السبت، 13 أبريل 2019

وظيفة العلماء في تثتيت الأمراء.. نموذج تاريخي

وظيفة العلماء في تثتيت الأمراء.. نموذج تاريخي

للعلماء دور مهم للغاية في تثبيت الأمراء وحثهم على الجهاد وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر والنصح لهم


د: محمد موسى الشريف

     أسوق إليكم نصًا جليًّا متميزًا جرى الحديث فيه بين القاضي الفاضل وزير صلاح الدين وبين صلاح الدين الأيوبي رحمة الله عليهما، وهو يوضح بجلاء مهمة العلماء في تثبيت المجاهدين وولاة الأمور.
    ومناسبة هذا النص أن صلاح الدين -رحمه الله تعالى- كان قد اشتكى لوزيره القاضي الفاضل تباطؤ نجدة سائر الأمراء له، وأنه يكاد ينفرد بالقيام بجهاد الكفار الصليبيين، وكان صلاح الدين على أسوار عكا مرابطًا، وكان وزيره القاضي الفاضل في مصر مساعدًا لابن صلاح الدين الوالي عليها، فتأمل -أخي القارئ- عظمة هذا النص وجمال معانيه.
    قال القاضي رحمه الله تعالى: (ولا شبهة أن مولانا -عز نصره- في أشغال شاغلة، وأمور متشددة، وقضايا غير واحدة ولا متعددة، ولكن قد ابتلي الناس فصبروا، وأضجرتهم الأيام فما ضَجِروا، وأي عبادة أعظم من عبادته التي قام بها والناس عنها قعود، وصبر في طلب جنتها على ناري الحرب والوقت ذواتي الوقود. غير أن مولانا إذا ذكر نصيبه من الإقدام، فلا ينسى نصيبه من الحزم، ولا يعجل بالأمور الخطيرة، ولا يُقدم بالعدد القليل على العدة الكثيرة؛ فالمولى إذا أقبل كان واحدًا وإذا أدبر كان مُقَوَّمًا بجميع الخلق ولا يطمع بأن يقوّم به الألف، ولا يكره المولى أن تطول مدة الابتلاء بهذا العدو فثوابه يطول، وحسناته تزيد، وأثره في الإسلام يبقى، وفتوحاته -بمشيئة الله- يعظم موقعها والعاقبة للتقوى، ولينصرن الله من ينصره، والله تعالى يشكر لمولانا جهاده بيده وبرأيه، وبولده وبخاصته، وبعامة جنده).
    ومن كتاب آخر: (إنما أُتينا من قِبَل أنفسنا، ولو صدقناه لعجل لنا عواقب صدقنا، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدوِّنا، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به، فلا يستخصم أحد إلا عمله، ولا يلم إلا نفسه، ولا يرج إلا ربه، ولا تنتظر العساكر أن تكثر، ولا الأموال أن تحضر، ولا فلان الذي يُعتقد عليه أن يقاتل، ولا فلان الذي ينتظر أنه يسير، فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها، ولا نأمن أن يكلنا الله إليها، والنصر به واللطف منه، والعادة الجميلة له، ونستغفر الله سبحانه من ذنوبنا، فلولا أنها مَسَدُّ طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل، وفيض دموع الخاشعين قد غسل، ولكن في الطريق عائق، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق.
    والآراء تختلف بحضرتك، والمشورات تتنوع بمجلسك، فقائل: لمَ لا نتباعد عن المنزلة، وآخر: لم لا نميل إلى المصالحة، ومتندم على فائت ما كان فيه حظ، ومشير بمستقبل ما يلوح فيه رشد، ومشير بالتخلي عن عكا، وما كأنها طليعة الجيش ولا خَرَزة السلك إن وهت تداعى السلك، فألهمك الله قتل الكافر، وخلاف المخذّل، والتجلد وتحت قدمك الجمر، وأفرشك الطمأنينة وتحت جنبك الوعر.
    لا شبهة أن المملوك قد أطال، ولكن قد اتسع المجال، وما مراده إلا أن يشكر الله على ما اختاره له ويسره عليه، وحببه إليه، فرُبَّ ممتحنٍ بنعمة، ورب منعَم عليه بمشقة، وكم مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من بلوى هي دواؤه، ويريد المملوك بهذا أن لايتغير لمولانا -أبقاه الله- وجه عن بشاشة، ولا صدر عن سَعة، ولا لسان عن حسنة، ولا تُرى منه ضجرة، ولا تُسمع منه نهره؛ فالشدة تذهب ويبقى ذكرها، والأزمة تنفرج ويبقى أجرها، وكما لم يُحدث استمرار النعم لمولانا -عز نصره- بطرًا فلا تُحدث له ساعات الامتحان ضجرًا.
    والمملوك بأن يسمع أن مولانا -عز نصره- على ما يعهده من سعة صدر أسرُّ منه بما يسمعه من بشائر نصره، ويا ليتني كنت معهم، وماذا كانت تصنع الأيام إما شيبًا من مشاهدة الحروب، فقد شبنا والله من سماع الأخبار، أو غُرمًا يمكن خُلفه من الوفر، فقد غرمنا والله في بُعد مولانا ما لا خُلف له من العمر، أو مرض جسم فخيره ما كان الطبيب حاضره، ولقد مرضنا أشد المرض لفراقه غير أن التجلد ساتره).
    كنت قد سقت في الحلقة الماضية نصًّا ثمينًا لمكاتبة جرت بين صلاح الدين المقيم في عكا مرابطًا ووزيره القاضي المقيم في مصر، وكان الحديث بينهما قد جرى بمناسبة تألم صلاح الدين من تباطؤ نصرة سائر الأمراء له.
    وها أنذا أسوق نصًّا آخر مكملاً لذلك النص الأول، حيث يقول القاضي الفاضل:
    (يا مولانا، أليس الله تعالى اطلع على قلوب أهل الأرض فلم يؤهّل ولم يستصلح ولم يختر ولم يُسهل ولم يستعمل ولم يستخدم في إقامة دينه وإعلاء كلمته وتمهيد سلطانه وحماية شعاره وحفظ قبلة موحديه إلا أنت، هذا وفي الأرض من هو للنبوة قرابة، ومَن له المملكة وراثة، ومن له في المال كثرة، ومن له في العدد ثروة، فأقعدهم وأقامك، وكسَّلهم ونشَّطك، وقبضهم وبسطك، وحبب الدنيا إليهم وبغَّضها إليك، وصعّبها عليهم وهونها عليك، وأمسك أيديهم وأطلق يدك، وأغمد سيوفهم وجرّد سيفك، وأشقاهم وأنعم عليك، وثبطهم وسيرك: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ[التوبة: 46].
    نعم وأخرى أهم من الأولى أنه لما اجتمعت كلمة الكفر من أقطار الأرض وأطراف الدنيا ما تأخر منهم متأخر، ولا استبعد المسافة بينك وبينهم مستبعد، وخرجوا من ذات أنفسهم الخبيثة، لا أموال تنفق فيهم، ولا ملوك تحكم عليهم، ولا عصا تسوقهم، ولا سيف يزعجهم، مُهطعين إلى الداعي، ساعين في أثر الساعي، وهم من كل حَدَب ينسلون، ومن كل بر وبحر يقبلون، كنت يا مولانا -كما قيل- أبقاك الله:
    ولست بملك هـازم لنظيره ** ولكنك الإسلام للشرك هازم

    هذا وليس لك من المسلمين كافة مساعدة إلا بدعوة، ولا مجاهد معك إلا بلسانه، ولا خارج معك إلا بهمٍّ، ولا خارج بين يديك إلا بالأجرة، ولا قانع منك إلا بزيادة، تشتري منهم الخطوات شبرًا بذراع، وذراعًا بباع، تدعوهم إلى الله وكأنما تدعوهم إلى نفسك، وتسألهم الفريضة كأنك تكلفهم النافلة، وتعرض عليهم الجنة وكأنك تريد أن تستأثر بها دونهم).
    ومن كتاب آخر: (وعسكرنا لا يشكو -والحمد لله- منه خورًا، وإنما يشكو منه ضجرًا، والقوى البشرية لا بد أن يكون لها حدّ، والأقدار الإلهية لها قصد، وكل ذي قصد خادم قصدها، وواقف عند حدها، وإنما ذكر المملوك هذا ليرفع المولى من خاطره مقت المتقاعس من رجاله، كما يثبت فيه شكر المسارع من أبطاله، قال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}[آل عمران: 159]).
    أختم لك -أخي القارئ- النقل عن القاضي الفاضل الذي ثبّت به صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- تعالى يوم أن تباعدت بهم الديار، فالقاضي الفاضل بمصر، وذاك مرابط على أسوار عكا رحمهما الله تعالى، وتمام النص هذا يفهم منه كيف كانت راية الجهاد صافية ومفاهيمه واضحة ظاهرة متوافقة مع أحكام الشرع المطهر، فكان مما قاله له:
    (ولا بد أن تُنفذ مشيئة الله في خلقه، لا رادَّ لحكمه، فلا يتسخط مولانا بشيء من قدره، فلأن يجري القضاء وهو راضٍ مأجور خير من أن يجري وهو ساخط موزور، من شكا بثَّه وحزنه إلى الله، شكا إلى مشتكى واستغاث بقادر، ومن دعا ربه خفيًّا استجاب له استجابة ظاهرة. فلتكن شكوى مولانا إلى الله خفية عنا، ولا يقطع الظهور التي لا تشد إلا به، ولا يُضيّق صدورًا لا تنفرج إلا منه، وما شرد الكرى، وأطال على الأفكار ليل السُّرى إلا ضائقة القوت بعكا، ولم يبق إلا ضعف نعم المعين عليه ترويح النفس وإعفاؤها من الفكر، فقد علم مولانا بالمباشرة أنه لا يُدبر الدهر إلا برب الدهر، ولا ينفذ الأمر إلا بصاحب الأمر، وأنه لا يقلُّ الهم إن كثر الفكر.

    قد قلت للرجل المقسَّم أمرُه ** فوض إليه تنم قريـر العيـن

    وكل مقترح يجاب إليه إلا ثغرًا يصير نصرانيًّا بعد أن أسلم، أو بلدًا يخرس فيه المنبر بعد أن تكلم. يا مولانا، هذه الليالي التي رابطت فيها والناس كارهون، وسهرت فيها والعيون هاجعة، وهذه الأيام التي ينادي فيها: يا خيل الله اركبي، وهذه الساعات التي تزرع الشيب في الرءوس، هي نعمة الله عليك، وغراسك في الجنة: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا}[آل عمران: 30]. وهي مُجَوِّزاتك على الصراط، وهي مثقلات الميزان، وهي درجات الرضوان، فاشكر الله عليها كما تشكره على الفتوحات الجليلة، واعلم أن مثوبة الصبر فوق مثوبة الشكر.
    من ربط جأش أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t قوله: (لو كان الصبر والشكر بعيرين، ما باليت أيهما ركبت). وبهذه العزائم سبقونا وتركونا لا نطمع في اللحاق بالغبار، وامتدت خطاهم ونعوذ بالله من العثار، ما استعمل الله في القيام بالحق إلا خير الخلق، وقد عرف ما جرى في سير الأولين، وفي أنباء النبيين، وأن الله تعالى حرّض نبيه r على أن يهتدي بهداهم، ويسلك سبيلهم، ويقتدي بأولي العزم منهم.
    وما ابتلى الله سبحانه من عباده إلا مَن يعلم أنه يصبر، وأمور الدنيا ينسخ بعضها بعضًا، وكأنَّ ما قد كان لم يكن، ويذهب التعب ويبقى الأجر، وإنما يقظات العين كالحلم، وأهم الوصايا أن لا يحمل المولى همًّا يضعف جسمه، ويضر مزاجه، والأمَّة بنيان وهو -أبقاه الله تعالى- قاعدته، والله يثبت تلك القاعدة القائمة في نصرة الحق.
    ومما يستحسن من وصايا الفرس: (إن نزل بك ما فيه حيلة فلا تعجز، وإن نزل بك ما ليس لك فيه حيلة -والعياذ بالله- فلا تجزع). ورُبَّ واقعٍ في أمر لو اشتغل عن حمل الهم به بالتدبير فيه مع مقدور الله، لانصرف همه، وما تشاءون إلا أن يشاء الله.
    هذا سلطان هو -بحول الله- أوثق منه بسلطانه، قاتلت الملوك بطمعها وقاتل هذا بإيمانه، وإذا نظر الله إلى قلب مولانا لم يجد فيه ثقة بغيره، ولا تعويلاً على قوة إلا على قوته، فهنالك الفرج ميعاده، واللطف ميقاته، فلا يقنط من روح الله، ولا يقل متى نصر الله، وليصبر فإنما خُلق للصبر، بل ليشكر؛ فالشكر في موضع الصبر أعلى درجات الشكر، وليقل لمن ابتلَى: أنت المعافي، وليرض عن الله سبحانه؛ فإن الراضي عن الله هو المسلم الراضي).
    وكتب السلطان إلى القاضي الفاضل كتابًا من بلاد الفرنج يخبره عمّا لاح له من أمارات النصر ويقول: (ما أخاف إلا من ذنوبنا أن يأخذنا الله بها).
    فكتب إليه الفاضل: (فأما قول المولى: إننا نخاف أن نؤخذ بذنوبنا، فالذنوب كانت مثبتة قبل هذا المقام وفيه محيت، والآثام كانت مكتوبة ثم عفي عنها بهذه الساعات وعَفيت، فيكفي مستغفرًا لسان السيف الأحمر في الجهاد، ويكفي قارعًا لأبواب الجنة صوت مقارعة الأضداد، ولعَين الله موقفك، وفي سبيل الله مقامك ومنصرفك، وطوبى لقدمٍ سعت في منهاجك، وطوبى لنفس بين يديك قَتلت وقُتلت، وإن الخواطر تشكر الله فيك وعن شكرها لك قد شُغلت).

    د. محمد موسى الشريف
2010/4/7
المصدر: موقع التاريخ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق