الجمعة، 12 أبريل 2019

هل تبقى جماعة ابن سلمان لو أبادت الإخوان المسلمين نهائيا؟

هل تبقى جماعة ابن سلمان لو أبادت الإخوان المسلمين نهائيا؟

د. محمد الجوادي
مفكر سياسي
أصبح في حُكم الحقيقة المُطلقة التي لا تحتملُ التأويل ولا النفي الجزئي أن جماعة ابن سلمان حريصة كلّ الحرص هي ومن تحالف معها على إبادة جماعات الإخوان المسلمين وشبيهاتها في كلّ مكان، وأصبح من المعروف والمصرح به أنّ عقيدة هذا الحلف القوي تجاه جماعات الإسلامي تتمثّلُ في أزمة وجود، فقد بات من المُؤكّد لعقولهم على يد صناع استراتيجيتهم أن وجود جماعات كالإخوان هو ما يُهدّدُ وجودهم ويُضعف قدرتهم على الاستمرار في حالة الوجود التي يستمتعون بها.
    
هنا ينبغي على كل دارس للعلوم السياسية أن يمتد ببصره لنهاية الطريق ليتأمل نهاية مسلسل سياسات جماعة ابن سلمان الراهنة بعيدا عن التفصيلات المثيرة وغير المتوقعة في الأحداث المتلاحقة، وبعيداً عن الانزلاق في مُناقشة صواب مثل هذه الفكرة أو عدم صوابها أقصد فكرة تهديد الإخوان لوجود جماعة ابن سلمان، وبعيداً عن الحديث عن صُعوبة قبول نجاح معطيات الفكرة المغلوطة على أرض الواقع في ظل انتعاش ترسانات الأسلحة والعلاقات الدولية التي يملكها الحلف السعودي الإماراتي ويستطيع تنمينها من خلال الملاءة المالية المعبرة عن حالة الثراء المفرط والنفوذ المرتبط بتوظيف الاستثمارات والمشتريات وهو ما يُساعد هذا الحلف الوليد على توريط أطراف دولية مُؤثرة من مُنتجي السلاح والراغبين في بيعه.
  
ماذا يبقى لابن سلمان إذا ما قضى على هذا كلّه؟ هل يبقى له مُلك يتمدّدُ فيشملُ ما يخطط له من ضم إمارات الخليج العربي جميعاً مع اليمن والأردن في مملكة كبيرة أكثر اتساعا من مملكة جده
بعيداً عن هذا كلّه وبعيداً عن التورّط الدولي أو التواطؤ الدولي الذي أصبح يُعلنُ عن نفسه بمواربة مقصودة أو بلا مواربة حين يفتقد الحاجة الديبلوماسية إلى المُواربة.. وبعيداً عن الخُطوات الأخيرة المُتصاعدة التي تورّطت فيها جماعة ابن سلمان وحلفاؤها على أرض اليمن وفي ليبيا وعلى ما هي قادمة عليه أو مُتعجلة له في الجزائر، وما هي تواقة أو مشوقة إلى تحقيق درجات ما من التواطؤ الصريح فيه ضد المسلمين العُزّل في مالي وماينمار ونيجيريا والصومال وإفريقيا الوسطى وتركستان ثم كشمير فضلا عن الآمال المُتجدّدة التي تراود هذا الحلف من أجل أي نجاح ذي قيمة في تحقيق قلقلة كبيرة أو قلاقل متعددة في تركيا وماليزيا وباكستان.
  
إذا أردنا التفكير في النهايات فإننا نسأل أنفسنا: هل يُمكن بعد هذه الصور المتعددة من التدحرج المتتابع في الشام والتزحلق المنفلت في ليبيا والانغماس المستغرق في اليمن أن نتأمل العالم الإسلامي وقد أصبح علمانيا تماماً، وقد أصبحت دبي على سبيل المثال عاصمته المُمثلة للقيم العالية المُبتغاة والمُرتجاة حيث تتعدى "صناعة الحب" نطاق الإباحة إلى التصنيع والتجارة، وحيث ينشط غسيل الأموال على قدم وساق، وحيث اللغة السائدة هي الإنجليزية وليست العربية أو غيرها من اللغات القومية، وحيث القيم السائدة هي القيم الغربية الطرفية بكل ما فيها من تجاوزات لم يُوافق عليها كثير من الغربيين أنفسهم من قبيل إباحة الإجهاض، وتقنين المثلية، وزراعة التبني، وتفكّك الأسرة، وإخفاء التديّن، ونفي الدين، وتحبيذ الإلحاد، وإعدام العلماء، وهدم المساجد، وإباحة الزنا، وتطبيع الفجور، وعشق الخمور، وتشجيع القمار.. الخ ونحن نمضي مع هذا الخط لنهايته على نحو ما نتعامل في فرضياتنا العلمية حين نُجرّب عقارا جديداً في التجارب المعملية ثم الاكلينيكية ونرى آثاره الممتدة على المدى البعيد.
  
دعونا إذاً نتصور العالم في 2030 على سبيل المثال وقد تحقّق لجماعة ابن سلمان كل ما يحلمون به من تجفيف الإسلام تماماً وتوهّج العلمانية بمفهومها الكلي النظري الذي لم يتحقّق تماما حتى الآن في أوربا، وقد حولوا الإخوان المسلمون وأشباههم من جماعات الإسلام السياسي إلى طراز من الأحياء المُنقرضة مثل الديناصورات التي نقرأُ عنها في المراجع البيولوجية ونُشاهد آثارها في المتاحف البيولوجية دون أن نزعم أننا رأيناها أو أننا مُتأكدين من انها عاشت على نحو ما نتصور.
  
دعونا نتصور أن ابن سلمان وحليفه المهم في أبو ظبي وحلفاءه الموسميين في واشنطن (فليس في واشنطن دوام) وحلفاءه المُتمترسين في تل أبيب (فليس أمام تل أبيب إلا التمترُس مهما زعمت أنها نجحت في التطبيع ) دعونا نتصور هؤلاء جميعاً شربوا نخب الانتصار الحاسم والبات على الإسلام السياسي وعلى الإخوان وعلى كلّ فكر يتصّل بالأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال وحسن البنا وبن باديس والإبراهيمي والمودودي وسيد قطب وسعيد النورسي وأربكان والغنوشي والترابي وما إلى هؤلاء جميعاً الذين تتحوّلُ أسماؤهم الآن إلى أيقونات مستحقة لضروب من التعذيب والتحقير والنفي والإعدام.
  
الإخوان وأمثالهم فكرة لا تموت بموت جيل، أما هؤلاء الذين يظنون أنفسهم قادرين على الإبادة فإنهم هم انفُسهم القابلون للإبادة إذا ما تمادوا في إبادة أهل دينهم
ماذا يبقى لابن سلمان إذا ما قضى على هذا كلّه؟ هل يبقى له مُلك يتمدّدُ فيشملُ ما يخطط له من ضم إمارات الخليج العربي جميعاً مع اليمن والأردن في مملكة كبيرة أكثر اتساعا من مملكة جده، وهل تبقى له ثروة ضخمة تتضاءل أمامها ثروات العالم لأنها ثروة موارد غير محدودة وغير ناضبة؟ بل أصبحت بفضل الحروب أعلى ثمناً وأكثر دخلاً؟
  
للأسف الشديد فإن الإجابة التاريخية تختلف عن الإجابة المنطقية، ذلك أن الإجابة التاريخية تطرحُ علينا مُباشرة تفصيلات نموذج حالة الأمير عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس الذي حارب كلّ المُسلمين، وحالف غلاة المسيحيين لينصروه على كلّ المُسلمين فلمّا انتهى من حرب آخر مملكة إسلامية وانتصر عليها بمعونة المسيحيين قال له هؤلاء المُتعصّبون صراحة إنّ دوره هو الآخر قد جاء، وإنه لم يعد لوجوده مُبرّر وإن عليه أن يًسلّم المدينة التي بقيت له، وأن يُسلّم الثروات الباقية معه، وأن عليه أن يخرُج ذليلا مدحوراً في موكب إذلال يحتفلون فيه بانتصارهم عليه كآخر حاكم مسلم، ويكررون الاحتفال حتي الآن.
  
لم يكُن عبد الله الصغير قد حسب حساب ذلك اليوم بل كان يظُنّ أن خلاصه من الحُكام المسلمين المُجاورين له سيجعله الحاكم المسلم الوحيد (في الأندلس) فإذا به يُصبح الحاكم المسلم الأخير في الأندلس ولم يكن يُدرك أنه يجني ما حفرته يداه. كانت قيمة عبد الله الصغير منبعثة من وجوده مع مسلمين أقوياء قد يُصالحهم وقد يُهادنهم وقد ينازعهم لكنهم يظلّون له ذخراً وسنداً ومصدر حياة فأراد بقصر نظره أن يقضي عليهم لا أن يُضعفهم فحسب، ووجد استعداداً من عدوّه التقليدي ليُعينه عليهم فتواطأ وهو سعيد بالغدر وبقتل المسلمين وهو لا يدري أنه يقضي على نفسه.

نعرف أن الفهم المنطقي عند أي موظف بيروقراطي بسيط في أدنى درجات السلم الوظيفي في أيّة مصلحة في أيّ بلد في العالم هو أنه إذا كانت وظيفته هي مقاومة الرياح والعواصف فإنه سوف يفقدُ وظيفته إذا انتهت الرياح والعواصف.. وهكذا يُمكن لنا أن نهمس في أذن ابن سلمان بأن الغرب يُريده مُهدّداً للإخوان المسلمين (وجماعات الإسلام السياسي) ومُضعفا لهم وشاغلا لهم ومُبدّداً لبعض طاقاتهم، وذلك من أجل تأمين وجود إسرائيل كقاعدة غربية مستمرة قرب منابع البترول فإذا تحمّس هو وابن زايد إلى حد إبادة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في كل مكان على نحو ما يفعلون في مصر وليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا وسوريا واليمن والعراق فإنهم يشنقون أنفسهم وهم يظنون أنهم يشنقون الإخوان.. ذلك أن الإخوان وأمثالهم فكرة لا تموت بموت جيل، أما هؤلاء الذين يظنون أنفسهم قادرين على الإبادة فإنهم هم انفُسهم القابلون للإبادة إذا ما تمادوا في إبادة أهل دينهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق