‏إظهار الرسائل ذات التسميات بين التاريخ والواقع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بين التاريخ والواقع. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 29 أبريل 2026

من حلم عبد الحميد إلى مشروع إقليمي جديد.. هل تعود سكّة حديد الحجاز للحياة؟

 من حلم عبد الحميد إلى مشروع إقليمي جديد.. هل تعود سكّة حديد الحجاز للحياة؟



علي محمَّد محمد الصلَّابي
إن إعادة إحياء سكّة حديد الحجاز برؤيةٍ عصريةٍ هو دلالة تاريخية عميقة 
على أن الجغرافيا لا تموت، وأن الطرق الكبرى تعود حين تنضج شروطها.

عمل السُّلطان عبد الحميد على كسب الشُّعوب الإِسلاميَّة عن طريق الاهتمام بكلِّ مؤسَّساتها الدِّينيَّة والعلميَّة، والتَّبرُّع لها بالأموال، والمنح، ورصد المبالغ الطَّائلة لإِصلاح الحرمين، وترميم المساجد، وزخرفتها، وأخذ السُّلطان يستميل إِليه مسلمي العرب بكلِّ الوسائل، فكوَّن له من العرب حرساً خاصّاً، وعيَّن بعض الموالين له منهم في وظائف كبرى منهم (عزَّت باشا العابد) ـ من أهل الشَّام ـ الَّذي نجح في أن ينال أكبر حظوةٍ عند السُّلطان عبد الحميد، وأصبح مستشاره في الشُّؤون العربيَّة، وقد لعب دوراً هامّاً في مشروع سكَّة حديد الحجاز الممتدَّة من دمشق إِلى المدينة المنوَّرة، وهو بهذا المشروع الَّذي اعتبره السُّلطان عبد الحميد وسيلةً من الوسائل الَّتي أدَّت لإِعلاء شأن الخلافة، ونشر فكرة الجامعة الإِسلاميَّة.


وفي المرحلة الراهنة، تعود "سكّة حديد الحجاز" اليوم إلى الواجهة لا بوصفها مشروعاً هندسياً عابراً، بل باعتبارها ذاكرةً تاريخيةً كبرى تتجدد في لحظة إقليمية فارقة. فالأخبار المفرحة عن مشروع ربط السعودية بتركيا مروراً بالأردن وسوريا يفتح الباب أمام قراءةٍ أعمق لهذا المشروع. فهو أشبه بحلم تاريخي قد يصبح واقعاً في الفترة المقبلة، وخاصة في ظل أزمات سلاسل الإمداد العالمية والتحولات الجيوسياسية في المنطقة.

إننا أمام إحياءٍ معاصر لفكرةٍ قديمة حملها السلطان عبد الحميد الثاني حين جعل من سكّة حديد الحجاز مشروعاً للوحدة، وتسهيل الحج، وربط أطراف العالم الإسلامي، وتعزيز التواصل السياسي والاقتصادي بين الشام والحجاز والأناضول. وقد بيّن الدكتور علي محمد الصلابي أن هذا المشروع لم يكن مجرد وسيلة نقل، وإنما غدا أداة استراتيجية لتعزيز الوحدة والربط بين الأقاليم، وتقوية الحضور السياسي للدولة.

إننا أمام إحياءٍ معاصر لفكرةٍ قديمة حملها السلطان عبد الحميد الثاني حين جعل من سكّة حديد الحجاز مشروعاً للوحدة، وتسهيل الحج، وربط أطراف العالم الإسلامي، وتعزيز التواصل السياسي والاقتصادي بين الشام والحجاز والأناضول. وقد بيّن الدكتور علي محمد الصلابي أن هذا المشروع لم يكن مجرد وسيلة نقل، وإنما غدا أداة استراتيجية لتعزيز الوحدة والربط بين الأقاليم، وتقوية الحضور السياسي للدولة.

أغراض مشروع سكة حديد الحجاز

أبدى السُّلطان عبد الحميد اهتماماً بالغاً بإِنشاء الخطوط الحديديَّة في مختلف أنحاء الدَّولة العثمانيَّة مستهدفاً من ورائها تحقيق ثلاثة أغراضٍ، وهي:

1 ـ ربط أجزاء الدَّولة المتباعدة، ممَّا ساعد على نجاح فكرة الوحدة العثمانيَّة، والجامعة الإِسلاميَّة، والسَّيطرة الكاملة على الولايات الَّتي تتطلَّب تقوية قبضة الدَّولة عليها.

2 ـ إِجبار تلك الولايات على الاندماج في الدَّولة، والخضوع للقوانين العسكريَّة؛ الَّتي تنصُّ على وجوب الاشتراك في الدِّفاع عن الخلافة بتقديم المال، والرِّجال.

3 ـ تسهيل مهمَّة الدِّفاع عن الدَّولة في أيَّة جبهةٍ من الجبهات الَّتي تتعرَّض للعدوان؛ لأنَّ مدَّ الخطوط الحديديَّة ساعد على سرعة توزيع القوَّات العثمانيَّة، وإِيصالها إِلى الجبهات (بني المرجة، ص 113).

بداية المشروع

وكانت سكك حديد الحجاز من أهمِّ الخطوط الحديديَّة الَّتي أنشئت في عهد السُّلطان عبد الحميد، ففي سنة 1900م بدأ بتشييد خطٍّ حديديٍّ من دمشق إِلى المدينة للاستعاضة به عن طريق القوافل الَّذي كان يستغرق من المسافرين حوالي أربعين يوماً، وطريق البحر الَّذي يستغرق حوالي اثني عشر يوماً من ساحل الشَّام إِلى الحجاز، وكان يستغرق من المسافرين أربعة، أو خمسة أيَّامٍ على الأكثر، ولم يكن الغرض من إِنشاء هذا الخطِّ مجرَّد خدمة حجَّاج بيت الله الحرام، وتسهيل وصولهم إِلى مكَّة، والمدينة، وإِنَّما كان السُّلطان عبد الحميد يرمي من ورائه أيضاً إِلى أهدافٍ سياسيَّةٍ، وعسكريَّةٍ، فمن النَّاحية السِّياسيَّة خلق المشروع في أنحاء العالم الإِسلامي حماسةً دينيَّةً كبيرةً؛ إِذ نشر السُّلطان على المسلمين في جميع أنحاء الأرض بياناً يناشدهم فيه المساهمة بالتَّبرُّع لإِنشاء هذا الخطِّ (بني المرجة، ص 113)، وقد افتتح السُّلطان عبد الحميد قائمة التَّبرُّعات بمبلغ (خمسين ألفاً ذهباً عثمانيّاً من جيبه الخاصِّ) وتقرَّر دفع (مئة ألفٍ) ذهباً عثمانيّاً من صندوق المنافع، وأُسِّست الجمعيَّات الخيريَّة، وتسابق المسلمون من كلِّ جهةٍ للإِعانة على إِنشائها بالأنفس، والأموال (حرب، ص 222).

وتبرَّع للمشروع الشَّخصيَّات الهامَّة في الدَّولة، مثل الصَّدر الأعظم ووزير الحربيَّة (حسين باشا) ووزير التِّجارة، والأشغال (ذهني باشا)، ورئيس لجنة المشروعات (عزَّت باشا).

وتبارى موظَّفو الشَّركات في التَّبرُّع، مثل موظَّفي شركة البواخر العثمانيَّة. وكذلك موظَّفو الدَّولة العموميُّون، والولايات، مثل ولاية بيروت، ودمشق، وحلب، وبورصة، وغيرها.

وشارك القصر الحاكم في مصر في حملة التَّبرُّعات، وشُكِّلت في مصر لجنة الدِّعاية للمشروع، وجمع التَّبرُّعات له برئاسة (أحمد باشا المنشاوي). كما شاركت الصَّحافة المصريَّة في حملة سكَّة حديد الحجاز بحماسٍ، ومثال على ذلك جريدة المؤيَّد. وجمعت جريدة (اللِّواء) المصريَّة تبرُّعاتٍ للمشروع بلغت ـ حتَّى عام 1904م ـ ثلاثة آلاف ليرة عثمانيَّة. وكان يرأسها مصطفى كامل باشا، كما جمع (علي كامل) مبلغ (2000) ليرة عثمانيَّة للمشروع حتَّى عام 1901م.

وأسهم في هذه الحملة، جريدة (المنار) وجريدة (الرَّائد المصري) وشُكِّلت لجان تبرُّع للمشروع في كلٍّ من القاهرة، والإِسكندريَّة، وغيرهما من مدن مصر.

وكان مسلمو الهند أكثر مسلمي العالم حماساً، وعاطفةً، وتبرُّعاً للمشروع. وقد تبرَّع أمير حيدر أباد بالهند بإنشاء محطَّة المدينة المنوَّرة في المشروع، كما تبرَّع شاه إِيران بمبلغ (50000) ليرة عثمانيَّة.

ورغم احتياج المشروع لبعض الفنِّيِّين الأجانب في إِقامة الجسور، والأنفاق، فإِنَّهم لم يُستخدموا إِلا إِذا اشتدَّت الحاجةُ إِليهم، مع العلم بأنَّ الأجانب لم يشتركوا إِطلاقاً في المشروع، ابتداءً من محطَّة الأخضر ـ على بعد 760 كيلو متراً جنوب دمشق ـ وحتَّى نهاية المشروع. ذلك لأنَّ لجنة المشروع استغنت عنهم، واستبدلتهم بفنِّيِّين مصريِّين.

وبلغ عدد العمَّال غير المهرة عام 1907م (7500) عامل. وبلغ إِجمالي تكاليف المشروع (4283000) ليرة عثمانيَّة. وتمَّ إِنشاء المشروع في زمنٍ وتكاليف أقلَّ ممَّا لو تعمله الشَّركات الأجنبيَّة في أراضي الدَّولة العثمانيَّة (حرب، ص 222). وفي أغسطس سنة 1908م وصل الخطُّ الحديديُّ إِلى المدينة المنوَّرة، وكان مفروضاً أن يتمَّ مدُّه بعد ذلك إِلى مكَّة، لكن حدث أن توقَّف العمل فيه لأنَّ شريف مكَّة ـ وهو الحسين بن علي ـ خشي على سلطانه في الحجاز من بطش الدَّولة العثمانيَّة، فنهض لعرقلةِ مدِّ المشروع إِلى مكَّة، وكانت مقرَّ إِمارته، وقوَّته. فبقيت نهاية الخطِّ عند المدينة المنوَّرة، حتَّى إِذا قامت الحرب الكبرى الأولى عمل الإِنكليز بالتَّحالف مع القوَّات العربيَّة الَّتي انضمَّت إِليهم بقيادة فيصل بن الحسين بن عليٍّ على تخريب سكَّة حديد الحجاز، ولا تزال هذه السِّكَّة معطَّلةً حتَّى اليوم، والمأمول أن تبذل الجهود لإِصلاحها حتَّى تعود إِلى العمل في تيسير سفر حجَّاج بيت الله الحرام.

ـ قيمة المشروع الاستراتيجية

وصف السَّفير البريطانيُّ في القسطنطينيَّة في تقريره السَّنوي لعام 1907م أهمِّيَّة الخطِّ الحجازي، فقال: (إِنَّ بين حوادث السَّنوات العشر الأخيرة عناصر بارزةً في الموقف السِّياسيِّ العامِّ، أهمُّها خطَّة السَّلطان الماهرة الَّتي استطاع أن يظهر بها أمام ثلاثمئة مليون من المسلمين في ثوب الخليفة الَّذي هو الرَّئيس الرُّوحي للمسلمين، وأن يقيم لهم البرهان على قوَّة شعوره الدِّينيِّ، وغيرته الدِّينيَّة ببناء سكَّة حديد الحجاز؛ الَّتي ستمهِّد الطَّريق في القريب العاجل أمام كلِّ مسلمٍ للقيام بفريضة الحجِّ إِلى الأماكن المقدَّسة في مكَّة، والمدينة). فلا غرو إِذا ما لمسنا حنق الإِنكليز على ذلك الخطِّ الحديديِّ، وافتعالهم الأزمات لإِعاقته، وانتهازهم أوَّل فرصةٍ لتعطيله، ونسفه؛ لقطع الطَّريق على القوَّات العثمانيَّة (بني المرجة، ص 114).

وكان أوَّل قطار قد وصل إِلى محطَّة سكَّة الحديد في المدينة المنوَّرة من دمشق الشَّام يوم 22 آب (أغسطس) 1908م، وكان بمثابة تحقيق حلم من الأحلام بالنِّسبة لمئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم كافَّةً، فقد اختصر القطار في رحلته الَّتي استغرقت ثلاثة أيَّام، وقطع فيها 814 ميلاً مشقَّات رحلةٍ كانت تستغرق في السَّابق أكثر من خمسة أسابيع، كما خفقت في ذلك اليوم التَّاريخي قلوب أولئك الَّذين كانوا مشتاقين إِلى القيام بأداء فريضة الحجِّ المقدَّسة (بني المرجة، ص 114).

كان أوَّل قطار قد وصل إِلى محطَّة سكَّة الحديد في المدينة المنوَّرة من دمشق الشَّام يوم 22 آب (أغسطس) 1908م، وكان بمثابة تحقيق حلم من الأحلام بالنِّسبة لمئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم كافَّةً،

كانت سياسة عبد الحميد الإِسلاميَّة محصَّنةً، فأراد أن يجمع قلوب المسلمين حواليه باعتباره خليفة المسلمين جميعاً، فكان مدُّ خطِّ السِّكَّة الحديدي بين الشَّام، والحجاز من الوسائل الجميلة في تحقيق هدفه المنشود (بني المرجة، ص 114).

كان كرومر المعتمد البريطانيُّ في مصر (1301 ـ 1325هـ ـ 1883 - 1907 م) من أوائل من ألَّب أوربَّة على الجامعة الإِسلاميَّة، وحرص على أن يتحدَّث في تقاريره السَّنويَّة عن الجامعة الإِسلاميَّة ببغضٍ شديدٍ، وفي الوقت نفسه نشرت جريدة الأهرام (المصريَّة) تصريحاتٍ مثيرةً لوزير فرنسيٍّ هو (هانوتو) هاجم فيها الجامعة الإِسلاميَّة. وكانت مهاجمة الجامعة الإِسلاميَّة تُستتبع بالتَّالي بمهاجمة الدَّولة العثمانيَّة؛ حتَّى تتفرَّق الوحدة الَّتي تجمع من حولها الدُّول الإِسلاميَّة لتواجه النُّفوذ الاستعماريَّ الزَّاحف الَّذي قد رسم مخطَّطه على أساس التهام هذه الوحدات، والحيلولة دون التقائها مرَّةً أخرى في أيِّ نوعٍ من الوحدة؛ ليستديم سيطرته عليها؛ فاتَّخذوا لذلك عدَّة أعمالٍ أساسيَّةٍ:

1 ـ تعميق الدَّعوات الإِقليميَّة، والخاصَّة بالوطنيَّة، والأرض، والأمَّة، والعرق.

2 ـ خلق جوٍّ فكريٍّ عامٍّ لمحاربة الوحدة الإِسلاميَّة، وتصفيتها.

وكلُّ هذا مقدِّمةٌ لإِلغاء الخلافة العثمانيَّة نهائيّاً، وبالتَّعاون مع الصَّهيونيَّة العالميَّة ويهود الدُّونمة، وأذنابهم من جمعيَّات تركيَّا الفتاة، والاتِّحاد والتَّرقِّي (المصري، 1/101).

إن إعادة إحياء سكّة حديد الحجاز برؤيةٍ عصريةٍ هو دلالة تاريخية عميقة على أن الجغرافيا لا تموت، وأن الطرق الكبرى تعود حين تنضج شروطها. ولقد أراد السلطان عبد الحميد من هذا المشروع أن يكون جسراً للوحدة والتكامل بين أطراف العالم الإسلامي، وأن يخدم الدين والدولة معاً في آنٍ واحد. واليوم، ومع تصاعد الأزمات في الممرات البحرية الدولية، وإغلاق بعض الطرق الحيوية، يعود هذا المشروع ليطرح نفسه كبديلٍ استراتيجيٍّ يعيد رسم خريطة النقل والتجارة في المنطقة، ويمنح دوله فرصةً جديدة لبناء تكاملٍ اقتصاديٍّ يتجاوز حدود السياسة التقليدية. وبين عهد السلطان عبد الحميد والمرحلة الراهنة، لا يبدو مشروع سكّة حديد الحجاز استعادةٍ لرؤية حضارية تاريخية فقط، وإنما هو امتدادٌ حيٌّ لفكرةٍ لم تمت، بل تأجّلت حتى تجد زمانها المناسب.

المصادر والمراجع:

1 ـ  بني المرجة، موفق. صحوة الرَّجل المريض، دار البيارق، الطَّبعة الثَّامنة، 1417هـ ـ 1996م.
2 ـ حرب، محمد. السُّلطان عبد الحميد الثَّاني، دار القلم دمشق، الطَّبعة الأولى، 1410هـ ـ 1990م.
3 ـ المصري، جميل عبدالله محمد. حاضر العالم الإِسلامي، جامعة المدينة المنوَّرة.
4 ـ الصلابي، علي محمد. السلطان عبد الحميد الثاني وفكرة الجامعة الإسلامية، ط1، 2024.

الاثنين، 1 ديسمبر 2025

الفيلم الوثائقي الجامع “صرخة إيقاظ .. ماذا يحدث حولنا ؟

الفيلم الوثائقي الجامع “صرخة إيقاظ .. 

ماذا يحدث حولنا ؟

هذا الفيلم الوثائقي الرائع يشرح ويوثق الأحداث الجارية حاليا في العالم كله
ويربط بين الخيوط المختلفة ليرسم الصورة الكاملة عن حقيقة ما يدور حولنا وعلينا ، فهو يضع العناصر التالية في موضعها مثل قطع البزل لتتضح لك الصورة كاملة ويظهر لك دور الوباء فيها:الثورة الصناعية الرابعة
الذكاء الاصطناعي
أجندة 2030
التغيير العالمي العظيم The Great Reset
إحلال الروبوتات محل البشر في العمل
نشوء طبقة عديمة الفائدة
انترنت الأشياء وربط البشر بالآلة
إزاحة الثروة وتكديسها في أيدي القلة
خطط خفض السكان
دور وباء كورونا والتلقيح في كل هذا
للمزيد حول الموضوع:

1- النموذج الصيني ..أساس النظام العالمي الجديد

2- فيلم “النظام العالمي الجديد.. ذروة الإفساد الثاني” | النسخة الكاملة



الأحد، 24 سبتمبر 2023

قراءة في كتاب “الإمامة وخطرها على وحدة اليمن”

 

قراءة في كتاب “الإمامة وخطرها على وحدة اليمن” للشهيد محمد محمود الزبيري


الكتاب :الإمامة وخطرها على وحدة اليمن

المؤلف:محمد محمود الزبيري

يعتبر كتاب "الإمامة وخطرها على وحدة اليمن" للشهيد محمد محمود الزبيري، الذي أصدره الاتحاد اليمني بالقاهرة من أثمن الكتب التي تتناول قضايا اليمن، والمشكلة الرئيسية في بقائها وسط دوامة صراعات لا تنتهي منذ قرون طويلة من الزمن.
 
الكتاب تناول قضية هامة تتمثل في دور الإمامة في تشطير اليمن وتمزيق نسيجه الإجتماعي ، والذي نعاني منه اليوم وبنفس الوطأة التي كان يعاني منها الثائرون الأوائل واليمنيون جميعاً.
 
ويوضح الكتاب في مضمونه ما كان عليه اليمن من بؤس وتفرق وضياع وتمزيق في ظل الإمامة البائدة وحليفها المستعمر المنقرض ويدعوا إلى محاربتهما ومكافحة أذيالهم في هذا اليمن الكبير.
 
يستعرض "العاصمة أونلاين" في قراءته للكتاب، من خلال الحلقة الأولى، أبرز ما ورد فيه، وكيف يسير الحوثيون على خطى مشروع الإمامة، الذي أجهضته ثورة الـ26 من سبتمبر.
 
تمزيق وحدة الشعب
 
يذهب أبو الأحرار الزبيري رحمه الله في الفقرة الأولى التي هي بعنوان "السيادة الشعبية والمساواة " إلى الرغبة المجتمعية في التحرر من كل ضروب العبودية المتمثلة في الإمامة والاستعمار وإلى التحرر من العبودية الاجتماعية الكامنة في التقاليد الرجعية والفوارق التي تميز بين طبقات الشعب.
 
أما على مستوى الوحدة الوطنية، فيقول الزبيري أن الاستعمار بمواطأة الرجعية المتمثلة في الإمامة قد شرعا في تقسيم اليمن، وأن الاستبداد في عهد الظلام الإمامي كان يبث الفرقة بين أبناء القسم المستقل عن الإستعمار آنذاك ويغذي بتصرفاته الغاشمة الفرقة المذهبية والإقليمية على القاعدة الشيطانية "فرق تسد"، وكان يفرق في معاملاته بين ما يسمى شوافعاً وزيوداً وهذا ما صنع فجوة كبيرة بين اليمنين شمالا وجنوبا، حيث كان يصبغ الناس في أماكن سيطرته بالطائفية ويحرضهم على ما سواهم من المذاهب الأخرى بما في ذلك الجنوب المحتل آنذاك.
 
كما كان يفرق بين القرى والمدن وينمي روح التمجيد بالعرق والسلالة أملا في تمزيق وحدة الشعب ومنعه من التكتل ضد الأوضاع القائمة آنذاك، وكما يفعل الإماميون الجدد "الحوثيون" اليوم من فرز وتقسيم مقيت للمجتمعات الخاضعة لسيطرتهم.
 
ويواصل الزبيري في كتابه "رغم سياسة التمزيق التي اتبعتها الإمامة إلا أن الاستياء منها كان منتشراً وظل رابط الألم يوحد بين أفراد الشعب حتى ظهرت دعوة الأحرار داعية إلى الوحدة الوطنية ومحذرة من الكيان الشيطاني بشقيه الاستعماري والغمامي اللذان يهددان الكيان الوطني والقومي".
 
خطر الإمامة على الوحدة الوطنية
 
يقول الزبيري تحت هذا العنوان إن "الإمامة من أساسها فكرة طائفية مذهبية يعتنقها جزء بسيط من الشعب وهم الزيدية الهادوية، أما غالبية الشعب اليمني بما فيه الجنوب المحتل من الإستعمار البريطاني فإنهم جميعا لا يدينون بهذه الإمامة ولا يرون فيها حقا في السيطرة عليهم، بل يرون أنها سلطة مفروضة عليهم سياسيا ودينيا وهذه الإمامة لا تقف عند حدود سلطانها السياسي بل تفرض على شطر الشعب معتقدات وطقوسا وأحكاما مذهبية لا تتفق معه".
 
وهنا لو نقف مع هذه الفقرة التي أوردها أبو الأحرار الزبيري لوجدناها مطابقة لحالنا مع الإمامة الجديدة التي تفرض معتقداتها على الناس في مناطق سيطرتها من خلال إلزام الناس وخصوصا الموظفين في أجهزة الدولة وطلاب المدارس والجامعات لحضور دوراتهم الطائفية وتغيير المناهج الدراسية والتحشيد القسري للناس وابتزازهم لحضور مناسباتهم واحتفالاتهم الطائفية.
 
ويذهب الزبيري إلى أن هذا التحكم كان يخلق شعوراً مريراً لدى الشعب ويقسم البلاد ويهدد مصيرها ويشعر الناس أن السلطة الإمامية ليست سوى دخيلة عليه.
 
طبقة حاكمة
 
يواصل الزبيري تحت هذا العنوان كيف كانت الإمامة تتعامل مناطقياً وسلالياً في إدارة الحكم قد كانت تحصر المناصب في السلالة الهاشمية، وإذا خرجت قليلا فإلى أيدي ما يسمى باليمن الأعلى من الموالين لهم فقط بينما يتجرع الأخرون سياسة التجويع والتجهيل والطغيان كما كان يفرض عليهم سلطة روحية تجرعهم من خلالها الأفكار الطائفية المسمومة والجهل والتجويع ثم تطلقهم على الأخرين كما يفعل الإمامة الحوثية اليوم من تعبئة طائفية للمجتمع الرازح تحت وطأتها ثم ترسلهم للقتال في صفوفها وملاحقة مناوئيها.
 
ولقد بلغ تظليل الأئمة من خلال السلطة الروحية التي كانت ستخدمها كما يروي الكتاب إلى درجة أن نزول المطر من بركات الإمام وأن عدم نزوله بسبب غضب الإمام وأن الطريق إلى الجنة أو النار لا يكون إلا عبر الإمام.
 
ثم يورد الكتاب قصة توضح مدى تسلط الإمام على الشعب حيث حلت إحدى المجاعات امامة الرهيبة باليمن ومات أكثر أهلها بعد أن أكلوا الكلاب والقطط وكانت خزائن الإمامة مليئة بالحبوب وراح الناس يسألون الإمام يحيى النجدة فصعر خده لهم وقال كلمته المشهورة : "من مات فهو شهيد ومن عاش فهو عتيق".
 
وبعيدا عن الكتاب فإن هذه الفقرة والقصة المذيلة بها تكشف لنا الوجه الجشع للأئمة والذي يتجلى اليوم في عدم رضوخ الحوثي للسلام وانسحابه إلى أدراجه رأفة بالشعب الذي يعيش مجاعة كبرى بسبب قطعه للرواتب وانقلابه على الشرعية والجمهورية ولم يبق له إلا أن يقول كما قال أسلافه "من مات فهو شهيد ومن عاش فهو عتيق".
 
الشخصية اليمنية في عهد الإمامة
 
يشير الزبيري إلى انسحاق الشخصية اليمنية في عهد الإمامة، حيث حرمت عليهم قيادة بلدهم وصار التفكير فيها جريمة دينية وسياسية وتم تشويه التاريخ اليمني واستبداله بتاريخ الأئمة وأذنابهم وكلما ظهر بطل من أبطال اليمن يقومون بتشويه تاريخه وصورته ورميه بالكفر والفسق ..
 
وهنا لا بد من التطرق إلى ما يفعله الحوثيون اليوم من شن حملاتهم على الحضارات اليمنية القديمة والتنقيص من قيمتها كما ظهر ذلك جليا في خطاب للهالك حسين الحوثي وهو يتحامل على الحضارات اليمنية العريقة عراقة التاريخ نفسه، وكذلك شروعهم في تهريب الآثار وبيعها وطمسهم لمعالم الثورة والجمهورية.
 
ثم يستطرد الكتاب في توضيح أن كل ملوك الأرض أقاموا ممالكهم باسترضاء من حولهم واشراكهم في المكاسب مهما كان ذلك الحكم طبقيا أو عصبيا، إلا الأئمة في اليمن فقد أقنعوا الشعب أن حكمهم مستمد من السماء وما عليهم إلا خدمتهم وطاعتهم والقتال عنهم دون أن يكون عليه أي واجب اتجاههم إلا الاستعباد والتجويع.
 
وبهذه النفسية كان يمارس الإمام مهامه التي تنحصر في استصفاء ثورة الشعب باسم الزكاة والجبايات وقمع الانتفاضات الشعبية باسم الجهاد وقتال البغاة، وبناء المساجد لاستقطاع أموال الشعب وتوريثها لأهله وإقامة الأضرحة للأئمة ليستمر استعبادهم وتهافت الناس عليهم حتى بعد موتهم.
 
هذه قراءة للفقرات الأولى من كتاب "الإمامة وخطرها على وحدة اليمن " للشهيد محمد محمود الزبيري والتي تكشف مدى الشرخ الذي تتسبب به الإمامة في وحدة المجتمع اليمني سياسيا وجغرافيا وثقافيا ومذهبيا واجتماعيا.

نقلا عن موقع العاصمة أونلاين

    قراءة عبدالله العطار
      بالسيادة الشعبية والمساواة افتتح الثائر والمناضل والرمز الوطني “محمد محمود الزبيري” كتابه ”الإمامة وخطرها على وحدة اليمن“.

      كانت هذه البداية مبدأ الثائر اليمني ”الزبيري“ الذي لا يعترف بأي سيادة سوى بسيادة الشعب نفسه المتمثلة بالمساواة، “وهذا لن يتحقق إلا بتحرير حياتنا وعقولنا من كل ضروب العبودية”، كما قال.

      *يلفت المؤلف إلى أنه “من الخطأ أن نعد كل من يدعو إلى الحكم الشعبي أنه عنصري أو سلالي، بالعكس العنصريون هم من يؤمنون بالفوارق، ويدافعون عن السلالية والأفضلية، أما من يدعو إلى المساواة بين الناس، وأن يحكم الشعب نفسه بنفسه، هو ثائر يدعو إلى الوحدة الشعبية والوطنية”.*

      وركز “الزبيري” في هذه النقطة على العبودية الاجتماعية والسياسية، وهما العبوديتان اللتان تنتهجهما الإمامة في اليمن وغيرها، فلا فوارق ولا تمييز بين أبناء الشعب أبدا عند الكاتب، وهذا هو موقفه الذي وضحه في هذه النقطة وهو الموقف الذي أعلن أنه صار مبدأوه.
      ينتقل الكاتب بعد ذلك، إلى الوحدة الوطنية التي قال إنها تأثرت كثيرا بالاستعمار الذي عمل على تقسيم اليمن إلى قسمين (قسم مستقل تمثل بالطائفة الزيدية وقسم آخر تمثل بالشافعية).
      فالقسم الأول المتمثل بالزيدية سعى، وفقا للكاتب إلى “تمزيق اليمن”، متخذا من شعار (فرق تسد) قاعدة له لتمزيقه، حتى يتمكنوا من بسط الحكم.
      واستدرك “الزبيري” قائلا “لكن الوحدة الوطنية الموجودة بالفطرة في قلب كل يمني حركت مشاعر الجميع في الشمال والجنوب بخطورة المسعى ومحاولة التفريق بين أبناء الشعب، وأفشلت ذلك المخطط الزيدي الاستعماري، وبدأت دعوات الأحرار تنبه أبناء الشعب، وبدأ الحراك الثوري ضد هذه الطائفة التي لم يتقبلها أحد من الشعب، وأفشلت كل خططها وأهدافها”.
      وسلط المؤلف الضوء على “خطر الإمامة على وحدة الوطن”، الإمامة التي قال إنها “تعد فكرة مذهبية يعتنقها جزء قليل من سكان اليمن الأعلى وأما باقي الشعب فهم يرفضونها ولا يقبلون بها”.
      ويقول المؤلف أن التحكم الذي حاولت الإمامة فرضه على الشعب هو سبب من الأسباب التي أدت إلى تمرد أبناء الشعب، ليصل الأمر إلى أن الإمامة ترى أن “اليمن الأعلى” المتمثل بالزيدية هو الذي يحق له الحكم، وأما “اليمن الأسفل” فهم مجرد ميدان لهذا الحكم.
      ويشير الى أن الإمامة نجحت في تصنيف الشعب على هذا الأساس، فالأبرياء في مجال حكم الزيدية والبؤساء في اليمن الأسفل يعانيان الظلم ذاته.
      وحتى يستأثر الإمام بقوت الشعب، تحدث المؤلف عن الإمام وتعنته، موضحا الأكاذيب التي بثها في أبناء الشعب بأن الخير يأتي بسبب الإمام ودعوته، والقحط ينتج عن غضب الإمام؛ وهو بهذا يجعل الناس يهبونه ثمارهم وأموالهم ليرض عنهم.

      *ويؤكد المؤلف أن الأمر وصل إلى درجة أن الناس ماتوا جوعا في عهد الإمام وكانت خزانة الحكومة مليئة بالحبوب، إلا أن الإمام أعلن أن من مات جوعا في عهده فهو “شهيد”.*

      وعن الشخصية اليمنية في عهد الإمامة، فيقول المناضل ”الزبيري“ إنها كانت “شخصية مسحوقة لا تقرأ إلا قداسة الأئمة”، وإذا حاول أحد أن يرفع رأسه فإن الأئمة يقطعونه، ليصبح عبرة لا يستطيع بعده أحد أن يفكر بالثورة عليهم.
      ويقول الكاتب إن كل ملوك الأرض مهما كانت طوائفهم فإنهم لا يتربعون على عروشهم إلا بالزلفى، والتقرب إلى رعيتهم وإطعامهم، إلا الأئمة في اليمن استطاعوا إقناع الشعب أن ملكهم مقرر من السماء، وأن كل من يرضخ للسادة فعليه أن يلبس جلباب الابتلاء والعذاب من أجلهم، وبهكذا ظل حكم الإمامة أكثر من ألف عام.
      إن مهمة الإمام كما وضحها “الزبيري”، تقتصر على “أخذ ثروة الشعب باسم الزكاة، وكذلك قمع الانتفاضات باسم الجهاد، وبناء الأضرحة في المساجد التي تخصهم ،وأخذ أرض الشعب”.
      وتحدث أيضا عن “زهد الإمام ورسالته المتمثلة ببث روح الزهد عند الناس، وإبعادهم عن عمارة الأرض سوى عمارة قصور الأئمة فقط، حتى أن اليمن بعدما كانت ذات حضارة لم يبق في عهدهم حتى سد مائي والأحباش هم من أعادوا بناء سد مأرب”.
      والمهمة الأخرى الخاصة بالإمام كانت متمثلة بتدعيم مركزه بين القبائل على أنه “نائب الله وخليفته في الأرض، ولا فرق بينه وبين الرسول”، وفقا للكاتب.
      ومع أن المذاهب قد حددت بأربعة فقط لم تتناول الأئمة؛ فكان لابد من مذهب خامس؛ ولهذا ظهر المذهب الخامس، وهو المذهب الهادوي الزيدي الذي سمح لهم بالاجتهاد.
      ويقول أن الخلافة لابد أن تكون في العلويين؛ والهدف من ذلك هو استرداد حق العلويين في الخلافة، ولهذا السبب تم السماح بالاجتهاد، ولا يتم اختيار الإمام إلا إذا وصل إلى درجة الفضل في الاجتهاد.
      ثم ينتقل “الزبيري” إلى مسألة “حرية الاجتهاد”، وهي مسألة مهمة جدا عند الإماميين، فهم لا يمنحون الحرية في الاجتهاد إلا لمن يجتهد في خدمة فكرتهم، ويخدم الإمامة، وغير هذا النوع من الاجتهاد مرفوض.
      ولذلك وضح المؤلف أن كثيرا من الاتجاهات الدينية وخصوصا “أصحاب النحل” قد كفرتها الإمامة مثل الأشعرية، فكل دعوة يقوم بها اتجاه لاتخدم الإمامة فأنها تكفرهم.
      ويضيف “ومع أن الاجتهاد بدأ يتحرر من قيودهم شيئا فشيئا إلا أن الإمامة كانت قد سعت بين القبائل وزرعت أفكارها التي تجعل الناس يقدسون الحاكم”.

      *يوضح “الزبيري” حقيقة تاريخية مهمة مازالت إلى اليوم، وهي “التقليل من شأن اليمنيين في اليمن الأسفل والإعلى من مكانتهم في اليمن الأعلى”.*

      ويشير الكاتب الى أن الأئمة لم يستعبدوا الآخرين فحسب، بل استعبدوا حتى بعض الهاشميين وأمروا بقتلهم، مستدلا بـ”ابن الأمير الصنعاني”، الذي كان يمثل الوجه الثائر من الاتجاه الزيدي ضد الإمامة، فحاولوا قتله ومُنِع من الخطابة في الجامع الكبير بصنعاء.
      ومن أكثر المحن التي واجهت الشعب كما يقول “الزبيري” هي أن مجموعة صغيرة تدخل صنعاء وتمنع كتب السنة عن أهلها، وعاقبت كل من يقرأها، فكل من يقرأ هذه الكتب فهو عدو للإمامة حتى وإن كان من طائفتهم.
      ونبه الكاتب إلى أن ليس كل الزيديين يقللون من الشافعيين أو يمقتونهم، بل إن من الأئمة أنفسهم هم ضحايا فئة صغيرة متسلطة تدعي الأحقية بالسلطة دون غيرهم حتى ممن ينتمون إليهم، وإن فكرة الخروج على الظالم فكرة مزيفة وليست حقيقية يستغلها الإماميون، والدليل على ذلك أنه لم يخرج واحد منهم على إمام ظالم.
      ثم انتقل الكاتب إلى نقطة أخرى، وهي أن الفكر الإمامي الذي يدعي الحق الإلهي هو ليس من أجل الدين ولا المذهب؛ وإنما من أجل المال فقط، ومن أجل الحكم ؛ ولذلك سعوا كثيرا إلى إقناع الناس بأنهم لايمكن أن يحكموا أنفسهم وإنما الحكم هو لفئة محددة هي الأولى بالحكم من غيرها.
      ويقول “الزبيري” إن فكرة هذا الحق الإلهي هي “فكرة خطيرة، وستستمر وسيعاني منها اليمن دائما”، وهذا بالفعل ما نعاني منه إلى اليوم.
      ثم يتساءل “الزبيري” قائلا “من الأحق بالحق الإلهي؟ ومن الذي حدد هذا الحق بطائفة معينة“. ويضف أن “الشعب مهما حاولت الامامية إخضاعهم لحكمها فإنه لن يرضى بذلك، ولا بد أن يأتي يوم ويثور عليها”.
      وأردف المؤلف “لو كان الشعب يريد إنقاذ الوطن من الإمامة فعليه بالدعوة إلى الحكم المحلي، وتمكين الكل من القيادة بالتساوي؛ وهذا هو ما سيجعل اليمنيين يحافظون على وحدة وطنهم”.
      ويصل في هذا الكتاب إلى أن الهاشمية مهددة من الهاشميين أنفسهم فكل إمام يصعد إلى الحكم فإنه يعادي باقي الإماميين حتى لا يستولون على سلطته، بل إن شعور السادة بالتميز على الآخرين والتعالي، ورفض تزويج غير الهاشميين، كل هذا سيجعل منهم فئة صغيرة محصورة، وهذا ماسيؤدي إلى ضعفها وانتهائها.
      ثم يقول “إن هناك من ينتمون إلى السلالة الهاشمية وجدوا في أقطار عربية مثل مصر، ولكنهم تخلوا عن فكرهم الزائف، واندمجوا مع الشعوب، وأنتجوا أبطالا حقيقيين، وصاروا أمثلة في الوطنية والعدل، حتى أن هناك من الإيرانيين والحبشيين من عاشوا في اليمن واندمجوا مع شعبها، وصاروا جزءا من هذا الشعب لا علاقة لهم بالفكر السلالي العنصري أبدا”.
      ويختتم “الزبيري” كتابه بالحديث عن مصر التي قال إنها “ليست عنصرية ولن تكون كذلك؛ لأن شعبها لا يؤمن بالفوارق، ولا يدعو إلى العبودية أبدا، وستظل مصر وغيرها كذلك، ولن يستطيع تزييف الحقيقة أحد مهما حاول ذلك”.
      *خاتمة:*
      إن الكتاب رغم صغر حجمه إلا أنه استطاع أن يوضح خطر الإمامة على وحدة اليمن ليس من حيث الجانب الجغرافي فحسب، بل حتى من الجانب الديني والاجتماعي والسياسي.
      إن كل ما قاله الشاعر الثائر محمد محمود الزبيري ونبه على خطورته هو ما وصلنا إليه اليوم ونعاني منه؛لأننا لم نقرأ هذا الكتاب وغيره، ونعمل بما جاء فيه، بل إذا قرأناه فإننا نقرأه قراءة عابرة ونتجاهل هذا الخطر الذي قد يعود لا قدر الله إلى حكم اليمن ألف عام مستقبلا.



      (الزبيري زعيم اليمن الشهيد.. أعظم الساسة العرب ثقافة)



      السبت، 25 يونيو 2022

      ذكرى للتاريخ

       ذكرى للتاريخ

      د. موفق السباعي


      ولإثبات أن الشعب السوري عامة -وليس كله- يتصف بالأصالة، والعراقة، والإباء، والشموخ، والسمو، والعلو، وكرم الضيافة..

      فهل يوجد في الدنيا كلها حي يسمى (المهاجرين) كما يوجد في دمشق، عاصمة الأمويين، بل عاصمة الأرض كلها، في ذلك الحين.

      وهل يعلم الناس -وخاصة عبيد العبيد- سبب تسمية هذا الحي الأصيل، الشامخ بأرضه، وتراثه، وعراقته، باسم (المهاجرين)؟؟

       تسميته وتاريخه

      (أطلق على المنطقة اسم المهاجرين منذ بداية القرن العشرين عندما جاءها جماعة من المهاجرين، من كريتيين وأتراك وشراكس ووسواهم ممن قدموا إليها بهجرات مختلفة الأسباب، أول المهاجرين كانوا من البلقان الذين وصلوا عام 1890 ثم من الروملي عام 1896 ومن كريت عام 1900 وقد بقيت في الحي عائلات تركية كثيرة في سورية بعد رحيل الحكم التركي 1919 م. كما بقيت أقليات قادمة من المحافظات السورية، فجميع من قطن في المنطقة حينها تجمعهم الغربة وحميميتها كأنهم أقرباء). نقلاً عن الويكيبيديا..

      لقد استقبل السوريون، الأتراك منذ قديم الزمان، قبل أن يستقبلوا هم السوريين بأكثر من مائة وعشرين سنة – هكذا يقول التاريخ – واحتضنوهم، وأكرموهم، وأسكنوهم في أجمل بقعة في دمشق..

      ولا يزالون حتى الآن -كما يقول التاريخ والواقع- ولم يفكروا -مجرد تفكير- في طردهم، وإخراجهم -طواعية أو كراهية-.

      ولكن فصيلاً من المخلوقات الفقارية.. شعبة الآدميات، والذين يمثلون أدنى مرتبة فيها، وهم حثالات عبيد العبيد.. ينكرون الفضل لأولي الفضل، ولا يعرفون خُلقاً، ولا ديناً، ولا مروءة، ولا شهامة!!!

      ويقومون الآن! بقتل، وطرد، وسفك دماء أحفاد الذين استقبلوا أجدادهم بالأحضان أيام العُسر.

      الأربعاء، 27 أبريل 2022

      محنة الموريسكيين في صيام رمضان!

       محنة الموريسكيين في صيام رمضان!


      سمير زعقوق

      الموريسكيون أو الموريسكوس بالقشتالية هم المسلمون الذين بقوا في الأندلس تحت الحكم المسيحي بعد سقوط الحكم الإسلامي للأندلس وأجبروا على اعتناق المسيحية، أو ترك الأندلس.

      في إحدى ليالي صيف عام 1567 ميلاديًا، كانت الساعة بُعيد منتصف الليل حين شرع السيد خيرونيمو، عضو محكمة التفتيش الإسباني في تفقد شوارع مملكة فالنسيا، وبينما كان يتجول مُتخفيًا في الشوارع والأزقة، سَرَتْ إلى أذنيه كلماتٍ عجيبةٍ خرجت من منزل السيد المسيحي كوسمي بن عامر، سليل عائلة محمد بن أبي عامر، أحد أعظم من حكموا الأندلس، والذي وصل بفتوحاته إلى أراضٍ لم يصلها حاكمٌ مُسلمٌ قبله أو بعده، لكنّ أمجاده انتهت عقب سقوط الحكم الإسلامي بتنصير عائلته وتعميد كل أحفاده.

      لم تمض سوى دقائقٍ حتى اندفع خيرونيمو بحذرٍ، وهو يحبس أنفاسه أمام النوافذ المُغلقة لترتعد عيناه مما شاهده بين الثغور: «استفاقت الأسرة للسحور، ثم صلوا الصلاة المحمدية، وتهامسوا بينهم باللغة العربية الفصيحة»، وبعد أيامٍ مَثَل السيد كوسمي بن عامر وعائلته للمحاكمة، في أشهر قضيةٍ عرفتها محاكم التفتيش في إسبانيا.

      هذا التقرير يعود بك إلى أزمانٍ بعيدة، وأوطانٍ غابرة، حيث قصص الموريسكيين الذين حافظوا على صيام رمضان حتى بعد قرنٍ من سقوط الأندلس.

      تذكر المصادر التاريخية الإسبانية،

      أنّ الموريسكيين واجهوا صعوبات في استطلاع هلال شهر رمضان نظرًا لانتشار الوشاة فوق المرتفعات، وكان مندوبو محاكم التفتيش يُلقون القبض على أي أحد يتواجد في المساء بالقرب من التلال، وفي حالة عجز المورسكيون عن استطلاع الهلال، فإن حساباتهم الفلكية تتكفل بالأمر.

      وقامت الكنيسة بنشر لائحة لمظاهر وشعائر إسلامية لتسهيل الوشاية بالصائمين!

      وتذكر الشهادات أنّ أعضاء محاكم التفتيش كانوا يطوفون بالخمر ولحم الخنزير على الموريسكيين ويجبرونهم على تناولها في النهار، للتأكد بأنهم مسيحيون مخلصون.

      وحتى ينجو المورسكيون بصيامهم، لجأوا للعمل في المناطق النائية في المزارع والبلدات البعيدة،

      أو الأعمال الشاقة التي تجبرهم على البقاء عن منازلهم طول النهار،

      والعودة للأكل بعد المغرب ليبدو أن موعد الغداء غير مرتبط بخصوصية الإفطار عند المسلمين.

      وأمام الأعداد الكبيرة التي قُبض عليها بتهمة الصوم، منحت المحاكمة للمتهمين صكوك العفو مقابل ألا يعودوا ثانية،

      لكنّ السجلات أشارت إلى أنّ معظمهم قبض عليه مرة أخرى، وحوكموا بتهمة «ساقط في الإلحاد لمرة ثانية»،

      والتي كانت عقوبتها القتل حرقًا!

      المورسكيين في إسبانيا

      في عام 1609 كان هناك ما يقرب من 325,000 من المورسكيين في إسبانيا من أصل مجموع السكان 8.5 مليون بنسبة 3.5%.

      وتركزوا في تاج أراغون، حيث شكّلوا 20% من السكان، وفي مملكة بالينسيا حيث وصلت نسبة المورسكيين إلى 33% من سكانها.

      وبالإضافة إلى ذلك، كان النمو السكاني للمورسكيين أعلى إلى حد ما مقارنة مع نمو السكان من المسيحيين؛

      في بلنسية، قدر نمو مورسكيين بنسبة 69.7% مقارنة مع 44.7% للمسيحيين.

      وكان معظم سكان المدينة والأغنياء منهم من المسيحيين،

      بينما كان انتشار المسلمين في الريف والضواحي الفقيرة من المدن.

      قدرت أعداد المسلمين المورسكيين الذين تحولوا للمسيحية بحوالي مليون شخص.

      بعد التحول للمسيحية،

      اعتمدت العائلات اليهودية والإسلامية الأصل أسماء مسيحية جديدة. في نهاية المطاف، اندمجت مع المجتمع المسيحي القديم.

      أصبح العديد من المورسكيين بعد تحولهم للمسيحيَّة ملتزمين في دينهم الجديد ومسيحيين مخلصين،

      وفي غرناطة، قتل بعض المورسكيين من قبل المسلمين لرفضهم التخلي عن المسيحية.

      في غرناطة القرن السادس عشر، اختار المسيحيين المورسكيين مريم العذراء راعية لهم

      وكان لهم دور في تطوير الأدب العبادي المسيحي مع التركيز على المواضيع المريميَّة.

      وتشير دراسات مختلفة أنّ ما بين 7%-10.6% من الإسبان حاليًا هم من سلالة أسر شمال أفريقية مسلمة تحولت للمسيحية.

      الاثنين، 2 أغسطس 2021

      رغيف بألف دينار !!

      من حكايات الأدب العربي

      رغيف بألف دينار

      في أيام المستنصر الفاطمي، وقع بمصر الغلاء الذي فَحُش أمرُه، وشنع ذكره. وكان أمده سبع سنين، وسببه ضعف السلطنة، واختلال أحوال المملكة، واستيلاء الأمراء على الدولة، واتصال الفتن بين العربان، وقصور النيل.. 


      ‏ ‏ وقد استولى الجوع لعدم القوت حتى بيع الإردب من القمح بثمانين دينارًا، وأُكِلت الكلاب والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير.


      وتزايدت الحال حتى أكل الناسُ بعضهم بعضًا. ‏ ‏


      وكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم حبال فيها كلاليب[1]، فإذا مرَّ بهم أحد ألقوها عليه، ونشلوه في أسرع وقت، وشرّحوا لحمه وأكلوه.


      وجاء الوزير يومًا إلى الخليفة على بغلته، فأكلتها العامة، فشنق طائفة منهم، فاجتمع عليهم الناس فأكلوهم. ‏ ‏


      ومن غريب ما وقع أن امرأة من أرباب البيوتات أخذت عِقدًا لها قيمته ألف دينار، وعرضته على جماعة في أن يعطوها به دقيقًا. وكان يُعتَذَرإليها إلى أن رحمها بعض الناس، وباعها به كيس دقيق. فلما أخذته أعطت بعضه لمن يحمله ويحميه من النهّابة في الطريق


      . فلما وصلت إلى باب زويلة، تسلّمته من الحُماة له ومشت قليلاً. فتكاثر الناس عليها وانتهبوه نهبًا.


      فأخذت هي أيضًا مع الناس من الدقيق ملء يديها، لم ينُبها غيره. ثم عجنته وشوته، فلما صار قرصة أخذتها معها، وتوصَّلت إلى أحد أبواب القصر، ووقفت على مكان مرتفع، ورفعت القرصة على يديها بحيث يراها الناس، ونادت بأعلى صوتها: ‏ ‏

      " يا أهل القاهرة! ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد اللّهُ الناسَ بأيامه حتى تقوّمت عليّ هذه القرصة بألف دينار! ‏"

      من كتاب " إغاثة الأمة بكشف الغُمَّة " للمقريزي.







      الأحد، 19 يوليو 2020

      رحلة استمرت 10 سنوات.. معماري يكشف كيف تحول 329 مسجدا وأثرا عثمانيا في 18 بلدا إلى كنائس

      رحلة استمرت 10 سنوات.. معماري يكشف كيف تحول 329 مسجدا وأثرا عثمانيا في 18 بلدا إلى كنائس
      في رحلة وتجوال استمرا 10 سنوات رصد المهندس المعماري محمد أمين يلماز قيام 18 بلدا كانت ضمن الإمبراطورية العثمانية بتحويل 329 معلما أثريا تركيا -معظمها جوامع ومساجد، بالإضافة لتكايا وأضرحة- إلى كنائس.
      وتشمل هذه المعالم تحويل 117 جامعا في بلغاريا بالإضافة إلى 7 تكايا وأضرحة ومدرسة واحدة إلى كنائس، وتحويل 74 جامعا و19 ضريحا ومؤسسة خيرية ومصلّييْن في اليونان إلى كنائس، وتمكن يلماز من رصد وتحديد الجوامع والمساجد والتكايا والأضرحة التي تم تحويلها، وأيضا المآذن التي تحولت إلى أبراج لأجراس الكنائس.
      انطلقت رحلة يلماز من منطقة البلقان، ثم قام بتوسيع دائرة بحثه في ضوء المعلومات التي حصل عليها بحسب إفادته لوكالة الأناضول، وقال "في البداية ركزت على المجر وبلغاريا واليونان، لأن أكثر الأبنية التي تم تحويلها إلى كنائس موجودة في هذه البلدان الثلاثة".
      وتابع "بعد ذلك تجولت في الجزائر وأوكرانيا وشبه جزيرة القرم وجورجيا وأرمينيا والبوسنة والهرسك وقبرص الرومية (اليونانية) وكرواتيا وكوسوفو ومقدونيا ومولدوفا ورومانيا وصربيا، حيث بلغ إجمالي الدول التي شملها الرصد 18 بما فيها تركيا، وقمت بتحديد 329 أثرا تركيا تم تحويلها إلى كنائس في تواريخ مختلفة".
      ووفق المتحدث، فإنه "في بلغاريا تم تحويل 117 جامعا بالإضافة إلى 7 تكايا وأضرحة ومدرسة واحدة إلى كنائس، كما تم تحويل 3 أبراج ساعة إلى أبراج لأجراس الكنائس، وفي كرواتيا تم تحويل 8 جوامع إلى كنائس، وفي القرم تم تحويل 6 جوامع وضريح إلى كنائس".
      وأضاف يلماز "وفي كوسوفو تم تحويل جامع واحد إلى كنيسة، كما تم تحويل برج ساعة إلى برج لجرس الكنيسة، وفي أوكرانيا تم تحويل جامعين إلى كنيستين، كما تم تحويل منارة إلى برج كنيسة، وفي مقدونيا تم تحويل 3 جوامع وضريحين وبرجي ساعة إلى كنائس، وفي صربيا تم تحويل 15 جامعا وضريحين إلى كنائس".

      وقال يلماز إنه "في قبرص الرومية (اليونانية) تم تحويل سبيل إلى كنيسة، أما في مولدوفا فقد تم تحويل 4 جوامع إلى كنائس، في حين تحولت 5 جوامع في رومانيا إلى كنائس".
      وأشار إلى أنه "في المجر تم تحويل 23 جامعا و5 أضرحة ومدرسة إلى كنائس، وتم تحويل جميع الأبنية المذكورة إلى كنائس بالمجر إبان الاحتلال النمساوي لها".
      اعلان

      اليونان

      وأوضح يلماز أن كثيرا من الآثار التركية "القائمة حتى الآن" من بين الـ329 أثرا التي تم تحويلها توجد في اليونان.
      وقال إنه تم تحويل 74 جامعا و19 ضريحا ومؤسسة خيرية ومصلّييْن في اليونان إلى كنائس، مشيرا إلى أنه تم تحويل 5 منارات إلى أبراج كنائس، ثم أصبح عدد الأبنية المعمارية التركية التي تم تحويلها في اليونان 101″.
      وأوضح المهندس يلماز أن الآثار التركية تم تغييرها لدواعٍ سياسية ومكانية، وقال "ينظر إلى المباني التركية التذكارية الضخمة في وسط المدينة -خاصة المآذن- على أنها أول هدف يجب تدميره لأنها ترمز إلى الهيمنة التركية وبالتالي إلى الإسلام، إن هذا لشيء محزن للغاية، لقد تم هدم 7 مآذن بالديناميت في مدينة صوفيا عام 1878 في ليلة واحدة".
      أما بشأن الذريعة الأخرى وهي الاحتياج المكاني فلفت يلماز إلى أنه تم تحويل الجوامع الموجودة إلى كنائس بسبب احتياج المسيحيين الأرثوذكس الذين استوطنوا القرى، خاصة بعد إخلائها من الأتراك أثناء عمليات التبادل السكاني.
      ووفق يلماز، فإن هناك أبنية إسلامية أخرى بخلاف الجوامع تم تحويلها إلى كنائس، وأشار إلى أن "الجوامع هي أكثر الأبنية التي تم تحويلها إلى كنائس، ولقد قمت بتحديد 272 جامعا ومسجدا تم تحويلها، وبخلاف الجوامع هناك 36 تكية وضريحا تم تحويلها إلى كنائس، كما أن هناك أبراجا تم تحويلها إلى أبراج كنائس، ومنارات تم وضع أجراس كنائس عليها".
      وأضاف "تم تحويل برج في كرواتيا وواجهة سبيل في قبرص الرومية ومنبر في مصلى باليونان إلى أماكن للعبادة الأرثوذكسية، وفي صربيا تم إنشاء كنيسة داخل أحد الخانات التي تبقت منها جدرانها الأربعة".

      تحويل التكايا إلى كنائس

      وأشار يلماز إلى أن التكايا هى الأخرى تم تحويلها إلى كنائس، وأن "تكية قناعت بابا في إقليم دبروجة -الذي عاشت فيه أغلبية تركية في رومانيا- أصبحت اليوم كنيسة، وهناك أمر ملفت للنظر هو التكايا البكتاشية التي كانت مزارا مشتركا للمسلمين والمسيحيين، هذه التكايا تحولت في صمت تام إلى كنائس بعد هجرة المسلمين من هذه المنطقة".
      وكشف أنه عاين الأبنية التي وصل إليها حتى اليوم في أماكنها الموجودة بها، واستطرد "في كافة الأبنية التي تم تحويلها إلى كنائس وجدت أنه تم محو كافة الميزات الخاصة بالعمارة التركية مثل القباب والأحزمة والزخارف، كما تم تغيير الخصائص المعمارية بحيث لا يمكن التعرف عليها".
      واستدرك "لكن بغض النظر عن مدى تحولها فإن الجدران الرئيسية فيها تجعل من الممكن الكشف عن الكنائس التي كانت جوامع فيما سبق".
      وتابع "كما تم تحويل جامع واحد في كل من جورجيا وأذربيجان إلى كنائس أثناء الاحتلال الروسي، وتم تحويل 3 جوامع في البوسنة والهرسك أثناء الاحتلال النمساوي إلى كنائس، و3 جوامع في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي لكنائس، كما تم تحويل جامعين في أرمينيا إلى كنائس".

      تقدير الآثار

      وأوضح يلماز أن الأتراك لم يقوموا بتغيير الخصائص المعمارية للأبنية التي حولوها إلى جوامع، وأنه لا توجد شعوب أخرى تتعامل مع المباني المعمارية باحترام بقدر ما نتعامل معها، فنحن -الأتراك- لم يكن لدينا أي حاجز نفسي مع الحضارات السابقة لنا، ولذلك لم نتدخل في السمات المعمارية بالمباني التي حولناها إلى جوامع".
      وأضاف "وأفضل مثال على ذلك هو جامع آيا صوفيا، فلقد حافظنا عليه من عام 1453 وحتى الآن، وأضفنا إليه فقط المحراب والمنبر والمئذنة دون أن نتدخل في خصائص المبنى المصمم ككنيسة".
      وتابع "عندما تنظر إلى الأثر المعماري من الخارج يمكن أن تفهم بكل سهولة أنه كان كنيسة في الماضي، والوضع في الداخل هكذا أيضا باستثناء بعض الرسومات التي تمت تغطيتها نظرا لأنها كانت تصل إلى مستوى العين، في حين أن الأوروبيين يقومون بتغيير كافة الخصائص المعمارية للجوامع التي حولوها إلى كنائس".

      الأبنية الأثرية ووثائقها

      وأشار يلماز إلى أنه قام ببحث أرشيفي موسع وتوصل إلى قسم كبير من الوقفيات الخاصة بالأبنية التي أثبت أنها تحولت إلى كنائس من خلال البحث في مديرية الأوقاف العامة والأرشيف العثماني.
      وأضاف "قمت بعد ذلك بمطابقة هذه الأبنية بالوقفيات الخاصة بها، وأضفت إليها الكنية الخاصة بكل منها، وقد كان هدفي من هذا البحث الأرشيفي هو تسجيل الأبنية الأثرية التركية بالوثائق، وفي السنوات الماضية تم رفع دعاوى قضائية بخصوص بعض الجوامع في بلغاريا والتي صادرتها الدولة على الرغم من كونها مسجلة مباني وقفية، وبالفعل استعادت هيئة الإفتاء الملكية الخاصة بهذه الجوامع".
      وأوضح يلماز أنه اطلع على بعض الآثار في كتب ومقالات بعض الشخصيات التي تناولت هذا الموضوع من قبل في تركيا، مثل الراحل أكرم حقي أيوردي والأستاذ الدكتور سماوي أييجه، إلا أنه أشار في الوقت ذاته إلى عدم وجود دراسة موسعة تغطي كافة البقاع الجغرافية التي كانت تحت حكم الدولة العثمانية.
      وقال إنه جمع أعماله في كتاب مكون من 575 صفحة قام بالتقديم له الأستاذ الدكتور سماوي أييجه عام 2017، وإنه اتبع في طريقة وأسلوب هذا الكتاب الأصول الخاصة بأيوردي.
      وللمهندس المعماري محمد أمين يلماز أبحاث تتعلق بالآثار المعمارية التركية منذ ما يقارب 20 عاما، وشارك في العديد من مشاريع الترميم داخل وخارج تركيا.
      وأسس يلماز مركز الأبحاث المعمارية التركية لتحويل أعماله المتعلقة بالآثار المعمارية التركية إلى هيكل مؤسسي، وهو الآن بصدد طباعة كتابه المسمى "الأبنية المعمارية التركية المحولة إلى كنائس" الذي يمثل نتاج وثمرة أبحاثه التي قام بها بين أعوام 2010 و2020.
      المصدر : وكالات + وكالة الأناضول