السبت، 27 فبراير 2021

هل عدنا إلى الجاهلية؟

هل عدنا إلى الجاهلية؟

د.عبد الله العمادي

من قصص التاريخ ذات المغزى والدلالة، أن أحد قادة الفرس يدعى الهرمزان، جيء به أسيرا عند أمير المؤمنين عمر الفاروق - رضي الله عنه وأرضاه - وقد كان نائما. فحدث أن صار لغطٌ وارتفعت الأصوات بالمسجد حوله، حتى قام عمر من نومه، ثم نظر إليه فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم. فتأمله وتأمل ما عليه، وكان يلبس ديباجا وذهبا مكللا بالياقوت واللآلئ.


قال: أعوذ بالله من النار – فقد اعتاد الفاروق أن يستعيذ بالله من النار إن رأى أو سمع شيئا عن المجوس - فقال: الحمد لله الذي أذل هذا وأشياعه. يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنّكم الدنيا فإنها غدارة. فقيل له: هذا ملك الأهواز فكلمه، فقال: لا، حتى لا يبقى عليه شيء من حليته. ففعلوا وألبسوه ثوبا عاديا، فقال له عمر: يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، كنا وإياكم في الجاهلية. كان الله قد خلّى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا.
وضع الفاروق - رضي الله عنه - النقاط على الحروف في جملة واضحة لا ريب فيها. إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا. وقد قالها من ذي قبل جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - في حضرة النجاشي ملك الحبشة، حين دعا جعفر وأصحابه للمناظرة مع فريق الشرك، وقد كان يومها داهية العرب عمرو بن العاص - رضي الله عنه – يمثله، وليقدم كل فريق ما لديه. وجد جعفر المناظرة فرصة للتعريف بدعوة الإسلام أولا، ومن ثم فرصة أن يتحدث والناس من حوله منصتون، ويدافع عن فئة مسلمة مستضعفة هاجرت من وطنها فرارا بدينها، ويبين للملك النصراني، حقيقة ما كان عليه العرب قبل الإسلام وبعده.

كنا قوما أهل جاهلية

بدأ جعفر حديثه بالقول:" أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام. حتى بعث الله عز وجل إلينا نبيا ورسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به. فعدا علينا قومنا وفتنونا عن ديننا، فلما قهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلم عندك أيها الملك".

أوضح جعفر حقيقة ما كان عليه العرب وحالهم قبل الإسلام، دينيا واجتماعيا وأخلاقيا، فجاء الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بدين كان له أثره العظيم في تغيير مبادئ ومفاهيم كثيرة، وبه تغيرت أحوال العرب حتى صاروا أعزة من بعد ذل طويل مستمر، وسادة من بعد خضوع لهذه وتلك من القوى المهيمنة على العالم حينذاك.

العـرب وقد عادوا للجاهلية

هكذا كان حال العرب قبل الإسلام، وهكذا بكل بساطة يمكننا القول؛ إن ذلك الحال يبدو العرب وقد بدأوا العودة إليه من جديد، فرادى وأقواما، بل ربما صاروا يعايشونه الآن، ولك أن تلتفت يمنة ويسرة لتشاهد بنفسك وضعنا اليوم بين أمم الأرض المختلفة، وإن اختلفت المظاهر والمعايش، فالجاهلية ليست ملبسا أو مأكلا أو مشربا ومسكنا، بل هي الفكر أساسا.
إننا منذ أن انطلقت دعوات القومية من هنا وهناك، والاعتزاز بها بعيدا عن الدين، رجعنا القهقرى إلى ما كنا عليه قبل خمسة عشر قرنا من الزمان. وهو ما نجح فيه الاستعمار أو الاستخراب، منذ أكثر من قرن من الزمان. ولعل أوضح شاهد ودليل على الوضع غير السار، ما حدث لقضية الأقصى كأبرز الأمثلة على ما نقول، التي بدأت وهي في قلب المسلمين جميعا، حتى إذا ما تحمس العرب ورفعوا شعارات تفيد بأنها قضية عربية، وجدت بقية المسلمين وقد رفعوا أيديهم عنها على اعتبار أنها قضية عربية!
فلا شأن إذن – وفق هذا المفهوم والشعار - لغير العرب أو غيرهم من المسلمين غير العرب بها. وهكذا ضاقت الدائرة إلى أن وصل الأمر بالفلسطينيين في وقت من الأوقات غير البعيدة، الإعلان أن الأقصى قضيتنا، فرفع بقية العرب أيديهم، وانتشر تبعا لذلك مصطلح القضية الفلسطينية في الأخبار.. والخشية أن تضيق الدائرة لتأتي جماعة أو فصيل فلسطيني ويزعم أن الأقصى قضيته دون الآخرين، ولا شيء يمنع من حدوث هذا الأمر.. وهكذا الحال في رأيي، وباستقراء الماضي، سيستمر إلى أن يكتب الله أمرا كان مفعولا.


الشاهد من الحديث أن العرب مقارنة بغيرهم من الأمم قبل الإسلام، لم يكونوا ذا شأن، ولم يكن ليلتفت إليهم أحد، لا الروم ولا الفرس ولا الأحباش ولا أمم الصين والسند وغيرهم من أمم وحضارات البشر حينذاك، بل لم يوجد أي سبب يدعو تلك الأمم لتلتفت إلى قبائل العرب المتناثرة يومها في أنحاء الجزيرة، إلا إن كانت لهم مصالح وقتية معهم.

فلما جاء الإسلام، كان هو العامل الرئيسي الذي وحّد تلك الشظايا المتناثرة في أرجاء جزيرة العرب، ولعبت لغتهم الفصيحة في هذه الوحدة وهذا التماسك، وأعانتهم تماما على فهم الدين كما جاء من عند الله، فكان لهم بالتالي، التأثير القوي على الغير في فترة قياسية في عمر الأمم والحضارات.
ولعلك تدرك الآن سر الجهود المبذولة من الشرق والغرب وأحيانا كثيرة بأيدي العرب أنفسهم، في تركين أو تحجيم شأن الدين في إدارة البلاد والعباد، وبالمثل في التقليل من شأن لغتهم الأم.


إن أمة العرب، من مشرقها إلى مغربها، كان للدين واللغة الأثر البالغ في إعلاء شأنها بين الأمم، وأي إزاحة لهما من حياتها، فالطريق إلى الجاهلية ستكون سالكة مرة أخرى، وحياة التشرذم والتبعثر بين الأمم يكون قد حان وقتها.. ولن أكون متشائما إن قلت؛ إننا فعلا نعيش هذه الحياة. لكن رغم كل ذلك، فإن الأمل بالله كبير في صحوة تتجدد ويشتد عودها. والله كفيل بكل جميل من القول والفعل، وهو بلا ريب، حسبنا ونعم الوكيل.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق