الجمعة، 18 يونيو 2021

كيف واين ومتى تم إلغاء المحاكم الشرعية ؟؟

 كيف واين ومتى تم إلغاء المحاكم الشرعية ؟؟


جاء القضاء الشرعي إلى مصر مع الفتح الإسلامي، وأثناء الاحتلال الفرنسي لمصر (1798-1801) جرت محاولات لتنحية القضاء الشرعي، وباءت بالفشل، وظل هذا النظام خلال معظم حكم محمد (1805-1848) وامتد اختصاص المحاكم الشرعية ليشمل: الأحوال الشخصية، والقضايا: المدنية والتجارية والجنائية وكذلك الدعاوى: العينية والعقارية والوقفية، ويبلغ عدد المحاكم الشرعية 137 محكمة مقسمة على ثلاث درجات محكمة شرعية عليا، مقرها القاهرة ولها دائرتا استئناف إحداهما في الإسكندرية والأخرى في أسيوط، وكان يشمل اختصاصها البلاد كلها وأحكامها تصدر من خمسة قضاة، و14 محكمة ابتدائية في كل من القاهرة، الإسكندرية، طنطا، الزقازيق، المنصورة، بني سويف، أسيوط، وقنا وكانت أحكامها تصدر من ثلاثة قضاة، و120 محكمة شرعية جزئية متعددة تقع في دائرة اختصاص كل محكمة ابتدائية وأحكامها تصدر من قاض واحد، وكان للمحاكم الشرعية الولاية الكاملة على كل ما يختص بالأموال.

وفي سبتمبر 1955 صدر قرار بإلغاء المحاكم الشرعية، بعد حملة شرسة قامت بها صحف القاهرة لطخت فيها القضاء الشرعي بكل ما هو مستقذر، على إثر تلفيق قضية لقاضيين من قضاته الأجلاء، هما فضيلة الشيخ عبد الفتاح سيف، وفضيلة الشيخ عبد القادر الفيل، استخدمت فيها امرأة تحوطها شبهة!


قضية الشيخ الفيل

شيوخ الفضيلة .. كيف تم الغاء القضاء الشرعى؟؟ سامح جميل قضية العصر جريمة الشيخ «الفيل»

الصورة للسيدة شفيقة حامد شاكر ( المُبلغة ) في ثيابها البسيطة المتواضعة، ومظهرها البائس الذى يفتقد عوامل الفتنة، ويشي برقة الحال والجمال، ويباعد بينها وبين تصديق ادعائها بشأن مراودة القاضيين لها عن نفسها، ويكشف عن طبيعة المؤامرة التى استخدمت فيها . السيدة شفيقة تتعثر خطواتها فى ردهات المحكمة فى طريقها لحضور جلسة محاكمة القاضيين عبد القادر الفيل وعبد الفتاح سيف.

ذات صباح، اهتزت مصر، من أدناها إلى أقصاها، لخبر القبض على رئيس المحكمة الشرعية في الإسكندرية… ولأن تهمة القاضي كانت قضاء سهرة حمراء مع ثلاث مطلقات من أصحاب القضايا المنظورة أمامه، ولأن الصحف نشرت مع الخبر أحراز القضية، وصور صاحبة أول بلاغ، انتشر باعة الصحف في إرجاء مصر وارتفع صياحهم: «… إقرأ حادثة القاضي بتاع النسوان»… وتحولت الواقعة إلى فضيحة مدوية… لكن كيف بدأت؟

مساء 21 يونيو 1955، وقفت إحدى السيدات أمام المقدم عبد القادر محمود في مديرية أمن الإسكندرية تقدم بلاغاً كالقنبلة… قالت إن رئيس المحكمة الشرعية في المنشية، واسمه الشيخ عبد القادر الفيل، يراودها عن نفسها.

وسألها الضابط بدهشة وكانت تجيب ببرود وثقة:

* كيف يراودك عن نفسك؟

** طلب مقابلتي على انفراد… ولما سألت موظفاً بالمحكمة عنه قال لي إنه قاضٍ بتاع نسوان… وخلي بالك منه! 

أحمرّ وجه الضابط… حبس أنفاسه… تأمل السيدة من شعر رأسها إلى أصابع قدميها التي ظهر جانب منها داخل الصندل الذي تلبسه، ولا يتماشى لونه مع ما ترتديه من ملابس… ثم عاد الضابط يحاورها من دون أن يفقد دهشته بينما زادت هي من جرأتها وثقتها بنفسها:

* ما اسمك؟

** شفيقة شاكر!

* ما علاقتك بالمحكمة والقاضي؟

** أنا كنت رافعة قضية نفقة لي ولولديّ عطية وفريدة… وحكمت المحكمة برئاسة الشيخ الفيل لي بنفقة 240 قرشاً فقط، على رغم أن دخل زوجي 14 جنيهاً في الشهر، عملت معارضة في الحكم وقدمت المستندات المطلوبة… لكن القاضي ظل يؤجل القضية. وفي الجلسة الأخيرة طلب مقابلتي على انفراد وفهمت منه أنه يرشح لي موظفاً بالمحكمة ليشرح لي سبب المقابلة!

حرر الضابط محضراً بالبلاغ الخطير وضرب كفاً بكف من فرط الذهول الذي أصابه والأسئلة التي تحيره: 

هل يعقل أن يطلب الشيخ الوقور مقابلة إحدى المطلقات على انفراد… وفي نهار رمضان والناس صائمون؟ 

هل يمكن أن تكون السيدة مبالغة في ادعائها؟ 

هل يمكن أن تتلاعب المحاكم في مصر بالمطلقات وشاكيات أزواجهن مقابل سهرات حمراء وممارسات جنسية؟

لم يكن ثمة وقت للدهشة أو التساؤلات. أسرع الضابط إلى إبلاغ كمال الديب محافظ الإسكندرية الذي أشار إلى عرض الموضوع على النيابة العامة… وأن تتم التحقيقات بسرية تامة!داخل أروقة النيابة كانت الأوراق تنتقل بسرعة من مكتب إسماعيل حسن رئيس النيابة إلى مكتب محمود عباس الغمراوي وكيل أول النيابة الذي أسرع بدوره إلى استدعاء السيدة الشاكية شفيقة شاكر، لفحص بلاغها وبدء التحقيق فيه.

بعدها أمر المحقق أن تساير الشاكية القاضي وتتظاهر بقبول عرضه والاستجابة لرغبته في «الخلوة» التي يريدها… وفي الوقت نفسه تأمر النيابة بأن تعمل المباحث التحريات وما يلزم من مراقبات. وبالفعل كانت التحريات تتم على قدم وساق، كما جاء في الأوراق الرسمية؟ 

لكن بعد سبعة أيام فقط عادت شفيقة إلى مديرية أمن الإسكندرية لتفجر مفاجأة جديدة أمام الضابطين اللذين توليا عمل التحريات. قالت السيدة إنها قابلت الشيخ الفيل فعلاً… واصطحبها لمقابلة زميله القاضي عبد الفتاح سيف بعدما اتفق الاثنان معها على اللقاء عند السادسة من مساء اليوم نفسه في مكتب المحامي الشرعي محمد كحيل… وهناك ستنضمّ سيدتان مطلقتان إلى السهرة المرتقبة في إحدى الفيللات…

ثم تقول أوراق القضية ما هو أغرب، فقد انتهى دور شفيقة، وقالت التحريات إن الشيخ الفيل وزميله القاضي سيف وثلاث مطلقات من أصحاب القضايا سيسهرون الليلة في فيللا تاجر معروف بشارع «الأولياء» في منطقة المندرة؟ هنا تهتز أسلاك الهاتف ويرتفع رنين الاستعداد في مكاتب كبار المسؤولين بوزارتي العدل والداخلية.

يُكلّف كبار المسؤولين بمتابعة الواقعة بدقة متناهية قبل إخطار القيادة السياسية بما يجري وسيجري داخل فيللا المندرة… بل يأمر رئيس النيابة بوضع الفيللا تحت الحصار الأمني من الاتجاهات كافة وعدم اقتحام المكان إلا بحضوره شخصياً ومعه باقي أعضاء النيابة العامة! قولوا للريس تقول أوراق التحقيقات ما هو أكثر إثارة وخطورة:«… داخل مكتب المحامي الشرعي حضرت السيدات الثلاث وهن: جميلة فايد، وسعاد الدسوقي، وعزيزة منصور… واصطحبن وكيل المحامي في سيارة تاكسي «أجرة الإسكندرية» في اتجاه المندرة… وتوقفت السيارة عند مزلقان فيكتوريا حيث كان الشيخ الفيل وزميله القاضي الشيخ سيف في الانتظار، ثم اتجهت السيارة بعدما استقلها الشيخان إلى الفيللا القريبة من الشاطئ ونزل ركاب السيارة واتجهوا أفراداً إلى داخلها.

وهنا تعطي النيابة إشارة البدء المتفق عليها، فيهاجم البوليس الفيللا في وقت تأكدت فيه النيابة من أن كل شيء يجري في الداخل مخالفاً للآداب العامة. وما إن اقتحم البوليس الفيللا حتى تولى وكيل النيابة التفتيش والمعاينة بنفسه…

وثبت أولاً أن الفيللا من الداخل كانت معبأة برائحة الحشيش، وأن ثمة مائدة طويلة عليها سمك ولحوم وسبعة كؤوس ومنكرات، بالإضافة إلى «جوزة وماشة». وفي إحدى الغرف مرتبة من القطن مفروشة فوق الأرض وعليها ملاءة سرير فوقها آثار ممارسة جنسية حديثة… وفي إحدى الحجرات كان الشيخ سيف مع إحدى النسوة بينما كان الشيخ الفيل وابنا صاحب الفيللا مع سيدتين.

تقول الأوراق ألقي القبض على الجميع ونقلوا إلى نقطة شرطة المنتزة، وعلى الفور اتصل المحامي العام بوزير العدل الذي تولى بنفسه إخطار القيادة السياسية بعد أخذ رأي مساعديه الذين نصحوه بإبلاغ الرئيس. كان وزير العدل يتوقع أن يعقد مجلس قيادة الثورة اجتماعاً ليقرر إحالة القضاة للمحاكمة أو أن يكون له رآي آخر. لكن جمال عبد الناصر رأى الاكتفاء بأن يقدم القاضيان استقالتهما بهدوء. إلا أن مصطفى أمين وصحيفة «أخبار اليوم» التي كانت سباقة في نشر الأسرار، مهما كانت توابع هذه المغامرات الصحافية، نشرا تفاصيل الواقعة المذهلة على صفحة كاملة تحت عنوان «قضية العصر».هكذا أصبحت القضية على كل لسان، وحديث الصباح والمساء في البيوت والأندية وأماكن العمل والتجمعات ووسائل النقل، ما دفع جمال عبد الناصر إلى التراجع عن قراره السابق وأمر بإحالة القاضيين إلى المحاكمة… وتولى المستشار كامل البهنساوي، رئيس محكمة جنايات الإسكندرية، النظر في القضية وسط ذهول الرأي العام.إلا الشيوختم النظر في القضية في جلسات انعقد بعضها بسرية، وأصبح جميع المتهمين بمن فيهم الشيخ الفيل والشيخ سيف خلف أسوار سجن «الحضرة»…

لكن سرعان ما تخلي النيابة سبيل المتهمين جميعاً ما عدا الشيخ الفيل والشيخ سيف فقد ظلا في السجن رهن المحاكمة! لم يكن الرأي العام متفقاً على رأي واحد. شعر كثر من أبناء مصر بأن شيئاً ما يدبّر للقاضيين اللذين نفيا في التحقيقات تورطهما في التهم المنسوبة إليهما… وقالا إنهما يعرفان بالفعل بعض النسوة المقبوض عليهن في القضية باعتبارهن من أصحاب القضايا المنظورة أمام محكمة المنشية الشرعية. لكن لم يحدث على الإطلاق… أن تم الاتفاق معهن أو مع إحداهن على سهرة حمراء أو سوداء. وعن علاقتهما بفيللا المندرة التي قالت الأوراق الرسمية إنها كانت مسرحاً لممارسة الرذيلة، أقرّ القاضيان بأنهما بالفعل يترددان على هذه الفيللا لصداقة قوية تربط بينهما وبين صاحب الفيللا، وهو تاجر معروف. لكن الصحافيين لم يلتفتوا إلى دفاع القاضيين وتعمدوا إضافة التوابل الحراقة إلى السهرة التي تمت في فيللا المندرة.كانت الاتهامات الموجهة إلى القاضيين أثناء المحاكمة ووفقاً لقرار الإحالة تدور حول:

  • أولاً: قبول رشوة لأداء أحد أعمال الوظيفة، وهو الحكم لصالح الخصوم في القضايا المعروضة عليهم. وكانت الرشوة في صورة ملذات ومخدرات… وعقوبة هذه التهمة الأشغال الشاقة المؤبدة!
  • ثانياً: إحراز مخدرات بقصد التعاطي… وعقوبتها السجن مدة لا تتجاوز خمسة عشر عاماً.
  • ثالثاً: استغلال سلطة وظيفتهما لأغراض ذاتية وهي تهمة عقوبتها السجن.أما المفاجأة الجديدة فكانت أن أحد الأشخاص أقام دعوى الزنا ضد الشيخ الفيل… وظهر أن هذا الشخص هو زوج إحدى المتهمات… وما زالت في عصمته باعتبارها في فترة العدة التي لم تنته بعد.
  • وتراوحت اتهامات باقي المتهمين في القضية حول الرشوة وحيازة المخدرات.ظل الرأي العام متوجساً من تطورات القضية… لم يتخلص الناس من إحساسهم بأن شيئاً خطيراً يدبر للقاضيين اللذين ظلا مسجونين بينما أخلي سبيل باقي المتهمين.

أخيراً صدرت الأحكام في قضية العصر وسط ترقب الرأي العام المصري والعربي… وكانت الأحكام إحدى مفاجآت هذا الملف الخطير الذي عرفه الناس بقضية الشيخ الفيل، على رغم أن في الدعوى قاضياً ثانياً هو الشيخ سيف… لكن شهرة الشيخ الفيل كانت مدوية باعتباره أبرز قضاة المحاكم الشرعية الذي أصبح اسمه فجأة رمزاً لفضيحة كبرى!


تفاصيل القضية

ياسر بكر يكتب : القـاضيان الفيل وسيف على مذابح الفضيحة! السبت : 9 يوليو 1955 صباح ينذر بيوم شديد القيظ من أيام صيف القاهرة، .. زاد من سخونته نداءات باعة الصحف : " اقرأ الحادثة، القاضي بتاع النسوان، فضايح فيلا السيوف !! "، كانت النداءات صادمة وغير مألوفة خاصة أنها متعلقة بشخص قاضيين جليلين هما صاحبي الفضيلة الشيخين عبد القادر الفيل وعبد الفتاح سيف، ومقترنة بأبشع اتهام !!

ومع المساء وكعادة سكان القاهرة، خرج بعضهم إلي شاطئ النيل لاستنشاق نسماته، والجلوس علي المقاهي، لتصدم مسامعه نكتة ظهرت للتو حول الواقعة، وانتشرت انتشار النار في الهشيم، كانت النكتة تقول : " أن شخصا قابل صديقة وسأله مداعبا :: How do you feel ?أي ماذا تشعر، وكلمة تشعر الانجليزية هيfeel وتنطق في العربية ( فيل (وهو اسم أحد القاضيين المتهمين، فيرد الآخر قائلا: I feel safe وهي عبارة تعني بالانجليزية: أشعر بالأمان، لكنها في النطق تجمع اسمي القاضيين المتهمين فلفظ feel هو عبارة كما سلف ينطق "فيل" ولفظ safe الانجليزي ينطق"سيف" وهو في لغتنا يعني الأمان" . .. كانت النكتة وطريقة انتشارها السريع وتداولها في وسائل المواصلات والمحافل العامة ، .. وأسلوب صياغتها، تشي بمؤلفها، وتنبئ عن ما تخفيه وراءها من غرض، .. وعزز هذا الاتجاه مسارعة رسام الكاريكتير بصحيفة "الأخبار .. الممولة بالدولارات الأمريكية " إلي مواكبة زفة "التجريسة " بابتكار الشخصية الهزلية " الشيخ متلوف"، في إسقاط واضح علي الرجلين، ففي إحدى رسوماته صور " الشيخ متلوف" يسير علي شاطئ البحر وقد رفع راية سوداء فوق عمامته ، وعلي الجانب الأخر من الرسم زوج يقول لزوجته التي ترتدي المايوه البكيني : ـ لو كان البحر هو اللي هايج بس .. كنت سيبتك تنزلي البلاج . وفي رسم آخر بعنوان : " الشيخ متلوف في عيد الأضحى " ، صور الرسام الشيخ متلوف أمام محل الجزارة وهو يقول للبائع : ـ اديني خمس أرطال من الفخذة .

أدرك الشعب المصري بحسه الفطري أن وراء تلطيخ الرجلين شيئاً ما، خاصة أن ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 قد بادروا إلي إلغاء الوقف الأهلي في 14 سبتمبر 1952؛ وهو ما يسر للحكام الجدد من ضباط الانقلاب سهولة الاستيلاء علي 170 ألف فدان من أجود الأطيان من أوقاف المصريين (مسلمين ومسيحيين ) أوقفها أًصحابها للإنفاق علي أعمال البر والمؤسسات التعليمية والعلاجية . .. لم تطل الحيرة كثيراً، فسرعن ما أفضت الأحداث عن طبائعها، ففي سبتمبر 1955 صدر قرار بإلغاء المحاكم الشرعية، ودمج قضاءها وقضاتها ضمن القضاء العادي، ولم تكن تلك الحادثة التي تم تلفيقها بإحكام سوي تهيئة المناخ الملائم لإلغائه عبر الإساءة لهذا القضاء ورجاله، .. وبتنحية القضاء الشرعي أفلح ضباط الانقلاب فيما فشل فيه الاحتلال الفرنسي وحكام أسرة محمد علي والاحتلال الانجليزي لمصر .

الحدث

تم ضبط القاضيين عبد الفتاح سيف وكيل محكمة الإسكندرية الشرعية وعبد القادر الفيل قاضي محكمة المنشية في إحدى الفيلات في حالة تلبس بتلقي رشوة جنسية من ثلاث من النساء المتقاضيات، نظير الحكم لهن في القضايا المنظورة أمامهما، وقد أثبت مأمورو الضبط وجود القاضيين في وضع مخل بالآداب وأمامهم كؤوس الخمر، ويتناوبون تدخين نرجيلة عليها مخدر الحشيش، وقد رجحت القرائن الموجودة آثارها على المضبوطات (ملاءة سرير والملابس الداخلية للمتهمين)، التي تم تحريزها عقب إثباتها في محضر الضبط اتصال القاضيين جنسيا بسيدتين من الثلاث. وقد تم إلقاء القبض على القاضيين والسيدات الثلاث، وابني صاحب الفيلا اللذين لهما شقيقة تدعى سعاد، وأنها مدعية في قضية منظورة أمام أحد القاضيين، وكاتب محام وتولت النيابة التحقيق معهم بمعرفة الأستاذين مصطفى سليم ومحمود الغمراوي وكيلي النائب العام بإشراف المحامي العام، وقد حضر إلى الإسكندرية الأستاذ طلخان نوح مدير التفتيش بمكتب النائب العام للإشراف على التحقيق وعرضها على النائب العام.

وقد وجهت النيابة للقاضيين الاتهامات الآتية: أولاً: قبول الرشوة الجنسية في عمل من أعمال وظيفتهما مقابل الحكم لصالح الخصوم في القضايا المرفوعة أمامهما. ثانيا: حيازة المخدرات بقصد التعاطي. ثالثاً: استغلال سلطة وظيفتهما لأغراضهما الذاتية. كما وجهت النيابة تهمة الرشوة وإحراز المخدرات إلى باقي المتهمين، وتبحث النيابة مدى المسئولية الجنائية للسيدتين المضبوطتين، واللتين كانتا مع القاضيين للتأثير على القضاء (سعاد الدسوقي، وجميلة فايد) استناداً إلى بعض المواد في قانون العقوبات بشأن رشوة الموظفين العموميين للحصول على منفعة. وبعد أن استمعت النيابة إلى أقوال السائق خميس محمد مصطفى سائق السيارة الأجرة رقم 1165 أجرة إسكندرية، التي أقلت القاضيين والنساء وكاتب المحامي إلى الفيلا التي ضبطوا فيها، وبعد ورود نتيجة التحليل للنرجيلة والكئوس المضبوطة إلى النيابة، والتي أكدت وجود آثار الخمر ومخدر الحشيش، قرر الأستاذ مصطفى سليم وكيل النيابة الكلية بالإسكندرية:

1 ـ حبس القاضيين الشرعيين، وتم إيداعهما بالزنزانة رقم 22 بسجن الحدراء، كما قرر حبس كاتب المحامي وابني صاحب الفيلا.

2 ـ تكليف الأستاذ سعيد عبد الماجد (وكيل النائب العام) بتفتيش مكتب المحامي الشرعي محمد كحيل، والذي يعمل لديه كاتب المحامي المقبوض عليه ضمن المتهمين، والاطلاع على بعض الملفات والقضايا والأوراق بمكتبه.

3 ـ تكليف الأستاذ أمين أبو العلا (وكيل نيابة العطارين) بالانتقال إلى محكمة الإسكندرية الشرعية للاطلاع على بعض الملفات، وسؤال بعض الموظفين عن أحوال تتصل بسلوك القاضيين، وسماع أقوال محمد مختار حاجب المحكمة، الذي شهد بأن الشيخ الفيل كان يستقبل المتقاضيات في حجرة المداولة، وقد أدلى باشكاتب المحكمة والموظفون بنفس الشهادة التي تطابقت مفرداتها ووقائع أحداثها، كما لو كان الجميع شاهد وسمع الوقائع كلها في وقت حدوثها وبنفس ترتيبها ومن نفس المنظور الرؤية والسماع والإدراك، فجاءت وكأنها نسخ كربونية (.. وهو الأمر الذي لم تثبته بحوث الإدراك علمياً حتى الآن)!!. بما يؤكد أنهم وقعوا تحت وطأة إرادة قاهرة أجبرتهم على ترديد شهادة مُملاة!!

وتسببت الأحداث في إثارة حالة من الفوضى في المحكمة الشرعية على أثر تلقي النيابة، ومحافظة الإسكندرية للعديد من البلاغات التي قدمها متقاضون صدرت أحكام في مواجهتهم، ادعوا فيها أنهم كانوا فريسة للأغراض النسائية، وتضمنت اتهامات جديدة للقاضيين.

الحادث في صحافة القاهرة

صدرت صحف القاهرة في صباح السبت 9 يوليو والأيام التالية وفي صدر صفحاتها العناوين الآتية: • تحقيق خطير مع قضاة شرعيين. • تطور مأساة القاضيين وحبسهما، قاضي المنشية كان يجتمع بالسيدات في غرفة المداولة، محاكمة القاضيين أمام محكمة عسكرية. • اتهام القاضيين الشرعيين بالرشوة والمخدرات واستغلال النفوذ، 3 اتهامات للقاضيين الشرعيين: الرشوة والمخدرات واستغلال النفوذ، حبسهما عسكرياً على ذمة المحاكمة. • مفاجآت في قضية القاضيين الشرعيين، تفتيش المحكمة الشرعية ومكتب المحامي الشرعي، 24 شاهداً يدلون بأقوال خطيرة في التحقيق، البحث عن إحدى السيدتين اللتين ضبطتا في الفيلا. .. وجاء في متون الأخبار التي توالت تباعاً أنه: «في منتصف ليل الجمعة 8 يوليو، وفي تمام الساعة الثانية عشرة والنصف، هاجمت قوة من ضباط أمن الإسكندرية بقيادة البكباشي عبد القادر محمود مفتش مباحث غرب الإسكندرية إحدى الفيلات بشارع الأمناء بمنطقة السيوف بدائرة نقطة بوليس المندرة. وقد رافق قوة الضبط الأستاذ محمود الغمراوي وكيل أول النيابة.

وقد أسفرت الواقعة عن ضبط القاضي عبد الفتاح سيف (رئيس دائرة الاستئناف) جالساً في حجرة الصالون مع السيدة سعاد الدسوقي حول مائدة عليها نرجيلة وثمانية كئوس وقطعة من مخدر الحشيش وطبق فاكهة من الكريز وزجاجة من خمر الزبيب وأخرى من البراندي، ومعهما في نفس الغرفة الحاج درويش مصطفى صالح (كاتب محامي)، وابنا صاحب الفيلا عوض محمود بسيوني وصبري محمود بسيوني (أصحاب شركة بسيوني للملاحة النهرية)، وقد اعترفت المدعوة سعاد الدسوقي أن القاضي عبد الفتاح سيف قد اتصل بها جنسياً بإرادتها لرغبتها في أن يصدر حكماً لصالحها ضد مطلقها بعد أن تأجل نظر القضية أكثر من مرة، وقد عثر الصاغ علي لطفي في إحدى الحجرات على ملاءة سرير مفروشة على مرتبة بها بقعة معينة، يرجح أنها من آثار اتصال جنسي، وقطعتين كبيرتين من مخدر الحشيش في ورق مفضض.

وتم ضبط القاضي عبد القادر الفيل (قاضي محكمة المنشية) يحتضن السيدة شفيقة حامد شاكر (المُبلّغة) بالفراندة الموجودة في مقدمة الفيلا، بعد أن انتهى من اتصال جنسي بالمدعوة جميلة علي حسن فايد (حسبما جاء بمحضر الضبط وأقوال شفيقة في التحقيقات)، وكانت شفيقة قد أرجأت اتصال الفيل بها جنسياً لحين وصول القوة معتذرة بأن رائحة الحشيش قد أثرت عليها.


تحريات المباحث

جاءت تحريات المباحث كما يلي:

« أنه في يوم 22 / 6 / 1955، نحن البكباشي عبد القادر محمود مفتش مباحث غرب الإسكندرية حضرت إلينا السيدة شفيقة حامد شاكر وتعمل مدرسة سابقة بروضة أطفال مصطفى كامل ومقيمة في العنوان رقم 7 شارع ابن خليفة بالباب الجديد، وأبلغتنا شفاهة أن القاضي عبد القادر الفيل يراودها عن نفسها، وأضافت أن لها قضية نفقة منظورة أمام محكمة المنشية وأمام ذلك القاضي، وأنه في رمضان الماضي استدعتها المحكمة لحلف اليمين القانونية عن دعوى النفقة التي أقامتها، وقد طلب منها القاضي أن تحضر في اليوم التالي، وقال لها: ـ يجب أن تكوني لطيفة وبنت حلال.. وبلاش تكبر. وأوضحت أنها لما سألت محاميها عن معنى هذه العبارات قال لها: ـ إن القاضي يميل إلى النساء، ويحكم لمن تسمع كلامه. وعندما ذهبت في اليوم التالي استدعاها القاضي في غرفة المداولة ـ وكان ذلك في نهار رمضان ـ وفوجئت بوجود بعض السيدات، وأن الشيخ الفيل يأتي أعمالاً منافية للآداب، لذا خرجت من المحكمة إلى المحافظة، وأبلغتنا بالأمر. .. وبناء عليه تم عرض الأمر على محافظ الإسكندرية السيد كمال الديب، فأشار سيادته بعد إجراء العديد من الاتصالات مع المسئولين في وزارتي الداخلية والعدل بعرض الموضوع على النيابة العامة، وأن تتم التحريات بشكل أوسع وأدق وفي سرية تامة.

تم عرض التحريات على الأستاذ إسماعيل حسن رئيس النيابة، فأشار إلى محمود عباس الغمراوي وكيل أول النيابة باستدعاء السيدة الشاكية لفحص بلاغها وبدء التحقيق فيه. بعد استيفاء المحضر ومناقشة الشاكية أمر وكيل أول النيابة بالاتفاق معها على أن تساير القاضي، وتتظاهر بقبول عرضه والاستجابة لرغبته في «الخلوة» التي يريدها، على أن تقوم المباحث بعمل التحريات وما يلزم من مراقبات لضبط الجريمة.

وفي الموعد الذي أبلغته لنا الشاكية، وفي تمام الساعة السادسة والنصف توجهت ومعي الصاغ علي لطفي واليوزباشي محمد توفيق، وقبعنا بالقرب من مكتب المحامي كحيل في شارع الحضري، فشاهدنا المُبلغة تحضر إلى المكتب ثم تخرج بعد قليل، وعلمنا أن السيدتين (سعاد الدسوقي وجميلة فايد) ستحضران بعد قليل، وأنهما لدى أحد الحلاقين لتصفيف شعرهما. وفي الساعة 30 , 7 خرج الحاج درويش (كاتب المحامي) ومعه شخص آخر، وركبوا ومعهم النساء سيارة رقم 1165 أجرة الإسكندرية، وعندما وصلت السيارة إلى فكتوريا نزل درويش والشخص الآخر وتوجها إلى محطة ترام فكتوريا، واصطحبا شخصين معممين (القاضيين) وركبوا السيارة، وبمراقبة السيارة تبين أنها توقفت أمام فيلا بشارع الأمناء ونزل منها الجميع ودخلوا إلى إحدى الفيلات. واتصلنا بالأستاذ محمود الغمراوي وكيل أول النيابة الذي حضر في تمام الساعة 30 , 9، وانتظر معنا حيثُ تمت المداهمة في تمام الساعة الثانية عشرة والنصف.

مفاجآت لم تكن في الحسبان

الشيخان عبد القادر الفيل وعبد الفتاح سيف في 9 يوليو 1955.

أثناء تحقيقات النيابة حدثت مفاجآت لم تكن في الحسبان، فقد تقدم المدعو نجيب يوسف محمد بطعن إلى النيابة بشأن حفظ جريمة الزنا بالنسبة لزوجته السيدة جميلة فايد، التي ادعت في التحقيقات بما يخالف الحقيقة أنها مطلقة منذ ثلاث سنوات، بما ينطوي على جريمة الإدلاء ببيانات مكذوبة في محرر رسمي بغرض تضليل سلطات التحقيق، وقدم الزوج ما يفيد أنها لا تزال بعصمته حتى تاريخه، وطلب إقامة دعوى الزنا ضدها هي والقاضيان.

ووجدت النيابة نفسها أمام مفاجأة تصم قرارها بالعوار، فيما يتعلق بحفظ جريمة الزنا والفسق للسيدات باعتبارهن راشيات اعترفن بتقديم الرشوة الجنسية، ومع عجزها عن إيجاد المواءمة بين قرارها المعيب وحق الزوج في إقامة دعوى الزنا، وخاصة أن الزوجة معترفة بارتكابها للجرم، وجدت النيابة مخيرة بين أمرين هما: أن تطبق صحيح القانون فتغير القيد والوصف لتصبح الجريمة زنا، يترتب عليه تغيير المواقع القانونية لجميع المتهمين؛ فيتحول الرجال إلى شهود والنساء إلى متهمات، أو تتمسك بالاتهام بالرشوة وتهدر صحيح القانون الذي أعطى الزوج الحق في إقامة دعوى الزنا ضد زوجته حال ثبوتها.

ومع توجيه اللوم لمأموري الضبط ومجرى التحريات؛ قرر ضباط المباحث إلقاء طوق النجاة للنيابة؛ بإخفاء جميلة عن العدالة مع مداومة الرد على مخاطبات النيابة بشأن قرار ضبطها وإحضارها، بأنه لم يستدل على محل إقامتها وجارٍ البحث عنها... إلى أن تم الحكم في القضية بما اعتراها من الثغرات والثقوب الكبيرة التي عجزت النيابة عن رأب صدعها؛ فقد خلت أوراق القضية من تقرير طبي يفيد تناول القاضيين للخمر أو مخدر الحشيش، كما خلت من أي تقرير فني بشأن ملاءة السرير والملابس الداخلية للرجلين، ولم تتضمن سوى قول مرسل يدعو للسخرية منسوب إلى الصاغ علي لطفي يزعم فيه وجود آثار سائل تبين له بحاسة الشم أنه سائل منوي!! .. أن محضر التحريات ينطوي على قدر كبير من عدم المعقولية؛ قد جاء فيه أنه عند محطة فكتوريا، نزل درويش ومعه شخص آخر، واصطحبا القاضيين إلى السيارة التي تقل النساء. ويبقى السؤال: كيف يتسنى ركوب سيارة حمولتها أربعة ركاب لسبعة ركاب بخلاف السائق؟! تناقضات كثيرة


في أقوال المُبلغة

كانت شخصية المُبلغة السيدة شفيقة حامد شاكر أحد جوانب العوار في القضية، فهي كما ثبت في التحقيقات أنها مدرسة (سابقة) في روضة أطفال مصطفى كامل، وأشيع وتردد في أوساط المجتمع السكندري أنها مفصولة من العمل في روضة الأطفال، وأنها ساقطة (مسجلة آداب)، وتعمل مرشدة للبوليس، لكن أوراق الدعوى قد خلت من بيان الحالة الجنائية للسيدة. وكما كان شخص المبلغة تحوطه شبهات كثيرة، كانت أقوالها مشوبة بالالتباس؛ فجاءت متناقضة، فقد ذكرت أن القاضي:

« قد طلب منها أن تحضر في اليوم التالي، وقال لها: ـ يجب أن تكوني لطيفة وبنت حلال.. وبلاش تكبر. وأوضحت أنها لما سألت محاميها (كحيل) عن معنى هذه العبارات قال لها: ـ إن القاضي يميل إلى النساء، ويحكم لمن تسمع كلامه ». وفي موضع آخر: «أنها ذهبت في الموعد المحدد، وأن القاضي طلب منها أن تكون لطيفة وبنت حلال، وعندما سألته عن ذلك، قال لها: نظمي حيفهمك (نظمي اسم الشهرة لدرويش)». وبخصوص الإبلاغ تناقضت أقوالها أيضا، فذكرت أن: « وعندما ذهبت في اليوم التالي استدعاني القاضي في غرفة المداولة ـ وكان ذلك في نهار رمضان ـ وفوجئت بوجود بعض السيدات وأن الشيخ الفيل يأتي أعمالاً منافية للآداب، لذا خرجت من المحكمة إلى المحافظة، وأبلغت بالأمر». وفي موضع آخر: « أنها اصطحبت معها والدها حامد أفندي شاكر الموظف بوزارة الأوقاف، وقابلا القاضي، وأن والدها هو الذي اصطحبها للإبلاغ ».

الجدير بالاهتمام في الأمر كله، والذي ينسف ادعاءات المُبلغة من جذورها أن الشيخ عبد القادر الفيل، كان قد أصدر حكماً في قضيتها يقضي لطفلتيها (فريدة وعطيات محمد حجازي) بنفقة شهرية قدرها 240 قرشاً شهرياً، وبذلك انتهت ولاية محكمة أول درجة على القضية، بما يترتب عليه هدم أركان جريمة الرشوة الجنسية!!، ويدحض كل ما جاء بأقوالها من مزاعم في عريضة الإبلاغ بشان استدعاء القاضي لها، ومراودته لها عن نفسها، ويهد ما جاء باعترافاتها في محضر الضبط وتحقيق النيابة!!

لماذا ثار الشيخ الفيل

وفي صباح يوم الثلاثاء 12 يوليو، تحددت جلسة للنظر في طلب المعارضة في أمر حبس المتهمين الخمسة، وعندما وقع نظر الشيخ الفيل على ابنه وكيل النيابة يغالب دموعه، انفعل بشدة وقال بصوت مرتفع وكأنه يريد أن يدفع عن الشاب شراً مستطيراً، ويحميه من خطر داهم، ويبعده عن مرمى نيران قد تطول حاضره ومستقبله:

« يا ابني.. أنت بريء مني، اذهب الآن، وأعلن في البوليس أنك تتبرأ مني، ومن أبوتي.. أنا فاسد، ولا أستحق أن أكون والداً لمثلك».

وفي صباح يوم المحكمة ثار الشيخ الفيل ثورة عارمة، وأخذ يردد: «أعوذ بالله.. ما هذه الأخلاق!! ». وكان المتهمون قد أُحضروا من السجن، وتم إدخالهم إلى البدروم المخصص في دار المحكمة لحجزهم ريثما يحل موعد نظر القضية، والتف حول القاضيين بعض المتهمين أحدهم قاتل زوجته وآخر من ذوي السوابق متهم بكسر أنف محام، وثالث متهم بتزوير توقيع أحد كبار رجال الدولة، وفجأة همس صاحب السوابق في أذن الشيخ بكلمات غير مسموعة، وثار الشيخ ثورة عارمة، وعندما سأله الحراس عما أثار غضبه قال:

ـ « تصوروا هذا الرجل يطلب مني أنا.... قطعة حشيش ».

كان القاضي عبد الفتاح سيف يبتسم في لامبالاة بما يحدث، ويردد بين الحين والآخر: « يا فرج الله »، وعندما سأله الحراس عما يقصد قال: ـ « إن الله وحده هو الذي يعلم سرائر الناس.. سامح الله بعض الناس».

الحكم

وأصدرت المحكمة حكمها برئاسة المستشار محمد كامل البهنساوي الذي قضى: ـ الأشغال الشاقة المؤبدة وغرامة ألفي جنيه للشيخ عبد القادر الفيل رئيس محكمة المنشية الشرعية، وبراءته من تهمة الزنا! ـ الأشغال الشاقة المؤبدة للشيخ عبد الفتاح سيف وكيل المحكمة وغرامة ألفي جنيه. ـ السجن خمس سنوات وغرامة خمسمائة جنيه لكل من الشابين أصحاب الفيلا. ـ السجن 7 سنوات وغرامة 500 جنيه لدرويش مصطفى كاتب المحامي الشرعي. ـ براءة جميع النساء!

لغز القضية

بنظرة فاحصة لأوراق القضية، ينفك لغزها ويتضح أمران هما: 1 ـ أن خيطاً واحداً يربط بين جميع أطراف القضية، وهو درويش (كاتب المحامي). 2 ـ أن هذا الرجل تم تسخيره ببراعة شيطانية من قبل إرادة شريرة للإيقاع بالقاضيين بإحكام شراك المؤامرة عليهما، ليبدأ دور امرأة تحوطها شبهة، في إضفاء الشرعية لتقنين إجراءات التلفيق لجريمة قذرة ببلاغ افتقد منطقية دوافعه!! .. لكن كيف بدأ دور (كاتب المحامي) في استدراج القاضيين؟! تقول أوراق الدعوى، وكما ورد في أقوال القاضيين، إنه علم بحكم تردده على المحكمة أن القاضيين يبحثان عن منزل لاستئجاره لأقارب أحدهما لقضاء فترة المصيف، وأنهما كلفا بعض موظفي المحكمة بتلك المهمة، فأوهمهما كذباً بأن لديه الفيلا المناسبة، واتفق معهما على موعد لمعاينتها. وفي ذات الوقت أوهم النساء اللاتي لهن قضايا في مكتب المحامي الشرعي الذي يعمل لديه بأنه يستطيع ترتيب مقابلة لهن مع القاضيين بعيداً عن جو المحكمة يستطعن خلالها الحصول على كل ما يردنه. وفي نفس الوقت أوهم ابني صاحب الفيلا بأنهما يستطيعان الحصول على حكم لشقيقتهما المطلقة (سعاد) يقصم ظهر مطلقها، ويجعله يعود إليها راكعاً يعض أصابع الندم مقابل أن يجهزا قعدة مزاج للقاضيين!!

لماذا الشيخان بالذات؟

كان الرئيس عبد الناصر شديد الحساسية من ناحية أهله.. فكان يكفي أن يبلغه أن أحداً من الناس قال شيئاً ما عن أحد أقاربه حتى يضعه على الفور في المعتقل ويتخذ ضده من الإجراءات ما يحلو له.. وهذه كانت إحدى نقاط الضعف التي كان يستغلها البعض لينالوا الحظوة عنده وفي نفس الوقت ينالون من أعدائهم.

كان الشيخ عبد القادر الفيل معروفاً بالتهكم على الحكام الجدد، وكان يحكى لأصدقائه عن الحاج عبد الناصر حسين والد الرئيس جمال عبد الناصر، وكيف كان الباشاوات يعطفون عليه، وكان والد الرئيس موظف بريد متواضعاً بالقرب من عزبة أحد الباشاوات، الذي كان يتحف موظف البريد الفقير في المواسم والأعياد ببعض الصدقات، فلما تربع عبد الناصر على قمة السلطة اختار ابن الباشا من دون الخلق ليكون تابعاً له بعد أن وضعه في منطقة وسط بين الشماشرجي والسكرتير. كان عبد الناصر أسير تصفية الحسابات مع الماضي، فقدم إبراهيم باشا عبد الهادي للمحاكمة، ولم ينس للرجل أنه وكزه في كتفه ناصحاً له بأن ينتبه لمستقبله، ويقطع علاقته بجماعة «الإخوان المسلمين »، واستدعى عبد المجيد إبراهيم باشا نائب أبنوب ووزير الأشغال والمواصلات الذي توسط له ليدخل الكلية الحربية ليقول له:

ـ «لا تنس أنك يوماً.. خليتني أركب بجوار سائقك».

ولم ينجُ المستشار محمود عبد اللطيف من التنكيل، والمستشار عبد اللطيف كان يرعاه تلميذاً وتوسط له لدى عبد المجيد إبراهيم باشا، فكان جزاؤه الفصل من القضاء والسجن بتهمة التدبير لقلب نظام الحكم، وظل سجيناً إلى أن أفرج عنه الرئيس السادات بعد انقلاب 15 مايو 1971. وهذا ليس له سوى تفسير واحد وهو الافتراس الطبقي، وحذا الحاج عبد الناصر حسين حذو الابن في معاملة من قدموا إليه المعروف من أهل فضل بعد أن ظهرت أمارات الثراء المفاجئ على أبنائه. .. وكان لابد من الخلاص من الشيخ عبد القادر الفيل رئيس المحكمة بالإسكندرية بعد أن أصدر حكماً ضد الصاغ صلاح سالم يلزمه بدفع نفقة شهرية لمطلقته التي طلقها، وراح يدور في ذيل الأميرة فايزة فؤاد التي سايرته في طيشه حتى ساعدها في تهريب جزء من ثروتها والهروب خارج البلاد، فلم يجد أمامه سوى الملكة فريدة التي طلبها للزواج فلقنته درساً لم يستطع نسيانه رغم التنكيل بالملكة السابقة. لم يكن صلاح سالم هو الطائش الوحيد في العائلة، فقد قام أخوه الأكبر جمال بمحاولة تطليق إحدى السيدات عنوة ليتزوجها، وطبع شقيقه الأصغر كارتاً شخصياً ذكر فيه صفته بـ « شقيق جمال وصلاح سالم». .. وشى الإخوة سالم بالقاضيين، ولاقت الوشاية هوى؛ فتم إحكام المؤامرة وتلطيخهما بقضية افتقدت الدليل على ما جاء بأوراقها من ادعاء يصعب تصديقه.

نهاية مأساوية للقاضي

بعد أن أصدر المستشار محمد كامل البهنساوي الحكم في القضية لقي مصرعه في حادث سيارة، بينما كان يسير على كوبري قصر النيل مع صديقه وكيل وزارة الداخلية بعد أن غادرا نادي الجزيرة وفر قائد السيارة وقيد الحادث ضد مجهول.. ليوارى الرجل التراب، ومعه الكثير من أسرار القضية!

إنهاء القضاء الشرعي

تحت عنوان (انتهاء القضاء الشرعي)، كتبت سعاد القاضي في مجلة روز اليوسف عام 1956 اليوم 1 يناير 1956 ينتهي العمل بالقضاء الشرعي بعد أن انتقل إلى عالم آخر بعد حياة حافلة بالمنازعات والخلافات وشهادات الزور وبيوت الطاعة والحضانة والطلاق. في هذا اليوم، أزيلت اللافتات المثبتة على أبواب المحاكم الشرعية، واستبدلت بلافتات مكتوب عليها "محاكم الأحوال الشخصية"، وأصبح القاضي الشرعي يدعى القاضي الوطني، وأصبح له حق رئاسة المحاكم الجزئية. وأصبح المحامون الشرعيون سابقا، يستبدلون الجبة والقفطان ببدلة وطربوش بعد أن أصبح من حقهم المرافعة في المحاكم الوطنية ومحاكم الأحوال الشخصية.

وقد توقفت في ذلك اليوم، المحاكم الكلية عن العمل لتقوم بتنظيم العمل فيها في ظل الوضع الجديد، أما المحاكم الجزئية فقد أجلت جميع القضايا التي عرضت عليها حتى يتم إخطار ممثل النيابة بهذه القضايا؛ لأن القانون الجديد ينص على جواز تدخل النيابة في الأحكام الجزئية.

المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق