
بعد الحرب العالمية الأولى، قامت على الأراضي العثمانية التي جرى احتلالها دول عربية «بهيئة عربية»، غير أن جميع هذه الدول أسست هويتها القومية لا على معاداة القوى التي احتلتها فعليًا، بل على معاداة الأتراك.
وهذا التصور لا ينسجم مع حقائق التاريخ، لكنه كان جوهر المحتوى الأيديولوجي للتعليم القومي الذي فُرض عليها: العثمانيون والأتراك، بحسب هذا السرد، كانوا قوة استعمارية احتلالية استقرت في تلك الأراضي مدة أربعمائة عام، ولم تترك وراءها أي إرث يُذكر بالخير.
بطبيعة الحال، لم يكن هذا الخطاب منسجمًا مع الواقع المعيشي اليومي للشعوب العربية، ولا مع ما يمكن أن يقبله وجدانها الجمعي. ولذلك نشأ تناقض واضح بين ذاكرة الشعوب العربية من جهة، وبين ما كانت تُلقَّنه لأبنائها في المدارس، وما يُضخ إليها يوميًا عبر الصحف ووسائل الإعلام الرسمية من جهة أخرى. ويمكن القول إن مسار «الربيع العربي» مثّل، في أحد أبعاده، عملية تخلّص الشعوب العربية من هذه السرديات المفروضة، وعودةً إلى الالتقاء مع الأتراك خارج الأطر الأيديولوجية المصطنعة.
في سوريا، وبعد الثورة الشعبية، أعلنت الإدارة السورية الجديدة مؤخرًا إلغاء «يوم الشهداء» الذي ظل يُحتفل به رسميًا مدة مئة عام، وعدم إحيائه بعد اليوم. وكان هذا اليوم مخصصًا لإحياء ذكرى المثقفين العرب السوريين واللبنانيين الذين أُعدموا بأمر من جمال باشا في ساحة المرجة بدمشق وساحة البرج في بيروت. ولم يكن هذا الإعلان مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة بعدم منح أي مشروعية للسردية الكامنة خلف هذا اليوم، وبأن النظرة القومية العربية القديمة تجاه الأتراك لن تكون معتمدة بعد الآن.
إلغاء يوم الشهداء في سوريا: كان هذا هو المتوقع
وسبق أن أُعلن عن تنقية المناهج التعليمية الوطنية السورية من جميع الخطابات والروايات المعادية للأتراك التي كانت سائدة في السابق.
فالحقيقة التاريخية هي أن خلق مسافات عاطفية ونفسية غير قابلة للتجسير بين العرب والأتراك كان مشروعًا اتحاديا–طورانيًا ذا طابع ماسوني، بدأ قبل الحرب العالمية الأولى بزمن طويل.
لقد أسهمت سياسات جمال باشا في سوريا – ولا سيما فرض اللغة التركية قسرًا، واعتماد مركزية صارمة، وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مثقفين وأعيان عرب استنادًا إلى معلومات استخباراتية خاطئة دون تمحيص – في تأجيج النزعة القومية العربية التي كانت تُشعل أصلًا، وبالأدوات ذاتها، كوسيلة لإيقاع الفتنة مع الأتراك.
وبذلك، فإن هذه الممارسات تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية عن نشوء القومية العربية بصيغتها العدائية، وعن أي اتهام بـ«الخيانة العربية».
كيف وصلنا إلى فكرة «الأراضي التي ليست منا»؟
سبق أن أشرنا إلى أن محاولات إحداث قطيعة وجدانية وهوياتية بين العرب والأتراك بدأت قبل سياسات جمال باشا بزمن طويل، بل قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بسنوات.
وفي اللحظة التي بدأت فيها اكتشافات النفط، لم تكن الدولة العثمانية كيانًا منهارًا، بل دولة قائمة بمؤسساتها، وإن شابها الضعف.
«يجب ألا نترك تصفية الدولة العثمانية للأعداء»… ولكن لماذا؟
في مقالات سابقة، نقلتُ عن فالح رفقي آتاي بعض الشهادات حول النقاشات التي دارت بين الضباط العثمانيين بين عامي 1906 و1908.
«لقد أُلقيت كل أعباء دولة واسعة المساحة، نصف سكانها ليسوا من الأتراك، على كاهل العنصر التركي، في حين لم تكتفِ الأقليات المسيحية بخدمة مصالحها فحسب، بل سعت أيضًا إلى الاتحاد مع الدول المجاورة من نفس العرق. أما الأتراك والعرب الذين سيبقون، فسيُحوَّلون إلى مستعمرات لدول منفصلة، وستقف العناصر غير التركية إلى جانب الدول المعادية. فهل الأفضل أن نُسحق تحت أنقاض دولة منهارة، أم أن ننسحب إلى حدود قومية ذات أغلبية تركية ونحميها؟ أرى النجاة في الخيار الثاني».
ويخلص جبسوي إلى أن المقصود من كلام مصطفى كمال هو أن تصفية الدولة العثمانية يجب ألا تُترك للأعداء، بل ينبغي أن تتولاها سلطة دستورية قادمة بقرار شجاع. فهذا – في نظره – هو طريق الخلاص.
أما كيفية تنفيذ هذه «التصفية»، فيورد جبَسوي تصور مصطفى كمال على النحو التالي: تبقى تراقيا الشرقية والغربية ضمن الدولة، تُعدَّل حدود أدرنة لصالح بلغاريا، تُمنح أقاليم أخرى وفق مبدأ الأغلبية القومية في مؤتمر يُعقد بإسطنبول، تستقل ألبانيا، يُقسَّم البوسنة والهرسك بين صربيا والنمسا–المجر، تبقى الجزر القريبة من الأناضول ضمن الدولة التركية الجديدة، وتُعطى الجزر الأخرى لليونان، وتشمل الحدود الجنوبية هاتاي وحلب والموصل، بينما تُترك بقية المناطق للعرب، دون تغيير في الشرق والشرق الشمالي للأناضول، مع تبادل الأقليات.
قد يبدو هذا الاقتباس طويلًا، لكنه ضروري لإظهار الحدث التاريخي بكل وضوحه.
كيف نُعيد اليوم قراءة ما كان يُعد خيانة بالأمس؟
كان الضباط الذين ناقشوا تصفية الدولة العثمانية قبل الحرب بسنوات يدركون تمامًا تبعات ما يفعلون. ولم يكن هذا التفكير طبيعيًا آنذاك، كما لا هو طبيعي اليوم. ويواصل جَبَسوي نقله عن مصطفى كمال قائلًا:
«أعلم أن من لا يريدون رؤية المستقبل سيعدّون التنازل عن أراضي الإمبراطورية خيانة، لكن رغم ذلك يجب تحويل هذه الأفكار إلى برنامج يُدافع عنه بقوة».
فكيف نقيّم هذه التصورات اليوم، بمنطق الوطن والواجب والولاء للدولة؟ هل نحن مستعدون لأن ننظر في المرآة، وأن نواجه هيكلنا العظمي كما هو، بلا أقنعة؟



