الجمعة، 18 يونيو 2021

نظرات تربوية لابن تيمية

 نظرات تربوية لابن تيمية


للنفوس طبيعة وحركة، ولها أصل يحركها، ولا بد من صلاح الباطن، والأعمال مقصودة لذاتها بخلاف التروك، تلك من مآخذ التربية عند شيخ الإسلام.




سطور تربوية

مع صخب الدنيا وبريقها، وغلبة القيل والقال، وكثرة الخصومة والجدال، والعكوف على الملذات؛ تقسو القلوب، ويعتريها شعث ووحشة، وتستحكم الغفلة، وتنغمر النفوس فيما تهواه من شهوات.

فلعل في هذه السطور التربوية لأبي العباس ابن تيمية، ما يوقظ غافلاً، ويحرّك قاسياً، ويروّض جامحاً، ويحرّر النفوس من رقّ العوائد والمألوفات، وأسر الشهوات والملذات.

معنى “الرباني” و”التربية”

أشار ابن تيمية إلى معنى التربية عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّـمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: ٧٩)، فقال:

“«والرباني» منسوب إلى ربّان السفينة ـ على الأصح ـ؛ لأنهم منسوبون إلى تربية الناس، وكونهم يربّونهم.

ولما مات ابن عباس، رضي الله عنهما، قال محمد بن الحنفية: “اليوم مات ربّاني هذه الأمة”؛ لكونه كان يؤدبهم بما أعطاه الله من العلم، فيأمرهم وينهاهم، ولهذا قال مجاهد: هم الذين يربّون الناس بصغار العلم قبل كباره، فهم أهل الأمر والنهي والأخبار، يدخل فيه من أخبر بالعلم، ورواه عن غيره وحدّث به، وإن لم يأمر وَينْه، وذلك هو المنقول عن السلف في “الرباني”. (1)

فالحاصل أن التربية ـ عند هؤلاء السلف ـ بمعنى “التأديب والتعليم، والأمر والنهي”.

والتربية بهذا المعنى قريبة من معنى التزكية، فالتربية لغةً تتضمن معنى الزيادة والنمو، وكذلك التزكية هي النمو والارتفاع، ثم إن التزكية ليست تطهيراً من الذنوب فحسب، بل هي نماء وصعود بفعل المأمورات، وهذا ظاهر في معنى التربية، فهي أمر ونهي، وتأديب وتعليم.

قال ابن تيمية:

“الزكاة في اللغة: النماء والزيادة في الصلاح، فالقلب يحتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح، كما يحتاج البدن أن يربَّى بالأغذية المصلحة له، ولا بد مع ذلك من منع ما يضره، فلا ينمو البدن إلا بإعطاء ما ينفعه، ودفع ما يضره، كذلك القلب لا يزكو فينمو ويتمّ صلاحه إلا بحصول ما ينفعه، ودفع ما يضره”. (2)

فيلحظ في هذا التقرير أن “التزكية” بمعنى “التربية”، فكلاهما نماء وزيادة، ثم إن التزكية والتربية لا بد فيهما من فعلٍ وتركٍ، وجلب ما ينفع ودفع ما يضر، كما هو مبيّن فيما يلي:

التربية فعل وترك، فهي فعل المحبوب وترك المكروه، والقيام بالمأمورات، والكفّ عن المنهيات، وكذا التزكية بفعل الحسنات، وترك السيئات؛ فالتربية النافعة بالأعمال والأفعال وليس بمجرد الترك والامتناع، إذ إن العمل يبعث على الترك، والعمل بالمأمورات مقصود لذاته بخلاف ترك المنهيات.

[للمزيد: الاستقامة مفهومها وأحوالها]

العمل مقصود لنفسه، والتروك مقصودة لغيرها

وهذا معلم تربوي جليل احتفى به أبو العباس في عدة مواطن؛ فقال، رحمه الله:

“والنفوس خُلقت لتعمل، لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح، وإلا لم يترك العمل السيئ، أو الناقص”. (3)

فترك المشروع يوقع في الممنوع، والإعراض عن التربية بالعلم النافع والعمل الصالح يوقع في التربية بجهالة وابتداع.

ولذا قال:

“هكذا أهل البدع لا تجد أحداً ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل، إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئاً من السنة.. فمن لم يفعل المأمور فعل بعض المحظور، ومن فعل المحظور لم يفعل جميع المأمور”. (4)

فالصوفية ـ مثلاً ـ لما أعرضوا عن السماع المشروع، وفتروا عن سماع مواعظ القرآن؛ أقبلوا على التعبد بسماع القصائد، والولع بالنشيد المبتدع وتوابعه.

“ومتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث”. (5)

حصول التربية بالعمل

ولئن كان أبو العباس ابن تيمية إماماً كبيراً محقِّقاً في تقرير الصفات الإلهية ونقض مقالات المعطلة الذين يصفون الله بالسلوب والنفي؛ فقد كان ربانياً عالماً بالله في ترسيخ التربية العملية، ونقد أرباب الرياضة والتربية والتزكية القائمة على النفي والترك، كما في قوله:

“وأما المعطلة من المتفلسفة ونحوهم فيغلب عليهم النفي والنهي، فإنهم في عقائدهم الغالب عليهم السلب: ليس بكذا، ليس بكذا.. وفي الأفعال الغالب عليهم الذم والترك من الزهد الفاسد، والورع الفاسد: لا يفعل، لا يفعل.. من غير أن يأتوا بأعمال صالحة يعملها الرجل فتنفعه، وتمنع ما يضره من الأعمال الفاسدة، ولهذا كان غالب من سلك طرائقهم بطالاً متعطلاً”. (6)

الدراية بحقيقة النفس، وأدوائها

التربية تقوم على الدراية بحقيقة النفس وطبيعتها، ومعرفة آفاتها وأدوائها، وطالما تحدث أبو العباس عن هذه القضية، ومن خلال علم عميق بالنصوص الشرعية ودراية متينة بطبائع النفوس وكمائنها وعللها.

فأصدق ما يسمى الإنسان أنه حارث وهمام، كما ثبت في الشرع والواقع، وأن الإنسان له قوتان: قوة علمية وقوة عملية. (7)

وأن الإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا؛ لأنه لا بد له من حركة تجلب منفعته، وتدفع مضرته؛ والشرع هو الميزان في تحقيق وضبط تلك المنافع والمضار في المعاش والمعاد. (8)

فالإنسان بطبيعته لا ينفك عن علم وفكر “هَمّام”، كما لا ينفك عن عمل وسعي “حارث”، وجاءت نصوص الوحيين مستوعبة لتلك الطبيعة والجبلة، وجاءت محققة لكمالها ونجاتها وسعادتها في الدارين.

كما تحدّث أبو العباس عن آفات النفس البشرية وأدوائها، وسبل علاجها وشفائها، فكان رحيماً بنفوس الخلق، عليماً بالحق، فطالما تحدّث عن هذه الأدواء بعلم وعدل، وعالجها بإنصاف وواقعية، مجانباً المثالية الجامحة عند المتصوفة ونحوهم، كما هو مبسوط في موضعه.

كفاية المنهج القرآني

نجزم أن القرآن العظيم في الشفاء والغَناء في كل مجالات الحياة، وفيه من الحِكم والمعاني ما لا تنقضي عجائبه. (9) قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْـحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان: 33). قال ابن تيمية:

“والقرآن قد دلّ على جميع المعاني التي تنازع الناس فيها دقيقها وجليلها”. (10)

وقال سبحانه: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (العنكبوت: 51)؛ قال ابن تيمية:

“فزجر من لم يكتف بالكتاب المنزل”. (11)

فالقرآن فيه الهداية والكفاية لتحقيق منهج تربوي تام.

وقد جرّب وذاق الأستاذ الكبير محمد قطب هذه الحقيقة الجليلة فقال:

“كنت في ضائقة نفسية شديدة لا يبدو في ظلمتها بصيص من النور.. وكان القرآن كتابنا الأوحد الذي نقرأ فيه.. وكنت إلى تلك الليلة قد قرأته ـ كله ـ ثلاث مرات أو أربعاً، وعشت فيه كل لحظة من النهار والليل.

وفجأة ـ في تلك الليلة ـ أحسستُ بصفاء ذهني وروحي غير معتاد، وفجأة كذلك أحسست بمجموعة من الخواطر تنثال على نفسي متتابعة كأنها درس محفوظ!

يا عجباً! هذا منهج متكامل للتربية الإسلامية لم يخطر في نفسي أبداً من قبل! منهج متكامل لا يترك صغيرة ولا كبيرة”. (12)

ورحم الله أبا “الوليد الباجي” لما قيل له: هل قرأتَ أدب النفس لأفلاطون؟ فقال: قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله.

[للمزيد: الاستشفـاء بالقرآن .. لأمراض الفرد والأمة]

أصل التربية في صلاح الإرادة

تحدث ابن تيمية عن الباطن، والقلب، وصلاح الإرادة، وصحة القصد والنية، وأن هذا هو الأصل، فإذا صلح القلب صلح الجسد كله، والقلب ملِك؛ فإذا طاب الملك طابت جنوده، كما جاءت بذلك النصوص الشرعية والحقائق الواقعية، فإن ذلك يجده الإنسان في نفسه، وأن الإرادة القلبية هي أصل كل حركة وفعل.

“وقد كانت هذه الحقيقة معروفة في الفكر الإغريقي، ثم تبنّتها في القرن العشرين المدرسة النفسية المسماة “الغرضية”، وقد كان لها رواج خصوصاً على يد “مكدوجل”، الذي قال: إن وراء كل سلوك إنساني نزعة أو غريزة فطرية دافعة، ولكن هذه المدرسة اندثرت في غمرة رواج المدارس التجريبية التي تفسر السلوك الإنساني تفسيراً حيوانياً، بل آلياً.

ومن أكثرها مناقضة: “بافلوف”، التي عكست فجعلت الأفعال الخارجية هي مصدر المشاعر الداخلية، وعلى منوالها تسير المدارس التجريبية الأمريكية المعاصرة”. (13)

مواجهة الشهوات والشبهات بالنور الصافي أو بما دونه

وفي عصرنا المكتظ بركام الشهوات، وأكوام الشبهات، ومع غلبة الجهالات، وفتور حجج الرسالات، وانحسار العلم الشرعي، واندراس التعبد النبوي؛ قد توجد مدافعة لهذا التيار الجارف عبر “محاضن تربوية” تسعى إلى التوقي من هذا الواقع المتردي، لكن هذه المحاضن لا تخلو من محدثات وتجاوزات.

وقد حرر ابن تيمية الجواب عن هذه النازلة بعلم وتحقيق، ودراية بقواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ فقال:

“قد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريقة المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدَث لعدم القائم بالطريقة المشروعة علماً وعملاً، فإذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصافٍ، وإلا بقي الإنسان في الظلمة.

فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة، إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية”. (14)

فأبو العباس يعالج واقعاً مكروراً عبر القرون والأزمان، فبقاء محاضن تربوية إسلامية ـ مصحوبة بخلل وابتداع ـ خير من زوال ذلك كلّه، ثم يعقب ذلك ريح عاصف من الشهوات الموبقة لا تبقى ولا تذر!

ولا يعني ذلك أن أبا العباس يجعل ذلك مشروعاً مأثوراً، إذ الشرع ما شرعه الله ورسوله، فالجهة ها هنا منفكة، كما في موقفه من الذين يصعقون عند سماع القرآن، فهذا واقع لبعض المتعبدة بلا تصنّع ولا تكلّف، وحال هؤلاء خيرٌ من قساة القلوب الذين لا تحرّك زواجر القرآن فيهم ساكناً.

ومع هذا فإن ذلك الصعق ونحوه ليس عملاً مشروعاً، إذ لم ترد به نصوص الوحيين، وليس من حال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وهم أعمق هذه الأمة علماً، وأبرّها قلوباً، وأزكاها نفوساً.. والله المستعان.

معرفة النفوس ومراتب الخطر

لا تتم التربية إلا بالمعرفة بالنفوس وطبيعتها وآفاتها، ومعرفة مبدأ صلاحها ومحرك أعمالها، وهو الإرادة، وأنها خُلقت لتعمل لا لتتبطل، فالبَطال هالك في الدنيا وهو من أهل النار في الآخرة «الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلا ولا مالا».

والموازنة بين الإبقاء على خير فيه ودَخَن أو لا خير على الإطلاق، لا بد من الإبقاء على الخير المدخول بدلا من افتقاد أصله.

إن العلم، بالشرع والنفوس، والعدل القائم عل تحرير المسائل من أجل الله والنظر الى الأمور بتجرد هو أمر ضروري للخروج بالمسلمين من ركام الشهوات وأكوام الشبهات. والله تعالى الهادي الى صراط مستقيم.


هوامش:

  1. جامع المسائل 3 /36-65 = باختصار.
  2. مجموع الفتاوى 10 /96، وانظر: 10 /628.
  3. اقتضاء الصراط المستقيم 2 /617.
  4. الإيمان ص 164 و165 ـ باختصار.
  5. اقتضاء الصراط المستقيم 2 /597.
  6. الفتاوى 20 /126.
  7. ينظر: الفتاوى 4/32، والدرء 3/274، والرد على المنطقيين ص 144، 433.
  8. ينظر: التدمرية ص 500، والمجموعة العلية 2/201، وجامع الرسائل 2/221.
  9. ينظر: النبوات 2/876.
  10. الدرء 5/56.
  11. الفتاوى 19/67.
  12. منهج التربية الإسلامية لمحمد قطب ص 8 و9 ـ باختصار.
  13. ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي 1/132 ـ باختصار.
  14. مجموع الفتاوى 10/364، وينظر: اقتضاء الصراط المستقيم 2/616.

المصدر:

  • مجلة البيان العدد 322 جمادى الآخرة 1435هـ، إبريل 2014م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق