الأحد، 14 أبريل 2019

الرئيس البشير وثلاثون عاماً من مجاملة أمريكا بلا مقابل

الرئيس البشير وثلاثون عاماً من مجاملة أمريكا بلا مقابل



د. محمد الجوادي
مفكر سياسي


كان الرئيس عمر البشير سياسياً مخضرما وكان من أبرز القادرين على المواءمة التي تتصاعد حتى تصل إلى درجة الارتحال بالمواقف، وكان حريصاً على توازن نفسي وسياسي من نوع مُعجز، وبفضل هاتين القُدرتين فإنه استطاع أن يُحقّق كثيراً من النجاح الذي مكّنه من البقاء في مقعد الصدارة ثلاثين عاماً لم تُتح لأيّ رئيس سوداني قبله بما في ذلك الرئيس القوي جعفر النميري الذي لم يدُم عهده إلا 16 عاماً واجه فيها من المصاعب ما يُعتبرُ هيّناً بالمُقارنة مع المصاعب التي واجهت الرئيس البشير الذي صادف ما يمكن وصفه بلا مبالغة بأنه نطاقات متوالية من التحدّيات الدولية والإقليمية المفروضة بقسوة غير معهودة مع الرؤساء الأفارقة.
   
ومع أن إحالته للمحكمة الجنائية الدولية تبدو في نظر المُتابعين وكأنها أصعب المواقف التي قابلته فإن الدارس للتاريخ يُدرك أنه واجه ما هو أكثر من هذا صعوبة في لحظات حاسمة لم تكن توفر له ما توفره له الإحالة إلى محكمة من فرص وذلك بما تتيحه فكرة الإحالة من الوقت والإعداد والمُساومات، ومن الحق أن نُشير إلى أن الرئيس البشير أفاد أمريكا بما لم يُفدها به نظراؤه، وأنه لا يفوقه إلا الرئيس جمال عبد الناصر الذي حقّق لأمريكا كثيراً من أهدافها (سواء في ذلك عن معرفة واعية وبتقاطع في المصالح أو بغير هذه المعرفة الواعية وبغير التقاطع في المصالح) وباستثناء الرئيس عبد الناصر فإن أحداً من الزعماء العرب والأفارقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يُحقّق للولايات المتحدة الأمريكية ما حقّقه الرئيس البشير.

المجاملة الثالثة التي قدمها الرئيس البشير للولايات المتحدة الأمريكية متمثلة في سعيه الدؤوب وغير الواعي إلى فصل دارفور من خلال معارك كانت كفيلة بدفع أهل دارفور إلى الانفصال
وعلى طريقة البسطاء في فهم الحقائق الاستراتيجية فإن الرئيس عبد الناصر أسعد أمريكا بقسمة مصر والسودان وبعد 45 عاما أسعدها الرئيس البشير بقسمة السودان نفسه، ولم يكن للقرارين هدف حقيقي إلا الحرب على الإسلام التي انتهت بتجزئة أكبر وأهم دولة إسلامية وجدت منذ إلغاء الخلافة الإسلامية، وذلك على الرغم من أن كلا منهما لم يكن ينتوي هذا، ولم يكن أحدهما يتصوّرُ أن يكون هو نفسه الشخص الذي سيستجيب لهذه الضغوط الأمريكية.

ومع أن موقف الرئيس البشير النبيل والأصيل من الذين لجأوا إليه من الجماعات المضطهدة في البلاد العربية والإفريقية يُعد موقفاً مُشرّفاً وشجاعاً وفريداً، ومع أن هذا الموقف لا يزال يُذكر فيُشكر فإن مواقفه الأخرى التي ساند بها السياسات الأمريكية كانت أكثر إفادة للأمريكيين بأكثر مما كانت سياساته النبيلة مُفيدة للمُضطهدين، وحين يكتب تاريخ الصراع الأمريكي منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 وحتى الآن فإن اسم المشير عمر البشير يأتي بحق في أول قائمة المُتفضّلين بسخاء على الولايات المتحدة الأمريكية وأمنها القومي على نحو ما تتصوره إدارتها، بل إنه يتصدّرُ هذه القائمة بلا جدال. وأظن أن هذا لا يحتاج إلى كثير من الإثبات أو التحليل فحقائقه ذائعة بفضل الاهتمام الإعلامي المُكثّف، كما أن تطوراته معروفة وكفيلة بنسبة كل فعل مؤثر إلى صاحبه.

ومع أن فضل البشير في فصل جنوب السودان يسبق في خطورته وأهميته موقفه المساند للعمليات الأمريكية المواجهة للإسلام السياسي، فإن اجتماع الموقفين في رصيد زعيم واحد يمثل موقفا معجزا ونادرا فما بالنا بأن الرئيس البشير لم يكتف بهذين العطاءين وأن الأمريكيين لم يكتفوا بهذين الاستنزافين.
  
وإذ جاز لي أن الخص حجم المجاملة التي قدمها الرئيس البشير للأمريكيين فيكفيني أن أقول إنه كان قادراً على أن يحصل على نوبل للسلام قبل أن يوقع الاتفاق النهائي لفصل الجنوب وتحقيق هذه الأمنية الأمريكية الغالية، وهي أمنية يبلُغُ عمرها أكثر من مائة عام بالتمام والكمال، لكن الرئيس البشير لم يكن حتى نهاية عهده قد أجاد مهارات المساومات الدولية حين وافق من باب المجاملة غير المقومة بما تستحقه من المكافأة الأدبية والمادية معاً.
   
تأتي المجاملة الثالثة التي قدمها الرئيس البشير للولايات المتحدة الأمريكية متمثلة في سعيه الدؤوب وغير الواعي إلى فصل دارفور من خلال معارك كانت كفيلة بدفع أهل دارفور إلى الانفصال، ومن العجيب الذي يفهمه الساسة بسهولة (ولا يتصوره العقل المنطقي إلا بصعوبة) أن العقوبات الدولية فُرضت على البشير لأنه تهاون في الإجرام في حق دارفور، ولو أنه كان قد وصل بالإجرام إلى حدود ستالين لكن قد صُوّر بطلاً، ومُنح التقدير الدولي المتضاعف والدعم المعنوي والديون، لكنه التزم بحدود، ولهذا كان لا بد أن يُعاقب، وكان عقابه أن يُصوّر على أنه مجرم مع أنه كان مطلوباً منه أن يكون مُجرماً إلى أقصى حد. ومرة أخرى فإني واثق أن الذين يقرأون هذا الملف جيداً سيُدركون هذه الحقيقة أما الذين يستسهلون تصديق الصور المُعلّبة فإنهم سوف يتعجبون فحسب.
  
كانت المجاملة قبل الأخيرة التي قدّمها الرئيس البشير هي زيارته للرئيس بشار، وكانت مُجاملة قاتلة، حيث تطوع ببطولة الاستطلاع المُبكرة لكنه كان سيء الحظ بصورة لم يتصورها في أفظع كوابيسه
المجاملة الرابعة التي قدمها الرئيس البشير لأمريكا كانت سعيه المُكثف من أجل الاعتراف الإفريقي بالانقلاب العسكري في مصر، على الرغم من قرار الإتحاد الإفريقي المُبكر والواضح باستنكار الانقلاب وعدم الاعتراف به، وكان الأوروبيون هم أول من صرحوا بأن الأمريكيين يُلحّون عليهم في أن يُلحوا على الأفارقة من أجل إلغاء قرارهم بعدم الاعتراف بالانقلاب بما يعني الاعتراف به، وكان الأوروبيون أيضاً هم من صرّحوا للمصريين بأن كل جهودهم لقيت الفتور والرفض من الإتحاد الإفريقي إلى أن تدخّل البشير بكل ثقله باعتباره الجار اللصيق لمصر بل باعتباره هو نفسه كان مصرياً حين الولادة فلم يكن السودان قد انفصل بعد (على نحو ما حدث في أول يناير 1956 بعد مولده).

ومع أن الرئيس البشير كان قد تلقى وعداً صريحاً بأن المقابل لهذا الجهد هو أن يُرفع اسمه من قائمة العقوبات الدولية فإن ما حدث لم يكن هو تنفيذ الوعد وإنما كان البدء بتخفيف بعض إجراءات المقاطعة، وهكذا وجد نفسه أمام وعد لم يتحقّق بعد أن كان هو قد وفّى بما كان مطلوباً منه، ولو أنه كان اشترط أن ينال المقابل قبل ان يبذل الجهد لكانت العقوبات قد رُفعت في أقل من 24 ساعة، لكنه فقد ما يستحق ممّا كان قد وُعد به، وبدلا من أن يكون حاصلا على نوبل في السلام فإنه بقي مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية.. وكان الفارق السببي بين الحالتين هو نفسه الفارق بين القدرة على التفاوض والمساومة وبين غياب هذه القدرة.

كانت المجاملة قبل الأخيرة التي قدّمها الرئيس البشير هي زيارته للرئيس بشار، وكانت مُجاملة قاتلة، حيث تطوع ببطولة الاستطلاع المُبكرة لكنه كان سيء الحظ بصورة لم يتصورها في أفظع كوابيسه، فقد وجد نفسه أمام إعصار من الرفض الذي لم يكن مُتوقعاً على هذا النحو، وإذا به يتحمّلُ وحده نتيجة هذه الزيارة التي قام بها بالنيابة عن أقرانه الذين ترجّوْهُ في القيام بها، وبالنيابة عمّن يدعمُ بشار في المقام الأول وهو الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم بقاءه واستقراره من أجل بقاء وازدهار إسرائيل.

أما المجاملة الأخيرة التي قدّمها فكانت معالجته "الصامتة عن أمريكيً" للمظاهرات التي أنهت عهده، ومع أن الفرصة كانت مُتاحة أمامه ليتحصّل على حقوقه القديمة والجديدة مرة واحدة إذا واجه أمريكا بأدلته فإنه ظن أن السلوك المُهذب أقوم سبيلا، ومع أنه كان قادراً بخطابته وعصاه وإقناعه وجدله على أن يُسوّق وتاريخه على حساب سُمعة سياسات الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في لحظة تدنّي هذه السُمعة فإنه فيما يبدو لم يدرُس تاريخ الرئيس عبد الناصر العسكري والسياسي بالدرجة الكافية لسياسي مثله، ولو لأنه فعل لحفر لنفسه مكاناً في سجل المقاومين أو المُمانعين. ولو أنه تأمل فيما حصُل عليه من هم في مقام تلاميذه من دعم وقروض وتمجيد وحماية وتلميع لعرف انه جامل كثيراً بلا مقابل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق