الجمعة، 13 مارس 2026

دروس بخارى والأندلس: هل تبتلع "إسرائيل الكبرى" ما تبقى من وعي الأمة؟

دروس بخارى والأندلس: هل تبتلع "إسرائيل الكبرى" ما تبقى من وعي الأمة؟
باحث في العلاقات الدولية

ليس التاريخ مجرد حكايات تروى لحرق الوقت، بل هو مختبر للسنن الإلهية والاجتماعية التي لا تحابي أحدا. وما نعيشه اليوم من تشرذم أمام غطرسة المشروع الصهيوني-الأمريكي ليس إلا استنساخا مشوها لمآس كبرى ظنت الأمة أنها دفنتها في طيات الكتب، لكنها تنبعث اليوم في أبشع صورها.

ظن أولئك "المتعاونون" أنهم يحمون دماءهم بتقديم خدماتهم للمحتل، لكن النهاية كانت "درس التاريخ الأبدي". فبمجرد أن سقطت القلعة وقتل جميع من فيها، التفت جنكيز خان إلى هؤلاء المستسلمين، فاستباح أموالهم

"بخارى".. المثال الشاهد

من "بخارى"، تلك الحاضرة التي كانت منارة للعلم حين حاصرها الطاغية المغولي "جنكيز خان" في عام 617 هـ، يوثق لنا الإمام ابن الأثير في سفره الخالد "الكامل في التاريخ" (أحداث سنة 617 هـ) مشهدا تنخلع له القلوب.

حين أدرك أهل بخارى أن لا قبل لهم بجيوش التتار، انقسموا إلى فئتين: فئة آثرت المقاومة والاعتصام بالقلعة، وفئة استسلمت وطلبت "الأمان". وهنا تجلى دهاء المحتل وخسة الانهزام؛ إذ لم يكتف جنكيز خان باستسلامهم، بل جعلهم "أدوات" لمحو إخوانهم.

يروي ابن الأثير بمرارة كيف سخر المغول المستسلمين لهم لردم الخندق المحيط بالقلعة التي يتحصن فيها المسلمون الرافضون للذل. ولكي يكتمل المشهد المأساوي، أمر المغول هؤلاء المستسلمين بهدم المساجد، وحمل منابرها، بل وإلقاء المصاحف في الخندق لتمهيد الطريق لخيول التتار.

لقد ظن أولئك "المتعاونون" أنهم يحمون دماءهم بتقديم خدماتهم للمحتل، لكن النهاية كانت "درس التاريخ الأبدي". فبمجرد أن سقطت القلعة وقتل جميع من فيها، التفت جنكيز خان إلى هؤلاء المستسلمين، فاستباح أموالهم، وسبى نساءهم، وأحرق المدينة حتى سويت بالتراب، محققا في ذلك قول من قال: "لو كان فيكم خير ما خنتم إخوانكم". لقد كانوا بالنسبة له مجرد "قناطر" عبر فوقها، ثم حطمها تحت سنابك خيله.

الأندلس.. فرقة واختلاف وفناء جماعي

وإذا ما انتقلنا من الشرق إلى الغرب، نجد جرحا أندلسيا لا يزال ينزف دروسا. ففي عصر "ملوك الطوائف"، تفتتت الأمة إلى دويلات هزيلة، ووصل الهوان ببعض الحكام المسلمين إلى أن يستعينوا بـ"ألفونسو السادس" و"فرديناند" ضد جيرانهم من بني جلدتهم ومذهبهم.

وكانوا يدفعون "الجزية" لملك قشتالة ليمدهم بالسلاح لضرب "الأخ" المنافس. كان "ألفونسو" يبتسم وهو يقبض الذهب، مدركا أن قوة المسلمين تتبدد في صراعاتهم البينية.

وبنفس الاستراتيجية المغولية استعملهم لإضعاف بعضهم ببعض، حتى تساقطت حواضر الإسلام واحدة تلو الأخرى. وكانت القاعدة السياسية حينها: "من استقوى بالعدو على أخيه فقد حجز لنفسه مقعدا في طابور الذبح القادم".

يقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا، لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه

المخطط الصهيوني: "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات

اليوم، وفي عام 2026، لم يعد العدو يختبئ خلف الكلمات الدبلوماسية. إن تصريحات السفير الأمريكي ونتنياهو تتحدث بوضوح فج عن "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من النيل إلى الفرات، وعن "مهمة روحية" وتوراتية لإعادة صياغة المنطقة.

إنهم لا يريدون أرضا فحسب، بل يريدون إخضاع الإنسان العربي والمسلم وتفتيت كيانه. فالمخطط المعلن يستهدف الجميع: السني في القاهرة، والشيعي في بيروت، والمقاوم في غزة، والخليجي في الرياض.

وبينما يتحدث قادة الكيان عن "معركة دينية وجودية"، نجد من بين أبناء الأمة من لا يزال يغرق في أوحال الخلاف المذهبي، ظانا أن هلاك الطرف الآخر (الشيعي مثلا) هو نصر له، متناسيا أن النار التي تحرق دار جاره هي ذاتها النار التي أوقدها الصهاينة لتحرق المنطقة بأكملها.

فقه "دفع الصائل" وتأجيل الخصومات

أمام هذا "العدو الصائل"، والحرب الضروس التي تطحن المنطقة طحنا لإخضاعها، يقدم الفقه الإسلامي حكما قاطعا لا لبس فيه. إذ يقول الإمام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى": "العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا، لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه".

وهذه الأولوية لا تتغير بوجود خلاف مذهبي أو مظالم سياسية سابقة، كما أنها لا تعني زوال الخلاف، لكنها تبرز أهمية الوقت في ترتيب الأولويات.

القاعدة الفقهية التي تقول بـ"درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى" تفرض على الأمة اليوم تجميد كل الصراعات الداخلية فورا، وتجاوز الخلافات بين مكونات الجسد الواحد؛ لأن المفسدة الكبرى هي تمكين الصهاينة من احتلال بلاد المسلمين وإبادة شعوبهم، والمفسدة الصغرى هي تأجيل تصفية الحسابات مع "المخالف في المذهب أو المخالف السياسي".

من الناحية الشرعية، الوقوف مع أي فصيل مسلم (سنيا كان أم شيعيا) يواجه الإبادة الصهيونية هو "فرض عين" على الأمة بقدر الاستطاعة. فالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه. فكيف إذا كان الخذلان يعني تسليمه لعدو لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة؟

التاريخ لا يرحم الضعفاء، والعدو الذي يتحدث بلغة النبوءات لا يفرق بين مآذن السنة وحسينيات الشيعة؛ فبالنسبة له الجميع "أغيار" يجب استعبادهم أو إبادتهم

هل من استفاقة قبل المقصلة؟!

التاريخ يصرخ في وجوهنا: "إن المحتل لن يترك السني لأنه كره الشيعي، ولن يرحم المطبع لأنه سكت عن ذبح المقاوم".

إننا نعيش لحظة "ردم الخندق" في بخارى؛ فإما أن نكون يدا واحدة تمنع خيول المحتل من العبور لذبحنا جميعا، وإما أن نكون تلك الأدوات الذليلة التي ردمت خندقها بيديها، ثم قتلت على أعتابه.

إن "إسرائيل الكبرى" لا تبنى فقط بقوة السلاح الصهيوني، بل تبنى بالفرقة السياسية فيما بيننا، وبالفرقة المذهبية التي نمارسها.

إن لم توحدنا عقيدة التوحيد ووحدة القبلة، فلتوحدنا وحدة الألم ووحدة المصير، ووحدة أننا أصحاب هذه الأرض والمكون الأصيل للشرق.

التاريخ لا يرحم الضعفاء، والعدو الذي يتحدث بلغة النبوءات لا يفرق بين مآذن السنة وحسينيات الشيعة؛ فبالنسبة له الجميع "أغيار" يجب استعبادهم أو إبادتهم.

أفيقوا قبل أن نصبح مجرد سطر في كتاب مؤرخ قادم، يقول فيه: "كان لهم أعداء يعلنون بكل وقاحة عن نيتهم لذبحهم، فانشغلوا بذبح بعضهم لبعض حتى أتتهم المقصلة جميعا".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق