‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد صالح البدراني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد صالح البدراني. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

سلوك الأمم بعيدا عن القيم

 سلوك الأمم بعيدا عن القيم

محمد صالح البدراني


وجوه بلا ملامح

الأزمة الراهنة ليست في غياب القيم، بل في "تسييل القيم". العشيرة أو المجتمع المصغر الذي يستقبل الفاسد كالمنتصر وقد كانت العشيرة تطرد لمجرد المخالفة (تخلعه) لأنه عار، ليس جهلاً بأنه فاسد، بل لأن هنالك إعادة تعريف "الافتخار" بناءً على المنفعة العينية المباشرة، الفاسد هنا يُنظر إليه كـ"صائد مغانم" وليس خائنا للأمانة، والاعتداء عليه يُترجم كاعتداء على النفوذ السياسي للعشيرة، وتغيب العدالة في فورة العصبيات، وفقدان للفتات.

هذا المجتمع هو نتيجة ولادة مزقت رحم الأمة بدأت بتسفيه الطاقات ورفض إمكانية الإصلاح واليأس من الذات في الإنتاج، فالعبقري منهم إنسان عادي فيحبطوه، فهو يضيف مسؤوليات، وأما التافه فيمجدوه. وهكذا فُقدت الثقة بالنفس وأحبطت عناصر الإصلاح ليبقى القطيع وغرائزه، فلا تقل نحن كنا أمة كذا ولا ترثي أو تحتقر أهلك أيضا، وإنما استعلي لترى لا لتتكبر وتعرف المسار السالك بدل الدوران في دائرة الخرفان.

عولمة الفساد البراغماتي

حين ننطلق من "حلف الفضول"، نجد أن فلسفته الأساسية قامت على فكرة "كبح جماح فائض القوة المتغطرسة"، لقد أدرك عقلاء مكة أن ترك النفوذ القبلي (العاص بن وائل) يسحق القيمة الأخلاقية (حق الغريب المستضعف) سيؤدي حتماً إلى انهيار السلم الأهلي وجعل المجتمع غابة، حتى الوجدان الجاهلي إذن أدرك حينها أن ترك الظلم يمر دون رادع قيمي سيحول المجتمع حتماً إلى غابة تلتهم في النهاية صانعيها.

اليوم، المشهد ينعكس عالمياً بشكل مرعب؛ فما يحدث في أعتى الديمقراطيات الغربية كالولايات المتحدة الأمريكية ليس بعيداً عما يحدث في بنية العشيرة المحلية، عندما يتحدث زعيم سياسي بحجم دونالد ترامب -أو من يمثّل تياره- بلغة "الصفقات المالية المشروطة" والوعود النفعية المباشرة الموجهة لفئات أو أحزاب لضمان المكاسب، فإننا أمام "تراجع بنيوي لقيم الديمقراطية" وتحللها إلى "براغماتية نفعية فجة".

هذا التسونامي العالمي لا أدري فيه من يقتبس ممن! فلم يعد الفاسد خارجا عن سياق العصر، بل يرى نفسه "تلميذاً نبيهاً" مع قوة تمنح الحصانة، ومال يشتري الشرعية.

عبقرية حلف الفضول لم تكن في كرم المشاركين، بل في تحويل "المروءة" من شعور قلبي إلى "تحالف تنفيذي". المفكر اليوم عاجز لأنه يعرض "أفكاراً مجردة" وهذه بضاعة كاسدة، حيرة المفكر والمثقف اليوم لا تنبع من جهله بالحلول، بل من "عقم أدواته" أمام أدوات السياسة الحديثة، المفكر يملك "الحجة والتحليل الوجداني والتاريخي"، بينما "السطحيون الجدد" يملكون السلطة التنفيذية والمالية، أدوات التوجيه الجمعي (الخوارزميات ووسائل التواصل).

في الماضي، كانت المؤسسات (سواء كانت مؤسسة الدولة الحديثة أو مؤسسة العشيرة التقليدية المحكومة بأعراف المروءة) تعمل ككوابح، اليوم، تم تفكيك هذه المؤسسات أو "تسييلها" لتصبح مجرد أدوات في يد الفرد القوي. العشيرة التي كانت تطرد الفاسد لحماية اسمها، أصبحت تُختزل في قرار "نخبة براغماتية" داخلها تحدو لها الأمنيات، والدولة التي تدخلت فيها أمريكا لنشر "الديمقراطية" تحولت إلى مسوخ مشوهة، لأن النموذج المُصَدَّر إليها كان مشوهاً أساساً ويقوم على المحاصصة والغنائم، مما جعل البيئة المحلية تتقبل الفساد كـ"آلية بقاء" وليس كانحراف.

خاتمة:

المحاباة في مقاومة الفساد كالسوسة في كوخ من خشب مدهون، تراه لامعا جميلا ولكن لمسة واحدة كافية ليتحول هباءً منثورا وكأنه لم يكن. تسييل القيم عندما تتحول الأخلاق من كوابح ثابتة إلى أدوات لسانية مرنة لخدمة المنفعة، فيُعاد إنتاج الفاسد شعبياً كمنتصر يعدّ نوعا من السادية مستحدثا.

تحول المضايف من منابر لإعانة المظلوم وسد ذريعة الشر، إلى منصات لإصدار بيانات تدافع عن المتهمين بتبديد المال العام بذريعة "الكيدية السياسية"، هو الدليل القاطع على فقدان المعايير الأصيلة التي كانت تعطي الشرعية والحصانة والاحترام لأي منظومة تحولت سلوكيا إلى بؤرة ظلم وتنمر، وغياب الثقة بمنظومة الدولة ومؤسساتها، وهذا له ما يبرره واقعا في سلوك السلطة.

خطورة الأزمة اليوم لا تكمن في وجود الفاسد، فالمنحرفون موجودون في كل زمان ومكان، ولكن الخطورة تكمن في سقوط كوابح الإنكار المجتمعي، عندما تتحول مجالس تزعم الرأي العام إلى منصات لتبرير الانتهاكات وإسباغ الشرعية على المتهمين بتبديد مقدرات العامة، ولا تنصر المظلومين، فإننا ننتقل من الفساد الفردي إلى التحلل الهيكلي؛ وعندما تذهب السلطة إلى الحلقات الضعيفة بل وتؤيد مخاوف المترددين في نصرة المنحرفين عندما تستخدم القوة أو القانون بتحريك الشكاوى؛ تفقد الطهارة الأخلاقية الكاملة في نظر الناس، خصوصا وأنها تترك رؤوس الفساد فسيعود هؤلاء المدانون بشكل آخر ربما أكثر جشعا.

فظاهرة الإخلاف ليست في العظايا بل أسرع منها في الفساد، "، فالفاسد مفضوح إلا أمام نفسه، فهو وحده يظن أنه غير مكشوف وكل التبريرات التي يسوقها محض مادة تندر للجمهور، وهذا سيجعل الفساد مبررا عند كل متمكن من اختلاس أو نهب بحجة أخذ الحق المنهوب، حيث يتحقق فينا التوصيف القرآني الصدّام لآليات الانهيار الحضاري: "كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ". هذا الصمت والتواطؤ النفعي الجمعي هو "لبئس ما يفعلون"، لأنه يشرعن الغابة ويهدم ما تبقى من أساسات الأخلاق العامة، ويكون البنيان آيلا للسقوط مهما دُعِّم بالاستبداد. قال رسول الله: "إنَّما أهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ".

الفيلسوف اليوناني أنارسيس (Anacharsis) الذي زار أثينا في القرن السادس قبل الميلاد؛ له عبارة شهيرة يُبنى عليها هذا الوصف الفلسفي الساخر:"إن القوانين مثل بيوت العنكبوت، تصطاد الحشرات الصغيرة والضعيفة، ولكن الطيور الكبيرة والأقوياء يمزقونها ويمرون عبرها، فيُعاقب ظل الغني ويُجلد جسد الفقير".


السبت، 12 سبتمبر 2026

جبر الخواطر: مسؤولية الإنسان ولطف الرحمن

جبر الخواطر: مسؤولية الإنسان ولطف الرحمن

"لا يكون السؤال: ماذا فعل المجتمع بي؟ بل: ماذا سأفعل أنا بعد أن عرفت ما فعله المجتمع بي؟"-


(ومضة: في مقابلة متلفزة، قال السيد مسعود البرزاني ما معناه، "الله خلقني كرديا أنا لم أختر ذلك")

لا اختيار للبداية وربما للنهاية

الكل يولد في أسرة لم يخترها، ووسط مجتمع قائم قبله، ويتلقى لغة أهله وعاداتهم وأفكارهم وأحكامهم قبل أن يمتلك القدرة على فحصها، وقد يجد نفسه، حين يكبر، في مجتمع يحمل أخطاءً وصراعات لم يصنعها، ويتخذ أسلوبها بحكم التقاليد التي لم يقر بنودها أيضا فيقضي حياته وهو يصلح نتائج لم يكن سبباً فيها، أو يدافع عن أمور لم يخترها، أو يتعلم كيف ينجو مما ضع وليس كيف يعيش، لكن الخطر يبدأ حين تتحول الظروف إلى نهاية للتفكير.

وقد يتعلم الإنسان في بيئة مضطربة كيف يصمت في الوقت المناسب، وكيف يتجنب الصدام، وكيف يحمي نفسه، ثم تمر السنوات ويكتشف أنه أتقن التكيّف، ويستخدم مهاراته لتعميق بصمة غيره، وقد يكتشف أنه ولحرصه قد تألم كثيرا وكان قاسيا أحيانا، وينظر إلى آخرين وقد كوّنوا ما يراه مجتمعا مريضا، وما يرونه هم أنها عملية الخلاص من سجن الإرث المغيب عن الواقع، فيتأسى لخدمة أناس أنكروه مع صياح الديك فجر يوم عصيب.

هنا تبدأ المسؤولية؛ ألا يبقى الإنسان مجرد نتيجة لما صنعه الآخرون، وأن يقرر ماذا يُبقي مما ورثه وماذا يوقف مما ورث عنده،

هنا لا يكون السؤال: ماذا فعل المجتمع بي؟ بل: ماذا سأفعل أنا بعد أن عرفت ما فعله المجتمع بي؟ فالظروف تفسر بعض ما نحن عليه، لكنها لا تستطيع أن تفكر بدلاً عنا إلى الأبد، قد يكون الأب قاسياً لأن أباه كان قاسياً، وقد يرث الابن خوفاً لم يعش سببه، لكن عند لحظة معينة يصبح عليه أن يقرر: هل أنقل ما ورثته إلى من بعدي، أم أوقفه عندي؟ وهنا التضحية وهنا جبر الخاطر له ولمن معه.

وهنا تبدأ المسؤولية؛ ألا يبقى الإنسان مجرد نتيجة لما صنعه الآخرون، وأن يقرر ماذا يُبقي مما ورثه وماذا يوقف مما ورث عنده، وهذه المسؤولية عن النفس هي أيضاً المدخل إلى جبر الخواطر؛ فمن عرف من تجربته أن الإنسان قد يحمل آثار أشياء لم يخترها، يصبح أقدر على فهم الآخرين، لا لأنه يعفيهم من المسؤولية، بل لأنه يدرك أن الإنسان أمامه قد يكون قد وصل إليه من طريق طويل لا يعرفه كاملاً. وهنا الفرق بين الإنسان العادي والقيادي؛ الإنسان العادي سيمشي بنفس المسار وابتكاره فيه لا بتصويبه؛ أما القيادي يتأمل يصوب يصحح يتراجع يتقدم وينعطف بالمسار إلى الطريق المثلى.

فالنجاة ضرورة في زمن الخطر، لكنها ليست فلسفة للحياة، ومن يقضي عمره كله متعلماً كيف يتجنب السقوط قد يكتشف في النهاية أنه لم يتعلم كيف يمشي إلى حيث يريد، لكن علينا أن نعرف المعاني بظروفها.

الظروف تفسر كثيراً مما نحن عليه، لكنها لا تستطيع أن تكون عذرنا الأخير، فبعد أن يدرك الإنسان ما ورثه وما أصابه، يبقى أمام سؤال لا يستطيع أحد الإجابة عنه نيابةً عنه: ماذا سأفعل أنا بنفسي؟ وهنا تبدأ المسؤولية، لا في رفض الماضي كله ولا في الدفاع عنه كله، بل في القدرة على التمييز بين ما اقتنعنا به وما بقينا نحمله لمجرد أننا وجدناه قبل أن نبدأ التفكير، وهذا أيضا جبر خاطر للأمة والمجتمع، نحاسب أنفسنا وغيرنا ولكن لا انتقام ولا إذلال بل بكرم نجعله طبعا وسجية.

ثورة الانكسار

كما جبر خاطر الغني للفقير، أو القوي للضعيف، فقد يجبر الفقير خاطر الغني، وقد يجبر الطفل خاطر أبيه، وقد تكون كلمة من إنسان بسيط هي الجبر، فلا يمنع الحزنَ مُلْكٌ، ولا تمنع القوةُ انكساراً، لكن الجبر إرضاء لله، فاجبر ولا تسأل لأن السؤال أحيانا يولد انكساراً.

نحن لا نختار دائماً كيف تبدأ قصتنا، لكننا نختار ماذا نفعل بما ورثناه منها، لا نقول مجتمع مريض أضاع عمرنا وأننا لم نعش حياتنا، وإنما عشنا نهرب من الأيام والحوادث، بل نفكر ونعيد بناء حياتنا

ألم تر امرأة تفعل كل الدعم والجبر بصمت لكنها تحتاج جبرا لتجبر؛ فيغفل من يجب عليه العطاء! هي الأرض تحتاج رعاية لتعطي، وكم نرى من رجال ونساء يحاولون تعويض ما فات ولا يتنبهون إلى أنهم يضحون بما بقي والمآل ولا يظنون أن هنالك من يريد لهم الخير؛ بالحب والإسناد. وهنا ترى خواطر كسرت ولم تجبر فثارت كالبراكين في كل الاتجاهات، تكسر الخواطر بجنوح الأنا بلا مبالاة، وكما الحليم إن غضب تتحطم المعاني عند من كسر خاطره ولم يجبر؛ وتتبعثر الكلمات.

عمل الرحمن وفضيلة الإنسان

في قصة نوح وابنه حقيقة موجعة يعرفها كل من أحب إنساناً: أننا لا نستطيع دائماً أن نختار عن الذين نحبهم، يبقى الابن ابناً، لكن اختياره لا يصبح اختيار أبيه، "وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ". 
قال نوح انه ابني، كسر خاطر نوح أن ابنه لم يؤمن به، فجبر الله خاطره أن لم يُرِهِ موته.

الخاتمة: الفارس لا يستخف بآخر سهامه

نحن لا نختار دائماً كيف تبدأ قصتنا، لكننا نختار ماذا نفعل بما ورثناه منها، لا نقول مجتمع مريض أضاع عمرنا وأننا لم نعش حياتنا، وإنما عشنا نهرب من الأيام والحوادث، بل نفكر ونعيد بناء حياتنا. ومهما أدركنا الأمر متأخرا، فإننا قد نعدل مسارا يتّبعه من بعدنا ليصنع الحياة، ولا نقول العمر هدرا مضى والوقت على تداركه فات، لأن الفارس لا يُستخف بآخر سهامه، فآخر السهام أمضاها وإن كانت جبرا للخواطر فهي أسماها.


السبت، 5 سبتمبر 2026

السؤال الخطأ..

 السؤال الخطأ.. وصفة لانهيار البلاد

محمد صالح البدراني


سأل أفلاطون: كيف تجعلون هذا الخط أقصر دون أن تلمسوه أو تمحوا منه شيئاً؟ وكان قد رسم خطا مستقيما، سكت الجميع ليجيب أرسطو إليس بخط آخر بجانبه ولكنه أطول منه بكثير.

المشكلة ليست دوما هي السؤال ولكن بمنطق السؤال ومنطق الحل الذي تعطيه، وهي من معالم النسبية في كل أمر منظور في السياسة والإصلاح الاقتصادي. العمل الجاد، ليس بالضرورة أن آتي إلى نظام عامل مستقر لأحذف منه أو أضيف، بل أن أضع نظاما موازيا وتجري معه دراسات ورقابة وإحصاءات وفهم لرد فعل المواطن وهل وضعه انتقل للرفاهية أم زادت عذاباته، آتي لوضع نظام يتجنب السلبيات، فليس تعظيم الموارد في الدولة أن تجلب لها المال من الشعب الذي هو السياج الحصين لقلعة الدولة. حجر إثر حجر ستفتح ثغرة وربما ينهار جانب أو كل جدار القلعة، خصوصا إن كنت في أرض تملؤها القوارض وحفرت الأرض لأعشاشها التي تزفر الطاعون وباتت الأسس فوق أرض ليست سميكة وما انفكت أواصر تماسكها تقطع كل يوم.

تحسين الوضع ليس بإضعاف القلعة وإنما القضاء على القوارض الأصلية وجحورها، وليس أفراخها فقط ولا أعشاش القصب، الحل برسم خط أطول أو دائرة أوسع تعزز من حماية قلعة الشعب لأكون متحصنا فيها بلا ثغرات.

سؤال منسوب لأينشتاين:

هنا يظهر الفرق بين حل المشكلة وحل السؤال؛ فقد ننجح في تنفيذ الحل المطلوب، ثم نكتشف أن المشكلة التي كنا نعالجها لم تكن هي المشكلة الحقيقية


"خرج رجلان من مدخنة منزل، أحدهما وجهه متسخ بالرماد والسواد، والآخر وجهه نظيف تماماً. مَن منهما سيغسل وجهه؟".. سارع الطلاب بالقول: "الرجل صاحب الوجه المتسخ بالطبع"! وعندما قال خطأ؛ ارتدوا ليقولوا "إذن، صاحب الوجه النظيف هو من سيغسل وجهه". رد أينشتاين: "السؤال نفسه غير منطقي من الأساس! كيف يمكن لرجلين أن ينزلا من مدخنة واحدة، فيخرج أحدهما نظيفاً والآخر متسخاً؟".

في هذا المثل يجب أن نبحث عن العبرة والحكمة من القصة: السؤال قبل الحل.

التشكيك في الفرضيات: قبل أن تبحث عن حل لأي مشكلة، تأكد أولاً من صحة المعطيات والسؤال نفسه؛ فكثير من المشاكل تكون وهمية أو مبنية على فرضيات خاطئة.

فإذا كان السؤال: كيف نزيد إيرادات الدولة؟ فسوف ينصرف التفكير بصورة طبيعية إلى البحث عن مورد جديد أو زيادة مورد قائم، أما إذا كان السؤال:كيف نزيد قدرة الدولة المالية من دون أن نضعف القدرة الاقتصادية للمواطن؟ فإن مجال الحل يتسع، ويدخل فيه الإنتاج والاستثمار وتقليل الهدر وتحسين الإدارة ومكافحة التسرب المالي، لا مجرد زيادة ما يدفعه المواطن.

وهنا يظهر الفرق بين حل المشكلة وحل السؤال؛ فقد ننجح في تنفيذ الحل المطلوب، ثم نكتشف أن المشكلة التي كنا نعالجها لم تكن هي المشكلة الحقيقية.

ميزان الأثر لا ميزان الإيراد

مفهوم النسبية: نحن نرى أنفسنا غالباً من خلال انعكاسنا في عيون الآخرين (مثلما نظر الرجل النظيف إلى المتسخ)، وهو ما قد يمنحنا رؤية مضللة عن حقيقتنا.

ليس كل ما يدخل خزينة الدولة دعما لها، ولا كل ما يخرج منها خسارة بالضرورة، فالمبلغ الذي تنفقه الدولة على دراسة جيدة، أو نظام رقابة، أو تطوير قاعدة معلومات، أو اختبار مشروع قبل تعميمه، قد يبدو في الموازنة إنفاقاً إضافياً، لكنه قد يمنع خسارة أكبر بكثير، وفي المقابل، قد يبدو تحصيل إيراد جديد نجاحاً مالياً إذا نظرنا إليه من داخل الخزينة فقط، بينما يكون أثره خارجها زيادة في كلفة الإنتاج أو النقل أو الغذاء، وانخفاضاً في القوة الشرائية، ثم تراجعاً في النشاط الاقتصادي، وزيادة أسعار البنزين في العراق عام 2006 كان الشرارة لتضخم ما زالت تتدحرج كرته.

ولهذا ينبغي أن يكون السؤال الأصح: ما الأثر الصافي للقرار على الدولة والمواطن والاقتصاد معاً؟ فالدولة ليست خزينة منفصلة عن المجتمع؛ خزينة الدولة في النهاية تتحرك داخل اقتصاد يصنعه الناس وينفقون فيه وينتجون ويستهلكون ويدخرون، لننظر إلى تقييمات المؤسسات الدولية.

القرار ليس تجربة تُجرى على بلد كامل

في الهندسة لا نهدم المنشأة القائمة لمجرد أن لدينا تصوراً لمنشأة أفضل؛ بل نصمم البديل، ندرسه، نختبره، ونقيس أداءه، ثم نقرر الانتقال إليه. والإصلاح الاقتصادي والإداري لا يختلف في جوهره.

ينبغي أن تنتقل الدولة من سؤال: هل نفذنا القرار؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا حدث للمجتمع بعد أن نفذنا القرار؟ ومن القرار الفردي إلى دورة القرار المؤسسي، فالقرار الاقتصادي والسيادي ليست رأياً وإنما وفق السياقات العلمية المعروفة من الموازنة إلى الموازنة مرة أخرى


يمكن للدولة أن تنشئ نظاماً موازياً محدود النطاق، يخضع للدراسة والرقابة والإحصاء، ثم تقارن نتائجه بالنظام القائم، فإذا أثبت النظام الجديد أنه أكثر كفاءة وأقل كلفة وأكثر نفعاً للمواطن، أمكن توسيعه تدريجياً، وبذلك لا يصبح المواطن كله مختبراً لقرار واحد، ولا تصبح الدولة مضطرة إلى التراجع بعد أن تكون كلفة التجربة قد أصابت المجتمع بأكمله.إن الإصلاح الرشيد لا يبدأ دائماً بإزالة النظام القائم، بل قد يبدأ ببناء نموذج أفضل إلى جواره، وهذا ليس ترفاً مؤسسياً.

من القرار النرجسي إلى القرار المتواضع

نرجسية القرار في منطقه الداخلي، ومعياره هو ما يحدثه بعد التنفيذ: هل انخفضت الكلفة؟ هل ارتفع الإنتاج؟ هل تحسنت قدرة الأسرة على العيش؟ هل ازداد الاستثمار؟ هل تحسنت الخدمة؟ وهل أصبح المجتمع أكثر قدرة على تحمل المستقبل؟

لذلك ينبغي أن تنتقل الدولة من سؤال: هل نفذنا القرار؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا حدث للمجتمع بعد أن نفذنا القرار؟ ومن القرار الفردي إلى دورة القرار المؤسسي، فالقرار الاقتصادي والسيادي ليست رأياً وإنما وفق السياقات العلمية المعروفة من الموازنة إلى الموازنة مرة أخرى.

وفي هذه الدورة يكون لمراكز الدراسات المستقلة، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني المتخصصة، والرقابة المهنية؛ دور حقيقي، لا دور شكلي، وقد تكون لهذه العملية كلفة محدودة، لكنها ينبغي أن تُفهم باعتبارها كلفة حماية للمال العام لا عبئاً عليه. فالإنفاق على معرفة القرار قبل اتخاذه قد يكون أقل بكثير من كلفة إصلاح قرار خاطئ بعد تعميمه.

الدولة التي تقوى من الداخل

ولذلك فإن تعظيم موارد الدولة لا ينبغي أن يعني دائماً البحث عن مورد جديد من المواطن؛ فالمواطن نفسه هو جزء من القاعدة التي تقوم عليها الدولة، كل زيادة في العبء عليه ينبغي أن تُقاس بما تولده من إيراد، وبما قد تسحبه في المقابل من قدرته على الاستهلاك والإنتاج والاستثمار والادخار.

نخبة البلد تصمم ثريات تحملها السقوف، وإن لم تدخل غينيس بحجمها، أما الموارد التي تضيع بسبب ضعف الإدارة والفساد، فهي ثغرات في جدار الدولة، وإننا لن نصلح الشقوق بتغطيتها وهي تشير إلى أسس منخورة، بل بملء الفجوات.


الجمعة، 28 أغسطس 2026

كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق

 كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق

محمد صالح البدراني 

منهج كيسنجر:

على الرغم من أن ما نشر على لسان كيسنجر أراه لا يتسق مع عبقرية كعبقرية كيسنجر، فأغلبه يبدو قراءة وتحليل ذكي للكاتب، لكن سأفترض صحته لأهمية التصور المبعثر هذا.

أي مفكر عندما يكتب يستحضر تاريخ أمته عمليا، وكيسنجر ليس بدعا من القول خصوصا عندما يناقش منطقة المتوسط الإسلامي، فهو يتحدث منطلقا من نظريات مدنية، دون تفهم للحضارة الفكرية للمنطقة، خصوصا عندما ضرب مثلا بداعش عن الإسلام العابر للحدود، متجاهلاً أن هذا التنظيم، حسب ما تواتر من تسريبات وشهادات وتحليلات متعددة، وُجد في بيئة تداخلت فيها أجهزة مخابرات دولية باتفاقات متباينة النفوذ، وهو ليس الإسلام الصالح لإدارة الحياة في واقعنا كما يفكر به أغلب النخب.

الإسلام غائب وليس له وجود كفكر، والموجود هو التدين الغريزي غالبا، وهو منقطع عن إدارة الواقع منذ زمن طويل. الإسلام غايته العدل والسلطة وسيلة، وهذا غير موجود بينما السلطة غاية كما هو دارج في نظم اليوم، أما المدنية فهي تراكم جهد بشري عالمي ممكن أن ترشَّد بالسلوك الإسلامي المنبعث من جذور القيم، وليس السلوك الجالس على منضدة النفعية فحسب كما نمط الحداثة التي تحتضر اليوم.

فهم كيسنجر للمذاهب كأنها طوائف؛ وواقعاً أن هنالك فرقاً بين المذاهب التي لا غبار عليها وبين الطائفية التي تقع تحت تأثير السياسة، ومجموعة ذات مصالح، غالبا فاسدة لأنها منفلتة أو مشوهة للقيم الحقيقية التي تزعمها


فهم كيسنجر للمذاهب كأنها طوائف؛ وواقعاً أن هنالك فرقاً بين المذاهب التي لا غبار عليها وبين الطائفية التي تقع تحت تأثير السياسة، ومجموعة ذات مصالح، غالبا فاسدة لأنها منفلتة أو مشوهة للقيم الحقيقية التي تزعمها، سواء يزعمون الإسلام مثلا أو الزعم بحماية وانتماء لمذهب. وهذا لا يحتاج إثباتا، فهو أكثر افتضاحا من قرد البابون، فالتداخلات لم تكن بالصيغة التي وصفها وإنما هنالك نوع من تداخل المصالح وركوبها على الطائفة أو العرق، لكن واقعا أن هذا محض أسلوب تخفّي كما يظل الليل وظلامه أي نهّاب.

بريطانيا العراق:

بريطانيا أتت بحكم الاستراتيجية واحتلت العراق واكتشاف النفط ثبتها فيه، لكنها أزالت عن أكتافها كل أوزارها في العراق من استخدام الناس، الهاربين من أوطانهم في الليفي ثم توطينهم بلا سند قانوني، ولم تكن تفكر بالعراق أكثر من الهند لولا تغيير العوامل الجيوسياسية، وتنبه الهنود وتغيير تكتيكاتهم من اجل الاستقلال، فنشأ العراق دولة صعبة المراس تركتها بريطانيا مع ما فيها من الألغام التي تفجرت على العراقيين. فلم تعمل على تكييف أمة نشأت بلا حدود لتتعامل مع الحدود، وتركت كل أيديولوجيات العالم الفاشلة تدخل قوالب على مجتمع عشائري يتعامل بتوازنات اعتاد إحكامها مع السلطات.

فالقومية التي فشلت في الغرب أتت إلى المنطقة، والشيوعية التي لم تتجاوز الاشتراكية طيلة فاعليتها إلى أن انتهت دخلت في العراق، والدعوات الإسلامية التي تشوهت بالتضييق والسجون والمنع لم تكوّن مراكز دراسات وإنما بقيت تنظر إلى الخلف كنظرة أي فاشل يطلب الملامح الطيبة والزمن الجميل في ماضيه، حتى إنهم لم يحسنوا تصريف أمورهم، وربما لو تركوا لكانوا الأقرب إلى نظام جديد أفضل من الوستفالي المكسور (وأظن كيسنجر سيقول هذا)؛ نظام مدني، لأن الإسلام أصلا قابل وقادر على إنتاج الآليات، لكن حملات التشكيك والحروب الكلامية والسجون التي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، لم تعطِ الفرصة للمنطقة لتشكل شخصيتها، وتنتج نظامها الذي يتعامل مع العالم وفق الأساليب المدنية وليس من خلال المصلحة الضيقة التي اختلت بالتجربة عند الاحتكاك مع الآخر في أوروبا، والغزو الإمبراطوري وبعنجهية نيرونية تواجه العالم اليوم بقوة ضاربة مدمرة للحرث والنسل.

العراق خيار صحيح:

اختيار كيسنجر للعراق في الحقيقة يعبر عن بعد نظره؛ ويتناقض مع السعة التحليلية، نعم العراق مقياس، لكن ما برر كيسنجر به هو مقاربات. العراق وسوريا مهمان جدا لإنشاء نظام جديد أو حداثة جديدة إن فسح المجال لهما، حضارة ومدنية ليست محاربة أو مقاتلة كما هو تصور الغرب لنهضة المسلمين، بل حضارة فكرية تحمي الثورة المدنية من الفساد الذي أحدثه التشوه والحرمان والاضطهاد المتعدد الأشكال، وهذا نتيجة طبيعية للقوالب وضغط الشعوب بها، وصراع الأطماع باسم الأيدولوجيات. اتفق إذن أن النظم التي جربت على المجتمع هي نظم فاشلة وجاءت مقولبة ترفع أعلام الطغيان والفساد مغلفة باسم القومية أو الحداثة أو الدين..

العراق والنظم:

لم ينتحر العالم -كما نسب لكيسنجر- في 2003، بل انتحر عندما عادى الإسلام وتركه من الضغط ينتج هذه المسوخ التي تقودها عمليا مخابرات العالم بالصفات المتعددة التي ذكرناها والتي لم نذكرها، أو بشكل الإلحاد والليبرالية


قصة الجيوش وحفاظها على الوستفالية لم يكن الكلام المنسوب لكيسنجر بها موفقا، فمحمود الحفيد ثار مرتين، المرة الأولى كان يخاف على دينه من الغزاة، وينتظر أن تصحو الدولة العثمانية، فلما احتضرت كما احتضرت الدولة العباسية زمن المغول، استحضر الحفيد سيرة عثمان طغرل بك ليكون ملكا على قومه ويقودهم إلى سلطنة أو خلافة جديدة؛ لم يدع إلى قومية، من أحبطه ليس الجيش العراقي وإنما الليفي البريطاني المتكون من أناس أغراب قبل أن يجنسوا لاحقا عراقيا. والجيش الملكي قمع الفتن التي نشأت مع الإنكليز في المنافسات غير العقلانية واستثارة العشائر، أما في العهد الجمهوري فقد حكم العسكر البلد، والعسكر حلولهم معروفة خصوصا عندما يؤدلجون، والأمثلة كثيرة.

عموما بجملة حاسمة يسمح بها المقال؛ أن صراعات أيديولوجيات القوالب المستوردة أوصلتنا من احتلال إلى احتلال.

ما المطلوب؟

لم ينتحر العالم -كما نسب لكيسنجر- في 2003، بل انتحر عندما عادى الإسلام وتركه من الضغط ينتج هذه المسوخ التي تقودها عمليا مخابرات العالم بالصفات المتعددة التي ذكرناها والتي لم نذكرها، أو بشكل الإلحاد والليبرالية. العالم انتحر عندما مكن للكيان الصهيوني أن يظلم اليهود باسم اليهود كما يفعل الفاسدون من ظلم لأهلهم وباسم أهلهم، وأثار الكيان الكراهية والعصبية والتطرف العنصري كما يفعل الفاسدون باسم الإسلام والبعض باسم مسيحية -يهودية الأساطير والأوهام، التي تستخدم التكنولوجيا لتدمير العالم وكأن الأمر واجب مقدس مثل الحروب الصليبية في العصور الوسطى..

نحتاج أن تتنفس هذه المنطقة، أن يسمح لها بفهم عقيدتها وثقافتها، عندها ستشع وتعطي النماذج الإصلاحية ليس عبر الجيوش والأساطيل وإنما عبر التواصل الاجتماعي وما سينتجه العلم من وسائل تقارب بين الشعوب.

الجمعة، 21 أغسطس 2026

قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستة

 قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستة

محمد صالح البدراني

كيف استطاعت مجموعة محدودة من النخب، على اختلاف رؤيتها في الاستراتيجية والتكتيك السياسي؛ أن تؤسس جهازاً إدارياً ومؤسساتياً صلباً استمر في العمل لعقود طويلة حتى بعد اختفاء الفاعلين أنفسهم؟

فخ القاضي:

تعاني الأدبيات السياسية والتاريخية المهتمة بالشأن العراقي من فخ اختزالي مزمن؛ إذ تُصر غالبية القراءات على حصر الجيل المؤسس للدولة الحديثة (ما بعد عام 1921) في ثنائيات قطبية جامدة: إما "نخبة وطنية" في مواجهة الانتداب، أو "أدوات وظيفية" مرتهنة للإرادة البريطانية، وفي مسار موازٍ، يتم اختزال هؤلاء الرجال في نهاياتهم الدرامية والمأساوية؛ فنقرأ العهد الملكي من خلال مشهد انتحار السعدون، أو اغتيال العسكري، أو سحل نوري السعيد، أو تهديد بقايا الليفي للسيادة الوطنية بحكم من أناس يتقمصون دور القاضي بلا معايير ملائمة، ولا يعرفون حيثيات ما يقضون فيه.

هذا الاختزال لا يظلم التجربة التاريخية فحسب، بل يعجز بنيوياً عن تفسير ظاهرة بالغة الأهمية: كيف استطاعت مجموعة محدودة من النخب، على اختلاف رؤيتها في الاستراتيجية والتكتيك السياسي؛ أن تؤسس جهازاً إدارياً ومؤسساتياً صلباً استمر في العمل لعقود طويلة حتى بعد اختفاء الفاعلين أنفسهم؟

تنطلق هذه الدراسة الاستقرائية من فرضية بديلة، تتجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة.

تجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة


التفكيك الفلسفي لأعمدة البناء الستة (المدارس السيادية)

لم تكن الدولة العراقية الناشئة بحاجة إلى حكام متشابهين، بل كانت بحاجة إلى منظومة وظائف متكاملة، ويمكن تفكيك الرؤية الفلسفية لجيل التأسيس من خلال ست مدارس أساسية:

انطلق الملك فيصل الأول من وعي مبكر بأن الدولة لا تُفرض بحد السلاح أو بالنصوص القانونية الجافة ما لم يتشكل في عمقها مجتمع يشعر بوحدة المصير، فكانت مدرسة بناء الأمة عنده تتلخص في أن "الدولة الجغرافية" تسبق "الدولة الشعبوية" في العراق، ولذلك ركز على صياغة هوية وطنية جامعة قادرة على صهر التباينات العشائرية والمذهبية والإثنية في بوتقة المواطنة، انطلاقاً من أن المؤسسات كتل خرسانية باردة ما لم تدب فيها روح الأمة.

وفي مسار متوازٍ، مثّل عبد المحسن السعدون مدرسة الشرعية الدستورية والواجب كما قال كانط، والضمير القانوني للدولة الناشئة؛ إذ لم تكن الدستورية عنده ترفاً سياسياً بل كانت الضمانة الأخلاقية لوجود الدولة، مدفوعاً بإيمان عميق بأن الدولة التي تنتهك قوانينها من أجل مكاسب مؤقتة تحكم على نفسها بالفناء، وهو ما جعل صداماته تنبع من نزعة مبدئية ترى في القانون أصل السيادة.

أما جعفر العسكري فقد أسس مدرسة القوة المشروعة والمؤسسية في بيئة إقليمية مضطربة، مدركاً أن احتكار العنف المشروع هو الشرط الأول لبقاء الدولة، عبقرية فلسفية تجلت في أنه لم ينظر إلى الجيش باعتباره أداة للهيمنة أو بديلاً عن السلطة المدنية، بل بوصفه إحدى مؤسسات الدولة الخاضعة للقانون، لتقدم نهايتها تحذيراً مبكراً من خطورة انزلاق أدوات القوة إلى معترك الصراع السياسي.

ومن جانبه، جسد ياسين الهاشمي مدرسة الإدارة المركزية والبيروقراطية القائمة على مفهوم "الدولة الإدارية، حيث آمن بأن هيبة الدولة لا تنبع من الخطابات، بل من كفاءة جهازها التنفيذي وقدرته على بسط النظام، فكانت البيروقراطية عنده هي العمود الفقري الذي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى البدائية وتُعلي سلطة المؤسسة على الولاءات الفرعية، وفي الديون التي كانت ستستمر دفوعاتها وفوائدها إلى الثمانينات، وسك الدينار العراقي بمتابعة حيدر رستم فأنتج عملة وطنية بدل الروبية الهندية.

وعلى مستوى الجغرافيا السياسية، كان نوري السعيد يقرأ العراق من الخارج إلى الداخل عبر مدرسة الواقعية الاستراتيجية، فلم يكن سؤاله مقيداً بكيفية حكم العراق معزولاً عن العالم، بل بكيفية حماية هذا الكيان الناشئ في بيئة دولية تتصارع فيها الإمبراطوريات، فصاغ فلسفة تقوم على أن الدول الصغيرة تحميها شبكة التحالفات الذكية والموازنات الجيوسياسية المتقنة، لتصبح الدولة عنده وحدة مناورة في نظام دولي معقد لا يرحم الضعفاء.

وبرز جميل المدفعي قائد الميدان ممثلا لجمعية العهد في ثورة تلعفر في 1920، ورجل التهدئة الحكيم ليمثل مدرسة التوازن والاحتواء السياسي وصمام الأمان في لحظات الانسداد؛ فكانت فلسفته تقوم على التسوية والامتصاص والتدخل لمنع تحول التنافس المشروع إلى صراع وجودي صفري، إيماناً منه بأن بقاء الدولة يعتمد على قدرتها على استيعاب التباينات وتدوير الزوايا الحادة، فالحفاظ على الكيان أولى عنده من انتصار أي جبهة سياسية.

القوانين الحاكمة لمعادلة الدولة

بناءً على هذا الاستقراء التاريخي، يمكننا استنباط أربعة قوانين أساسية تشكل الهيكل النظري لـ"نظرية المدارس السيادية":

• القانون الأول (معادلة القوة): قوة الدولة هي حاصل توازن وظائفها السيادية المشتركة، وليست مجموع قوة الحكام الفردية، ويمكن صياغتها رياضياً بأن قوة الدولة تساوي المحصلة بين تلك الوظائف المتكاملة.

• القانون الثاني (قانون الاحتكار والمقايضة الصفرية): كلما تحولت وظيفة سيادية إلى مركز احتكار مطلق، اختل توازن الدولة وتآكلت شرعيتها؛ فإذا طغت مدرسة القوة (الجيش) ماتت الشرعية الدستورية، وإذا طغت مدرسة الواقعية الخارجية (التحالفات) تآكلت الهوية الوطنية والسيادة الداخلية.

• القانون الثالث (قانون الموت السريري للدول): لا تموت الدول برحيل قادتها أو بوفاة رجالها، وإنما تموت عندما تنقطع سلاسل التوريد الفكري للمدارس التي أنشأتها.

• القانون الرابع (عتبة التأسيس الحضاري): تبدأ الحضارة السياسية للدولة عندما تتحول "مدارس الرجال" إلى "مؤسسات مستقلة عن الرجال"، بحيث تصبح الرؤية الفلسفية عقيدة مؤسساتية عابرة للأجيال.

التشخيص الاستقرائي وأزمة الانقطاع التاريخي

فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"


إن التدقيق الاستقرائي في مسيرة الدولة العراقية يكشف عن حقيقة بنيوية مغيّبة: إن الدولة العراقية قد أُسّست وأُنجزت بالفعل كـ"معمل متكامل" واكتملت خطوط إنتاجه، لم تكن الأزمة يوماً في غياب المخطط أو نقص التروس والمحركات؛ فقد نجح الجيل المؤسس في ضبط إحداثيات الآلة وصياغة وظائفها السيادية، إلا أن المعضلة التاريخية بدأت عندما تحول هذا المعمل المكتمل إلى يد "مدراء تعاقبوا عليه" دون أن يمتلكوا فلسفة التشغيل أو يستوعبوا هندسة البناء.

بدلاً من إدارة المعمل وتشغيله لإنتاج الاستقرار والتنمية، انشغل المدراء الجدد بالصراع على مقعد الإدارة ذاته، ولأنهم لم يدركوا أن القيمة تكمن في توازن التروس وتكاملها، راحوا يفككون أجزاء المعمل قطعة فقطعة؛ فاستُهلكت مؤسسة الجيش في الانقلابات لتلغي الشرعية الدستورية، وجُيشت البيروقراطية لخدمة الولاءات الضيقة لتلتهم كفاءة الإدارة، وحُوّلت السياسة الخارجية إلى أداة للمغامرات أو التبعية المطلقة لتقوض السيادة.

فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"، فبقيت الجدران والمناصب، وتفككت المحركات الاستراتيجية.

الرؤية الاستشرافية لمستقبل الدولة العراقية

علينا فهم "نظرية المدارس السيادية"، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد؛ ثورة إدارية، رؤية، واستعادة لمفهوم الأمن والحوكمة الرقمية والخدمات طريق الخلاص من ارث المحاصصة الذي عطل الإنتاج وقضى على أدواته، استشراف سياسة خارجية حول نقطة توازن وشبكة مصالح، ووضع آليات كفيلة بامتصاص الأزمات.


السبت، 15 أغسطس 2026

الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية

الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية
محمد صالح البدراني

"الاستسلام لفكرة أن المشكلة هي "قدر دائم" يحوّلها سيكولوجياً إلى "همّ مقيم" يورث "الحزن" وتمثيل الرضا"

تأمل في حديث نبوي: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجَزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَغَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ)

ومضة:

النظر للإرادة بالمفهوم الفلسفي الإسلامي يأخذ الحديث النبوي من سياق التبرك اللفظي إلى مصاف "المنهج الحركي لبناء الإنسان الصامد"، فالإسلام لا يرى في الإنسان كائناً مسلوب الإرادة مسيّرا بالحتميات، وإلا ما معنى الثواب والعقاب، بل قبل هذا الحساب؟ وإنما يراه مكلفاً ومسؤولاً، وجعل الحرية في الاختيار والعزيمة شرطاً أساسياً لصحة هذا التكليف، حتى الدول حين تتحول الديون من أرقام في الموازنة إلى "شروط هيكلية" تفرضها مؤسسات دولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإنها تنتقل من سياقها المالي الصرف لتصبح أداة قهر وتسلط عابرة للقارات، تسلب المجتمعات سيادتها ويتم التحكم في تفاصيل حياة المواطن اليومية، وعندما تعجز عن السيطرة على الفساد فهذا قهر الرجال.

وهن العاطفة وقهر العجز

تبدأ مأساة الإنسان عندما يعجز عن حماية من يحب، ليس فقط من عوادي الزمن وظلم الآخرين، بل حتى من "نزوات" المحبوب نفسه. إن هذا العجز يمثل ذروة "قهر الرجال"؛ فالقهر ليس سوى تجريد الإنسان من قدرته على الفعل وحرمانه من حق الحماية.

الإنسان المقهور والمكبّل بالديون (سواء كانت ديوناً مالية، أو التزامات خانقة) هو إنسان مسلوب الإرادة، والمصلح أو المواطن الصالح لا يمكنه تقديم النفع لشعبه أو وطنه وهو يعيش حالة "العجز والكسل"


عندما يعجز عن صد عاصفة شعورية تعصف باهله ووطنه وأمته، يتحول القهر من ضغط خارجي إلى تآكل داخلي، هنا يولد "العجز والكسل" كمرحلة تالية للقهر، حيث يفقد العقل المحرك الأساسي للمقاومة، ويتحول الكيان الإنساني من فاعل في الكون إلى مفعول به.

الحرية شرط العطاء:

الإنسان المقهور والمكبّل بالديون (سواء كانت ديوناً مالية، أو التزامات خانقة) هو إنسان مسلوب الإرادة، والمصلح أو المواطن الصالح لا يمكنه تقديم النفع لشعبه أو وطنه وهو يعيش حالة "العجز والكسل". التعوذ هنا رفض واعٍ للمظاهر التي تحوّل الإنسان الإيجابي إلى عنصر خامل ومستهلك. "وأعوذ بك من "قهر الرجال" هي في جوهرها استعاذة من وضع يُسلب فيه الإنسان حريته؛ لأن القهر يعطل فاعلية التكليف ويجعل المرء عاجزاً عن الوفاء بمسؤولياته تجاه ربه، ونفسه، وأمته، وهي إشارة لاتباع الآليات التي علمها الله لعباده وجعلها من سنن الكون في التدافع؛ وليس آليات إبليس والخنوع التي مسارها إلى غضب الله.

إن استعباد الدول من قوى أكبر منها وإجبارها على الخضوع، وبدل تحقيق الرفاهية للشعب تذهب إلى استعباده بعجزه أمامها وأمام نفسه كما عجز الدولة أما غيرها، وكسلها عن المواجهة يجعلها تفرض عليه فوق طاقته كما فُرض عليها فوق طاقتها، فتغلبه الديون كما غلبتها الديون، لكن المواطن وهو عاجز في كل هذا؛ واقع تحت قهر الرجال إجبارا، وتقع الدولة في قهر الرجال اختيارا، وهذا أشد مما استعاذ منه رسول الله (ص).

فخ "الهموم" مقابل واقعية "العقبات"

تتشكل جغرافيا النفس البشرية بناءً على طريقة رؤيتها للحياة؛ فحين يتعامل الإنسان مع الدنيا بوصفها كتلة صماء من "الهم والمشاكل"، فإنه يحكم على إرادته بالضمور، الاستسلام لفكرة أن المشكلة هي "قدر دائم" يحوّلها سيكولوجياً إلى "همّ مقيم" يورث "الحزن" وتمثيل الرضا.

أما القراءة الواعية، فتقتضي تحويل "المشاكل" إلى "عقبات". الفرق بين الاثنين أن الهم مستنقع يغرق فيه المرء، أما العقبة فهي جدار صُنع ليُتسلق أو يُهدم. إدراك الدنيا كمسار مليء بالمنعطفات والعقبات يمنح النفس مرونة مجابهة القهر، فالألم في هذا السياق يصبح ثمناً مستحقاً للعبور، وليس سياجاً يمنع الحركة.

المطاولة والديون الوجودية

الإنسان لكي يحمي من يحب، ولكي يفي بدينه تجاه وطنه وشعبه، عليه أن يمتلك الشجاعة لتحويل مشاكله إلى عقبات، وأن يدرك أن تسديد ديونه الوجودية هو السبيل الوحيد للتحرر من قهر الدنيا وغلبة الرجال


الحياة في جوهرها ليست سباق سرعة، بل هي "معركة مطاولة" تحتاج إلى نَفَس طويل وإرادة صلبة لاجتياز الأزمات أو تسديد "الديون"، وهنا يتسع مفهوم "الدَيْن" في الفلسفة النبوية ليتجاوز معناه المادي الضيق (المال) إلى أبعاد وجودية وأخلاقية شاملة.

الديون أنواع، وأثقلها هي الديون غير المرئية:

- الدَّين تجاه الوطن والشعب: وهو الالتزام الأخلاقي والتاريخي بتقديم النفع، وحماية الهوية، والمساهمة في البناء.

- الدين تجاه الذات: وهو السعي لتطويرها وعدم الخضوع لجهلها أو كسلها.

- الدين تجاه الآخرين: وهو الوفاء بالوعود والمشاعر والمسؤوليات الاجتماعية.

إن تراكم ما يحتاج تسديداً (بسبب الجبن أو البخل أو التقاعس) هو ما يؤدي في النهاية إلى "ضلع الدَين" -أي انحناء الظهر وثقل النفس- وعندما تنحني النفس تحت وطأة تقصيرها، تصبح لقمة سائغة وتغلب عاجزة مقهورة فتبدو كتسلط الظرف، وهو ما يحصل فعلا كأحد الحالات حتى مع العامل الجاد المكافح والصادق في المجتمعات المتخلفة الغاطسة بالفوضى.

خاتمة: العبور بالإرادة

إن الحديث الشريف لا يقدم مجرد استعاذة لفظية، بل يضع خريطة طريق تحذيرية؛ إنه ينبهنا إلى أن الضعف يبدأ من الداخل (الهم والحَزن)، لينعكس على الجسد والسلوك (العجز والكسل)، فيثمر تراجعاً عن المواجهة (الجبن والبخل)، لينتهي الإنسان عبداً لظروفه وللآخرين (غلبة الدَّين وقهر الرجال).

المخرج الفلسفي والعملي يكمن في "الإرادة والمطاولة"؛ فالإنسان لكي يحمي من يحب، ولكي يفي بدينه تجاه وطنه وشعبه، عليه أن يمتلك الشجاعة لتحويل مشاكله إلى عقبات، وأن يدرك أن تسديد ديونه الوجودية هو السبيل الوحيد للتحرر من قهر الدنيا وغلبة الرجال.


الجمعة، 31 يوليو 2026

نحو الدولة التأسيسية

 نحو الدولة التأسيسية

محمد صالح البدراني 

"لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها"


 منذ أن بدأ الإنسان يؤسس الدول، انشغل فكره السياسي بالسؤال نفسه: من يحكم؟ وكيف تُوزَّع السلطة؟ وما شكل النظام الأمثل؟ فظهرت الملكيات والجمهوريات، والإمبراطوريات والدول القومية، والليبرالية والاشتراكية، وتعددت الدساتير والأنظمة الانتخابية، لكن سؤالاً أكثر عمقاً ظل خارج دائرة البحث، وهو: كيف تنشأ الدولة أصلاً، وما الذي يجعلها قادرة على البقاء والتجدد عبر الأجيال؟


معظم النظريات السياسية تبدأ من الدولة باعتبارها حقيقة قائمة، ثم تبحث في تحسين أدائها أو ضبط سلطاتها، لكنها نادراً ما تسأل عن القانون الذي يجعل المجتمع قادراً على إنتاج دولة مستقرة قبل أن يبحث عن شكل الحكم، ولهذا فإن كثيراً من الإصلاحات السياسية لم تكن سوى إصلاحات في إدارة السلطة، لا في بناء الدولة نفسها.

فالسلطة ليست بداية الدولة، بل هي إحدى نتائجها، والقانون ليس أصل الدولة، بل أحد أدواتها، والدستور ليس منشئ الدولة، وإنما وثيقة لتنظيم ما استقر من علاقات داخلها، أما الدولة نفسها، فهي الأمة اجتماعيا وأخلاقيا وفكريا.

القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها


ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نغيّر الحكومة؟ بل: ما الذي يجعل ملايين البشر يقبلون أن يكونوا مجتمعاً واحداً، وأن يلتزموا بقانون واحد، وأن يدافعوا عن كيان واحد؟

إن القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها.

الانتماء

إذن لا بد من وجود عنصر أعمق من السلطة والقانون والاقتصاد، ذلك العنصر هو الانتماء، غير أن الانتماء ليس شعاراً ترفعه الدولة، ولا درساً في المناهج الدراسية، ولا حملة إعلامية موسمية، فالإنسان لا ينتمي إلى وطنه لأنه طُلب منه ذلك، وإنما لأنه يشعر أن كرامته ومستقبله وحريته ونجاحه مرتبطة ببقاء ذلك الوطن، والانتماء الحقيقي ليس قراراً سياسياً، بل نتيجة تجربة يومية يعيشها الإنسان مع دولته ومجتمعه.

ومن هنا لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها.

لكن الانتماء نفسه ليس البداية، لأنه يولد من عنصر آخر هو الثقة، فالإنسان لا ينتمي إلى كيان لا يثق به، ولا يضحي من أجل مشروع يشك في عدالته أو في صدقه، والثقة ليست عاطفة، بل هي تراكم طويل من الخبرات التي تجعل الإنسان يوقن أن مؤسسات دولته تعمل وفق قواعد يمكن التنبؤ بها، وأن القانون لا يتغير تبعاً للأشخاص، وأن الحقيقة لا تُخفى عنه كلما تعارضت مع مصالح السلطة.

وهنا نصل إلى النقطة التي ربما أغفلها الفكر السياسي طويلاً، إن أصل الثقة ليس القوة، ولا القانون، ولا حتى العدالة بمعناها القضائي، وإنما الحقيقة، فالمجتمع الذي لا يمتلك حقيقة مشتركة عن واقعه لا يستطيع أن يبني مستقبلاً مشتركاً، وإذا أصبحت الإحصاءات أداة للدعاية، والإعلام وسيلة للتبرير، والتعليم مجالاً لإعادة إنتاج الأوهام، والسياسة فناً لإخفاء الوقائع، فإن أول ما ينهار ليس الاقتصاد، بل الثقة العامة، وعندما تنهار الثقة، يضعف الانتماء، ثم تبدأ الدولة في فقدان شرعيتها، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة وجيشها قوياً.

اقتراح قانون أولي لبناء الدولة:

إن الدولة التي تعجز عن إنتاج الحقيقة المشتركة تعجز تدريجياً عن إنتاج الثقة، والدولة التي تفقد الثقة تفقد الانتماء، والدولة التي يفقد مجتمعها الانتماء تبدأ رحلة التفكك مهما امتلكت من أدوات القوة.

ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص، لأن الأشخاص نتيجة لبنية أعمق، ولا يبدأ بإصدار قوانين جديدة، لأن القانون نفسه يحتاج إلى بيئة تؤمن به. ولا يبدأ بإعادة توزيع السلطات، لأن السلطة لا تستطيع أن تمنح المجتمع ما فقده من ثقة.

إن الإصلاح يبدأ بإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والحقيقة. فالصدق هنا ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل مؤسسة يجب أن تُبنى. يجب أن تكون بيانات الدولة صادقة، وأرقامها قابلة للتحقق، وقراراتها قابلة للمساءلة، وأخطاؤها قابلة للاعتراف، فالدولة التي لا تملك الشجاعة للاعتراف بالواقع لن تستطيع أن تخطط للمستقبل، لأن التخطيط لا يقوم إلا على معرفة صحيحة بالواقع.

وعندما تصبح الحقيقة قيمة مؤسسية، تنشأ الثقة، وعندما تنشأ الثقة، يتحول الانتماء من شعار إلى سلوك. وعندما يصبح الانتماء سلوكاً، تتحول الدولة من جهاز يحرس المجتمع إلى مجتمع يحرس دولته.

وربما تكمن مهمة الدولة التأسيسية في هذا التحول تحديداً، فهي لا تُنشأ لتحتكر السلطة، بل لتؤسس بيئة يصبح فيها الصدق قاعدة، والثقة نتيجة، والانتماء ثمرة، فتغدو المؤسسات أدوات لخدمة المجتمع، لا وسائل للسيطرة عليه.

ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تبدأ منه فلسفة الدولة في القرن الحادي والعشرين: ليست المشكلة الأولى كيف نوزع السلطة، وإنما كيف نبني الحقيقة المشتركة التي تجعل المجتمع قادراً على الثقة، والثقة قادرة على إنتاج الانتماء، والانتماء قادراً على إنتاج دولة تتجدد من داخلها، لا بقوة الحاكم ولا بشعارات الأحزاب، بل بقوة المجتمع نفسه.

وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة


غير أن الانتماء، على أهميته، لا يكفي وحده لتأسيس الدولة، لأن الانتماء بطبيعته يتعدد ويتدرج، فالإنسان ينتمي انتماءات متعددة طبيعية لا يجوز للدولة أن تحاربها أو تسعى إلى إلغائها، غير أن الخطأ التاريخي يبدأ عندما تتحول إحدى هذه الروابط إلى المصدر الأعلى للشرعية السياسية، أو ما يمكن أن نسميه بـ"الحاكمية الفئوية" فتصبح الدولة دولة طائفة، أو عرق، أو قبيلة، أو حزب، نوع من العصبية يجعل بقية المكونات جماعات تعيش داخل الدولة دون أن تشعر بأنها شريكة فيها.

الحاكمية:

إن الدولة لا تقوم على وحدة عصبية، وإنما تقوم على وحدة العقد السياسي الجامع؛ ذلك العقد الذي يجعل جميع المواطنين شركاء في الحقوق والواجبات والمصير، بصرف النظر عن اختلاف أصولهم أو معتقداتهم أو انتماءاتهم الثقافية. فالدولة الحقيقية لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن هويته، وإنما تطلب منه أن يجعل العقد السياسي الذي ينظم حياته المشتركة مرجعيةً أعلى في المجال العام، بحيث الروابط الأخرى مصادر غنى للمجتمع، لا أدوات لتقسيم السلطة أو تعريف المواطنة.

ولعل من أقدم النماذج التاريخية التي جسدت هذا المبدأ وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة، ولم يكن جوهر الوثيقة إزالة التنوع، وإنما تنظيمه داخل إطار سياسي واحد، وهو ما يجعلها مثالاً مبكراً على أن الدولة لا تُبنى على التشابه، بل على الاتفاق الحر حول عقد جامع يحفظ الجميع، وما نسمعه اليوم من حاكمية طائفة حتى ولو كانت الحاكمية بتوجه علماني هو تيه النخبة بين الحقيقة والهوى؛ فليصحُ مفكرو الأمة.