الاثنين، 14 يونيو 2021

الملحدون الجدد عجم وعرب في القرن الواحد والعشرين

 الملحدون الجدد عجم وعرب في القرن الواحد والعشرين


 الخبير السياسى والإقتصادى
د.صلاح الدوبى 

يقدر مركز بيو أن نسبة الملحدين ستتراجع من 16 في المئة حاليا من اجمالي عدد سكان الكرة الأرضية إلى 13 في المئة رغم تزايد عددهم الإجمالي من 1.17 مليار في 2015 إلى 1.2 مليار في عام 2060، وفي المقابل يتوقع يبلغ عدد المؤمنين بصفة عامة إلى 8.1 مليار شخص بحلول عام 2050.

يأتي أصل كلمة “الإلحاد” (athiest) بالإنجليزية من الكلمة اليونانية (أ-ثيوس) أي “بدون ألوهية”. لكن على الرغم من أن هذا المصطلح كان قد اجترح في العصور القديمة، فإنه فقط في عصر التنوير، بدأ الملحدون يجهرون بتلك الصفة.

أراد هذا الإلحاد الأوروبي الحديث التحرر من الخرافات، لكنه سرعان ما تحول إلى مصدر للعنف الفظيع. ففي ذروة الثورة الفرنسية، افتتحت حكومة اليعاقبة الثورية “عهد الإرهاب” الأول في التاريخ في إطار جهودها المجرمة لفرض الإلحاد على الدولة. كما اشتملت حملة الاتحاد السوفيتي المبكرة ضد الدين، التي قادتها “عصبة الملحدين المتطرفين”، على الاضطهاد العنيف ضد المؤسسات الدينية والأشخاص المتدينين على حد سواء.

مع زوال الاتحاد السوفيتي وعودة ظهور الدين السياسي من سبعينيات القرن العشرين فصاعدا، اعتقد بعض المؤلفين أن الإلحاد أصبح في حالة تراجع مطرد. لكن فترة أوائل القرن الحادي والعشرين شهدت صعود كتاب مثل دوكينز وهاريس وهيتشينز، الذين برزوا كمثقفين عاميين يقودون هجمات شرسة على الدين الذي زعموا أنه كاذب وخطير بشكل لا مثيل له.

لكن في الحقيقة فإن حججهم لم تكن جديدة. لكن، على عكس الفلاسفة الملحدين العصية أفكارهم أحيانا على الفهم، كان لدى الملحدين الجدد، على الأقل ظاهريا، شخصيات جدالية وفهم جيد بكيفية التأثير الإعلامي. وقد جعلهم نجاحهم في نشر الكتب، وتقديم المداخلات العامة وتحقيق انتشار عالمي من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية، من المشاهير، فظهروا في مسلسلات التلفاز الشعبية مثل ساوث بارك، وفاميلي غاي، وذا سيمبسنز وحتى دكتور هو.

الإلحاد الجديد ولعبة”الحرب على الإرهاب”


في عام ٢٠٠١، أيّد كلّ من هؤلاء الملحدين الثلاثة الغزو الأميركي لأفغانستان كما أيّد هيتشنز غزو العراق بقوّة عام ٢٠٠٣، بينما رأى هاريس التفاعل الغربي مع الإسلام والعالم الإسلامي كجزء من حرب يجب أن يفوز بها الغرب، إذا هو لم يرد الوقوع في “العبودية”. في كتابه “نهاية الإيمان” الصادر في عام ٢٠٠٤ يقول هاريس :

في حين أنه من المريح أن نعتقد أن حوارنا مع العالم الإسلامي سوف تكون إحدى نتائجه المحتملة مستقبلا من التسامح المتبادل، فإن لا شيء يضمن هذه النتيجة، خاصة مبادئ الإسلام نفسها. بالنظر إلى القيود التي تفرضها العقيدة الإسلامية السائدة، وبالنظر إلى العقوبات داخل الإسلام ضد التكيف الجذري (والمعقول) مع الحداثة، أعتقد أنه من الواضح أنه يجب على الإسلام أن يجد سبيلا لإعادة النظر في نفسه، بسلام أو بغير ذلك. ما سيعنيه هذا ليس واضحا. لكن الأمر الواضح هو أن الغرب يجب أن يفوز بالحجة أو يفوز بالحرب. كل شيء آخر سيكون من قبيل العبودية”.

ويكمل: “في الحقيقة بعض الناس لا يمكن التحاور معهم. إذا لم يكن بالإمكان القبض عليهم، وفي الغالب فإنه لا يمكن القبض عليهم، فربما يصبح من المبرر للأشخاص المتسامحين بخلاف هذه الحالة أن يقتلوهم دفاعا عن النفس. هذا هو ما حاولت الولايات المتحدة القيام به في أفغانستان، وهذا ما سنحاول نحن والقوى الغربية الأخرى القيام به، بتكلفة أكبر لنا وللأبرياء في الخارج، في أماكن أخرى في العالم الإسلامي. سنواصل إراقة الدماء في ما هي، في نهاية المطاف، حرب أفكار”

في الحقيقة، نحن نقول إن الثلاثة أيّدوا هذه الحرب لأنهم يقرؤون السياسة العالمية من خلال عدسة الإلحاد. ويبدو أنهم يرون الغرب محاصرا في حرب وجودية مع الدين، خاصة الدين الإسلامي. ولكن هناك أربعة جوانب مدهشة لهذه الرؤية الملحدة للجغرافيا السياسية العالمية.

 هم يرون الدين على أنه عنيف بشكل جوهري. يقول هاريس: “الدين هو أكبر مصدر للعنف في تاريخنا”. فهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول “جاءت من الدين”، يقول دوكينز، الذي يدّعي أن الدين هو “السلاح القاتل” الذي هو “المصدر الأساسي للتشظي الحاصل في الشرق الأوسط”. لكن هذا التحليل يحجب الدور القذر للقوى الأجنبية والحكام الفاسدين في الشرق الأوسط وقدرة الزعماء الكاريزميين على التلاعب بالدين ودمجه مع المظالم المشروعة.

  وعلى الرغم من الانتقادات الشديدة التي يوجهونها للسجل التاريخي للمسيحية، فإنهم يعتبرون الإسلام بشكل خاص تهديدا وجوديا للمجتمعات العلمانية الحديثة. وفي حين أن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش أصر على أن “الإسلام هو دين سلام”، فإن الملحدين الجدد لديهم رأي مختلف. إذ يصف دوكينز الإسلام بأنه “واحد من الشرور العظيمة في العالم”، فيما يقول هاريس: “نحن في حرب مع الإسلام”، وليس مع “ديانة سلمية اختطفها المتطرفون”.

إن الملحدين الجدد مقتنعون بأن نسختهم من الحضارة الغربية تتفوق على ما يرونها حضارة شرقية مستندة إلى الدين في الشرق الأوسط. في عام ٢٠١١، غرّد دوكينز قائلا إن “مسلمي العالم مجتمعين حصلوا على عدد أقل من جوائز نوبل من كلية ترينيتي بكامبريدج لوحدها”، وكتب هيتشنز أن هجمات ١١ سبتمبر/أيلول جعلته يشعر “بالبهجة” لأنها أغرقت العالم في “مواجهة لا لبس فيها بين كل ما أحببته وكل ما أكرهه”.

وأخيرا، يبدو أن الملحدين الجدد يتبنون نسخة خاصة بهم من ظاهرة “عبء الرجل الأبيض” (المترجم: عقدة التفوق التي تريد تحضير “الشعوب البربرية” خلال عصر الاستعمار) وذلك لإنقاذ أفغانستان والعراق وأماكن أخرى من “تخلفهم الديني”. مثلا يتبنّى هاريس ما يشبه النظرة الاستعمارية الكلاسيكية، حين يكتب أنه “بغض النظر ما إذا كانت نيّاتنا غير واضحة أو مضللة” عند غزو العراق، “فإننا نحاول، بتكلفة كبيرة لنا، تحسين حياة الشعب العراقي”! 

هل يمكن تخيل عالما دون أديان؟

يوسع هاريس من نطاق حجته باقتراحه أن التنميط العرقي للمسلمين (أي معاملة المسلمين على أنهم مشتبه بهم من قبل الأجهزة الأمنية) والتعذيب القانوني للإرهابيين قد يكون ممارسة مقبولة أخلاقيا في ما يسميه “حربنا على الإرهاب”. ويزعم أن “المسلمين يشكلون مشكلة إزاء مفهوم الردع النووي” لأنهم لا يخشون الموت من الناحية اللاهوتية، فيقول إنهم محصنون ضد الردع الذي يخلقه مفهوم التدمير النووي المؤكد المتبادل. لذلك، إذا حصلت حكومة إسلامية على أسلحة نووية، يقول إن “القيام بضربة نووية استباقية” قد يكون “المسار الوحيد المتاح لنا”. المفارقة في هذه الحجة، التي بدأت بالإعلان بأن الدين عنيف بشكل لا مثيل له.

«الملحدون الجدد» يتجنبون إنتقاد اليهودية أو المشروع الديني لإسرائيل

ويركزون على مهاجمة الإسلام فقط

سادت مخاوف في الولايات المتحدة من خطر الملحدين الجدد بعد الجريمة المروعة التى حدثت في ولاية كارولينا الشمالية ووقع ضحيتها ثلاثة طلاب مسلمين على غرار الاعدام، وقد اعتقلت الشرطة العنصري الملحد ستيفن هيكس وهو رجل معروف بنشره تعليقات معادية للدين على الانترنت وكان ينشر الكثير من الصور والمقتطفات من ابطاله مثل ريتشارد دوكينز والإعلامي الساخر بيل ماهر.
ورغم اصرار الشرطة على القول ان المسلمين لم يكونوا مستهدفين بسبب ايمانهم بل بسبب نزاع على مواقف السيارات الا ان الدلائل تفيد بان هناك جريمة كراهية، وكان المتهم قد اعلن مرارا عن اعجابه بريتشارد دوكينز، المؤلف والملحد البريطاني المعروف ورمز ملصقات حركة الوثنيين الجدد ولكن الشرطة، ايضا، واصلت التحفظ على ربط المواقف المعادية للدين بدوافع المتهم في الاحداث البغيضة التى جرت في مدينة تشابل هيل الجامعية.
ولاحظ الكثير من المحللين ان المحافظين الجدد حرصوا تماما على عدم تصوير المسلمين على انهم ضحايا لجرائم الكراهية المفزعة لأن من شأن ذلك الخروج عن الخطاب الذي يروج له هذا التيار ان المسلمين اصحاب فكر عنيف يقومون باعتداءات غير عقلانية، ومن غير المستساغ سياسيا تصوير المسلين على انهم ضحايا لجرائم الكراهية القاتلة في وسط حرب استنزاف ضد العالم الإسلامي وهو ما يفسر احيانا تجنب الشرطة لهذه الزواية في التحقيقات.
وجذبت مأساة تشابل الانتباه إلى حركة الوثنيين الجدد وخاصة افكار قادتهم مثل بيل ماهر وسام هاريس وكريستوفر هيتشنز الذين يتفقون معا في شيء واحد هو ازدراء الاديان بدون تحفظ وبلا حرج خاصة عن الإسلام، ولاحظ الكثير من النقاد ان جزءا كبيرا من انتقادات الملحدين الجدد كانت موجه مباشرة ضد الإسلام مما يؤدى إلى استنتاج بان الحركة تقود حركة سياسية عنصرية بدلا من التفكير الحر.
ومن الواضح ان الحركة لا علاقة لها تذكر بتشجيع التشكيك والفكر النقدي بل اصبحت في الواقع كما يقول المحلل الكندي براندون مارتنز مؤسس منظمة «نون اليجند ميديا» فرعا من المحافظين الجدد الذين لا هاجس لهم سوى محاربة الإسلام وموالاة اسرائيل بشكل كامل.
كيف يمكن تفسير مزاعم حركة تدعى نبذ جميع الاديان والمعتقد كله ولكن ليس لديها مشكلة مع اليهودية او «دولة اسرائيل اليهودية»؟ ولماذا لا يلتفت اتباع الحركة إلى هذا التناقض الخطير؟، اعترف بيل ماهر في برنامجه مرارا بكل وقاحة بانه مؤيد كبير لاسرائيل ومجرم الحرب بنيامين نتنياهو، اما سام هاريس الذي الف كتبا كثيرة عن الالحاد فقال في مقال مشهور انه لا يستطيع انتقاد اسرائيل لانه يعتقد ان الفلسطينيين هم المسؤولون عن سوء المعاملة القاتلة من قبل الصهاينة مع اقوال بان النصوص الدينية اليهودية هي الأكثر اخلاقية التى يمكن العثور عليها بين الاديان وخاصة مع الإسلام وتجاهل هاريس عن عمد جميع النصوص التى تحرض على ابادة جماعية ضد غير اليهود او اطلاق البشر على اليهود فقط ولم يعلق قطعيا على تصريحات مثل تصريح كبير حاخامات السفارديم عوفاديا يوسف بان مليون عربي لا يساوون يهودي واحد وان غير اليهود هم فقط لخدمة اليهود.
ولاحظ المحلل مارتنز ان الملحدين الجدد يتسابقون بشكل غريب للقول بانه لا مبرر للهجوم على الصهيونية واسرائيل مع حرص دائم على التصفيق بشكل روتيني للحروب في العالم الإسلامي وقال انه من غير المشقة ملاحظة الاصول الدينية المحددة للكثير من الملحدين الجدد.
كل هذه الامور تبرهن على ثقافة باهتة ودوافع جشعة وانتهازية لهذه الحركة التى تواصل انكار التهديد الحقيقي من التطرف الاسرائيلي والاستمرار في تضخيم خطر مزيف من المسلمين.

الملحدين الجدد يعيشون دائما فى خوف وهلع؟

في عام ١٩٢٩، في مكتبة المفكر، نُشرت سلسلة أنشأتها “جمعية الصحافة العقلانية” لتعزيز الفكر العلماني والتصدي لتأثير الدين في بريطانيا. نُشرت ترجمة إنجليزية لكتاب عالم الأحياء الألماني إيرنست هيكل في عام ١٨٩٩ “لغز الكون”، الذي اشتهر باسم “داروين الألماني”. كان هيكل واحداً من أكثر المفكرين تأثيراً من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ حيث بِيع نصف مليون نسخة من كتاب “لغز الكون” في ألمانيا وحدها، وقد تُرجم إلى عشرات اللغات الأخرى. معاديا التقاليد اليهودية والمسيحية، ابتكر هيكل “عبادة العلم” التي تدعى “الوحدة”، والتي تتضمن الأنثروبولوجيا، حيث قسم الجنس البشري إلى تسلسل هرمي من المجموعات العرقية. على الرغم من أنه توفي في عام ١٩١٩ قبل تأسيس الحزب النازي، لكن مما لا شك فيه أن أفكاره ونفوذه الواسع النطاق في ألمانيا، ساعدت على خلق مناخٍ فكري تمكنت فيه سياسات الرق العنصري والإبادة الجماعية من ادعاء وجود أساس علمي لها.

مكتبة المفكر أيضًا عرضت أعمال جوليان هكسلي، حفيد توماس هنري هكسلي، عالم الأحياء الفيكتوري الذي كان يعرف باسم “كلب داروين” لدفاعه الشرس عن نظرية التطور. أصبح هكسلي من دعاة “الإنسانوية التطورية”، التي وصفها بأنها “دين منزوع الوحي”، كما شارك بعض وجهات نظر هيكل، بما في ذلك الدعوة إلى تحسين النسل. في عام 1931، كتب هكسلي أن هناك “كمية معينة من الأدلة على أن الزنجي نتاج سابق على تطور الإنسان من المنغولية أو الأوروبية، وعلى هذا النحو قد يكون من المتوقع أن يكون أقل درجة، سواء في الجسم والعقل”. كانت التصريحات من هذا النوع شائعة، فهناك العديد من العلمانيين المثقفين – بما في ذلك هيربيرت جورج ويلز، أيضا مساهم في مكتبة المُفكر – الذين يتطلعون إلى وقت حيث الشعوب “المتخلفة” سيتم إعادة صهرها في قالب غربي أما ما عدا ذلك فيختفي من العالم.

ولكن بحلول أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، أصبحت هذه الآراء موضعَ شك. ففي عام ١٩٣٥، اعترف هكسلي بأن مفهوم العرق “غير قابل للتعريف من الناحية العلمية”. بينما لم يتخلَ أبداً عن علم تحسين النسل، ثم لم يسمع عنه سوى القليل عن هذا الموضوع بعد الحرب العالمية الثانية. إن العلم الذي يهتف باسم الشعب الغربي كان مزيفاً؛ لكن ما غيّر وجهات نظر هكسلي لم يكن أي كشف علمي: بل كان صعود النازية، الذي كشف ما تم القيام به تحت رعاية العنصرية على غرار هيكل.

وقد لُوحظ في كثير من الأحيان أن المسيحية تتبع تغير الموضة الأخلاقية، وهو الأمر الذي ظلت المسيحية طوال الوقت تظن أنها بعيدة عنه. ويمكن أن يقال نفس الشيء عن النسخة السائدة من الإلحاد. إذا كان جيل سابق من الملحدين يشاطرون التحيزات العنصرية في عصرهم ويرفعونها إلى حالة الحقائق العلمية، فإن الملحدين المعاصرين يفعلون نفس الشيء بالقيم الليبرالية التي تؤيدها المجتمعات الغربية اليوم، بينما ينظرون بازدراء للثقافات “المتخلفة” التي لم تتخل بعدُ عن الدين. النظريات العرقية التي روجها الملحدون في الماضي هي الآن في مزبلة التاريخ، والملحدون الأكثر نفوذاً اليوم لن يؤيدوا علم الأحياء العنصري تمامًا كما لن يتبعوا أحد المنجمين. لكنهم لم يتخلوا عن الاقتناع بأن القيم الإنسانية يجب أن تقوم على العلم. والآن، بدلاً من الشعارات العرقية، فالقيم الليبرالية هي التي تحصل على تلك الأوسمة. وهناك نزاعات مريرة حول كيفية تعريف هذه القيم وتفسيرها، ولكن تفوقها لا يكاد يكون موضع شك. بالنسبة للمبشرين الملحدين في القرن الواحد والعشرين، لا فرق بين كونك ليبراليا وعلميًا في نظرتك للأمور.

إنها معادلة بسيطة بشكل مطمئن. في الواقع لا توجد صلات موثوقة سواء في المنطق أو التاريخ بين الإلحاد والعلوم والقيم الليبرالية. عند تنظيم حركة مدعومة من الدولة، فإن ملحدي الأيديولوجيات يصبحون جزءًا لا يتجزأ من الأنظمة الاستبدادية التي ادعُيَ أيضًا صلتها بالعلوم، مثل الإتحاد السوفييتي السابق. هناك العديد من القيم المتنافسة والنظم السياسية -التي معظمها حتى الآن ليبرالي- يحاول التأكيد على “علميته”؛ إلا أن جميعهم كانوا محتالين ولم يصمدوا طويلًا؛ ومع ذلك فإن نفس المحاولة مستمرة في الحركات الإلحادية اليوم، التي تدعي أن القيم الليبرالية يمكن التثبت منها علميًا وبالتالي فهي عالمية إنسانيًا.

لحسن الحظ، هذا النوع من الإلحاد ليس الوحيد الذي وجِد في أي وقت مضى. كان هناك الكثير من الإلحادات الحديثة، بعضها أكثر إقناعاً وأكثر تحرراً فكرياً من النوع الذي يصدر الكثير من الضوضاء اليوم. إن حملة الإلحاد هي مشروع تبشيري يهدف إلى تحويل البشرية إلى نسخة معينة من الإلحاد؛ لكن لم يكن كل الملحدين مهتمين بنشر إنجيل جديد، بل كان بعضهم ودودًا تجاه الأديان التقليدية.

ينظر الملحدون “الإنجيليون” اليوم للقيم الليبرالية كجزء من حضارة عالمية ناشئة، ولكن ليس كل الملحدين -حتى عندما يتشاركون الليبرالية- يشتركون في هذا الاقتناع المريح. يأتي الإلحاد في العديد من الأشكال المختلفة بشكل لا يمكن اختزاله، إلا أن النوع الذي يتم الترويج له في الوقت الحالي يبدو بشكل لافت للنظر سطحيًا وضيقَ الأفق.

الإلحاد في حد ذاته موقف سلبي تمامًا. في روما الوثنية “الملحد” (من الأصل اليوناني atheos) يعني أي شخص رفض عبادة الآلهة المتعددة في الـ “بانثيون”. وطبق المصطلح على المسيحيين الذين لم يرفضوا فقط عبادة آلهة بانثيون، بل توجهوا بعبادتهم الخالصة إلى إلههم. العديد من غير الديانات الغربية لا تحتوي على مفهوم الخالق “الله”، مثل البوذية والطاوية في بعض أشكالها، وعليه فهذه الديانات الملحدة والعديد من الأديان الشبيهة لم يكن لديهم أي مصلحة في التبشير. ومع ذلك، في السياقات الغربية الحديثة فإن الإلحاد ورفض التوحيد هما عمليًا قابلان للتبادل. وعلى وجه التقريب فإن الملحد هو أي شخص لا يستخدم مفهوم “الله” -فكرة العقل الإلهي- الذي خلق البشرية ويُجسِّد القيم التي يعتز بها البشر ويجتهدون في تحقيقها. العديد من الملحدين بهذا المعنى (بما فيهم أنا) ينظرون إلى الإلحاد الإنجيلي الذي ظهر على مدى العقود القليلة الماضية شاعرين بشيء من الإهانة. لماذا تثير ضجة حول فكرة ليس لها معنى بالنسبة لك؟ هناك حشود لا حصر لها ليس لها مصلحة في شن حرب على المعتقدات التي لا تعني لهم شيئًا. وعلى مر التاريخ، كان الكثيرون سعداء بأن يعيشوا حياتهم دون أن يزعجوا أنفسهم بشأن الأسئلة النهائية؛ هذا النوع من الإلحاد هو أحد الاستجابات الدائمة لتجربة الإنسان.

كحركة منظمة، لا يكون الإلحاد أبداً وفيًا لمنطلقاته بهذه الطريقة. دائماً ما ينتهي به الأمر بنظام اعتقاد بديل، وعادة ما يكون مجموعة من الأفكار التي تساعد على إظهار الغرب الحديث على أنه ذروة التطور البشري. في أوروبا من أواخر القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الثانية، كانت هذه نسخة من نظرية التطور التي وصفت الشعوب الغربية بأنها الأكثر تطورًا. في الوقت الذي كان فيه هيكل يروج لنظرياته العرقية، قام ماركس بتطوير نظرية مختلفة للتفوق الغربي. وبينما كان ماركس يدين المجتمعات الليبرالية ويتنبأ بموتها، كان ينظر إليها على أنها أقصى ما وصل إليه التطور البشري حتى الآن. (ولهذا السبب أشاد بالاستعمار البريطاني في الهند بوصفه تطورًا تقدميًا في جوهره)، إذا كان لدى ماركس تحفظات جدية حول الداروينية – وقد كان- فإن ذلك؛ لأن نظرية داروين لم تحدد التطور كعملية تقدمية.

كانت الأنواع السائدة من التفكير الإلحادي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تهدف إلى إظهار أن الغرب العلماني هو -وفقط هو- نموذج الحضارة العالمية. إن الإلحاد التبشيري في الوقت الحاضر هو إعادة لهذا الموضوع، ولكن الغرب يتراجع اليوم، وتحت الحماس الذي يهاجم به هذا الإلحاد الدين، هناك مزاج واضح من الخوف والقلق إلى حد كبير، الإلحاد الجديد هو تعبير عن الذعر الأخلاقي الليبرالي.

يتضح اليوم أنه لا توجد مسيرة كبيرة جارية. إن ظهور الجهادية العنيفة ليس سوى المثال الأكثر وضوحًا لرفض الحياة العلمانية. التفكير الجهادي يأتي في أصناف عديدة، وهو خليط من طبقات من إيديولوجيات القرن العشرين مثل النازية واللينينية، مع عناصر مستمدة من القرن الثامن عشر مثل الحركة الإسلامية الأصولية الوهابية؛ لكن ما تشترك فيه جميع الحركات الإسلامية هو رفض قاطع لأي عالم علماني؛ لكن يجب ملاحظة أن الارتداد المستمر إلى العلمنة ليس ظاهرة غريبة على الإسلام.

إن عودة الدين إلى الظهور هو تطور عالمي. الأرثوذكسية الروسية أقوى مما كانت عليه لأكثر من قرن، وتعد الصين مسرحًا لإعادة إحياء دياناتها الأصلية والحركات السرية التي يمكن أن تجعلها أكبر بلد مسيحي في العالم بحلول نهاية هذا القرن. وعلى الرغم من التحولات المؤقتة في الرأي التي تم الترحيب بها كدليل على أنها أصبحت أقل تدينًا، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال متدينة على نطاق واسع، فمن غير المتصور أن يصبح غير المؤمن رئيسًا على سبيل المثال.

أما بالنسبة للمفكرين العلمانيين، فإن استمرار حيوية الدين يثير الشكوك حول الاعتقاد بأن التاريخ يشكل أساس قيمهم. ومن المؤكد أن هناك اختلافًا فيما يتعلق بطبيعة هذه القيم؛ ولكن كل المفكرين العلمانيين الآن يعتبرون من غير المشكوك فيه أن عامة المجتمعات الحديثة يجب في نهاية المطاف أن تصل إلى نسخة من الليبرالية؛ هذا الافتراض أصبح غير معقول اليوم، لذا -وليست تلك أول مرة- يبحث المفكرون العلمانيون عن أساس لقيمهم.

ربما من الأفضل أن الجيل الحالي من الملحدين يبدو أنه لا يعرف إلا القليل من التاريخ الطويل للحركات الإلحادية. وعندما يؤكدون أن العلم يمكن أن يجسد الحقائق والقيم، يتغاضون عن العديد من أنظمة القيم غير المتوافقة التي تم الدفاع عنها بنفس هذه الطريقة. ليس هناك سبب آخر يجعلنا نعتقد أن العلم يمكنه أن يرسم خارطة القيم الإنسانية اليوم أكثر مما كان في زمن هيكل أو هكسلي. لا يوجد بين القيم المتباينة التي يروج لها الملحدون من وقت لآخر أي علاقة أساسية مع الإلحاد، أو مع العلم. كيف يمكن لأي زيادة في المعرفة العلمية أن تثبت صحة قيم مثل المساواة البشرية والاستقلال الشخصي؟ كما أن مصدر هذه القيم ليس العلم. في الواقع، كما قال المفكر الملحد الأكثر قراءة على نطاق واسع في كل العصور: هذه القيم الليبرالية الجوهرية ترجع جذورها إلى نزعة التوحيد.

نادرًا ما يأتي الملحدون الجدد على ذكر فريدريك نيتشه، وعندما يفعلون ذلك فعادة ما يكون في سياق الازدراء؛ هذا لا يفسره فقط أن أفكار نيتشه يُقال أنها ألهمت نزوع الطائفة النازية لعدم المساواة العرقية، وهذا أمر مستبعد بالنظر إلى أن النازيين ادعوا أن عنصريتهم كانت مبنية على العلم. إن السبب في استبعاد نيتشه من التيار السائد من التفكير الإلحادي المعاصر هو أنه فضح مشكلة الإلحاد مع الأخلاق. ليس الأمر أن الملحدين لا يمكن أن يكونوا أخلاقيين -وهو موضوع الكثير من المناظرات السطحية- السؤال هو: أي منظومة أخلاقية يجب أن يتبناها الملحد؟

إنه سؤال مألوف في قارة أوروبا، حيث استكشف عدد من المفكرين آفاق “الإلحاد الصعب” الذي لم تعد فيه القيم الليبرالية أمرًا مسلمًا به. لا يمكن أن يقال إن الجدل قد تخطى هذا الحاجز؛ فمشروع جورج باتيل ما بعد الحداثي  “للاهوت الملحد” لم ينجح في إنتاج الدين الإلحادي الذي كان يقصده أصلا، ولكن على الأقل باتيل -والمفكرين الآخرين مثله- فهموا أنه عندما تتخلى عن الأساس التوحيدي -أو الديني بمفهوم أشمل- الكامن وراء الأخلاق، فلا يمكنها أن تستمر كما كانت من قبل. ومن بين أمور أخرى، تصبح المزاعم العالمية للأخلاق الليبرالية موضع شك كبير.

من المستحيل قراءة الكثير من الأفكار المعاصرة ضد الدين دون ملاحظة الانطباع العام بأن العالم سيكون مكانًا أفضل مع “الملحدين الجدد” لو لم توجد النزعات التوحيدية اليهودية أو المسيحية.

ينوح الملحدون دائمًا قائلين بأنه لو لم يغزُ العالمَ هذا الوباءُ الديني لكانت القيم الليبرالية أكثر موثوقية وثباتًا. والمفارقة الفاضحة لفكر هذا النوع من الملحدين هي أن نيتشه رأى أن الليبرالية الحديثة ما هي إلا تجسيد علماني لهذه التقاليد الدينية.

وباعتباره مفكرًا كلاسيكيًا، أدرك أن الإيمان اليوناني الغامض بالعقل شكّل المصفوفة الثقافية التي انبثقت منها الليبرالية الحديثة. دافع بعض قدماء الرواقيين عن فكرة عالمية المجتمع، ولكن هذا كان مبنيًا على الاعتقاد بأن البشر يتشاركون نفس “اللوجوس”، وهو المبدأ الخالد للعقلانية الذي تم دمجه لاحقًا في مفهوم الرب الذي نعرفه.

نيتشه كان واضحًا، فرأى أن المصادر الرئيسية لليبرالية ترجع إلى الديانة اليهودية والمسيحية؛ ولهذا السبب لم يدخر جهدًا في معاداة هذه الأديان، فقد كان إلحاده -في جزء كبير منه- رفضًا للقيم الليبرالية.

ومن المؤكد أن الملحدين “الإنجيليين” ينكرون بإصرار أن الليبرالية تحتاج إلى أي دعمٍ من الدين. وإذا كانوا فلاسفة، فإنهم سيخرجون معداتهم الفكرية الرديئة ليؤكدوا أن أولئك الذين يعتقدون أن الليبرالية تعتمد على الأفكار والمعتقدات الموروثة عن الدين متهمون بارتكاب مغالطة الاحتكام إلى الموروث. قد يكون المفكرون الليبراليون الأشهر -مثل: جون لوك وإيمانويل كانط- قد غرزوا في وحل التعصب، ولكن الأفكار لا تكون فاسدة لمجرد أنها نشأت من بعض الأخطاء بعيدة المدى، فإن المطالبات بعيدة المدى التي قدمها هؤلاء المفكرون للقيم الليبرالية يمكن فصلها عن جذورها الدينية. والأخلاق الليبرالية التي تنطبق على جميع البشر يمكن أن تصاغ دون أي ذكرٍ للدين، أو هكذا يتم إخبارنا باستمرار.


في هذه المرحلة، يحوم حولنا شبح النسبية الرهيب. ألا يعني الحديث عن تعددية الأخلاق أنه لا يمكن أن تكون هناك حقيقة في الأخلاق؟ أي شخص يريد أن تكون قيمه مستمدة من قبل كيان ما وراء العالم البشري، فمن الأفضل أن ينضم إلى ديانة قديمة الطراز. إذا وضعت جانباً أي نظرة للبشرية معتمدة على الدين، فيجب أن تتعامل مع البشر كما تجدهم مع قيمهم المتحاربة على الدوام.

هذه ليست النسبية التي يحتفي بها مفكرو ما بعد الحداثة، التي تعتبر أن القيم الإنسانية هي مجرد بناء ثقافي. البشر يشتركون مع الحيوانات الأخرى في وجود طبيعة محددة هي التي تشكل تجاربهم سواء أعجبهم ذلك أم لا، فلا أحد يستفيد من التعرض للتعذيب أو الاضطهاد بسبب دينه أو جنسه، وإن الفقر المدقع نادراً ما يكون تجربة إيجابية، وأن تكون معرضًا لخطر الموت هو أمر سيء لجميع البشر مهما كانت ثقافتهم… ويمكن مضاعفة هذه البديهيات. يمكن فهم القيم الإنسانية العالمية على أنها حقائق أخلاقية، ترسم منافع ومضار بشرية عامة. وباستخدام هذه القيم العالمية، قد يكون من الممكن تحديد الحد الأدنى من معايير الحياة المدنية التي ينبغي أن يستوفيها كل مجتمع؛ ولكن هذا الحد الأدنى لن يكون هو القيم الليبرالية المعاصرة التي تحولت بمعجزة ما إلى مبادئ عالمية.


لا تضيف القيم العالمية شيئًا إلى الأخلاق العالمية، و كثيراً ما تكون هذه القيم متضاربة، كما تقوم مجتمعات مختلفة بحل هذه الصراعات بطرق مختلفة. كانت الإمبراطورية العثمانية خلال بعض تاريخها ملاذًا للتسامح مع الطوائف الدينية التي تعرضت للاضطهاد في أوروبا، ولكن هذه التعددية لم تمتد إلى تمكين الأفراد للانتقال من مجتمع إلى آخر، أو تشكيل مجتمعات جديدة من اختيارهم بما يتماشى مع النسخة الليبرالية المثالية من الاستقلال الشخصي. تأسست إمبراطورية هابسبورغ على رفض المبدأ الليبرالي القائل بحق تقرير المصير الوطني؛ ورغم ذلك  أو ربما لهذا السبب بالذات  كانت أكثر حماية للأقليات من معظم الدول التي نجحت في تقرير مصيرها. لقد نجحت هذه الأنظمة الإمبريالية القديمة في أن تكون أكثر تحضرًا وصيانة للقيم العالمية من عدد كبير من الدول الموجودة اليوم، دون أن يلزمها ذلك احترام ما يُنظر إليه الآن على أنه مُثُل ليبرالية جوهرية.

وبالنسبة للكثيرين فإن أنظمة من هذا النوع هي أمثلة ناقصة لما يريده جميع البشر من داخلهم -أي عالم لا يوجد فيه أحد غير حر. إن الاقتناع بأن الطغيان والاضطهاد هما انحرافات في الشؤون الإنسانية هو في صميم الفلسفة الليبرالية السائدة اليوم؛ لكن هذه الإدانة مدعومة بالإيمان أكثر من أي دليل آخر. على مر التاريخ، كانت هناك أعداد كبيرة ممن تخلوا عن حريتهم وهم سعداء تماماً مثلما هناك اليوم من يستنكرون أن يُحرم مثليو الجنس واليهود والمهاجرون والأقليات الأخرى من حريتهم. وكان الكثيرون على استعداد لدعم الطغيان والقمع، والملايين من البشر كانوا معادين للقيم الليبرالية، وليس هناك سبب للتفكير أن الأمور ستكون مختلفة في المستقبل.

قبل المفكرون اللليبرالون القدامى هذه الحقيقة، كما قال ستيوارت هامبشاير:

إنه ليس ممكنًا فحسب، بل من المحتمل وفقًا للأدلة الحالية أن معظم مفاهيمنا عن الخيِّر والنافع ومعظم أساليب الحياة التي هي نموذجية آلات للمجتمعات التجارية والليبرالية والصناعية غالبًا ما تبدو مكروهة بالكلية للأقليات داخل هذه المجتمعات، وأكثر كرهاً بالنسبة لمعظم السكان داخل المجتمعات التقليدية… بصفتي ليبرالياً عن قناعة فلسفية، أعتقد أنه يجب أن أتوقع أن أكون مكروهًا، وأن أبدو سطحيًا ومحتقرًا، من جانب جزء كبير من البشرية”.

أما اليوم، فهذه فكرة محرمة؛ كيف يمكن للبشرية جمعاء ألا تريد أن تكون كما نتخيل أنفسنا؟ وكيف لنا أن نقبل أن أعدادًا كبيرة تكره وتحتقر قيمًا مثل التسامح والاستقلال الشخصي. كثير من الناس في الوقت الحاضر، يرى تلك سقطة لا تغتفر وافتراء لا يعدله افتراء على البشر.

والواقع أن الوهم الجوهري للليبرالية السائدة هو الاعتقاد بأن جميع البشر يولدون محبين للحرية وسلميين ولا يصبحون أي شيء آخر إلا نتيجة للتكييف القمعي، وهم متأكدون أنه لا يوجد ليبرالي متخفٍ يكافح للهروب من قتلة تنظيم الدولة الإسلامية، أكثر مما كان موجودًا بين الجلادين الذين خدموا نظام بول بوت. هذه حالات متطرفة، ولكن على مر التاريخ، لا تكاد تخطئ عينا الناظر شيوع العنف والاضطهاد العقائدي والعلماني والديني، وأنها قد حظيت بدعم واسع النطاق. إن التعايش السلمي وممارسة التسامح هما أمران استثنائيان.

إن المجتمعات الليبرالية تستحق الدفاع عن نفسها عندما تبسط البدائل المتاحة. ولكن لا يوجد سبب للتفكير أن هذه المجتمعات هي بداية حضارة علمانية عالمية لكافة البشر من النوع الذي يحلم به الملحدون الإنجيليون. في اليونان القديمة وروما، لم يكن الدين منفصلا عن بقية النشاط البشري، وكانت المسيحية أقل تسامحًا من هذه المجتمعات الوثنية، ولكن بدونها أصبحت المجتمعات العلمانية في العصر الحديث ممكنة. عن طريق الفصل بين ما هو لقيصر وما هو لله، استطاع بولس وأوغسطين تحويل تعاليم المسيح إلى عقيدة عالمية، وفتحوا الطريق أمام المجتمعات التي لم يعد الدين فيها يتعايش مع الحياة. للأنظمة العلمانية العديد من الأشكال، بعضها ليبرالي، والبعض الآخر استبدادي؛ البعض يهدف إلى فصل الكنيسة عن الدولة -كما هو الحال في الولايات المتحدة وفرنسا في حين أن آخرين  مثل النظام الأتاتوركي الذي حكم تركيا حتى وقت قريب- يؤكد سيطرة الدولة على الدين. وأياً كان شكلها، فإن الدولة العلمانية ليست ضمانًا لثقافة علمانية. لدى بريطانيا كنيسة مرجعية، ولكن على الرغم من ذلك أو على الأرجح بسبب ذلك الدين له دور أقل في السياسة منه في أمريكا، وهو أقل انقساما في العلن مما هو عليه في فرنسا.

لا توجد أي إشارة في أي مكان تقول بأن الدين يتلاشى بعيدًا.

الملحدون العرب

لا أدري ما السبب وراء هذه الازدواجية الغريبة لدى الملحدين العرب الجدد، فهم ملحدون للنخاع في كتبهم وجلساتهم الخاصة، بينما يحاولون جاهدين إخفاء ذلك عند مواجهتهم للجمهور، وأنا أعرف الكثيرين منهم ودخلت في جدال معهم في جلسات خاصة مغلقة يجهرون فيها بإلحادهم، بينما أمام الجمهور وعلى الفضائيات يخفون ذلك!

وهناك أمر آخر غريب يميز الملحدين العرب الجدد عن كافة الملحدين في العالم والتاريخ، فهم ملحدون في نصوص الدين الإسلامي بالتحديد، حيث إنهم لا يناقشون فكرة الكون والخلق مثلما اعتاد فلاسفة الإلحاد السابقون، بل يناقشون فقط بعض النصوص الدينية في القرآن والسنة، والتي يسمونها «نصوصاً تاريخية»، ويقولون إنهم يرفضون «سلطانها»، ولا يتعرضون من بعيد أو قريب للديانات الأخرى، اليهودية والمسيحية وغيرهما.

هؤلاء الملحدون العرب الجدد لا يختلفون كثيرا عن إخوانهم من الليبراليين الجدد، وكل الجدد الذين ظهروا أخيرا، والذين لا همّ لهم الآن إلا الترويج لإسرائيل والسلام والتطبيع معها. ولا غرابة أن نجدهم على علاقات وطيدة بـ «جمعية المؤرخين الجدد»، التي ظهرت في إسرائيل منتصف الثمانينات بعد اتفاقية كامب ديفيد، وتغلغلت في الأوساط الثقافية العربية تحت خدعة مهاجمة الأساليب الصهيونية في احتلال فلسطين.

بينما هي تسعى لتخليص إسرائيل من أعباء ماضيها البغيض حتى يقبل العرب التطبيع معها، وقد استعانوا بالملحدين العرب الجدد لطمس آيات الإدانة والعداء لليهود في القرآن، عن طريق التشكيك في العديد من آيات القرآن تحت مقولة انها فقدت سلطانها ونفوذها بمرور الزمن. وهذا في حد ذاته ضرب وطعن في صميم العقيدة الإسلامية، القائمة على خلود النص القرآني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

قصة الخليل مع النمرود‏​

‎‎تعتبر قصة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) من أهم الأدلّة التي أعجزت رأس الإلحاد والملحدين وأبطلت كافّة حججهم الباطلة.

يقول الله سبحانه وتعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (البقرة: 258). ‏​

‎‎ والمتأمل لسياق الآية يجد أن سيدنا إبراهيم ساق للنمرود مجموعة من الأدلّة التي أعجزت إلحاده، فقال له: «قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ»

قد قال تعالى في إثبات التوحيد والرد على الوثنية الشركية: {أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} (الأنبياء:21 ـ 24)

وفي موضع آخر قال: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً} (الإسراء:42)

وفي موضع آخر قال: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (المؤمنون:91)

ولما لم يُجدِ الدليل العلمي العقلي على بطلان مُدَّعَاهم، أتاهم بأدلة حسية مادية من الواقع تثبت بطلان ألوهية الأصنام، فقال: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً} (الفرقان:3)، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج:73)



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق