الجمعة، 18 سبتمبر 2026

سلوك الأمم بعيدا عن القيم

 سلوك الأمم بعيدا عن القيم

محمد صالح البدراني


وجوه بلا ملامح

الأزمة الراهنة ليست في غياب القيم، بل في "تسييل القيم". العشيرة أو المجتمع المصغر الذي يستقبل الفاسد كالمنتصر وقد كانت العشيرة تطرد لمجرد المخالفة (تخلعه) لأنه عار، ليس جهلاً بأنه فاسد، بل لأن هنالك إعادة تعريف "الافتخار" بناءً على المنفعة العينية المباشرة، الفاسد هنا يُنظر إليه كـ"صائد مغانم" وليس خائنا للأمانة، والاعتداء عليه يُترجم كاعتداء على النفوذ السياسي للعشيرة، وتغيب العدالة في فورة العصبيات، وفقدان للفتات.

هذا المجتمع هو نتيجة ولادة مزقت رحم الأمة بدأت بتسفيه الطاقات ورفض إمكانية الإصلاح واليأس من الذات في الإنتاج، فالعبقري منهم إنسان عادي فيحبطوه، فهو يضيف مسؤوليات، وأما التافه فيمجدوه. وهكذا فُقدت الثقة بالنفس وأحبطت عناصر الإصلاح ليبقى القطيع وغرائزه، فلا تقل نحن كنا أمة كذا ولا ترثي أو تحتقر أهلك أيضا، وإنما استعلي لترى لا لتتكبر وتعرف المسار السالك بدل الدوران في دائرة الخرفان.

عولمة الفساد البراغماتي

حين ننطلق من "حلف الفضول"، نجد أن فلسفته الأساسية قامت على فكرة "كبح جماح فائض القوة المتغطرسة"، لقد أدرك عقلاء مكة أن ترك النفوذ القبلي (العاص بن وائل) يسحق القيمة الأخلاقية (حق الغريب المستضعف) سيؤدي حتماً إلى انهيار السلم الأهلي وجعل المجتمع غابة، حتى الوجدان الجاهلي إذن أدرك حينها أن ترك الظلم يمر دون رادع قيمي سيحول المجتمع حتماً إلى غابة تلتهم في النهاية صانعيها.

اليوم، المشهد ينعكس عالمياً بشكل مرعب؛ فما يحدث في أعتى الديمقراطيات الغربية كالولايات المتحدة الأمريكية ليس بعيداً عما يحدث في بنية العشيرة المحلية، عندما يتحدث زعيم سياسي بحجم دونالد ترامب -أو من يمثّل تياره- بلغة "الصفقات المالية المشروطة" والوعود النفعية المباشرة الموجهة لفئات أو أحزاب لضمان المكاسب، فإننا أمام "تراجع بنيوي لقيم الديمقراطية" وتحللها إلى "براغماتية نفعية فجة".

هذا التسونامي العالمي لا أدري فيه من يقتبس ممن! فلم يعد الفاسد خارجا عن سياق العصر، بل يرى نفسه "تلميذاً نبيهاً" مع قوة تمنح الحصانة، ومال يشتري الشرعية.

عبقرية حلف الفضول لم تكن في كرم المشاركين، بل في تحويل "المروءة" من شعور قلبي إلى "تحالف تنفيذي". المفكر اليوم عاجز لأنه يعرض "أفكاراً مجردة" وهذه بضاعة كاسدة، حيرة المفكر والمثقف اليوم لا تنبع من جهله بالحلول، بل من "عقم أدواته" أمام أدوات السياسة الحديثة، المفكر يملك "الحجة والتحليل الوجداني والتاريخي"، بينما "السطحيون الجدد" يملكون السلطة التنفيذية والمالية، أدوات التوجيه الجمعي (الخوارزميات ووسائل التواصل).

في الماضي، كانت المؤسسات (سواء كانت مؤسسة الدولة الحديثة أو مؤسسة العشيرة التقليدية المحكومة بأعراف المروءة) تعمل ككوابح، اليوم، تم تفكيك هذه المؤسسات أو "تسييلها" لتصبح مجرد أدوات في يد الفرد القوي. العشيرة التي كانت تطرد الفاسد لحماية اسمها، أصبحت تُختزل في قرار "نخبة براغماتية" داخلها تحدو لها الأمنيات، والدولة التي تدخلت فيها أمريكا لنشر "الديمقراطية" تحولت إلى مسوخ مشوهة، لأن النموذج المُصَدَّر إليها كان مشوهاً أساساً ويقوم على المحاصصة والغنائم، مما جعل البيئة المحلية تتقبل الفساد كـ"آلية بقاء" وليس كانحراف.

خاتمة:

المحاباة في مقاومة الفساد كالسوسة في كوخ من خشب مدهون، تراه لامعا جميلا ولكن لمسة واحدة كافية ليتحول هباءً منثورا وكأنه لم يكن. تسييل القيم عندما تتحول الأخلاق من كوابح ثابتة إلى أدوات لسانية مرنة لخدمة المنفعة، فيُعاد إنتاج الفاسد شعبياً كمنتصر يعدّ نوعا من السادية مستحدثا.

تحول المضايف من منابر لإعانة المظلوم وسد ذريعة الشر، إلى منصات لإصدار بيانات تدافع عن المتهمين بتبديد المال العام بذريعة "الكيدية السياسية"، هو الدليل القاطع على فقدان المعايير الأصيلة التي كانت تعطي الشرعية والحصانة والاحترام لأي منظومة تحولت سلوكيا إلى بؤرة ظلم وتنمر، وغياب الثقة بمنظومة الدولة ومؤسساتها، وهذا له ما يبرره واقعا في سلوك السلطة.

خطورة الأزمة اليوم لا تكمن في وجود الفاسد، فالمنحرفون موجودون في كل زمان ومكان، ولكن الخطورة تكمن في سقوط كوابح الإنكار المجتمعي، عندما تتحول مجالس تزعم الرأي العام إلى منصات لتبرير الانتهاكات وإسباغ الشرعية على المتهمين بتبديد مقدرات العامة، ولا تنصر المظلومين، فإننا ننتقل من الفساد الفردي إلى التحلل الهيكلي؛ وعندما تذهب السلطة إلى الحلقات الضعيفة بل وتؤيد مخاوف المترددين في نصرة المنحرفين عندما تستخدم القوة أو القانون بتحريك الشكاوى؛ تفقد الطهارة الأخلاقية الكاملة في نظر الناس، خصوصا وأنها تترك رؤوس الفساد فسيعود هؤلاء المدانون بشكل آخر ربما أكثر جشعا.

فظاهرة الإخلاف ليست في العظايا بل أسرع منها في الفساد، "، فالفاسد مفضوح إلا أمام نفسه، فهو وحده يظن أنه غير مكشوف وكل التبريرات التي يسوقها محض مادة تندر للجمهور، وهذا سيجعل الفساد مبررا عند كل متمكن من اختلاس أو نهب بحجة أخذ الحق المنهوب، حيث يتحقق فينا التوصيف القرآني الصدّام لآليات الانهيار الحضاري: "كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ". هذا الصمت والتواطؤ النفعي الجمعي هو "لبئس ما يفعلون"، لأنه يشرعن الغابة ويهدم ما تبقى من أساسات الأخلاق العامة، ويكون البنيان آيلا للسقوط مهما دُعِّم بالاستبداد. قال رسول الله: "إنَّما أهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ".

الفيلسوف اليوناني أنارسيس (Anacharsis) الذي زار أثينا في القرن السادس قبل الميلاد؛ له عبارة شهيرة يُبنى عليها هذا الوصف الفلسفي الساخر:"إن القوانين مثل بيوت العنكبوت، تصطاد الحشرات الصغيرة والضعيفة، ولكن الطيور الكبيرة والأقوياء يمزقونها ويمرون عبرها، فيُعاقب ظل الغني ويُجلد جسد الفقير".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق