الثلاثاء، 9 فبراير 2021

أفاضوا في مدح النبي وماتوا كافرين!!

    أفاضوا في مدح النبي وماتوا كافرين!!     

 أ. محمد إلهامي

ليس كل من عرف محمدا صلى الله عليه وسلم أحبَّه، ولا كلَّ من عرفه آمن به واتبعه. 

فالقول بأن الشعوب الغربية لن يتغير موقفها كثيرا إذا عرفت نبينا –صلى الله عليه وسلم- ليس نوعا من التشاؤم أو هو ضرب من الوهم، بل هو أقرب لتقرير واقع، وتطبيق لفهم طبائع النفس والاجتماع.

المعرفة وحدها لا تدفع صاحبها إلى اتباع الحق وإلا لما كفر إبليس وهو الذي عاش دهراً مع الملائكة

وليس أقرب دليلا على هذا من أن قريشا لم يؤمنوا به ولم يتبعوه، وهم أعرف الناس به، فهم أهل النبي وعصبته، وفيهم وُلِد وكبر وعُرِف قدره وشرفه وخُلُقُه. بل تحول فجأة من "الصادق الأمين" إلى: ساحر وكاهن وشاعر ومجنون!!

فالجهل هو الحاجز الأول، ولكنه ليس الحاجز الأهم، والمعرفة وحدها لا تدفع صاحبها إلى اتباع الحق، وإلا فما كان يُتَصَوَّر أن يكفر إبليس وهو الذي عاش دهرا مع الملائكة، ورأى من الملكوت ما لم يره البشر. 

إن بين العلم وبين العلم حواجز من الشهوات والمصالح التي لا تهدمها إلا مجاهدة النفس وتحمل العواقب ودفع التكاليف، ولذلك "حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات" كما في الحديث الصحيح.

وكنا في المقال السابق على صفحات هذه المجلة قد طرحنا سؤال "هل يتغير موقف الشعوب الغربية إذا عرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم"، وللإجابة على هذا السؤال افتتحنا موضوعيْن؛ الأول: هو ما يُسمى "علم نفس الطاعة" وهو من فروع علم النفس السياسي وعلم النفس الاجتماعي، حيث قد ثبت أن تأثير السلطة في الجماهير يبلغ من القوة بحيث أنها تفضل الطاعة والخضوع مهما كانت قناعتهم بخطأ القرار. وذلك ما تناولناه في المقال الماضي.

والثاني: هو سيادة المنهج الوضعي في التفكير والبحث العلمي في الغرب، وهو ما نشير إليه سريعا في هذه السطور، وبالله التوفيق.

كان من نتائج انقلاب الغرب على المسيحية، وإقصاء الدين من الحياة، أن دخل إلى الحياة العلمية ثم ساد فيها منهج الوضعية. حيث تمثل هذا المنهج في العديد من الفلسفات والأفكار والمذاهب، حتى صار أساسه راسخا وثمراته كثيرة وغزيرة.

الوضعية، بتبسيط شديد يناسب المقام هنا، هي المقابل والنقيض للمعيارية، ولكن ما هي المعيارية؟

المعيارية هي بمثابة الميزان والنموذج والمِثال الذي نسعى للوصول إليه. نريد مثلا أن نصل إلى نظام سياسي يحقق العدل ويقوم بالحق وينشر الفضائل، إن تصوّرنا للعدل والحق والفضائل هو المثال والنموذج والمعيار الذي نحاول الوصول إليه، وعلى ضوئه نستكشف القصور والأخطاء والنقص في واقعنا، فنسعى في تحسينه وتعديله، ونكافح في سبيل ذلك أولئك الظالمين والمجرمين الذين يتسببون في هذه الأوضاع الفاسدة ويغلقون طريق الإصلاح. وهكذا، كل دين أو فلسفة أو مذهب، له تصوّره عن العدل والخير والحق والجمال والأخلاق، ومن خلالها اختار شكل الإصلاح والكفاح، ومن خلالها بنى قوانينه وتشريعاته ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ما يهمنا هنا، أن العلم الصادر عن منظومة معيارية، يهتم بدراسة مجاليْن معا: يدرس "ما هو كائن" ويدرس أيضا "ما يجب أن يكون"، ويحاول أن يصل إلى أفضل السُبُل لإصلاح ما هو كائن كي ينسجم ويصل إلى ما يجب أن يكون. إنه علمٌ ذو ميزان ومعيار، فليس مقبولا أن تخرج نظريةٌ علميةٌ تدعو إلى مخالفة القيم والمبادئ والأخلاق الأساسية في هذا الدين أو هذه الفلسفة.

أما الوضعية، فهي التي تحاول أن تدرس ما هو كائن، ولا تهتم أصلا بمجال "ما يجب أن يكون"، لسبب بسيط: أنها قد أقصت وأزاحت وحاربت الدين، بما في ذلك سائر ما يتعلق به من أمور غيبية (ميتافيزيقية)، لقد قضتْ على وجود المعيار والميزان نفسه. وبهذا صار كل شيء مقبولا وممكنا وطبيعيا.

إذا انطلقت مجموعة من الرحالة والجغرافيين –مثلا- إلى رحلة مجهولة في مكان ما، واكتشفوا قوما من البشر لهم عادات وتقاليد وطقوس، سيهتم الرحالة "المعياري" أن يقيس أوضاع هؤلاء إلى المعيار والميزان الذي يعتنقه، فإذا رأى أنهم يأكلون لحم البشر فسيرسخ في نفسه أنهم قساة، وإذا رآهم يتزاوجون رجالا ونساء بغير عدد ولا تحفظ فسيرسخ في نفسه أنهم في إباحية وفوضى جنسية، إذا رآهم ينقسمون إلى طبقات تتفاوت في الحقوق والواجبات فسيرسخ في نفسه أنهم في ظلم... وهكذا! أما الرحالة "الوضعي" فلن يرى فيهم إلا قوما "مختلفين"! لهم عادات وتقاليد وأنظمة "مختلفة"! وما ذلك إلا لأنه ليس ثمة ميزان ولا معيار.

هذا المثال المبسط للغاية، وجد تطبيقات خطيرة له في سائر مناحي الحياة الغربية، ومن تلك المناحي: العلم. وأبرز مجالات العلم التي يبدو فيها هذا واضحا: الأخلاق. فلطالما كان علم الأخلاق علما يدرس ما يجب أن يكون، فتحول تحت ضغط الوضعية المادية إلى علم يدرس ما هو كائن، فالأخلاق في المنهج الوضعي ليست إلا "عادات قوم ما في زمان ما ومكان ما"، ليس أكثر من هذا.

ومن بين تطبيقات كثيرة وخطيرة لهذا الاتجاه، يهمنا في مقالنا هذا التركيز على ما وقع في الانفصال بين العلم والعمل.

لقد صار مألوفا تماما في الحياة الغربية أن تجد الباحث ينفق عمره في دراسة موضوع ما، ويصل إلى عدد من النتائج المهمة والممتازة، ولكنه لا يرى نفسه مكلفا باتباع النتائج التي وصل إليها، ولا اعتناق الأفكار التي أثبت هو صحَّتها، ولا الكفاح في سبيل ما برهن هو على أنه حق!! وكذلك زملاؤه في البيئة العلمية، لا يستنكرون عليه أنه لم يفعل!

لقد توقف عمل العالِم الباحث عند الفحص والدراسة وجمع الأدلة والبرهنة عليها وتقديم التفسير العلمي وتكوين صورة الموضوع المحكمة. عند هذه النقطة يرى هو –كما يرى زملاؤه- أن المهمة قد اكتملت. أما موقفه هو مما توصل إليه ومدى تطبيقه هو لقناعاته هذه في حياته، فأمرٌ آخر يُعَدّ من قبيل الحرية الشخصية التي لا يُسأل عنها!

لقد فاضت كتب كثير من المستشرقين بالثناء على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإنجازه المُعْجِز في تحويل العرب من أمة مطمورة مغمورة متنازعة لا يتوقف القتال فيها إلى بناة حضارة وإمبراطورية عظيمة في زمن خاطف ولمحة بارقة، وفاضت كتب كثير منهم بالثناء على الإسلام وقيمه وحضارته وما قدَّمته الحضارة الإسلامية للعالم من بدائع الأفكار والقيم والتشريعات والقوانين وروائع العلوم والعمارة والفنون. ومع ذلك فإن أكثر هؤلاء لم يدخل الإسلام!

بل إن كثيرا من جوانب عظمة الإسلام لا يلتقطها إلا هؤلاء، لنشأتهم في حضارة أخرى وقدرتهم على المقارنة بين الإسلام وبين ما هم فيه، فإذا الذي تعوّدنا عليه لا يثير اهتمامنا ولا نعرف قيمته، بينما يبدو هذا عندهم شيئا بارزا ومتألقا ومثير للإعجاب. ومع ذلك فأكثر هؤلاء لم يدخل الإسلام!

انتشر في العالم الإسلامي مستشرقون لا يُحصى عددهم، وبعضهم لديه من العلم بالإسلام ومذاهبه وعلمائه ما ليس عند أكثر المسلمين، ولكنه لم يسلم. بعضهم قدَّم رؤى وتصورات عن المسلمين وعن الحركات الإسلامية في غاية الدقة والقوة، وأكثرهم لم يُسْلِم.

إن هذا الأمر المقبول تماما في الواقع الغربي هو نفسه من أقبح القبيح في ديننا، إذ يشدد الإسلام على ضرورة اتباع الحق مهما كانت التكاليف، وعلى التضحية في سبيله مهما ارتفع الثمن، والذين يعرفون الحق ولا يتبعونه هم "المغضوب عليهم" وهو أشر الناس، وإذا قال المرء ما لا يفعل فقد أصابه المقت العظيم (كَبُر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون). ولا يمكن لمن أمسك بكتاب في فضل العلم أو آدابه من تراثنا الإسلامي إلا وجد فيه كلاما عن ضرورة العمل، حتى لقد ألَّف الخطيب البغدادي –المحدث والمؤرخ المشهور- كتابا شهيرا جعل عنوانه "اقتضاء العلم العمل"، حشده بالنقول من القرآن والسنة وكلام السلف الصالح عن ضرورة العمل، وأن العلم إنما يُطلب للعمل.

ولقد نفر علماؤنا من مناقشة العلم الذي لا يترتب عليه عمل، وأنكروا على من يسأل الأسئلة التي لم تقع ولم تحدث، إذ العلم عندهم ليس رياضة نظرية لتمرين العقول وتنشيط الأذهان، بل هو هداية ونور لإصلاح العقول والقلوب والأبدان. وقد نُقل عن الكثير من العلماء النهي عن العلم الذي لا يُستفاد منه، والاستغراق في الدقائق والمُلَح والنوادر والغرائب التي لا يُنتفع بها.

هذا المنهج القبيح المستنكر في ديننا وتراثنا صار هو الأمر الطبيعي في الحضارة الغربية، ولست أحصي عدد المرات التي كنت أقرأ فيها لبعض المستشرقين في بداية تعرفي على كتبهم، فكنتُ أتوقع الواحد منهم سيعلن إسلامه في السطر القادم، من روعة ما يكتبه وقوته، ثم ينتهي الكتاب، ثم ينتهي أجله هو وقد مات كما كان، كأنما لم يعرف الإسلام!

لهذا نقول: إن الشعوب الغربية تحتاج أكثر من "معرفة" نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن المعرفة وحدها لن تنقل أكثرهم إلى الإيمان، بل ولن تثني أكثرهم عن الإساءة له صلى الله عليه وسلم. الشعوب الغربية –والشرقية وسائر الشعوب- تحتاج أن ترى المسلمين أقوياء أعزاء، حينها تتغير نظرتهم على الحقيقة. فإن تعذَّر اجتماع القوة والعزة فالعزة وحدها قادرة أن تجتذب منهم، فإن العزيز مهما ضعف ومهما افتقر يصير موضع إعجاب وتقدير، وأقل أحواله أن يصير موضع تساؤل واهتمام!

آخر ما تحتاجه الشعوب الغربية أن نخاطبهم بديننا خطاب المستضعف الذليل الذي يتوسل لهم أن يستمعوا وأن يتعرفوا على ديننا ونبينا، إن المبذول مملول، ولذلك قال ابن تيمية في بيان حكمة قتل سابّ الرسول: "الكلمة الواحدة من سب النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار ولأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان"[1].


[1] ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، (الرياض: الحرس الوطني السعودي، د. ت)، ص505.


نشر في مجلة المجتمع الكويتية، فبراير 2021


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق