الأحد، 21 أبريل 2019

على مشارف التيه!

تحولاتي الفكرية الأخيرة.. على مشارف التيه!
 علي فريد
 التاريخ: الأربعاء ٢٤ أغسطس ٢٠١٦
حسناً أيها السادة.. 
نحن الآن على مشارف التيه..
مشارف الخروج منه.. وليس الدخول فيه!!
ها نحن ننفض عن أجسادنا غبار ترابه..
وعن نفوسنا ظلامَ دهاليزه..
وعن أرواحنا علائقَ دروبه..
وعلى مرمى البصر.. يلوحُ _ كالسراب _ (مغتسلٌ باردٌ وشراب). 
وثبةٌ أو وثبتان.. وينتهي الأمر!! 

لقد كان تيهاً طويلاً مظلماً..
ألقانا فيه نابليون منذ ما يزيد على مائتي سنة.. وأخرجنا منه السيسي منذ ثمانية أشهر!!
أغوانا نابليون فأكلنا من الشجرة.. فلما هبطنا إلى الأرض فتح لنا (صندوق باندورا) فانهالت كلُ شرور العالم علينا: الليبرالية، العلمانية، القومية، الوطنية، الماركسية، الاشتراكية، الديمقراطية!!
كان وحلاً متلاطماً.. وكنا نظنه جنات عدن.. وكلما صرخ فينا (موسى) وأخذ برؤوسنا يجرها إليه ليدخلنا الأرض المقدسة.. تفلتنا من يديه وآذيناه.. حتى مات موسى وألفُ موسى غماً وحزناً!!
وفي رابعة _ حين أيقظنا الرصاص _ علمنا أن الله بَرَأ موسى مما قلنا فيه، وأن موسى كان يجر رؤوسنا إليه ليحفظها من رصاص السيسي!!

علمنا: 
أننا لسنا " أبناء الله وأحباؤه "، وأن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته، وأن الجبل الذي آوينا إليه لم يعصمنا من الماء، وأن الأمر " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجز به ".
علمنا: 
أن الديمقراطية ليست الركن السادس من أركان الإسلام، وأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليس الجزء الحادي والثلاثين من المصحف، وأن الذي قال:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" لم يكن يقصد بالخلفاء الراشدين: جان جاك روسو، وجون لوك، وفولتير!! 
علمنا:
أنه _ صلى الله عليه وسلم _ بُعث بالسيف بين يدي الساعة، وأن آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: شدة في غير عنف ولين في غير ضعف، وأن وضع الندى في موضع السيف بالعلا مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى، وأننا أوتينا مُلكاً فلم نحسن سياسته وكلُ من لا يسوس الملك يخلعه!!
علمنا: 
أن حصوننا مهددة من داخلها، وأن السامري لم يكن شخصاً بل حالة، وأن لوط عليه السلام كانت تنام في فراشه حية تسعى، وأن الخندق الذي حفرناه حول المدينة ليحمي صدورنا من سيوف الأحزاب لم يحم ظهورنا من خناجر بني قريظة، وأن سليل بيت النبوة قد يصبح في _ وقت ما _ ألعوبةً في يد لورنس العرب!!
علمنا: 
أن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة، وأن شهود بدر لم يعصم حاطب بن أبي بلتعة من الزلل، وأن الصلاة على ابن سلول _ لتطييب خاطر ولده _ لم تُقبل، وأننا كنا مسوخاً حين رضينا أن نعبد ربهم سنة ليعبدوا ربنا سنة، وأن عمرو خالد وأمثاله لا يصلحون لتدريس (باب الجهاد)!!
علمنا: 
أن (حديبةً) دون وحي (أحدٌ) كاملة، وأن ثورة دون دم حملٌ كاذب، وأنه لا اجتهاد مع النص، ولا خِيَرة لنا فيما قضى الله ورسوله، وأن الثورات تسقط حين تُحاكم إلى القوانين التي ثارت عليها، وأن المبادئ التي يتنازل أصحابها عن بعضها _ بدعوى التدرج _ تصبح كالسيدة الفاضلة التي يغتصبها أبناؤها بدعوى الحفاظ عليها!!
علمنا: 
أن سيد قطب لم يكن مجنوناً حين كان يصرخ في الشوارع: الدواء فيه سم قاتل، وأن حازم صلاح أبو إسماعيل لم يكن مريضاً بالوهم حين حَذَر من الذئاب والثعالب، وأن المُلا عمر لم يكن مثالياً حالماً حين أضاع ملكه برفضه تسليم مسلم لكافر، وأن ابن لادن لم يكن إرهابياً حين حمل معوله ليهدم قبور بيرسي كوكس وسايكس وبيكو التي عُبدت في جزيرة العرب من دون الله بعد موت محمد بن عبدالوهاب، وأن الغترة البيضاء والثوب الأبيض واللحية الطويلة لا يصنعون سلفياً محترماً، وأن المفتي قد يكون جزاراً، والأزهر قد يصبح كاتدرائية، وشاشة التلفاز قد تتحول لرشاش (عوزي) الإسرائيلي!!
علمنا أيضاً.. أن الدولة العميقة لم تكن عميقة إلا بقدر سطحيتنا نحن!!

علمنا كثيراً.. كثيراً.. كثيراً.. 
وكان هذا العلم هو بوابة الخروج من التيه!!
ولأنه لا مخاض بدون ألم.. فقد كانت رابعة مخاضاً مؤلماً حد الفزع، وكان السيسي بمثابة القابلة التي أخرجتنا " خلقاً من بعد خلقٍ في ظلمات ثلاث ": القومية والعلمانية والديمقراطية!!  
نحن الآن على مشارف الخروج من التيه..

بيد أن الأمر لم ينته بعد.. 
إن الله مبتليكم بنهر.. 
فمن شرب منه فليرض بالقعود مع الخوالف في الظلمات الثلاث. 
ومن اكتفى بغرفة يده فأغلب ظني أنه سيقول _ بعد الجواز _: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ".
وأما الذين يظنون أنهم مُلاقو الله ؛ فكأني أسمعهم الآن يدعون:" ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ".
وكأن داود قد انحنى لالتقاط حجر مقلاعه!!
وكأن جالوت قد تشحط في دمه!!
وكأني أسمع من خلف الحُجب _ بعد انجلاء الغبار _ صوتَ الرحمة ينادينا: " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب ".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق