الجمعة، 18 سبتمبر 2026

مو على كيفك!

مو على كيفك!

جزا بندر الهاجري


لم تعد المعلومة اليوم تحتاج إلى صحيفة أو كتاب أو باحث يجلس بين عشرات المراجع.

يكفي أن تفتح هاتفك، وتشغّل الكاميرا، وتتحدث أقل من دقيقة، ثم تضغط «نشر»... وبعدها قد تصل كلماتك إلى مئات الآلاف، وربما إلى ملايين البشر.

هكذا تغيّر العالم.

ظهرت منصات التواصل، وظهر معها ما يسمى بـ«صنّاع المحتوى»؛ القاص، والشاعر، والمحلل الاقتصادي والرياضي، والطباخ، والمهتم بالتاريخ، والمغني، و«كوتش الطاقة»... وكل من لديه ما يريد قوله.

ولا مشكلة في ذلك، بل إن إتاحة المجال أمام الجميع للتعبير والمشاركة من أهم مكتسبات العصر الرقمي.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول حرية صناعة المحتوى إلى حرية صناعة الحقيقة.

وهنا تحديداً أقول:

مو على كيفك!

ليست المشكلة في الرأي الشخصي.

قل ما تشاء، وانتقد ما تشاء، واختلف مع من تشاء.

لكن عندما تنتقل من الرأي إلى المعلومة، ومن التحليل إلى الواقعة، ومن وجهة النظر إلى التاريخ، فأنت لم تعد تتحدث عن نفسك وحدك، بل أصبحت تقدم مادة معرفية لجمهور قد يتعامل معها باعتبارها حقيقة.

وهنا تبدأ المسؤولية.

المؤسف أن بعض المحتوى اليوم يمتلك كل مقومات النجاح إلا أهم مقوماته: الحقيقة.

أداء رائع، صوت جذاب، حضور قوي، مونتاج احترافي، وقصة مشوقة... ثم تأتي المعلومة.

«هل تعلم أن هذه الشخصية التاريخية فعلت كذا»؟

«هل تعلم أن هذا المثل قيل بسبب هذه الحادثة»؟

«هل تعلم أن هذه الدولة فعلت كذا بسبب ذلك الحدث»؟

فتنتهي الدقيقة، ويضغط المشاهد إعجاباً ومشاركة، وبعد ساعات تصبح القصة التي لا أصل لها «معلومة عامة».

وهنا تكمن الكارثة.

لأن الكذب في عصرنا لم يعد يحتاج إلى كاتب محترف.

يكفي أن يكون ممتِعاً.

لقد أصبح البعض يمنح «عدد المتابعين» سلطة معرفية لا علاقة لها بالعلم.

مليون متابع؟ إذن هو مثقف.

مليونان؟ إذن كلامه صحيح.

خمسة ملايين؟ إذن لا بد أن يكون متخصصاً!

وكأن عدد المشاهدين شهادة علمية.

والحقيقة أن الجمهور ليس هيئة اعتماد، والمشاهدات ليست مصدراً، والانتشار ليس دليلاً.

قد يقول الإنسان معلومة تاريخية خاطئة، لكنه يقولها بثقة، فيصدقها الناس.

وهنا تصبح المشكلة أخطر من مجرد خطأ فردي؛ لأن الخطأ عندما يصل إلى الملايين يتحول إلى معرفة زائفة.

أنا لا أطالب بمنع الناس من صناعة المحتوى، ولا أطالب بتحويل المنصات إلى غرف تحقيق، ولا أطالب بمنع الإنسان من الخطأ.

لكنني أطالب بالتمييز بين الرأي والمعلومة، وبين النقد واختلاق الوقائع، وبين التحليل وتزييف الحقائق.

إذا تحدث شخص عن تجربته أو رأيه، فذلك حقه.

أما إذا قدم واقعة تاريخية أو رقماً اقتصادياً أو حدثاً سياسياً على أنه حقيقة، فمن حق المتلقي أن يعرف: من أين أتيت بهذه المعلومة؟

وهنا نحتاج إلى قانون حديث ينظم المسؤولية الرقمية، لا ليخنق الحريات، وإنما ليحاسب من يتعمد تضليل الجمهور أو اختلاق الوقائع ونشرها على نطاق واسع.

نحن لا نريد قانوناً يخيف صاحب الرأي.

نريد قانوناً يخيف صاحب الكذبة.

لقد أعطتنا التكنولوجيا مكبراً للصوت، لكنها لم تمنح الجميع وعياً بما يقولونه عبر هذا المكبر.

ومن أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع أن تتحول المعلومة غير الموثقة إلى «حقيقة شعبية» لمجرد أنها تكررت آلاف المرات.

فقد تكون القصة الخاطئة اليوم مجرد فيديو.

وغداً تصبح معلومة يتداولها الناس.

وبعد سنوات قد يرثها جيل كامل باعتبارها حقيقة.

وهكذا تُصنع الأساطير الحديثة... في هواتفنا.

نحن لا نحتاج إلى مشاهير أكثر، بقدر ما نحتاج إلى مشاهير أكثر وعياً.

لا نريد صاحب الصوت الأعلى، بل صاحب الفكرة الأصح.

لا نريد من يجيد سرد القصص فقط، بل من يعرف مصادرها.

ولا نريد ملايين المشاهدات على حساب الحقيقة.

فالشهرة تمنحك جمهوراً، لكنها لا تمنحك علماً.

والمشاهدات تمنحك انتشاراً، لكنها لا تمنحك مصداقية.

أما المصدر والتحقق واحترام عقل المتلقي، فهي التي تمنح كلامك قيمته.

ولذلك، عندما تقف أمام ملايين الناس وتقدم لهم معلومة بلا مصدر، أو قصة بلا حقيقة، ثم تطلب منهم تصديقها لمجرد أنك قلتها بثقة...

فمن حق المجتمع أن يقول لك: «مو على كيفك!».

لأن الحقيقة ليست ملكاً لصانع المحتوى.

الحقيقة مسؤولية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق