الخميس، 25 أبريل 2019

المجاهد الفذ الدكتور عباس مدني أول زعيم حقيقي في زمن العولمة




المجاهد الفذ الدكتور عباس مدني أول زعيم حقيقي في زمن العولمة


د. محمد الجوادي

رحل عن دنيانا الدكتور عباس مدني الرجل الذي لو عرف قادة عسكر الجزائر ما كان ينتظرهم من مجد الدنيا ونعيم الآخرة لو ساروا وراءه لتناوبوا خدمته آناء الليل وأطراف النهار، لكنهم غرتهم الدنيا فتناوبوا الحراسة عليه بدلا من أن يتناوبوا حراسته، فآذوا أنفسهم ووطنهم وجيشهم وشعبهم وإنسانيتهم وأجيال أبناْهم من بعدهم.
توفي الدكتور عباس مدني الذي كان أول زعيم شعبي تحدى أدائه الواثق ما عرف بعد ذلك بنظرية نهاية التاريخ ويحول محتوى هذه النظرية إلى فرضية ثبت فشلها. تركنا الدكتور عباس مدني الرجل العظيم الذي أثبت أن قطب السياسة الموجب الحقيقي في هذا الكون الجديد هو الإسلام لولا جهل أبنائه وعجز أشقائه.

لو لم يكن عباس مدني مسلما لكان اليوم عميد زعماء العالم الحر متقدما في البروتوكول على مهاتير محمد، ولكانت إفريقيا قد احتفلت به مع نيلسون مانديلا في يوم واحد
انتقل إلى رحمة ربه الدكتور عباس مدني التربوي المجتهد الذي حرر النفس المسلمة المعاصرة من الزهد الباهت المتمثل في الخوف من إغراء الدنيا، كما حرر النفس المسلمة المعاصرة من الرضا بالترفع المصطنع المؤدي إلى التفريط في أداء الواجب الديني تجاه نهر العمران البشري. فارق دنيانا الفانية الدكتور عباس مدني المجاهد الذي أضاء للإنسانية بمختلف عقائدها طريقا واسعا للتحرر الفكري الجاد الذي حان أوانه للخلاص مما استنفد غرضه ووقته من ثنائية روزفلت، ومن غطرسة شوبنهور، ومن مادية ماركس، ومن سطوة ستالين، ومن جمود بريجنيف، ومن وهم ماوتسي تونج، ومن عجرفة جونسون، ومن حجرية أنور خوجة، ومن ضلال أتاتورك، ومن تفكك جورباتشوف.

ذهب إلى دار البقاء الدكتور عباس مدني القائد الميداني الذي كان على موعد مع التاريخ في شعب عربي لا يزال يتهيب العودة للتاريخ، الزعيم الجسور الذي لمح وهج نار الحرية المقدسة فاقتبسها بيديه قبل أن تنطفئ، ولولا هذا القبس المبكر الذي اقتبسه في الوقت المثالي ما نجح من بعده الدكتور مهاتير محمد، ولا الزعيم رجب طيب أردوغان، ولا الدكتور المنصف المرزوقي، ولا الدكتور محمد مرسي رغم كل ما عانوه ولا يزالون يعانونه. نعم فقد كان هو المجاهد الفدائي الذي جعل من نفسه حجر الأساس للتجربة الشعبية الأصيلة القادمة مهما تكالب عليها المرجفون. ارتقت روح الدكتور عباس مدني السياسي الرائد الذي أشجى العالم بصوت الإسلام الجزائري قبل بداية القرن الحادي والعشرين على نحو ما أسكت هو نفسه وبيده هو نفسه الإذاعة الاستعمارية في منتصف القرن العشرين ليخلى ساحة السماع والاستماع لصوت العرب الجزائري.

لو لم يكن عباس مدني مسلما لكان اليوم عميد زعماء العالم الحر متقدما في البروتوكول على مهاتير محمد، ولكانت إفريقيا قد احتفلت به مع نيلسون مانديلا في يوم واحد، قبل أن يلقى النكران وظلم أولي القربى، ذلك أنه قدم لوطنه أكثر بكثير مما قدمه الرئيس مانديلا لكنه هو وإخوانه من الجزائريين الأبرار منذ ثورة التحرير أضاعوا حقوقهم الدنيوية بدرجات قصوى من التجرد وحب الوطن وإنكار الذات، وها هم اليوم يعرفون ويعرف خلفاؤهم وحلفاؤهم من أهل الإيمان أن التجرد الزائد عن الحد يقترب في نتيجته من التفريط في الدين، ذلك أن الثورة الجزائرية العظيمة توهجت بدماء المسلمين العابدين والفدائيين ثم ترك هؤلاء وأولئك ثمارها لليساريين الزائفين من أصحاب الهمة المنخفضة والأنفاس القصيرة الذين آثروا أن يعيشوا تحت أقدام من يتعبدون لهم من العسكر برضا الكسل والمتكاسلين، واحدا بعد الآخر بدلا من أن يقودوا حركتهم لبناء دولة الوطن الجزائري الحقيقية مهما كانت التبعات، ولو أن هؤلاء اقتدوا بثورة روسيا البلشفية أو بثورة الصين لأنجزوا لكنهم آثروا أن يكونوا كتبة وموظفين عند العسكر لسبب واحد فقط هو أنهم كانوا يحقدون على الإسلام بل ويحقدون على الاشتراكيين الحقيقيين ببعض من حقدهم على الإسلاميين.

تفتقد مجتمعاتنا الزعيم الدكتور عباس مدني بعدما ضرب أروع الأمثلة وأندرها في إنكار الذات، وفي التضحية بالنفس، وفي تحمل الأذى والظلم وقد جاد بنفسه لأنه كان يعرف أن ربائب الاستعمار يكرهون ذاتهم عن جهل برئ معتقدين بخبرة قاصرة أن كره الهوية والتنكر لها هو الذي يجلب لهم المكاسب في حين تفرض المغارم والتضحيات نفسها على كل من يؤثر سلوك الإيمان بالله والثقة بالنفس، ومع أن الطريقين كانا متاحين أمام الدكتور عباس مدني فقد آثر الهدى والرشاد ولم يعبأ بالاضطهاد، ومع أنه انخدع في بعض قادة العرب فقد تجاوز المرارة ليؤسس تطويرا مفصليا في آليات التعامل مع العسكر بعيدا عن التعاون المظهري الذي لا يتعدى أن يكون صورة من صور نفاق الآخر وظلم النفس.

ندعو الله أن يتقبل برحمته وغفرانه عبده الصالح المجاهد المحتسب الأستاذ الدكتور عباس مدني الذي كان منارة من منارات الهدى في زمن حرص على أن يتعشق الظلم والظلمات؛ والذي كان صرحا من الإخلاص والوطنية والالتزام؛ رغم ما لقيه من الجحود والتعنت والعسف والخسف، والذي كان من أبرز رجال الدولة الحقيقيين في العالم المتحضر لولا أن مرض الرمد العربي لا يزال يرفض العلاج ويستعصى عليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق