الثلاثاء، 9 فبراير 2021

إخوان المشاهير (1)الوليد بن الوليد...

 

إخوان المشاهير (1) الوليد بن الوليد... 


د. محمد الصغير

الشهرة رزق، وهي من جملة النعم التي يختص الله بها بعض خلقه ويمنعها آخرين، وما ربك بظلام للعبيد.

وهي كالشمس إذا توهج ضوؤها وعم ثناها، غطت على ما سواها، فبينما يكون المشهور في بؤرة النور يعيش أخوه في الظل، وصورة ذلك موجودة في التاريخ القديم والحديث، وكثيرا ما تكرر هذا بين الأشقاء تحديدا، حيث تعم شهرة أحدهما وتنتشر فضائله ومآثره، بما يغطي على السماع بأخيه أو ذيوع مناقبه، التي لو كانت في غير زمن الأول لجعلته من المشاهير البارزين.

وأصدق مثال على ذلك الصحابي الجليل الوليد بن الوليد بن المغيرة الذي كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وكان له من الفضائل والمناقب والمواقف الشيء الكثير، بل تفرد ببطولات  لم يسبقه إليها أحد في أمة محمد، وحاز مكانة عالية عند رسول اللهﷺ، لكن لم ينل الشهرة التي تتناسب مع مكانته وبطولته، ولعل من أسباب ذلك أخوته للعلم الشهير، والقائد الكبير خالد بن الوليد سيف الله المسلول، الذي طبقت شهرته طباق الأرض وبلغت الأفاق، الفارس الذي لم يخسر معركة قط في جاهلية ولا إسلام، ولو تركت لقلمي العنان وأرخيت له الزمام، لوقعت فيما أحاذر وأسهبت في ذكر مآثر أبي سليمان.

الوليد بن المغيرة “الأب” سيد بني مخزوم وزعيم قريش وعلم من أعلام العرب، ويكفي أن نقرأ ما وصفه الله به في كتابه العزيز:

(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا . وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا . وَبَنِينَ شُهُودًا . وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا )

ثم قدم خالد بن الوليد وأخوه هشام لفداء أخيهما الوليد، ولما دفعت الفدية أعلن الوليد إسلامه

وعندما عجز بلغاء العرب عن مجرد الطعن في القرآن الكريم، تمنوا لو أنه أنزل على أحد كبرائهم كالوليد بن المغيرة مُقدّم قريش، أو عروة بن مسعود الثقفي زعيم الطائف (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ…..)

وكان الوليد بن المغيرة من أكثر من تأثر بالقرآن عندما سمعه وقال فيه: “إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته”.

وقعت هذه الكلمات على أسماع قريش كالصاعقة، وهنا انبرى شيطانهم وأقربهم إلي الوليد نسبا، عمرو بن هشام المعروف بأبي جهل، ليرده عن ذلك بالحيلة والختل، فقال له: إن قومك يجمعون لك مالا لأنهم يرونك مدحت محمدا طمعا فيما عنده، فاحمرت أنفه وتحركت جاهليته، وقال: علمت قريش أني أكثرها مالا، فقال أبوجهل: فقل في محمد قولا يرضي قومك، فقال: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا فدعني أفكر، ثم قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره فنزل قول الله تعالى:

(كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا . سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا . إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ)

وفي هذه الأثناء كان ابنه الوليد بن الوليد بن المغيرة يتابع هذه الأحداث عن قرب، لكن يصعب عليه في ظل وجود أبيه أن يقترب للتعرف على الإسلام،

حتى هلك أبوه قبل غزوة بدر التي شارك فيها الوليد مع قومه، وبقي أخوه خالد لحماية مكة، وكان من فضل الله على الوليد أن وقع في الأسر ولم يمت على الشرك، وفي المدينة النبوية اطلع على المجتمع المسلم من الداخل، ورأى معاملة الصحابة الكريمة لهم تنفيذا لأمر رسول اللهﷺ الذي قال: ” استوصوا بالأسارى خيرا”. (أخرجه الطبراني)، ونزل فيهم قول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيم)

وتحقق فيهم قول رسول اللهﷺ: “عَجِبَ ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل”. (رواه البخاري)

ثم قدم خالد بن الوليد وأخوه هشام لفداء أخيهما الوليد، ولما دفعت الفدية أعلن الوليد إسلامه أمام رسول اللهﷺ، فقال له خالد: هلا كان هذا قبل أن تُفتدى؟ فقال: ما كنت لأسلم حتى أفتدي بما افتدى به قومي، ولا تقول قريش إنما اتبع محمدا فرارا من الفِدَى.

فأسرّها خالد في نفسه واستدرجه إلى مكة ليسجنه فيها، فانتقل من أسر المسلمين إلى سجون الكافرين، وأصبحت المقارنة واضحة بين الفريقين، حيث أذاقوه سوء العذاب حتى خشي عليه شقيقه هشام من الهلاك، وتوعدهم بالانتقام له، فخفت قبضتهم عليه، فتمكن من الهرب ولحق بالمدينة النبوية مهاجرا، مخلفا وراءه رفقاء السجن سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، وكان رسول اللهﷺ مشغولا بالمستضعفين ويدعو لهم، وسأل الوليد عنهم فقال: في ضيق وشدة، وِثاق أحدهما مع رِجل صاحبه ! فَحزن رسول اللهﷺ وقال: من لي بعياش بن ربيعة، وسلمة بن هشام؟ فقال الوليد: أنا لك بهما يا رسول الله، وهو حديث عهد بسجن تحتاج النفس إلى وقت طويل للتعافي من آثاره النفسية والبدنية !

لجأ الوليد بن الوليد هذه المرة إلى الإغراء المادي الذي استجاب له أحد الحراس

وكان أول من أقدم على هذا العمل الفدائي، في عرين العدو وفي مركز الخطر، وبالفعل وقع مرة أخرى في الأسر، وأصبح دعاء النبيﷺ: “اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين” (رواه البخاري).

لجأ الوليد بن الوليد هذه المرة إلى الإغراء المادي الذي استجاب له أحد الحراس، وتغافل عنه حتى هرب، لكنه لم يكن يفكر في نفسه، إنما جعل نصب عينيه ما وعد رسول اللهﷺ به، فتسور على عياش ومسلمة فوضع مروة “حجرا ” تحت سلسلة الحديد التي رُبطا فيها، وضربها بالسيف فقطعها فسمي سيفه بذي المروة، وحمل أصحابه وخرج مهاجرا للمرة الثانية، بعد الحبسة الثانية، وأصابه جراء ذلك جهد ومشقة، وإصابات أدمت أطرافه فكان يقول: وهل أنت إلا أصبع دميت… وفي سبيل الله ما لقيت !

وبقيت معه هذه الآثار، وزاد عليه الأرق الذي منعه النوم، فشكى لرسول اللهﷺ فقال له: “إذا أويت إلى فراشك فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون”. (رواه أحمد)

وبعدما استقر به المقام إلى جوار رسول اللهﷺ بدأ في التفكير في إنقاذ أخيه خالد بن الوليد من براثن الوثنية، وخرج مع رسول اللهﷺ في عمرة القضاء في العام السابع من الهجرة، وكله أمل في لقاء خالد لكنه لم يصل إليه، فترك له رسالة أن رسول اللهﷺ سألني عنك فقلت “يأتي الله به”، فكانت سببا في إقدام خالد على الدخول في الإسلام، وقدم على رسول اللهﷺ في سنة ثمان، ومعه عمرو بن العاص ففرح بهما رسول اللهﷺ وأهل المدينة، حتى قال خالد الذي انخرط سريعا في كتائب المجاهدين “فوالله ما كان رسول اللهﷺ من يوم أسلمت يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه” . (أخرجه البيهقي)

ليصبح خالد بن الوليد وحسناته وفتوحاته في ميزان أخيه الوليد، الذي شعر بدنو أجله فقال لرسول اللهﷺ: إني ميت فكفني في قميصك واجعله مما يلي جلدي، وتُوفي فكفنه رسول اللهﷺ في قميصه ثم صلى عليه ودفن بالمدينة، وبكته نساء بني مخزوم وفي مقدمتهن السيدة أم سلمة أم المؤمنين الذي كان سببا في تخليصها من يد قومه حتى تلحق بزوجها في دار هجرته ورثته بقولها:

يا عين فابكي للوليد    بن الوليد بن المغيرة

كان الوليدُ بن الوليد   أبو الوليد فتى العشيرة

قد كان غيثا في السنين   ورحمةً فينا وميرة

ضخمُ الدَّسيعةِ ماجدٌ   يسمو إلى طلب الوتيرة

مثلُ الوليد بن الوليد    أبي الوليد كفى العشيرة.

المصدر : الجزيرة مباشر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق