‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد صالح البدراني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد صالح البدراني. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 28 أغسطس 2026

كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق

 كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق

محمد صالح البدراني 

منهج كيسنجر:

على الرغم من أن ما نشر على لسان كيسنجر أراه لا يتسق مع عبقرية كعبقرية كيسنجر، فأغلبه يبدو قراءة وتحليل ذكي للكاتب، لكن سأفترض صحته لأهمية التصور المبعثر هذا.

أي مفكر عندما يكتب يستحضر تاريخ أمته عمليا، وكيسنجر ليس بدعا من القول خصوصا عندما يناقش منطقة المتوسط الإسلامي، فهو يتحدث منطلقا من نظريات مدنية، دون تفهم للحضارة الفكرية للمنطقة، خصوصا عندما ضرب مثلا بداعش عن الإسلام العابر للحدود، متجاهلاً أن هذا التنظيم، حسب ما تواتر من تسريبات وشهادات وتحليلات متعددة، وُجد في بيئة تداخلت فيها أجهزة مخابرات دولية باتفاقات متباينة النفوذ، وهو ليس الإسلام الصالح لإدارة الحياة في واقعنا كما يفكر به أغلب النخب.

الإسلام غائب وليس له وجود كفكر، والموجود هو التدين الغريزي غالبا، وهو منقطع عن إدارة الواقع منذ زمن طويل. الإسلام غايته العدل والسلطة وسيلة، وهذا غير موجود بينما السلطة غاية كما هو دارج في نظم اليوم، أما المدنية فهي تراكم جهد بشري عالمي ممكن أن ترشَّد بالسلوك الإسلامي المنبعث من جذور القيم، وليس السلوك الجالس على منضدة النفعية فحسب كما نمط الحداثة التي تحتضر اليوم.

فهم كيسنجر للمذاهب كأنها طوائف؛ وواقعاً أن هنالك فرقاً بين المذاهب التي لا غبار عليها وبين الطائفية التي تقع تحت تأثير السياسة، ومجموعة ذات مصالح، غالبا فاسدة لأنها منفلتة أو مشوهة للقيم الحقيقية التي تزعمها


فهم كيسنجر للمذاهب كأنها طوائف؛ وواقعاً أن هنالك فرقاً بين المذاهب التي لا غبار عليها وبين الطائفية التي تقع تحت تأثير السياسة، ومجموعة ذات مصالح، غالبا فاسدة لأنها منفلتة أو مشوهة للقيم الحقيقية التي تزعمها، سواء يزعمون الإسلام مثلا أو الزعم بحماية وانتماء لمذهب. وهذا لا يحتاج إثباتا، فهو أكثر افتضاحا من قرد البابون، فالتداخلات لم تكن بالصيغة التي وصفها وإنما هنالك نوع من تداخل المصالح وركوبها على الطائفة أو العرق، لكن واقعا أن هذا محض أسلوب تخفّي كما يظل الليل وظلامه أي نهّاب.

بريطانيا العراق:

بريطانيا أتت بحكم الاستراتيجية واحتلت العراق واكتشاف النفط ثبتها فيه، لكنها أزالت عن أكتافها كل أوزارها في العراق من استخدام الناس، الهاربين من أوطانهم في الليفي ثم توطينهم بلا سند قانوني، ولم تكن تفكر بالعراق أكثر من الهند لولا تغيير العوامل الجيوسياسية، وتنبه الهنود وتغيير تكتيكاتهم من اجل الاستقلال، فنشأ العراق دولة صعبة المراس تركتها بريطانيا مع ما فيها من الألغام التي تفجرت على العراقيين. فلم تعمل على تكييف أمة نشأت بلا حدود لتتعامل مع الحدود، وتركت كل أيديولوجيات العالم الفاشلة تدخل قوالب على مجتمع عشائري يتعامل بتوازنات اعتاد إحكامها مع السلطات.

فالقومية التي فشلت في الغرب أتت إلى المنطقة، والشيوعية التي لم تتجاوز الاشتراكية طيلة فاعليتها إلى أن انتهت دخلت في العراق، والدعوات الإسلامية التي تشوهت بالتضييق والسجون والمنع لم تكوّن مراكز دراسات وإنما بقيت تنظر إلى الخلف كنظرة أي فاشل يطلب الملامح الطيبة والزمن الجميل في ماضيه، حتى إنهم لم يحسنوا تصريف أمورهم، وربما لو تركوا لكانوا الأقرب إلى نظام جديد أفضل من الوستفالي المكسور (وأظن كيسنجر سيقول هذا)؛ نظام مدني، لأن الإسلام أصلا قابل وقادر على إنتاج الآليات، لكن حملات التشكيك والحروب الكلامية والسجون التي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، لم تعطِ الفرصة للمنطقة لتشكل شخصيتها، وتنتج نظامها الذي يتعامل مع العالم وفق الأساليب المدنية وليس من خلال المصلحة الضيقة التي اختلت بالتجربة عند الاحتكاك مع الآخر في أوروبا، والغزو الإمبراطوري وبعنجهية نيرونية تواجه العالم اليوم بقوة ضاربة مدمرة للحرث والنسل.

العراق خيار صحيح:

اختيار كيسنجر للعراق في الحقيقة يعبر عن بعد نظره؛ ويتناقض مع السعة التحليلية، نعم العراق مقياس، لكن ما برر كيسنجر به هو مقاربات. العراق وسوريا مهمان جدا لإنشاء نظام جديد أو حداثة جديدة إن فسح المجال لهما، حضارة ومدنية ليست محاربة أو مقاتلة كما هو تصور الغرب لنهضة المسلمين، بل حضارة فكرية تحمي الثورة المدنية من الفساد الذي أحدثه التشوه والحرمان والاضطهاد المتعدد الأشكال، وهذا نتيجة طبيعية للقوالب وضغط الشعوب بها، وصراع الأطماع باسم الأيدولوجيات. اتفق إذن أن النظم التي جربت على المجتمع هي نظم فاشلة وجاءت مقولبة ترفع أعلام الطغيان والفساد مغلفة باسم القومية أو الحداثة أو الدين..

العراق والنظم:

لم ينتحر العالم -كما نسب لكيسنجر- في 2003، بل انتحر عندما عادى الإسلام وتركه من الضغط ينتج هذه المسوخ التي تقودها عمليا مخابرات العالم بالصفات المتعددة التي ذكرناها والتي لم نذكرها، أو بشكل الإلحاد والليبرالية


قصة الجيوش وحفاظها على الوستفالية لم يكن الكلام المنسوب لكيسنجر بها موفقا، فمحمود الحفيد ثار مرتين، المرة الأولى كان يخاف على دينه من الغزاة، وينتظر أن تصحو الدولة العثمانية، فلما احتضرت كما احتضرت الدولة العباسية زمن المغول، استحضر الحفيد سيرة عثمان طغرل بك ليكون ملكا على قومه ويقودهم إلى سلطنة أو خلافة جديدة؛ لم يدع إلى قومية، من أحبطه ليس الجيش العراقي وإنما الليفي البريطاني المتكون من أناس أغراب قبل أن يجنسوا لاحقا عراقيا. والجيش الملكي قمع الفتن التي نشأت مع الإنكليز في المنافسات غير العقلانية واستثارة العشائر، أما في العهد الجمهوري فقد حكم العسكر البلد، والعسكر حلولهم معروفة خصوصا عندما يؤدلجون، والأمثلة كثيرة.

عموما بجملة حاسمة يسمح بها المقال؛ أن صراعات أيديولوجيات القوالب المستوردة أوصلتنا من احتلال إلى احتلال.

ما المطلوب؟

لم ينتحر العالم -كما نسب لكيسنجر- في 2003، بل انتحر عندما عادى الإسلام وتركه من الضغط ينتج هذه المسوخ التي تقودها عمليا مخابرات العالم بالصفات المتعددة التي ذكرناها والتي لم نذكرها، أو بشكل الإلحاد والليبرالية. العالم انتحر عندما مكن للكيان الصهيوني أن يظلم اليهود باسم اليهود كما يفعل الفاسدون من ظلم لأهلهم وباسم أهلهم، وأثار الكيان الكراهية والعصبية والتطرف العنصري كما يفعل الفاسدون باسم الإسلام والبعض باسم مسيحية -يهودية الأساطير والأوهام، التي تستخدم التكنولوجيا لتدمير العالم وكأن الأمر واجب مقدس مثل الحروب الصليبية في العصور الوسطى..

نحتاج أن تتنفس هذه المنطقة، أن يسمح لها بفهم عقيدتها وثقافتها، عندها ستشع وتعطي النماذج الإصلاحية ليس عبر الجيوش والأساطيل وإنما عبر التواصل الاجتماعي وما سينتجه العلم من وسائل تقارب بين الشعوب.

الجمعة، 21 أغسطس 2026

قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستة

 قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستة

محمد صالح البدراني

كيف استطاعت مجموعة محدودة من النخب، على اختلاف رؤيتها في الاستراتيجية والتكتيك السياسي؛ أن تؤسس جهازاً إدارياً ومؤسساتياً صلباً استمر في العمل لعقود طويلة حتى بعد اختفاء الفاعلين أنفسهم؟

فخ القاضي:

تعاني الأدبيات السياسية والتاريخية المهتمة بالشأن العراقي من فخ اختزالي مزمن؛ إذ تُصر غالبية القراءات على حصر الجيل المؤسس للدولة الحديثة (ما بعد عام 1921) في ثنائيات قطبية جامدة: إما "نخبة وطنية" في مواجهة الانتداب، أو "أدوات وظيفية" مرتهنة للإرادة البريطانية، وفي مسار موازٍ، يتم اختزال هؤلاء الرجال في نهاياتهم الدرامية والمأساوية؛ فنقرأ العهد الملكي من خلال مشهد انتحار السعدون، أو اغتيال العسكري، أو سحل نوري السعيد، أو تهديد بقايا الليفي للسيادة الوطنية بحكم من أناس يتقمصون دور القاضي بلا معايير ملائمة، ولا يعرفون حيثيات ما يقضون فيه.

هذا الاختزال لا يظلم التجربة التاريخية فحسب، بل يعجز بنيوياً عن تفسير ظاهرة بالغة الأهمية: كيف استطاعت مجموعة محدودة من النخب، على اختلاف رؤيتها في الاستراتيجية والتكتيك السياسي؛ أن تؤسس جهازاً إدارياً ومؤسساتياً صلباً استمر في العمل لعقود طويلة حتى بعد اختفاء الفاعلين أنفسهم؟

تنطلق هذه الدراسة الاستقرائية من فرضية بديلة، تتجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة.

تجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة


التفكيك الفلسفي لأعمدة البناء الستة (المدارس السيادية)

لم تكن الدولة العراقية الناشئة بحاجة إلى حكام متشابهين، بل كانت بحاجة إلى منظومة وظائف متكاملة، ويمكن تفكيك الرؤية الفلسفية لجيل التأسيس من خلال ست مدارس أساسية:

انطلق الملك فيصل الأول من وعي مبكر بأن الدولة لا تُفرض بحد السلاح أو بالنصوص القانونية الجافة ما لم يتشكل في عمقها مجتمع يشعر بوحدة المصير، فكانت مدرسة بناء الأمة عنده تتلخص في أن "الدولة الجغرافية" تسبق "الدولة الشعبوية" في العراق، ولذلك ركز على صياغة هوية وطنية جامعة قادرة على صهر التباينات العشائرية والمذهبية والإثنية في بوتقة المواطنة، انطلاقاً من أن المؤسسات كتل خرسانية باردة ما لم تدب فيها روح الأمة.

وفي مسار متوازٍ، مثّل عبد المحسن السعدون مدرسة الشرعية الدستورية والواجب كما قال كانط، والضمير القانوني للدولة الناشئة؛ إذ لم تكن الدستورية عنده ترفاً سياسياً بل كانت الضمانة الأخلاقية لوجود الدولة، مدفوعاً بإيمان عميق بأن الدولة التي تنتهك قوانينها من أجل مكاسب مؤقتة تحكم على نفسها بالفناء، وهو ما جعل صداماته تنبع من نزعة مبدئية ترى في القانون أصل السيادة.

أما جعفر العسكري فقد أسس مدرسة القوة المشروعة والمؤسسية في بيئة إقليمية مضطربة، مدركاً أن احتكار العنف المشروع هو الشرط الأول لبقاء الدولة، عبقرية فلسفية تجلت في أنه لم ينظر إلى الجيش باعتباره أداة للهيمنة أو بديلاً عن السلطة المدنية، بل بوصفه إحدى مؤسسات الدولة الخاضعة للقانون، لتقدم نهايتها تحذيراً مبكراً من خطورة انزلاق أدوات القوة إلى معترك الصراع السياسي.

ومن جانبه، جسد ياسين الهاشمي مدرسة الإدارة المركزية والبيروقراطية القائمة على مفهوم "الدولة الإدارية، حيث آمن بأن هيبة الدولة لا تنبع من الخطابات، بل من كفاءة جهازها التنفيذي وقدرته على بسط النظام، فكانت البيروقراطية عنده هي العمود الفقري الذي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى البدائية وتُعلي سلطة المؤسسة على الولاءات الفرعية، وفي الديون التي كانت ستستمر دفوعاتها وفوائدها إلى الثمانينات، وسك الدينار العراقي بمتابعة حيدر رستم فأنتج عملة وطنية بدل الروبية الهندية.

وعلى مستوى الجغرافيا السياسية، كان نوري السعيد يقرأ العراق من الخارج إلى الداخل عبر مدرسة الواقعية الاستراتيجية، فلم يكن سؤاله مقيداً بكيفية حكم العراق معزولاً عن العالم، بل بكيفية حماية هذا الكيان الناشئ في بيئة دولية تتصارع فيها الإمبراطوريات، فصاغ فلسفة تقوم على أن الدول الصغيرة تحميها شبكة التحالفات الذكية والموازنات الجيوسياسية المتقنة، لتصبح الدولة عنده وحدة مناورة في نظام دولي معقد لا يرحم الضعفاء.

وبرز جميل المدفعي قائد الميدان ممثلا لجمعية العهد في ثورة تلعفر في 1920، ورجل التهدئة الحكيم ليمثل مدرسة التوازن والاحتواء السياسي وصمام الأمان في لحظات الانسداد؛ فكانت فلسفته تقوم على التسوية والامتصاص والتدخل لمنع تحول التنافس المشروع إلى صراع وجودي صفري، إيماناً منه بأن بقاء الدولة يعتمد على قدرتها على استيعاب التباينات وتدوير الزوايا الحادة، فالحفاظ على الكيان أولى عنده من انتصار أي جبهة سياسية.

القوانين الحاكمة لمعادلة الدولة

بناءً على هذا الاستقراء التاريخي، يمكننا استنباط أربعة قوانين أساسية تشكل الهيكل النظري لـ"نظرية المدارس السيادية":

• القانون الأول (معادلة القوة): قوة الدولة هي حاصل توازن وظائفها السيادية المشتركة، وليست مجموع قوة الحكام الفردية، ويمكن صياغتها رياضياً بأن قوة الدولة تساوي المحصلة بين تلك الوظائف المتكاملة.

• القانون الثاني (قانون الاحتكار والمقايضة الصفرية): كلما تحولت وظيفة سيادية إلى مركز احتكار مطلق، اختل توازن الدولة وتآكلت شرعيتها؛ فإذا طغت مدرسة القوة (الجيش) ماتت الشرعية الدستورية، وإذا طغت مدرسة الواقعية الخارجية (التحالفات) تآكلت الهوية الوطنية والسيادة الداخلية.

• القانون الثالث (قانون الموت السريري للدول): لا تموت الدول برحيل قادتها أو بوفاة رجالها، وإنما تموت عندما تنقطع سلاسل التوريد الفكري للمدارس التي أنشأتها.

• القانون الرابع (عتبة التأسيس الحضاري): تبدأ الحضارة السياسية للدولة عندما تتحول "مدارس الرجال" إلى "مؤسسات مستقلة عن الرجال"، بحيث تصبح الرؤية الفلسفية عقيدة مؤسساتية عابرة للأجيال.

التشخيص الاستقرائي وأزمة الانقطاع التاريخي

فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"


إن التدقيق الاستقرائي في مسيرة الدولة العراقية يكشف عن حقيقة بنيوية مغيّبة: إن الدولة العراقية قد أُسّست وأُنجزت بالفعل كـ"معمل متكامل" واكتملت خطوط إنتاجه، لم تكن الأزمة يوماً في غياب المخطط أو نقص التروس والمحركات؛ فقد نجح الجيل المؤسس في ضبط إحداثيات الآلة وصياغة وظائفها السيادية، إلا أن المعضلة التاريخية بدأت عندما تحول هذا المعمل المكتمل إلى يد "مدراء تعاقبوا عليه" دون أن يمتلكوا فلسفة التشغيل أو يستوعبوا هندسة البناء.

بدلاً من إدارة المعمل وتشغيله لإنتاج الاستقرار والتنمية، انشغل المدراء الجدد بالصراع على مقعد الإدارة ذاته، ولأنهم لم يدركوا أن القيمة تكمن في توازن التروس وتكاملها، راحوا يفككون أجزاء المعمل قطعة فقطعة؛ فاستُهلكت مؤسسة الجيش في الانقلابات لتلغي الشرعية الدستورية، وجُيشت البيروقراطية لخدمة الولاءات الضيقة لتلتهم كفاءة الإدارة، وحُوّلت السياسة الخارجية إلى أداة للمغامرات أو التبعية المطلقة لتقوض السيادة.

فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"، فبقيت الجدران والمناصب، وتفككت المحركات الاستراتيجية.

الرؤية الاستشرافية لمستقبل الدولة العراقية

علينا فهم "نظرية المدارس السيادية"، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد؛ ثورة إدارية، رؤية، واستعادة لمفهوم الأمن والحوكمة الرقمية والخدمات طريق الخلاص من ارث المحاصصة الذي عطل الإنتاج وقضى على أدواته، استشراف سياسة خارجية حول نقطة توازن وشبكة مصالح، ووضع آليات كفيلة بامتصاص الأزمات.


السبت، 15 أغسطس 2026

الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية

الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية
محمد صالح البدراني

"الاستسلام لفكرة أن المشكلة هي "قدر دائم" يحوّلها سيكولوجياً إلى "همّ مقيم" يورث "الحزن" وتمثيل الرضا"

تأمل في حديث نبوي: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجَزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَغَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ)

ومضة:

النظر للإرادة بالمفهوم الفلسفي الإسلامي يأخذ الحديث النبوي من سياق التبرك اللفظي إلى مصاف "المنهج الحركي لبناء الإنسان الصامد"، فالإسلام لا يرى في الإنسان كائناً مسلوب الإرادة مسيّرا بالحتميات، وإلا ما معنى الثواب والعقاب، بل قبل هذا الحساب؟ وإنما يراه مكلفاً ومسؤولاً، وجعل الحرية في الاختيار والعزيمة شرطاً أساسياً لصحة هذا التكليف، حتى الدول حين تتحول الديون من أرقام في الموازنة إلى "شروط هيكلية" تفرضها مؤسسات دولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإنها تنتقل من سياقها المالي الصرف لتصبح أداة قهر وتسلط عابرة للقارات، تسلب المجتمعات سيادتها ويتم التحكم في تفاصيل حياة المواطن اليومية، وعندما تعجز عن السيطرة على الفساد فهذا قهر الرجال.

وهن العاطفة وقهر العجز

تبدأ مأساة الإنسان عندما يعجز عن حماية من يحب، ليس فقط من عوادي الزمن وظلم الآخرين، بل حتى من "نزوات" المحبوب نفسه. إن هذا العجز يمثل ذروة "قهر الرجال"؛ فالقهر ليس سوى تجريد الإنسان من قدرته على الفعل وحرمانه من حق الحماية.

الإنسان المقهور والمكبّل بالديون (سواء كانت ديوناً مالية، أو التزامات خانقة) هو إنسان مسلوب الإرادة، والمصلح أو المواطن الصالح لا يمكنه تقديم النفع لشعبه أو وطنه وهو يعيش حالة "العجز والكسل"


عندما يعجز عن صد عاصفة شعورية تعصف باهله ووطنه وأمته، يتحول القهر من ضغط خارجي إلى تآكل داخلي، هنا يولد "العجز والكسل" كمرحلة تالية للقهر، حيث يفقد العقل المحرك الأساسي للمقاومة، ويتحول الكيان الإنساني من فاعل في الكون إلى مفعول به.

الحرية شرط العطاء:

الإنسان المقهور والمكبّل بالديون (سواء كانت ديوناً مالية، أو التزامات خانقة) هو إنسان مسلوب الإرادة، والمصلح أو المواطن الصالح لا يمكنه تقديم النفع لشعبه أو وطنه وهو يعيش حالة "العجز والكسل". التعوذ هنا رفض واعٍ للمظاهر التي تحوّل الإنسان الإيجابي إلى عنصر خامل ومستهلك. "وأعوذ بك من "قهر الرجال" هي في جوهرها استعاذة من وضع يُسلب فيه الإنسان حريته؛ لأن القهر يعطل فاعلية التكليف ويجعل المرء عاجزاً عن الوفاء بمسؤولياته تجاه ربه، ونفسه، وأمته، وهي إشارة لاتباع الآليات التي علمها الله لعباده وجعلها من سنن الكون في التدافع؛ وليس آليات إبليس والخنوع التي مسارها إلى غضب الله.

إن استعباد الدول من قوى أكبر منها وإجبارها على الخضوع، وبدل تحقيق الرفاهية للشعب تذهب إلى استعباده بعجزه أمامها وأمام نفسه كما عجز الدولة أما غيرها، وكسلها عن المواجهة يجعلها تفرض عليه فوق طاقته كما فُرض عليها فوق طاقتها، فتغلبه الديون كما غلبتها الديون، لكن المواطن وهو عاجز في كل هذا؛ واقع تحت قهر الرجال إجبارا، وتقع الدولة في قهر الرجال اختيارا، وهذا أشد مما استعاذ منه رسول الله (ص).

فخ "الهموم" مقابل واقعية "العقبات"

تتشكل جغرافيا النفس البشرية بناءً على طريقة رؤيتها للحياة؛ فحين يتعامل الإنسان مع الدنيا بوصفها كتلة صماء من "الهم والمشاكل"، فإنه يحكم على إرادته بالضمور، الاستسلام لفكرة أن المشكلة هي "قدر دائم" يحوّلها سيكولوجياً إلى "همّ مقيم" يورث "الحزن" وتمثيل الرضا.

أما القراءة الواعية، فتقتضي تحويل "المشاكل" إلى "عقبات". الفرق بين الاثنين أن الهم مستنقع يغرق فيه المرء، أما العقبة فهي جدار صُنع ليُتسلق أو يُهدم. إدراك الدنيا كمسار مليء بالمنعطفات والعقبات يمنح النفس مرونة مجابهة القهر، فالألم في هذا السياق يصبح ثمناً مستحقاً للعبور، وليس سياجاً يمنع الحركة.

المطاولة والديون الوجودية

الإنسان لكي يحمي من يحب، ولكي يفي بدينه تجاه وطنه وشعبه، عليه أن يمتلك الشجاعة لتحويل مشاكله إلى عقبات، وأن يدرك أن تسديد ديونه الوجودية هو السبيل الوحيد للتحرر من قهر الدنيا وغلبة الرجال


الحياة في جوهرها ليست سباق سرعة، بل هي "معركة مطاولة" تحتاج إلى نَفَس طويل وإرادة صلبة لاجتياز الأزمات أو تسديد "الديون"، وهنا يتسع مفهوم "الدَيْن" في الفلسفة النبوية ليتجاوز معناه المادي الضيق (المال) إلى أبعاد وجودية وأخلاقية شاملة.

الديون أنواع، وأثقلها هي الديون غير المرئية:

- الدَّين تجاه الوطن والشعب: وهو الالتزام الأخلاقي والتاريخي بتقديم النفع، وحماية الهوية، والمساهمة في البناء.

- الدين تجاه الذات: وهو السعي لتطويرها وعدم الخضوع لجهلها أو كسلها.

- الدين تجاه الآخرين: وهو الوفاء بالوعود والمشاعر والمسؤوليات الاجتماعية.

إن تراكم ما يحتاج تسديداً (بسبب الجبن أو البخل أو التقاعس) هو ما يؤدي في النهاية إلى "ضلع الدَين" -أي انحناء الظهر وثقل النفس- وعندما تنحني النفس تحت وطأة تقصيرها، تصبح لقمة سائغة وتغلب عاجزة مقهورة فتبدو كتسلط الظرف، وهو ما يحصل فعلا كأحد الحالات حتى مع العامل الجاد المكافح والصادق في المجتمعات المتخلفة الغاطسة بالفوضى.

خاتمة: العبور بالإرادة

إن الحديث الشريف لا يقدم مجرد استعاذة لفظية، بل يضع خريطة طريق تحذيرية؛ إنه ينبهنا إلى أن الضعف يبدأ من الداخل (الهم والحَزن)، لينعكس على الجسد والسلوك (العجز والكسل)، فيثمر تراجعاً عن المواجهة (الجبن والبخل)، لينتهي الإنسان عبداً لظروفه وللآخرين (غلبة الدَّين وقهر الرجال).

المخرج الفلسفي والعملي يكمن في "الإرادة والمطاولة"؛ فالإنسان لكي يحمي من يحب، ولكي يفي بدينه تجاه وطنه وشعبه، عليه أن يمتلك الشجاعة لتحويل مشاكله إلى عقبات، وأن يدرك أن تسديد ديونه الوجودية هو السبيل الوحيد للتحرر من قهر الدنيا وغلبة الرجال.


الجمعة، 31 يوليو 2026

نحو الدولة التأسيسية

 نحو الدولة التأسيسية

محمد صالح البدراني 

"لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها"


 منذ أن بدأ الإنسان يؤسس الدول، انشغل فكره السياسي بالسؤال نفسه: من يحكم؟ وكيف تُوزَّع السلطة؟ وما شكل النظام الأمثل؟ فظهرت الملكيات والجمهوريات، والإمبراطوريات والدول القومية، والليبرالية والاشتراكية، وتعددت الدساتير والأنظمة الانتخابية، لكن سؤالاً أكثر عمقاً ظل خارج دائرة البحث، وهو: كيف تنشأ الدولة أصلاً، وما الذي يجعلها قادرة على البقاء والتجدد عبر الأجيال؟


معظم النظريات السياسية تبدأ من الدولة باعتبارها حقيقة قائمة، ثم تبحث في تحسين أدائها أو ضبط سلطاتها، لكنها نادراً ما تسأل عن القانون الذي يجعل المجتمع قادراً على إنتاج دولة مستقرة قبل أن يبحث عن شكل الحكم، ولهذا فإن كثيراً من الإصلاحات السياسية لم تكن سوى إصلاحات في إدارة السلطة، لا في بناء الدولة نفسها.

فالسلطة ليست بداية الدولة، بل هي إحدى نتائجها، والقانون ليس أصل الدولة، بل أحد أدواتها، والدستور ليس منشئ الدولة، وإنما وثيقة لتنظيم ما استقر من علاقات داخلها، أما الدولة نفسها، فهي الأمة اجتماعيا وأخلاقيا وفكريا.

القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها


ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نغيّر الحكومة؟ بل: ما الذي يجعل ملايين البشر يقبلون أن يكونوا مجتمعاً واحداً، وأن يلتزموا بقانون واحد، وأن يدافعوا عن كيان واحد؟

إن القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها.

الانتماء

إذن لا بد من وجود عنصر أعمق من السلطة والقانون والاقتصاد، ذلك العنصر هو الانتماء، غير أن الانتماء ليس شعاراً ترفعه الدولة، ولا درساً في المناهج الدراسية، ولا حملة إعلامية موسمية، فالإنسان لا ينتمي إلى وطنه لأنه طُلب منه ذلك، وإنما لأنه يشعر أن كرامته ومستقبله وحريته ونجاحه مرتبطة ببقاء ذلك الوطن، والانتماء الحقيقي ليس قراراً سياسياً، بل نتيجة تجربة يومية يعيشها الإنسان مع دولته ومجتمعه.

ومن هنا لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها.

لكن الانتماء نفسه ليس البداية، لأنه يولد من عنصر آخر هو الثقة، فالإنسان لا ينتمي إلى كيان لا يثق به، ولا يضحي من أجل مشروع يشك في عدالته أو في صدقه، والثقة ليست عاطفة، بل هي تراكم طويل من الخبرات التي تجعل الإنسان يوقن أن مؤسسات دولته تعمل وفق قواعد يمكن التنبؤ بها، وأن القانون لا يتغير تبعاً للأشخاص، وأن الحقيقة لا تُخفى عنه كلما تعارضت مع مصالح السلطة.

وهنا نصل إلى النقطة التي ربما أغفلها الفكر السياسي طويلاً، إن أصل الثقة ليس القوة، ولا القانون، ولا حتى العدالة بمعناها القضائي، وإنما الحقيقة، فالمجتمع الذي لا يمتلك حقيقة مشتركة عن واقعه لا يستطيع أن يبني مستقبلاً مشتركاً، وإذا أصبحت الإحصاءات أداة للدعاية، والإعلام وسيلة للتبرير، والتعليم مجالاً لإعادة إنتاج الأوهام، والسياسة فناً لإخفاء الوقائع، فإن أول ما ينهار ليس الاقتصاد، بل الثقة العامة، وعندما تنهار الثقة، يضعف الانتماء، ثم تبدأ الدولة في فقدان شرعيتها، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة وجيشها قوياً.

اقتراح قانون أولي لبناء الدولة:

إن الدولة التي تعجز عن إنتاج الحقيقة المشتركة تعجز تدريجياً عن إنتاج الثقة، والدولة التي تفقد الثقة تفقد الانتماء، والدولة التي يفقد مجتمعها الانتماء تبدأ رحلة التفكك مهما امتلكت من أدوات القوة.

ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص، لأن الأشخاص نتيجة لبنية أعمق، ولا يبدأ بإصدار قوانين جديدة، لأن القانون نفسه يحتاج إلى بيئة تؤمن به. ولا يبدأ بإعادة توزيع السلطات، لأن السلطة لا تستطيع أن تمنح المجتمع ما فقده من ثقة.

إن الإصلاح يبدأ بإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والحقيقة. فالصدق هنا ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل مؤسسة يجب أن تُبنى. يجب أن تكون بيانات الدولة صادقة، وأرقامها قابلة للتحقق، وقراراتها قابلة للمساءلة، وأخطاؤها قابلة للاعتراف، فالدولة التي لا تملك الشجاعة للاعتراف بالواقع لن تستطيع أن تخطط للمستقبل، لأن التخطيط لا يقوم إلا على معرفة صحيحة بالواقع.

وعندما تصبح الحقيقة قيمة مؤسسية، تنشأ الثقة، وعندما تنشأ الثقة، يتحول الانتماء من شعار إلى سلوك. وعندما يصبح الانتماء سلوكاً، تتحول الدولة من جهاز يحرس المجتمع إلى مجتمع يحرس دولته.

وربما تكمن مهمة الدولة التأسيسية في هذا التحول تحديداً، فهي لا تُنشأ لتحتكر السلطة، بل لتؤسس بيئة يصبح فيها الصدق قاعدة، والثقة نتيجة، والانتماء ثمرة، فتغدو المؤسسات أدوات لخدمة المجتمع، لا وسائل للسيطرة عليه.

ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تبدأ منه فلسفة الدولة في القرن الحادي والعشرين: ليست المشكلة الأولى كيف نوزع السلطة، وإنما كيف نبني الحقيقة المشتركة التي تجعل المجتمع قادراً على الثقة، والثقة قادرة على إنتاج الانتماء، والانتماء قادراً على إنتاج دولة تتجدد من داخلها، لا بقوة الحاكم ولا بشعارات الأحزاب، بل بقوة المجتمع نفسه.

وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة


غير أن الانتماء، على أهميته، لا يكفي وحده لتأسيس الدولة، لأن الانتماء بطبيعته يتعدد ويتدرج، فالإنسان ينتمي انتماءات متعددة طبيعية لا يجوز للدولة أن تحاربها أو تسعى إلى إلغائها، غير أن الخطأ التاريخي يبدأ عندما تتحول إحدى هذه الروابط إلى المصدر الأعلى للشرعية السياسية، أو ما يمكن أن نسميه بـ"الحاكمية الفئوية" فتصبح الدولة دولة طائفة، أو عرق، أو قبيلة، أو حزب، نوع من العصبية يجعل بقية المكونات جماعات تعيش داخل الدولة دون أن تشعر بأنها شريكة فيها.

الحاكمية:

إن الدولة لا تقوم على وحدة عصبية، وإنما تقوم على وحدة العقد السياسي الجامع؛ ذلك العقد الذي يجعل جميع المواطنين شركاء في الحقوق والواجبات والمصير، بصرف النظر عن اختلاف أصولهم أو معتقداتهم أو انتماءاتهم الثقافية. فالدولة الحقيقية لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن هويته، وإنما تطلب منه أن يجعل العقد السياسي الذي ينظم حياته المشتركة مرجعيةً أعلى في المجال العام، بحيث الروابط الأخرى مصادر غنى للمجتمع، لا أدوات لتقسيم السلطة أو تعريف المواطنة.

ولعل من أقدم النماذج التاريخية التي جسدت هذا المبدأ وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة، ولم يكن جوهر الوثيقة إزالة التنوع، وإنما تنظيمه داخل إطار سياسي واحد، وهو ما يجعلها مثالاً مبكراً على أن الدولة لا تُبنى على التشابه، بل على الاتفاق الحر حول عقد جامع يحفظ الجميع، وما نسمعه اليوم من حاكمية طائفة حتى ولو كانت الحاكمية بتوجه علماني هو تيه النخبة بين الحقيقة والهوى؛ فليصحُ مفكرو الأمة.



الجمعة، 17 يوليو 2026

مطابقة المفاهيم: كيف تندمج "اللامعيارية الواعية" مع أفكار حنا أرندت؟

 مطابقة المفاهيم: كيف تندمج "اللامعيارية الواعية" مع أفكار حنا أرندت؟

محمد صالح البدراني

"يتحول غياب التفكير الأخلاقي إلى استراتيجية جماعية، والفوضى إلى أداة حكم فعالة تزوير المجتمع والاغتراب              المعياري في أصول الشمولية"                                                                                         



من "تفاهة الشر" إلى اللامعيارية الواعية

في مقالي السابق عن "اللامعيارية الواعية"، حاولت الكشف عن آلية حكم واعية وممنهجة تعتمد على قلب المعايير الأخلاقية والإدارية بشكل متعمد، ليست هذه اللامعيارية فوضى عشوائية أو نتيجة غباء، بل نظام يجعل الفساد أداة تشغيل والتفاهة وسيلة سيطرة مستدامة.

عندما عدت إلى أعمال حنا أرندت، وجدت في تحليلاتها شريكاً نظرياً عميقاً يمنح مفهومي أساساً فلسفياً قوياً، ويعطي أفكارها في الوقت نفسه حيوية محلية معاصرة من "تفاهة الشر" إلى اللامعيارية الواعية في كتابها أيخمان في القدس، تقول أرندت: "الشر لا يظهر دائماً في صورة الشيطان، بل غالباً ما يكون في صورة موظف عادي يتوقف عن التفكير". اللامعيارية الواعية تأخذ هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك، توقف التفكير ليس عرضياً، بل يُصنع بيئة تجعله شرطاً للنجاح، ففي بعض المؤسسات، يتقدم الموظف الذي يكون أقرب للمسؤول بأن يكون المرآة الساحرة ويغطي أطماعه ولا يسأل بل هو عبد مأمور كما يقال.

تقرير عن تفاهة الشر: وصفت أرندت كيف ينشأ الشر من أفراد عاديين توقفوا عن التفكير الحقيقي وتحولوا إلى تروس في آلة بيروقراطية. لم يكن الشر يحتاج إلى شياطين، بل إلى غياب مَلَكة التفكير.

تحويل الأفراد إلى ذرات معزولة تفقد روابطها الاجتماعية والأخلاقية، مما يسهل السيطرة عليها ويدمر "المجال العام"، أما في اللامعيارية الواعية فأصف الاغتراب المعياري: قلب المفاهيم من الداخل


اللامعيارية الواعية: توقف التفكير ليس عرضياً، بل يُصنع بيئة كاملة تجعله شرطاً للنجاح. في بعض المؤسسات الإدارية، يتقدم الموظف الذي يظهر "مرونة" في تجاوز الإجراءات الرسمية، ويُوصف بـ"القادر على حل المشكلات"، بينما يبقى الملتزم بالقوانين والإجراءات في مكانه، ويُنظر إليه أحياناً كغير قادر على التكيف مع الواقع. هكذا يتحول غياب التفكير الأخلاقي إلى استراتيجية جماعية، والفوضى إلى أداة حكم فعالة تزوير المجتمع والاغتراب المعياري في أصول الشمولية.

تحدثت أرندت عن "تزوير المجتمع" (atomization): تحويل الأفراد إلى ذرات معزولة تفقد روابطها الاجتماعية والأخلاقية، مما يسهل السيطرة عليها ويدمر "المجال العام"، أما في اللامعيارية الواعية فأصف الاغتراب المعياري: قلب المفاهيم من الداخل.

مثال واقعي في مجال التعليم:

في بعض المدارس والجامعات، يحظى الطالب الذي يحصل على درجات عالية بوسائل سريعة أو علاقات باهتمام أكبر كـ"ناجح براغماتي"، بينما يُنظر إلى الطالب الذي يعتمد على الجهد والفهم العميق كـ"بطيء" أو "غير واقعي"، هذا يؤدي تدريجياً إلى تراجع قيمة المعرفة الحقيقية وتعزيز ثقافة "النتيجة بأي وسيلة".

في التعليم، تظهر اللامعيارية عندما يُكافأ التركيز على الشهادات والمظاهر أكثر من بناء القدرات الحقيقية، فيصبح الطالب "الناجح" هو من يتقن الاختصارات والحفظ، بينما يُهمش من يسعى للعمق والإبداع في التفكير. هذا يؤدي إلى جيل يرى في "الذكاء الاجتماعي" السريع بديلاً عن المعرفة المنهجية.

في مجال الأعمال والمهن أيضاً، يُقدم رائد الأعمال الذي يحقق مكاسب سريعة عبر تسهيلات وعلاقات كقدوة نجاح، بينما يبقى صاحب المشروع الذي يركز على الجودة والشفافية طويلاً في المنافسة. هكذا ينهار الإيمان بالقيم الكبرى، ويصبح تدمير المجال العام هدفاً استراتيجياً وليس نتيجة جانبية.

صناعة الوهم وعقلنة الفساد في مختلف المجالات: رأت أرندت، في الدعاية الشمولية قدرة على صناعة واقع بديل؛ في اللامعيارية الواعية، تكون هذه الصناعة أكثر براغماتية: إقناع الناس بأن "هذا هو الواقع الوحيد الممكن".

في الإعلام:

- يُبرز بعض المحتوى الإعلامي قصص "النجاح السريع" لشخصيات تحقق شهرة عبر الجدل والإثارة، ويقدمها كأمثلة على "الذكاء الاجتماعي"، بينما يصور المتخصصين الهادئين الذين يقدمون تحليلاً عميقاً كبعيدين عن اهتمام الجمهور.

- من خلال اختيار الضيوف والنماذج، يُعزز الإعلام صورة أن "المرونة الأخلاقية" هي مفتاح التقدم، وأن الالتزام الصارم بالمعايير قد يكون عائقاً أمام التطور في عصر سريع.

أرى أن مواجهة اللامعيارية الواعية تبدأ بالضبط من هنا: إعادة بناء المعايير، ورفض قلب المفاهيم، واستعادة معنى النجاح الحقيقي القائم على الكفاءة والأمانة والرزانة


- كذلك، عندما تُروج وسائل إعلامية لشخصيات متنفذة رغم أخطائها الواضحة كقدوات، فإنها تساهم في عقلنة الواقع القائم وتحويل الفوضى إلى أمر طبيعي وحيوي.

في مجالات أخرى:

رأت أرندت في الدعاية الشمولية قدرة على صناعة واقع بديل يعزل الجماهير عن الحقائق، أما في اللامعيارية الواعية، فالدعاية أبسط وأقوى: لا تحتاج إلى أيديولوجيا كبرى، يكفيها أن تقنع الناس بأن "هذا هو الواقع الوحيد الممكن". يُقدَّم الفاسد كـ"براغماتي ناجح"، والمصلح كحالم فاشل"، ويشجع على هذا تكرار الوصف من أناس فاشلين عاجزين أو تتملكهم الأنانية. بهذا يصبح الفساد منطقياً، بل ضرورياً للبقاء.

خاتمة:

الوعي كأداة مقاومة في حياة العقل: أكدت أرندت أن التفكير الحر هو الدرع الأخير الذي يحمي الإنسان من أن يصبح ترساً في الآلة، وأنا أرى أن مواجهة اللامعيارية الواعية تبدأ بالضبط من هنا: إعادة بناء المعايير، ورفض قلب المفاهيم، واستعادة معنى النجاح الحقيقي القائم على الكفاءة والأمانة والرزانة.

بهذا الاندماج بين "اللامعيارية الواعية" وفكر حنا أرندت، أستطيع القول إن ما وصفته أرندت كنتيجة للشموليات في القرن الماضي تحول في واقعنا إلى استراتيجية حكم معاصرة واعية، اللامعيارية لا تنفي أرندت، بل تكملها وتحدثها، وتبث في أفكارها روحاً عربية معاصرة تحولها من تحليل تاريخي إلى أداة فهم ومقاومة بناءة، التخلف ليس قدراً، ولا فوضى عفوية، بل هندسة يمكن تفكيكها بالوعي نفسه الذي أنتجها. الدعوة اليوم هي لاستعادة القدرة على التفكير، وإعادة بناء المجال العام، وإحياء القيم التي تجعل المجتمعات قادرة على التقدم الحقيقي والمستدام.

السبت، 11 يوليو 2026

حرب الأوهام المتضادة في مشاريع الدمار: الكهنوت الرأسمالي والمفهوم الكوني للأيديولوجيا

حرب الأوهام المتضادة في مشاريع الدمار: الكهنوت الرأسمالي والمفهوم الكوني للأيديولوجيا


محمد صالح البدراني


" كلاهما يلتقي لتمرير مشروع تمليه نبوءات "سفر الرؤيا" لإلحاق الخصوم كحلفاء خاضعين في منظومة السيادة الجديدة المستهدفة لبناء الهيكل"

 

تبحث هذه الورقة التحليلية في تفكيك المشاهد الجيوسياسية المعقد للشرق الأوسط عبر منظور "اللاهوت السياسي"، متجاوزةً الأطر الدبلوماسية التقليدية لتسليط الضوء على صراع المشاريع والأوهام المتقاطعة التي تتحرك على خيط رفيع من السلام الهش. ترصد الانقسام البنيوي داخل التحالف الصهيوني-الأمريكي حول مفهوم "الدمار" ونقطة الحسم الاستراتيجي؛ حيث تميل عقلية دونالد ترامب الرأسمالية إلى قياس النصر بإنهاك الخصم مادياً واقتصادياً لفرط استسلام سياسي يحقق غايات "سفر الرؤيا"، في حين تصر عقيدة بنيامين نتنياهو اللاهوتية على الإبادة العقائدية والمادية الشاملة لطهران لتأمين شروط بناء "الهيكل".

هذا الحلف يصطدم بـ"المفهوم الكوني" للأيديولوجيا الإيرانية العميقة، التي تعتمد على "الوقت التاريخي الممتد" وتراهن على تحول جيلي مرتقب يستبدل نزعة الهيمنة الإقليمية الطائفية باستراتيجية "الاتحاد والتحالف" مع المحيط العربي والإسلامي كطوق نجاة وحيد،

وأخيراً، تستعرض الورقة كيف تحفز هذه التحولات يقظة إقليمية (تركية-عربية) تسعى لكبح جماح هذا المشروع التدميري الشامل لحماية سيادة جغرافيا المنطقة من الاندفاعات الغيبية المسلحة بأدوات المال والصفقات.

ترامب ونتنياهو: الشراكة المتضادة في تفسير الدمار والاستسلام

المسألة ليست النفط ولا هرمز وإنما ترويض المشروع الإيراني بعد أن كان يتوسع بما يفصله عن محيطه، والآن جاء دور آخر لا يقبل إلا الإدارة المباشرة


تتحرك الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط اليوم داخل حقل ألغام فكري محكوم باللاهوت السياسي ومشاريع التدمير المتقاطعة. المسألة ليست النفط ولا هرمز وإنما ترويض المشروع الإيراني بعد أن كان يتوسع بما يفصله عن محيطه، والآن جاء دور آخر لا يقبل إلا الإدارة المباشرة. إن الجدل الدائر خلف كواليس التحالف الصهيوني-الأمريكي لا يتعلق بالهدف النهائي المتمثل في تطويع المنطقة، وإنما باختلاف بنيوي عميق حول تعبير "الدمار" ونقطة الدمار، فكلاهما يلتقي لتمرير مشروع تمليه نبوءات "سفر الرؤيا" لإلحاق الخصوم كحلفاء خاضعين في منظومة السيادة الجديدة المستهدفة لبناء "الهيكل".

ينطلق دونالد ترامب من عقلية تجارية رأسمالية تسبق الأدلجة في ترتيب أولوياتها، ويقيس دمار الخصم بمؤشرات مادية مرئية: اختناق الأسواق، وانهيار العملة، وتجفيف منابع الثروة. بالنسبة لتاجر يرى العالم كمنصة صفقات، فإن إنهاك إيران مالياً وإيصالها إلى حافة العجز الاقتصادي هو دمار مكتمل الأركان يعادل "الاستسلام" السياسي. يتخيل ترامب بغرور الرأسمالي أن المهمة قد تمت بنجاح، وأن الخصم يأتي إلى طاولة التفاوض منزوع الإرادة، شريطة ألّا تُباد بنيته التحتية، ليبقى صالحاً للاستخدام كترس تابع يدور في الفلك الأمريكي الصهيوني ضمن ترتيبات اللاهوت السياسي الجديد.

في المقابل، يرفض بنيامين نتنياهو هذا التقييم التجاري السطحي لنقطة الوصول؛ فالدمار في المنظور الصهيوني اللاهوتي ليس أرقاماً في موازنة أو تراجعاً في مؤشرات التجارة بل هو الانكسار، وليس الخسارة بل اقتلاع كامل للبنية العقائدية والمادية للعدو. يرى نتنياهو المشهد بنظرة لاهوتية مدفوعة بإرث أيديولوجي غيبي لا يؤمن بنصف نصر، ولا يرى في إنهاك الخصم مالياً ضمانة كافية ما دام المشروع قائما ولا انكسار، بل يرى أن ترامب كُسرت إرادته وهو أمر ليس في صالح ترامب. يطالب الكهنوت الصهيوني بضمانات ميدانية وجودية تتجاوز الإعلان السياسي للاستسلام الذي يكتفي به ترامب، خوفاً من انبعاث المشروع الإيراني مجدداً ليقاطع بطموحاته التاريخية خطة السيطرة المطلقة وتأمين شروط بناء الهيكل.

المفهوم الكوني الإيراني: المعنى الخفي للانكسار والخسارة

لعل أفضل من وضح الفارق وكيف تبدو إيران منتصرة وترامب منكسرا هو الدكتور لقاء مكي الباحث الأول في قناة الجزيرة، فهذا الاختلاف البنيوي في معسكر الحلف الصهيوني-الأمريكي يصطدم مباشرة بـ"المفهوم الكوني" للأيديولوجيا الإيرانية العميقة، والتي تعتمد على "الوقت التاريخي الممتد" كعنصر حاسم في إدارة الصراع الشامل. تعتقد العقيدة الإيرانية أن البقاء واستمرار هيكل الدولة ومؤسساتها رغم الخسائر انتصار. عقلية ترامب تفسرها انكسارا، لكن العنصر القاتل لإيران هو مشروعها نفسه، فإذا شلّ الحصار والإنهاك جيلاً غرق في طموحاته المستعجلة وخلط بتهور بين القومية الفارسية والأيديولوجيا الدينية، فإن المفهوم الكوني يؤكد أن الراية ستنتقل حتماً إلى جيل جديد يعيد البناء بأساليب مختلفة تماماً.

الوعي بالفراغ العربي تلتقطه قوى إقليمية وازنة، ومنها تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان، التي تتحرك بحس سياسي وتاريخي يدرك أن "لاهوت الاستسلام" الذي يسعى إليه حلف ترامب-نتنياهو لا يستهدف ترويض نظام بعينه، بل تفكيك هوية الإقليم ككل وإخضاع قواه قسرياً


إن الجيل القادم في إيران يتحرك اليوم لاستيعاب الدرس القاسي المتمثل في تدمير بلاد كالحرب في سوريا ومعاداة المحيط؛ فالاستفادة من التجربة المريرة تدفع طهران لإعادة تنظيم فلسفتها الاستراتيجية عبر تحول جوهري: الانتقال من نزعة الهيمنة على المسلمين واستنزاف مقدرات جوارهم، إلى منطق "الاتحاد والتحالف" معهم. لقد أدرك الوعي الإيراني الجديد أن عزل الدولة عن عمقها الإسلامي والعربي حولها إلى هدف سهل للاستفراد والاستنزاف الرأسمالي، وأن هذا المحيط هو طوق النجاة التاريخي الوحيد لإفشال مشاريع الدمار الصهيونية، وليس الاستقواء بشعارات التوسع الطائفي التي استهلكت القوة الحيوية للأمة. لكن إدراك الشيء غير التفاعل معه.

غريزة البقاء العربي واليقظة الإقليمية ضد هندسة "الهيكل"

في هذا الفضاء المشحون بصراع أوهام الأساطير وكوابيسها، يظهر الموقف العربي خالياً من مشروع استراتيجي مستقل قادر على مجابهة هذه التحولات الفكرية والكونية؛ إلا أنه يظل محكوماً بغريزة بقاء ترفض رفضاً مطلقاً دفع ضريبة المزيد من الدمار والتفتيت في المنطقة. الدول العربية بدأت تلمس خطورة تحويل جغرافيتها إلى مسرح لتحقيق نبوءات توراتية أو صفقات إخضاع رأسمالية كبرى ستحول عواصمها في النهاية إلى مجرد أضرار جانبية لتعبيد الطريق نحو ولادة عصر الهيمنة الصهيونية المطلقة.

هذا الوعي بالفراغ العربي تلتقطه قوى إقليمية وازنة، ومنها تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان، التي تتحرك بحس سياسي وتاريخي يدرك أن "لاهوت الاستسلام" الذي يسعى إليه حلف ترامب-نتنياهو لا يستهدف ترويض نظام بعينه، بل تفكيك هوية الإقليم ككل وإخضاع قواه قسرياً؛ لذا، تتكاثف المساعي الإقليمية اليوم لوقف هذا المشروع التدميري الشامل، ليس دفاعاً عن طهران، بل كبحاً لجماح تمدد صهيوني يتغذى على الغيبيات المسلحة بأدوات المال والصفقات، والذي لن يترك سيادة في المنطقة دون أن يلتهمها إذا ما نجح في تفكيك وإلحاق أطراف الصراع التاريخي.. نأمل أن يعم السلام.


السبت، 4 يوليو 2026

جدلية الوهم.. عند الظالم والمظلوم

جدلية الوهم.. عند الظالم والمظلوم
"الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب"

غرام الوهم

ليست الكارثة الكبرى في التاريخ أن تخطئ قوة عظمى في الحساب، بل أن تقع في غرام صورتها عن نفسها، أو لا يعاد النظر بعد كل هذا البلاء في الداروينية الاجتماعية كما تسمى، والتي نرى نتائجها على الأرض في شعوبنا دون تأنيب ضمير أمام الدم والقتل والتهجير. وإن بسّطنا الموضوع كمثقفين ضحايا هذا المنهج ونفلسف الموضوع، نقول: إن الأمم التي تملك فائض قوة غالباً ما تصاب بمرض أخطر من الضعف نفسه، العمى الناتج عن الوهم، حينها لا يعود الواقع كما هو، بل يتحول إلى مسرح واسع يعكس رغبات القوة ومخاوفها، وتصبح الجغرافيا مجرد مادة خام لإعادة تشكيل العالم وفق خيال المنتصر.

الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب، فالعقل الذي يعتقد أنه يحمل رسالة كونية ينتهي غالباً إلى معاملة الشعوب كمواد قابلة لإعادة الصياغة، لا ككيانات تملك تاريخها وإيقاعها الخاص، عند هذه النقطة يبدأ الجنون السياسي؛ إذ تتوهم الإمبراطوريات أن كل اختلاف تهديد، وكل استقلال تمرّد، وكل مقاومة مجرد سوء فهم ينبغي سحقه.

صناعة الفوضى
الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب، فالعقل الذي يعتقد أنه يحمل رسالة كونية ينتهي غالباً إلى معاملة الشعوب كمواد قابلة لإعادة الصياغة، لا ككيانات تملك تاريخها وإيقاعها الخاص

تبدو الحروب الحديثة أحياناً وكأنها مطاردة لأشباح أكثر منها صراعاً مع أخطار حقيقية؛ تضخيم التهديدات، وصناعة صور أسطورية عن "الخطر القادم"، ثم تُدار الآلة العسكرية والإعلامية والأيديولوجية بكامل طاقتها، لكن المفارقة أن هذه الحملات كثيراً ما تنتهي بإنتاج الوحش الذي ادّعت أنها جاءت للقضاء عليه، فحين يُهدم التوازن الطبيعي للمجتمعات، وتُكسر المؤسسات، ويُهان القانون، لا يظهر الفراغ بل تنبت الفوضى، وحين يُطلب من المظلوم ألّا يصرخ فسيصرخ صرخة شمشون.

الفوضى لا تبقى فارغة طويلاً؛ إذ تملؤها دائماً قوى أكثر قسوة وأقل عقلانية، عندها يكتشف صانع الخراب أنه لم يكن يحارب وحشاً، بل كان يزرع بيضته بيديه، غير أن العقل المأخوذ بوهم البطولة نادراً ما يعترف بخطئه، إنه يفضّل دائماً اختراع تفسير ميتافيزيقي للهزيمة: مؤامرات، سحرة، قوى عالم سفلي خفية كنمتار ونركال، خيانة داخلية.. أي شيء سوى الاعتراف بأن أصل الكارثة كان الغرور نفسه.

أمم بلا مشروع:

لكن المأساة لا تتوقف عند حدود القوة المتوهمة، هناك دائماً طرف آخر يشارك في صناعة العبث: التابع الذي يسلّم إرادته بدوافع ينتجها الوهم، فالخضوع لا يولد من الضعف وحده، بل من فقدان المشروع الخاص، وغلبة التفاهة على كل المعاني.

الدول التي تشحذ الحماية، تشبه من يبيع بيته ليستثمر ثمنه ويعود ليدفع إيجار سكنه فيه، وهنا تظهر أخطر نتائج التبعية: ليس فقدان المال والقرار فقط، بل تحلل الإرادة الداخلية، تصبح الأمة غنية بالموارد وفقيرة بالمعنى، كثيرة الضجيج قليلة الثقة بنفسها.
الأمم التي بلا مشروع تعود دوما تبحث في أمجاد الماضي ولا تنقلها كحالة بأخطائها وصلاحها، بل تنقل الجانب المشرق من أحداثها وأبطالها وقدسيتهم، وبذلك لا تكون مسارا للنهضة أو نموذجا للخلاص

وحين تتراكم الهزائم، تبدأ المجتمعات بإعادة تفسير عجزها على أنه قدر تاريخي، لا نتيجة خيارات خاطئة، تتسع الفجوة بين الواقع والوعي، فتظهر حالة غريبة من الإنهاك الحضاري: الجميع يدرك حجم الانهيار، لكن أحداً لا يريد مغادرة الوهم والأساطير التي تعززه، لأن العودة إلى الواقع مؤلمة، ولأن الاعتراف بالخطأ يتطلب شجاعة أخلاقية أكبر من شجاعة الحرب نفسها.

استفاقة:

ومع ذلك، فإن التاريخ لا ينهض بالقوة وحدها، بل بلحظة الاستفاقة، اللحظة التي تدرك فيها المجتمعات أن خلاصها لا يأتي من قوة منظومات طامعة بها، ولا من المعارك المسرحية، بل من استعادة علاقتها الطبيعية بالأرض والعمل والمعنى، فالسيادة ليست خطاباً عاطفياً، بل قدرة على حماية الحقل ومنظومة العقل قبل التفكير في فتح العالم.

الأمم التي بلا مشروع تعود دوما تبحث في أمجاد الماضي ولا تنقلها كحالة بأخطائها وصلاحها، بل تنقل الجانب المشرق من أحداثها وأبطالها وقدسيتهم، وبذلك لا تكون مسارا للنهضة أو نموذجا للخلاص، بل وهم لا يُطال، مبني على وهم كاذب بفخر شابه التزييف فيسقط حسناته.

إن أعظم انتصار قد تحققه أمة ليس هزيمة خصومها، بل التحرر من الوهم الذي يجعلها تحتاج دائماً إلى خصم كي تشعر بوجودها، أو إلى حارس لهذا الوجود التافه المعيق للتقدم. فالأمم الناضجة لا تبني مستقبلها على الهلع، بل على الفهم؛ ولا على انتظار المنقذين، بل على إنتاج الإنسان القادر على حمل مسؤوليته دون أوهام كيشوتية.