأنه يُلخّصُ مذهباً سياسياً أو يُبلورُ صراعاً سياسياً بينما الحقيقة أنها عبارة تلفيقية ليس لها من الحقيقة إلا جاذبية المًصطلح الكاذب. لكنّنا مع هذا لا بد أن نعرف كيف نشأت مثل هذه الدعوى التي لا يزال أهل اليسار يهربون إليها هم ومن يتشبّهون بهم بالباطل.

نبدأ بآراء الزعيم موسوليني نفسه في الدين وبما قاله هو نفسه عن نفسه في مذكراته، ثم ننتقل إلى مُناقشة قضية سياسية وتاريخية طريفة. كان الزعيم الإيطالي والفاشي الأكبر موسوليني يقول: إنه يضيق صدره من سماع التراتيل الإنجيلية وأن هذا الشعور لازمه منذ صغره، بل أنه يروي أنه كان يتقيأ إذا ما شم رائحة بخور الكنيسة عندما كان يذهب مع والدته إلى الكنيسة لأداء صلاة الأحد، وكان لا يطيق رؤية رجال الكنيسة بملابسهم السوداء، بل إنه قال بمنتهى الصراحة: ورثت عن أبي الإلحاد في حين لم تتمكن شفافية أمي المتدينة من النفاذ إلى سريرتي.     
   
في أوربا كانت أبرز معارك الشيوعية والفاشية في إسبانيا، وتمكن الجنرال فرانكو بمعونة من الفوهر هتلر والزعيم موسوليني أن يُسيطر على الأمور في إسبانيا مُقدّماً نموذجاً للقُدرة على الانتصار على الشيوعية من دون اللجوء إلى الرأسمالية أو الليبيرالية
ونعود للتاريخ الكاشف، فنحن نعرف أن الشيوعية نجحت عقب الحرب العالمية الأولى في الوصول إلى الحكم في روسيا، وتأسّست على يديها دولة الاتحاد السوفييتي، وأصبحت الشيوعية بفضل هذا النجاح بمثابة مذهب أثبت وجوده ونجاحه، بل تخطّت الشيوعية حدود المذهب إلى أن أصبحت وكأنها دين أو بديل للدين، دعك من انهيار الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفييتي نفسه بعد ذلك، فلم يكن الذين يتعاملون مع الأمر الواقع في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي يبنون حساباتهم ولا تعاملاتهم على مستقبل لم يتوقّعوه بانهيار الشيوعية، لكن الروح القومية في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا ودول أخرى قادت إلى نشأة ما كان يمكن تسميته بالفاشية [الإيطالية]، والنازية [الألمانية ]....الخ، وعند هذا الحد بدأ الشيوعيون يخشون من تهديد هذه الحركات القومية القوية الممتدة والواعدة، وبدأوا يُشوّهون صورتها، وكانت أبرز هذه الوسائل هي اللجوء إلى القول بأن الفاشية والنازية لا تعرفان الديموقراطية، وكأنهم هم الذين يعرفونها، وقد حدث هذا بينما كانت الشيوعية نفسها تُؤسس في الوقت ذاته لديكتاتورية الحزب الواحد.
   
في ذلك الوقت كان المُثقف البسيط سواء في ذلك العربي أو غير العربي لا يرى فرقاً واضحاً بين الشيوعية والفاشية، لكن الشيوعيين كانوا يرون الفاشية عدوة خطيرة وشديدة العداوة للشيوعية، وهكذا عرف الوعي السياسي العربي أحاديث مُتصلة ومتكررة يتّهم فيها الشيوعيون كل ما هو ناجح في التعبئة الشعبية تحت شعار الوطن ورايته بأنه فاشي.
  
في أوربا كانت أبرز معارك الشيوعية والفاشية في إسبانيا، وتمكن الجنرال فرانكو (1892-1975) بمعونة من الفوهر هتلر والزعيم موسوليني أن يُسيطر على الأمور في إسبانيا مُقدّماً نموذجاً للقُدرة على الانتصار على الشيوعية من دون اللجوء إلى الرأسمالية أو الليبيرالية أو الديموقراطية، ومن الطريف أن الجنرال فرانكو ثبت تجربته المرحلية هذه بقراره أن يُعيد إسبانيا إلى الملكية والديموقراطية فجهز الأمير خوان كارلوس (المولود 1938 ووالد الملك الحالي فيليب السادس المولود 1968 ) ليكون ملكا لإسبانيا بعد وفاته هو، وهكذا عادت الملكية إلى إسبانيا بنهاية عهد الجنرال فرانكو مع وفاته في 1975.
  
أما في مصر التي كانت عاشت تجربة ليبيرالية مُتميّزة (1919 ـ 1952) رغم تشويه بعض أبنائها لتاريخها وإنجازاتها ومكانتها وسمعتها العالية ولما سبقتها من تجربة شبه ليبيرالية مُتميّزة (1866 ـ 1914) فإن مصطلح الفاشية عند الشيوعيين انصرف في البداية إلى وصف جماعة أحمد حسين "مصر الفتاة" ووصف حزب مصر الفتاة الذي كانت الجماعة قد تحولت إليه، ومن الطريف أن هذا الحزب (وهذه الجماعات) رفعت في بعض الأحيان شعارات إسلامية فاصطدمت بها جماعة الإخوان المسلمين ثم رفعت شعارات اشتراكية فاصطدمت بها الأحزاب الشيوعية. وهكذا يُمكن لأي باحث تاريخي أن يُفسّر الوصف الاشتراكي أو الإسلامي في بعض تصرّفات أو توجّهات مصر الفتاة على أنه كان تعبيرا عن ميول زعماء هذه الجماعة دون أن يكون لهذه التوجهات علاقة بالفاشية التي اقتدت بها هذه الجماعة في الشكل الذي اتخذته أو البرنامج الذي طرحته أو استهدفت أن تكون تقليدا لها.
  
ومع هذا فإن اليساريين المحدثين وجدوا في هذا اللفظ ما يرضي مشاعرهم في كراهية الإسلام فأخذوا يُردّدون جُملتهم الشهيرة أنهم ضد الفاشية العسكرية وضد الفاشية الدينية معا، وهم لا يُرددون هذه الجُملة إلا حين يضطرون أنفسهم لخدمة العسكر بكل خباثة والتواء، ومن ثم يعيشون تحت أقدامهم ويشكرونهم على الفُتات الذي يقذف به لهم العسكر في قليل من الأحيان بطريقة مُهينة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق