‏إظهار الرسائل ذات التسميات تركيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تركيا. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

عادت الإمبراطوريات. نهاية التاريخ للضعفاء. "القرن الحادي والعشرين التركي" يبدأ. حسنًا، من الذين صُدموا من ذلك ؟

عادت الإمبراطوريات. نهاية التاريخ للضعفاء. 
"القرن الحادي والعشرين التركي" يبدأ. 
حسنًا، من الذين صُدموا من ذلك ؟

إبراهيم قراغول


شكل احتلال أوكرانيا مثالًا قاتلًا على الانقسام الداخلي والتفكك الاجتماعي، وعلى الطريقة التي سيتم بها جر البلدان الضعيفة إلى الدمار في القرن الحادي والعشرين.

حسنًا،
هل كان هناك لتركيا سيناريو مماثل لما حدث في أوكرانيا؟

هل كانت هناك خطة لإضعاف وتقزيم تركيا؟ 

كما في الشرق-الغرب، والجنوب-الشمال، وأوروبا-آسيا، ولا سيما أن تركيا تقع في قلب الاختلافات والصراعات وموجودة في كل الأطروحات الجيوسياسية تقريبًا، من هيكل القوة إلى الطاقة، ومن ممرات الإمداد إلى الموارد.


وعند النظر ضمن نطاق واسع على قضايا مثل الإرهاب التقليدي والأمن الداخلي والاستقطاب السياسي سنرى أنه بالطبع كان هناك تلك الخطة. ومع ذلك، فإن البحث عن قوة جديدة أكثر حيوية يجبرنا على تحديدات وتعريفات جديدة.

هل كان هناك خطة جديدة ومدمرة لتركيا؟

لقد تحولت الآن مواجهات الولايات المتحدة وأوروبا مع روسيا والصين إلى حرب مفتوحة. وفي الوقت الحالي، الحرب باتت على أبواب أوروبا، ولكن تلك الحرب ستستمر وستنتشر حتى لو توقفت في أوكرانيا.


هل تم إعداد خطة أكثر تدميرًا لتركيا وفقًا لهذا الوضع الجديد؟
هل كان هناك إعداد لخطة مماثلة لتلك الموجودة في يوغوسلافيا وأفغانستان والعراق وسوريا واليمن؟

باب من سيطرقون بعد أوكرانيا؟ في أي بلد سيضرمون النار ؟ ما دور تركيا هنا؟ ما نوع الخطة التي وضعوها؟ وما نوع التجهيز الذي قامت به تركيا؟
هذا الصراع سيبتلع البلدان الضعيفة

لماذا هذا السؤال مهم؟

إن السعي لإعادة تعريف القوة العالمية وتقاسمها، وفي ظل حروب الموارد والأسواق، وحدوث المواجهات بين الشرق والغرب، وحقيقة أن المؤسسات الغربية ستنتهي وأن الأغلبية الساحقة من العالم لم تعد ترغب في العيش ضمن النظام الغربي والنظام المالي العالمي، سيؤدي ذلك كله إلى حدوث حسابات ومواجهات كبيرة.

وستبتلع هذه الصراعات البلدان الضعيفة. وعلى وجه الخصوص، ستدمر تلك الصراعات البلدان الواقعة ضمن المناطق الحدودية على خريطة القوة الجديدة. ستقضي على الكثير منهم.

الإمبراطوريات الجديدة والشعوب الصانعة للتاريخ

الصراع كبير جدًا وسيستمر لفترة طويلة، وستتحول تلك البلدان، المذكورة أعلاه، إلى أدوات حرب مستهكلة من قبل الإمبراطوريات الجديدة التي استقرت في مركز عالم القرن الحادي والعشرين.

الشعوب التي صنعت التاريخ تعود. والامتيازات الممنوحة، للبلدان الصغيرة بموجب نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، تقترب من نهايتها. والحصانة، التي توفرها تلك الدول على مقياس "الولاء للغرب"، يتم رفعها. لأن الغرب لم يعد بإمكانه حماية أحد!

هناك انتقال من الدول الحضرية والقوميات والدول الصغيرة إلى الأحواض الإقليمية وإلى الإمبراطوريات، كونها قوة عظمى.
سيتم تقليص حجم تركيا، سيتم إيقاف صعودها!

ينتهي هنا هذا المشروع الكبير الذي تنفذه الولايات المتحدة وأوروبا على خطوط شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا. وبدأت العودة من تفكك القوة إلى عصر شراكة القوة.

وبدأ التوجه من تفكك البلدان إلى توحيدها، وإلى تقارب المناطق. والذي سيتسبب بذلك هو القلق والمخاوف بشأن المستقبل.

كان هناك سيناريو لإضعاف وتقليص حجم تركيا أكثر ترويعًا من الذي يحدث في أوكرانيا. وتحولت سياسة ترويض تركيا من خلال الإرهاب (المتمثل بمنظمة بي كا كا الإرهابية) والمستمر منذ عقود، ورسم سياسته من الداخل، واتباع سياسة حصره في مساحة ضيقة، إلى عملية إبادة في السنوات العشر الماضية.


وستقوم الولايات المتحدة وأوروبا بتقليص حجم تركيا حتى لو كانت ضمن حلقة التحالف الأوروبي الأمريكي. ليس فقط لأن أراضيها كبيرة، ولكن لمنع عودة ظهورها كـ "قوة إمبراطورية" مرة أخرى.
سيتم رسم خريطة جديدة للعالم وفقًا لثلاث دول...

كانت ذروة هذه العملية ليلة الانقلاب الفاشلة 15 يوليو/تموز. البلد (تركيا)، الذي تم إدخاله في الانقلابات لسنوات، سيتفكك لأول مرة من خلال التدخل الخارجي. سيتم انتزاع جزء من منطقة تراقيا التركية، وفصل الشرق والجنوب الشرقي، وسيتم رسم خريطة جديدة مرتبطة بخريطة العراق وسوريا.

إذا لم يتمكنوا من القيام بذلك، سيكون من المستحيل إيقاف تركيا. لأنه لم يعد من الممكن التحكم بها أو السيطرة عليها. قالوا: "دعونا نتخذ إجراءات لإيقاف تركيا قبل فوات الآوان، دعونا نتحرك في أسرع وقت ممكن، لأن الفرصة قد لا تقدم نفسها لاحقًا في المستقبل".

ما قالوه واعتقدوه تحقق، لقد فات الأوان، وأضاعوا فرصتهم لإيقاف تركيا.

ما الذي فاجأ الولايات المتحدة وأوروبا؟

بعد ليلة الانقلاب الفاشلة 15 يوليو/تموز، فاجأت تركيا الولايات المتحدة وأوروبا من خلال قيامها بالتدخلات الجيوسياسية الأكثر رسوخًا في تاريخ الجمهورية، وعملية التطهير الكبيرة في الداخل ،وتسريع التحول المنهجي، وتحقيق اختراق استثنائي في مجال الدفاع.


ربما كانت هذه هي المرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية التي يحدث فيها شيء صادم للغرب، ولفترة من الوقت، لم يتمكنوا من تحديد ما يجب عليهم القيام بفعله إزاء ذلك.

فشلت جميع خططهم التي كانوا يعرفونها. 
لقد فشلت خطتهم في العراق. 
وفشل الفخ الذي نُصب في سوريا. 
وفشلت محاولة إغراق تركيا في البحر الأبيض المتوسط وذهبت أعمالهم سدى. وضمن كل هذه الجوانب، برزت وسادت أطروحات وخطط تركيا في كل المجالات وتراجع الغرب.

كيف تم إحباط خطة اندلاع حرب تركية روسية؟

فشلت خطط البحر الأبيض المتوسط التي أطلقوها من أجل استبعاد تركيا. كما تم إفشال خطط الغاز الطبيعي والطاقة الخاصة بهم. الآن إسرائيل واليونان يطرقان باب أطروحات تركيا ويحاولون تطبيع العلاقات معها.

حتى في الأزمة الأوكرانية، سارت تركيا في طريقها الخاص ولم تتخذ قرارًا مع الولايات المتحدة وأوروبا. لقد وقفت في وجه احتلال أوكرانيا، لكنها لم تفرض حظرًا على روسيا ، ولم تغلق مجالها الجوي.

ولم تخضع لحالة جنون العظمة الهستيري للغرب. لقد خيبت تركيا وروسيا آمال أولئك الذين يخططون للحرب.


بعتبر موقف تركيا من الحرب الأوكرانية الخطوة الأكثر أهمية بعد التدخلات في سوريا. وبعد خطوة إلغاء عمل الخريطة على طول خط إيران-البحر الأبيض المتوسط وبعد خطوة إفشال خطط البحر الأبيض المتوسط.

تركيا لم تعد بلدًا يخضع لنظريات الغرب، بل بلدًا لديه موقف وقوة كلمة يقدمها للعالم ولجغرافيته.
هذا الوقت لافت...

التقى أردوغان بقادة أربعة عشر دولة، واحدًا تلو الآخر. من أوروبا إلى إفريقيا، ومن الشرق الأوسط إلى آسيا. وقد برز نبض الدبلوماسية العالمية في تركيا. واتخذت تركيا الخطوة الملموسة الوحيدة في الحرب الروسية الأوكرانية مرة أخرى.

وفي غضون كل ذلك، بدأت عملية أساسية لإبعاد الجغرافيا عن الصراعات والحروب الجديدة وذلك عبر تطبيع تركيا مع الشرق الأوسط.

ومن اللافت للنظر أن كل هذا يحدث بالتزامن مع انتقال الحروب إلى الحدود الشرقية لأوروبا. ومن المفارقات أن الغرب يتصارع حاليًا مع ذات الوضع الذي طبقه في جغرافيتنا على مر السنين.
لا يمكن أن تنجح الشراكة بين السياسة في الداخل والإرهاب ..

نعم، إنهم يؤسسون جبهة جديدة مشتركة بين المنظمات الإرهابية والسياسيين في الداخل، هذا صحيح. إنهم يحاولون إدارة الأمور من خلال الأساليب القديمة، هذا صحيح. لكن لم يعد من الممكن إضعاف وتقليص حجم تركيا من خلال التدخلات الداخلية أو الإقليمية. وسيتعين عليهم قبول هذا.


لقد أعدوا لنا "سيناريو أوكرانيا". حتى أنهم حاولوا تنفيذه. لكننا دخلنا عصر "الإمبراطوريات" في القرن الحادي والعشرين.
"القرن الحادي والعشرين التركي" يبدأ

ستستمر أزمة الغرب بعد أوكرانيا. والحرب ستستمر حتى لو توقفت. ستبدأ صراعات جديدة على حدودهم. وبمرور الوقت، ستنتقل إلى الغرب نفسه.

ستصبح تركيا أكثر مركزية. وستستفيد من كل المواجهات الحاصلة بين الشرق والغرب وتحولها إلى مكاسب جيوسياسية. عندما قلنا "تركيا عقلية عليا" و "تركيا مفاجأة القرن الحادي والعشرين" ، لم نتخلف عن الركب ، وكنا نحاول أن نرى خطوة إلى الأمام.

من يدري، ربما يبدأ "القرن الحادي والعشرين التركي" .


 نشر في الثلاثاء 15/03/2022


السبت، 5 سبتمبر 2026

ما خطة تركيا؟.. تحولت «العزلة الثمينة» خلال عشر سنوات إلى «دولة لا غنى عنها»..

ما خطة تركيا؟.. تحولت «العزلة الثمينة» خلال عشر سنوات إلى «دولة لا غنى عنها».. 
أصبحت الدولة الوحيدة التي تتحاور مع جميع «الأقطاب».. 
شهد صيف 2026 خطوات هائلة في الداخل والخارج.. المحور الغربي، المحور الشرقي، المحور التركي

إبراهيم قراغول




بات العالم الآن «متعدد» الأقطاب. انتهى عصر العالم ثنائي القطب، ثم انهار مشروع العالم أحادي القطب الذي حاولت الولايات المتحدة إقامته. تراجع الغرب وصعد الشرق. وفي هذه الأثناء تحديدًا، بدأت تركيا تصعد بوصفها قوة حاسمة لا غنى عنها.


وتسعى تركيا إلى احتلال موقع مركزي داخل جميع هذه «الأقطاب» و«الجبهات»، أو أنها أصبحت عنصر الربط الأكثر تأثيرًا بين الجبهات، وربما الوحيد.

كانت تركيا «دولة جبهة» في العالم ثنائي القطب، ووُضعت في موقع «الشريك المنفّذ» ضمن مشروع العالم أحادي القطب الذي قادته الولايات المتحدة. أما في هذا العالم متعدد الأقطاب، فقد بدأت تؤسس لعبتها الخاصة، وتتحول بنفسها إلى مركز، وتحرك نطاقًا جغرافيًا واسعًا عبر محور تقوده بنفسها.

حاولوا عرقلتها أولًا، ثم قالوا: «لنكن شركاء»


عندما رأوا بلدًا وريثًا لإمبراطوريات يشق طريقه بنفسه بإصرار وشجاعة، حاولوا في البداية عرقلته.

نفذوا تدخلات من الداخل والخارج، وشكّلوا جبهات على المستويين العالمي والإقليمي، وحاولوا إيقاف تركيا. وهذا هو سبب جميع الصدمات التي عشناها خلال العشرين عامًا الماضية.

لكن أيًا من ذلك لم ينجح. وتحولت خطط «إيقاف تركيا» إلى محاولات «الشراكة مع تركيا» و«استمالة تركيا». وأصبحت تطلعات الغرب والشرق، وكذلك جميع المناطق التي تُجبر على الاختيار بينهما، تجاه تركيا واضحة ومتزايدة.


تركيا جعلت نفسها «قوة لا غنى عنها» للغرب والشرق

في أثناء ذلك، تخلصت تركيا من أدوات «التدخل الخارجي»، مثل تنظيم غولن الإرهابي وتنظيم بي كا كا الإرهابي. وصمدت وحدها في سوريا وحققت النتيجة التي أرادتها. والآن تتحرك تركيا وسوريا معًا كما لو أنهما محور واحد.

وامتد هذا النهج إلى لبنان والعراق والصومال والسودان وليبيا ودول أخرى كثيرة. وأعتقد أننا سنشهد خلال المرحلة المقبلة تغيرًا عميقًا في هذه البلدان أيضًا.

وبينما كانت تركيا تبني بإصرار محورًا جديدًا مع شركائها، كانت تعزز إلى أقصى حد علاقاتها مع كتلتي القوة الغربية والشرقية القائمتين.

فهي لم تكن تنأى بنفسها عن الشرق بحجة أنها تنتمي إلى الكتلة الغربية، ولم تكن تتخذ موقفًا من الغرب بالاستناد إلى الكتلة الشرقية. كما لم تكن تنظر إلى جميع الصراعات والأزمات في العالم من خلال «اختيار أحد الصفوف بسهولة»، بل كانت تدير علاقات أكثر تعقيدًا بكثير بطريقة عقلانية، وتجعل نفسها قوة «لا يمكن الاستغناء عنها».

«موضة تركيا» في قمة الناتو.. فما سبب هذا «المديح»؟


عُقدت قمة الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يونيو. وشهدنا «موضة تركية» لدى الجميع، بدءًا من الرئيس الأميركي ترامب وصولًا إلى القادة والدول الأوروبية.

كانوا جميعًا يريدون التقرب من تركيا، ويعززون مكانتها داخل الحلف، ويحاولون من خلال إشادات استثنائية وضعها في قلب المحور الغربي. لم نشهد منذ سنوات قمة للناتو كهذه، ولم نشهد من قبل كل هذا المديح لتركيا.


والسبب أن الحرب الروسية-الأوروبية المستمرة في أوكرانيا جعلت الحدود الشرقية لأوروبا شديدة الخطورة. ولم يكن الدفاع الأوروبي بهذه الدرجة من «الإلحاح» منذ الحرب العالمية الثانية. وكانت هناك حاجة كبيرة إلى تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو.

سندافع عن الغرب، لكننا لن نذهب إلى «الجبهات» من أجله

كانت تركيا مدركة للوضع. وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام إقامة جميع أشكال الشراكة مع أوروبا في مجال الدفاع. لكن ذلك لم يكن ليصل إلى حد «دفع تركيا وروسيا إلى خوض حرب».

كانت هذه هي النقطة الحاسمة. ستعزز تركيا علاقاتها مع الكتلة الغربية بصورة أكبر، لكن طبيعة هذه العلاقة ستتغير، وستتحول تركيا إلى قوة مركزية.

وكانت قمة الناتو في أنقرة بداية لهذا «النوع الجديد من الشراكة». لكن لن يكون بالإمكان، كما في السابق، دفع تركيا إلى الجبهة الروسية دفاعًا عن أوروبا، أو إرسالها من جبهة إلى أخرى، ولن يتكرر «نموذج أوكرانيا» إطلاقًا.

ستدافع أوروبا عن نفسها، وستقدم تركيا الدعم لها. لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه أوروبا تعيش في رخاء، بينما كانت تركيا تُرسل إلى الجبهات.

بعد الناتو، تحالف مكة:
اقتصاد ضخم وجيوش ضخمة و«أغلى» جغرافيا في العالم...

بعد قمة الناتو مباشرة، تأسس في 7 أغسطس تحالف مكة الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان. وفي الظاهر، بدا هذا التحالف إجراءً لمواجهة الهجمات الإسرائيلية في المنطقة. وقد فسره بعضهم بهذه الطريقة، فيما استهان به آخرون انطلاقًا من فكرة مفادها أن «اتفاقات مماثلة تُبرم دائمًا بين الدول الإسلامية، لكنها لا تحقق أي فائدة».


لكن الأمر ليس كذلك. كان انضمام مصر وبنغلاديش وإندونيسيا وماليزيا والجزائر ودول أخرى كثيرة إلى هذا الكيان مطروحًا. وكانت أسس شيء ما تُرسى في «أغلى» بقعة جغرافية في العالم، تسيطر على المحور المركزي للأرض، وتضم اقتصادًا هائلًا وتكنولوجيا عسكرية ضخمة وجيوشًا كبيرة جدًا.

الخطوة الأولى لـ«محور جديد» في عالم متعدد الأقطاب: 
ما الذي يُخطط له في قلب العالم؟

أعتقد أن هذه كانت الخطوة الأولى نحو إنشاء «قطب» جديد و«محور» جديد في «العالم متعدد الأقطاب». فمن سواحل المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، كان شيء ما يتحرك على امتداد المحور المركزي للعالم.

كانت جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط ووسط إفريقيا وشمالها تقع كلها ضمن هذه الجغرافيا. وكانت طرق التجارة البرية والبحرية هنا، وكذلك الممرات البحرية. وكانت هذه الجغرافيا أقوى سلاح في العالم.

فما الذي يدور في ذهن تركيا؟ 
وما الذي تخطط له في قلب العالم في ظل الحديث عن التحالف الغربي والتحالف الشرقي؟ 
وما معنى هذا التوجه الجديد بالتزامن مع تعزيز علاقاتها بالغرب والشرق؟

تحول التحالف الغربي إلى جبهة واضحة، وأصبح المحور الشرقي جبهة مشتركة. وفيما يضيّق الجميع نطاق تحركهم ويركزون على محاورهم الخاصة، تواصل تركيا وحدها حوارها مع جميع الجبهات، وتدير ذلك بمهارة مذهلة.

تحالف شنغهاي: ينبغي إخراج الهند وضم تركيا...

بعد قمة الناتو وتحالف مكة، عُقدت في الأول من سبتمبر قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكك بقرغيزستان. 
تركيا ليست عضوًا كاملًا، بل «شريك حوار»، لكن علاقاتها قوية جدًا مع أعضاء المنظمة باستثناء الهند. وفي معادلة قوة عالمية ترجح فيها كفة الطرف الذي تتجه إليه تركيا، تشكّل هذه العلاقة أيضًا عنصر توازن في علاقات تركيا مع الغرب.

وبالنظر إلى الأضرار التي قد تلحقها بالمنظمة دولة مؤسسة مثل الهند، التي تحولت إلى لعبة في يد إسرائيل وتمتلك القدرة على نسف التحالف، يتضح أن علاقات تركيا بأعضاء المنظمة أكثر موثوقية بكثير، حتى وإن لم تكن عضوًا فيها.


ومن شأن عضوية تركيا أن تكون بناءة للغاية بالنسبة إلى المنظمة أيضًا، من ناحية علاقاتها بالغرب. وفي ظل هذا الوضع، يصبح إخراج الهند ومنح تركيا العضوية الكاملة، إذا أخذنا في الحسبان «اتساع جغرافيتنا المشتركة»، القضية التي ينبغي للمحور الشرقي التفكير فيها أكثر من أي قضية أخرى.

تلك الصورة الواردة من القمة تقول الكثير في الواقع...


إن نجاح تركيا، المتداخلة إلى هذا الحد مع التحالف الغربي، في إبقاء علاقاتها مع التحالف الشرقي عند هذا المستوى من الثقة والتوازن يُعد إنجازًا كبيرًا. ويشكّل ذلك، إلى جانب المناورات المرنة في لعبة القوة، مؤشرًا واضحًا على مدى الحاجة إلى تركيا.

وتكشف الصورة الواردة من القمة، التي يظهر فيها الرئيس الروسي بوتين ورئيس بيلاروسيا لوكاشينكو وهما يحاولان شرح شيء ما للرئيس أردوغان، هذه الحقيقة بوضوح.

حرب الشرق والغرب حتمية.. وإبقاء تركيا وجغرافيتنا خارجها...

إن حرب الشرق والغرب حتمية في مستقبل العالم. ولأن مجال القوة العالمية لم يُتقاسم بصورة عادلة، لم يبقَ سوى خيار اقتسامه عبر الحرب.

وتنصب جميع جهود تركيا على إبقاء نفسها وجغرافيتها المشتركة خارج هذا الصراع. وهذه أيضًا الطريقة الوحيدة لبناء القوة التي ستضع جغرافيتنا في قلب مجال القوة العالمية.

إن حسابات التقارب مع تحالفي الغرب والشرق، والرغبة في تعزيز العلاقات بصورة أكبر، وتحويل نفسها ومجالها الجغرافي الواسع إلى قوة مركزية، تنم عن حنكة مذهلة. وهذا صعب ومرهق ويتطلب جهودًا طويلة، لكنه يغيّر مسار التاريخ وخريطة القوة في العالم.


«الدول القومية» لا تجري حسابات كهذه.. فهذه ردود أفعال إمبراطورية

لا تجري الدول القومية حسابات كهذه، بل تتموضع داخل محور أو تحالف، وتنشئ لنفسها مساحة آمنة هناك، وتؤمّن ذاتها. وهذا هو الخيار الأنسب للأمم التي لا تحمل مثل هذا الطموح، لأن أي مسار آخر قد يؤدي إلى فنائها.

أما القوى الكبرى والدول ذات التقاليد الإمبراطورية، فتتحرك بعقل عالمي وطموحات كبرى. 
وهذه القوى لا تتحرك لحماية الدولة القومية فحسب، بل وفق خرائط قوة تمتد على نطاق جغرافي. ويمكن رؤية ذلك في الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا. وهذه القوى وأمثالها هي التي تشكّل مجال القوة العالمية.

كيف ستغيّر «عودة تركيا إلى المسرح» العالم؟

بعد غياب دام مئة عام، وفي أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية، تعود تركيا إلى مسرح التاريخ بوصفها قوة كبرى. ولن تتصرف بعد الآن بمنطق «الدولة القومية» أو «دولة خط المواجهة». ولا ينبغي لأحد أن يتوقع منها ذلك.

تركيا هي الدولة الوحيدة التي تتابع بدقة حسابات العالم متعدد الأقطاب، وتقيم علاقات قوية مع جميع الأطراف، وتبني مع شركائها مجال قوة جديدًا. ونحن نسمي ذلك عودة «عقل الإمبراطوريات».

إن صيف 2026 والقمم الثلاث والصور التي أفرزتها تكتسي طابعًا «تاريخيًا». وبينما نتابع التطورات التي تتصدر الاهتمام، أقترح أن نتابع بعناية أيضًا «الخطوات الكبرى» لمسيرة التاريخ والجغرافيا.

السبت، 18 يوليو 2026

هل نجرؤ على مواجهة أنفسنا في مرآة التاريخ؟.. كيف تشكلت فكرة تصفية الدولة العثمانية؟

هل نجرؤ على مواجهة أنفسنا في مرآة التاريخ؟.. كيف تشكلت فكرة تصفية الدولة العثمانية؟

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم



بعد الحرب العالمية الأولى، قامت على الأراضي العثمانية التي جرى احتلالها دول عربية «بهيئة عربية»، غير أن جميع هذه الدول أسست هويتها القومية لا على معاداة القوى التي احتلتها فعليًا، بل على معاداة الأتراك. 
ففي حين لم تُبد أي عداء يُذكر للدول التي كانت تحتلها آنذاك، وتستغلها وتضطهدها، اعتبرت الدولة العثمانية – التي عاشت في ظلها أربعة قرون من الأمن والاستقرار – كيانًا أبعد وأشد عداوة.


وهذا التصور لا ينسجم مع حقائق التاريخ، لكنه كان جوهر المحتوى الأيديولوجي للتعليم القومي الذي فُرض عليها: العثمانيون والأتراك، بحسب هذا السرد، كانوا قوة استعمارية احتلالية استقرت في تلك الأراضي مدة أربعمائة عام، ولم تترك وراءها أي إرث يُذكر بالخير.

بطبيعة الحال، لم يكن هذا الخطاب منسجمًا مع الواقع المعيشي اليومي للشعوب العربية، ولا مع ما يمكن أن يقبله وجدانها الجمعي. ولذلك نشأ تناقض واضح بين ذاكرة الشعوب العربية من جهة، وبين ما كانت تُلقَّنه لأبنائها في المدارس، وما يُضخ إليها يوميًا عبر الصحف ووسائل الإعلام الرسمية من جهة أخرى. ويمكن القول إن مسار «الربيع العربي» مثّل، في أحد أبعاده، عملية تخلّص الشعوب العربية من هذه السرديات المفروضة، وعودةً إلى الالتقاء مع الأتراك خارج الأطر الأيديولوجية المصطنعة.

في سوريا
، وبعد الثورة الشعبية، أعلنت الإدارة السورية الجديدة مؤخرًا إلغاء «يوم الشهداء» الذي ظل يُحتفل به رسميًا مدة مئة عام، وعدم إحيائه بعد اليوم. وكان هذا اليوم مخصصًا لإحياء ذكرى المثقفين العرب السوريين واللبنانيين الذين أُعدموا بأمر من جمال باشا في ساحة المرجة بدمشق وساحة البرج في بيروت. ولم يكن هذا الإعلان مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة بعدم منح أي مشروعية للسردية الكامنة خلف هذا اليوم، وبأن النظرة القومية العربية القديمة تجاه الأتراك لن تكون معتمدة بعد الآن.

إلغاء يوم الشهداء في سوريا: كان هذا هو المتوقع

وسبق أن أُعلن عن تنقية المناهج التعليمية الوطنية السورية من جميع الخطابات والروايات المعادية للأتراك التي كانت سائدة في السابق. 
ولا شك أن هذا يعكس مقاربة ودية من قبل الإدارة السورية الجديدة تجاه تركيا والأتراك. 
غير أن امتناع السوريين عن إثارة سياسات جمال باشا أو ممارسات ضباط جمعية الاتحاد والترقي في سوريا ولبنان، تفاديًا لإشعال فتنة جديدة مع الأتراك، ورغم كونه موقفًا نبيلاً وإيجابيًا، فإنه لا يغيّر من حقائق التاريخ.

فالحقيقة التاريخية هي أن خلق مسافات عاطفية ونفسية غير قابلة للتجسير بين العرب والأتراك كان مشروعًا اتحاديا–طورانيًا ذا طابع ماسوني، بدأ قبل الحرب العالمية الأولى بزمن طويل. 
ومن يعرف لمن تخدم المشاريع في نهاياتها، يدرك حقيقتها من نتائجها.


لقد أسهمت سياسات جمال باشا في سوريا – ولا سيما فرض اللغة التركية قسرًا، واعتماد مركزية صارمة، وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مثقفين وأعيان عرب استنادًا إلى معلومات استخباراتية خاطئة دون تمحيص – في تأجيج النزعة القومية العربية التي كانت تُشعل أصلًا، وبالأدوات ذاتها، كوسيلة لإيقاع الفتنة مع الأتراك.

وبذلك، فإن هذه الممارسات تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية عن نشوء القومية العربية بصيغتها العدائية، وعن أي اتهام بـ«الخيانة العربية». 
ومع ذلك، فإن العداء للعثمانيين وللأتراك لم يجد قاعدة شعبية واسعة كما يُتصور، بل إن دور الضباط العثمانيين في انهيار الدولة يفوق، من حيث التأثير، كل ما يُنسب إلى تلك «الخيانات».


كيف وصلنا إلى فكرة «الأراضي التي ليست منا»؟

سبق أن أشرنا إلى أن محاولات إحداث قطيعة وجدانية وهوياتية بين العرب والأتراك بدأت قبل سياسات جمال باشا بزمن طويل، بل قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بسنوات. 
وربما يكون من الأدق فهم تلك السياسات باعتبارها حلقات متكاملة في مسار واحد، لفهم كيفية انهيار الدولة العثمانية.

وفي اللحظة التي بدأت فيها اكتشافات النفط، لم تكن الدولة العثمانية كيانًا منهارًا، بل دولة قائمة بمؤسساتها، وإن شابها الضعف.

فكيف حدث التحول الذهني الذي جعلنا ننظر إلى تلك المناطق بوصفها «أراضي ليست منا»؟ 
ولماذا وقع هذا التحول في ذلك التوقيت تحديدًا؟
 لماذا لم تُعتبر تلك الأراضي «غريبة» حين لم يكن فيها نفط، وحين لم تكن بريطانيا وفرنسا قد وضعتا أعينهما عليها، بل حين كانت إدارتها عبئًا أكثر من كونها مكسبًا؟
 أليس في هذا التزامن ما يستدعي التفكير؟



«يجب ألا نترك تصفية الدولة العثمانية للأعداء»… ولكن لماذا؟

في مقالات سابقة، نقلتُ عن فالح رفقي آتاي بعض الشهادات حول النقاشات التي دارت بين الضباط العثمانيين بين عامي 1906 و1908. 
وفي إحدى تلك الشهادات، وردت إشارة إلى علي فؤاد جَبَسوي، الصديق المقرّب لمصطفى كمال، والذي رافقه في تلك النقاشات. 
وفي كتابه «زميلي في الصف أتاتورك: ذكريات المدرسة والشباب العسكري» (إنقلاب وآقا، 1967)، يروي بالتفصيل كيف تبلورت آنذاك فكرة «الانسحاب» إلى حدود تشبه ما عُرف لاحقًا بالميثاق الوطني:

«لقد أُلقيت كل أعباء دولة واسعة المساحة، نصف سكانها ليسوا من الأتراك، على كاهل العنصر التركي، في حين لم تكتفِ الأقليات المسيحية بخدمة مصالحها فحسب، بل سعت أيضًا إلى الاتحاد مع الدول المجاورة من نفس العرق. أما الأتراك والعرب الذين سيبقون، فسيُحوَّلون إلى مستعمرات لدول منفصلة، وستقف العناصر غير التركية إلى جانب الدول المعادية. فهل الأفضل أن نُسحق تحت أنقاض دولة منهارة، أم أن ننسحب إلى حدود قومية ذات أغلبية تركية ونحميها؟ أرى النجاة في الخيار الثاني».


ويخلص جبسوي إلى أن المقصود من كلام مصطفى كمال هو أن تصفية الدولة العثمانية يجب ألا تُترك للأعداء، بل ينبغي أن تتولاها سلطة دستورية قادمة بقرار شجاع. فهذا – في نظره – هو طريق الخلاص.

أما كيفية تنفيذ هذه «التصفية»، فيورد جبَسوي تصور مصطفى كمال على النحو التالي: تبقى تراقيا الشرقية والغربية ضمن الدولة، تُعدَّل حدود أدرنة لصالح بلغاريا، تُمنح أقاليم أخرى وفق مبدأ الأغلبية القومية في مؤتمر يُعقد بإسطنبول، تستقل ألبانيا، يُقسَّم البوسنة والهرسك بين صربيا والنمسا–المجر، تبقى الجزر القريبة من الأناضول ضمن الدولة التركية الجديدة، وتُعطى الجزر الأخرى لليونان، وتشمل الحدود الجنوبية هاتاي وحلب والموصل، بينما تُترك بقية المناطق للعرب، دون تغيير في الشرق والشرق الشمالي للأناضول، مع تبادل الأقليات.


قد يبدو هذا الاقتباس طويلًا، لكنه ضروري لإظهار الحدث التاريخي بكل وضوحه. 
فهل كان «الميثاق الوطني» استجابة اضطرارية، أم ثمرة خطة مدروسة مسبقًا لتصفية الدولة؟ وإذا كانت التصفية لا يجوز تركها للأعداء، فلماذا خيضت حروب دامية ضدهم، وسقط فيها مئات الآلاف من الأتراك؟


كيف نُعيد اليوم قراءة ما كان يُعد خيانة بالأمس؟

كان الضباط الذين ناقشوا تصفية الدولة العثمانية قبل الحرب بسنوات يدركون تمامًا تبعات ما يفعلون. ولم يكن هذا التفكير طبيعيًا آنذاك، كما لا هو طبيعي اليوم. ويواصل جَبَسوي نقله عن مصطفى كمال قائلًا:
«أعلم أن من لا يريدون رؤية المستقبل سيعدّون التنازل عن أراضي الإمبراطورية خيانة، لكن رغم ذلك يجب تحويل هذه الأفكار إلى برنامج يُدافع عنه بقوة».

فكيف نقيّم هذه التصورات اليوم، بمنطق الوطن والواجب والولاء للدولة؟ هل نحن مستعدون لأن ننظر في المرآة، وأن نواجه هيكلنا العظمي كما هو، بلا أقنعة؟

 - يني شفق -

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

التصدي الشعبي في 15 يوليو يعد حدثا فريدا في تاريخ الديمقراطية العالمية

 التصدي الشعبي في 15 يوليو يعد حدثا فريدا في تاريخ الديمقراطية العالمية

الشعب التركي خرج إلى الشوارع وأفشل المحاولة الانقلابية عام 2016 

وقعت إحدى أكثر محاولات الانقلاب قسوة في التاريخ السياسي التركي قبل عشرة أعوام، في الـ15 من يوليو/تموز 2016.

وكان هدف هذه المحاولة، التي نفذتها شبكة إرهابية تسللت بمكر إلى مؤسسات الدولة، جر تركيا إلى حالة من الفوضى طويلة الأمد، وإخضاع مستقبل شعبها لهيمنتها.

بيد أن شعبنا الأبي، الذي تمسك باستقلال وطنه ومستقبل أمته، تصدى للانقلابيين بمقاومة بطولية، معلنا أمام العالم أجمع أن الإرادة الوطنية في هذه الأرض لا يمكن أن تستعبد أو تصادر.

ولا شك أن ما أظهره الشعب التركي في ليلة الـ15 من يوليو/تموز من حكمة وشجاعة وبصيرة يعد حدثا فريدا في تاريخ الديمقراطية العالمية.

لقد كانت هذه المحاولة الخائنة، التي نفذها تنظيم غولن الإرهابي (فتو)، تتجاوز كونها انقلابا عسكريا تقليديا، إذ مثلت محاولة احتلال شاملة هددت استقلال بلادنا وسيادتها.

وكان الهدف الأول للانقلابيين هو المجمع الرئاسي ومجلس الأمة التركي الكبير، بوصفهما المؤسستين اللتين تجسدان الإرادة الوطنية واستقلال الشعب التركي.

وفي التصريح الذي أدليت به ليلة الـ15 من يوليو/تموز، أكدت أنني لم أؤمن يوما بوجود قوة تفوق قوة الشعب. وقد قلت ذلك وأنا على يقين بأن الشعب التركي سيحمي إرادته الحرة.

لقد اتخذنا خطوات راسخة نحو بناء مستقبل أكثر ازدهارا من خلال المشاريع التي أطلقناها في قطاعات الطاقة، والنقل، والصحة، والزراعة، والتكنولوجيا، والدفاع، وذلك في إطار نضالنا ضد محاولة الانقلاب التي استهدفت أيضا الرفاه الاقتصادي والتنمية في بلادنا

وبالفعل، فقد خرج أبناء شعبنا في تلك الليلة إلى الشوارع بإيمان راسخ وثقة كبيرة بالنفس، رافضين الخضوع لهيمنة العصابة الإرهابية.

وقد خاض شعبنا، دفاعا عن استقلال وطنه، ومكتسباته الديمقراطية، وإرادته الحرة، مقاومة باسلة ضحى فيها بالغالي والنفيس، حتى تمكن من دحر الانقلابيين، مسطرا ملحمة وطنية في صون الإرادة الشعبية ستظل مصدر فخر تتناقله الأجيال.


استلهمنا من الموقف الشجاع الذي أبداه شعبنا العزم على التحرك سريعا لإزالة الآثار السلبية التي خلفتها هذه المحاولة الخائنة.

وبادرنا على وجه السرعة إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية تكفل تجريد أي تشكيلات داخل مؤسسات الدولة من قدرتها على تهديد سير العمل الديمقراطي عبر وسائل خارجة عن الإطار السياسي.

وعقب ذلك، حققنا نجاحات حاسمة في العمليات التي نفذناها داخل البلاد وخارجها، في إطار إستراتيجيتنا الرامية إلى القضاء على التنظيمات الإرهابية الأخرى التي واجهناها.

وفي نهاية المطاف، أطلقنا مبادرة تركيا خالية من الإرهاب، بوصفها صفحة جديدة في مسيرة وحدتنا وتلاحمنا الوطني.

ويعد هذا المسار أحد المرتكزات الأساسية لرؤية المئوية التركية، وهو يمضي، بفضل الله، بخطى واثقة نحو تحقيق أهدافه، مستندا إلى نهج شامل واحتوائي، وإلى الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية المختصة، فضلا عن الدعم الذي تقدمه المؤسسات السياسية.

وأؤمن بأن نجاح مسار تركيا الخالية من الإرهاب لن ينعكس إيجابا على أمن واستقرار بلادنا فحسب، بل سيسهم أيضا في تعزيز السلم والاستقرار في منطقتنا.

لم نتردد في تحمل مسؤولياتنا من أجل إرساء السلام والاستقرار، فوقفنا في جميع مناطق الأزمات إلى جانب المظلوم وصاحب الحق، لا إلى جانب الأقوى

لقد اتخذنا خطوات راسخة نحو بناء مستقبل أكثر ازدهارا من خلال المشاريع التي أطلقناها في قطاعات الطاقة، والنقل، والصحة، والزراعة، والتكنولوجيا، والدفاع، وذلك في إطار نضالنا ضد محاولة الانقلاب التي استهدفت أيضا الرفاه الاقتصادي والتنمية في بلادنا.

وخلال السنوات العشر الماضية، أحرزنا طفرة نوعية في صناعات الدفاع والطيران والفضاء عبر المبادرة الوطنية للتكنولوجيا.

كما طورنا أنظمة نقل كهربائية وذكية، وعملنا على تنفيذ استثمارات كبيرة في مجالي الصحة والزراعة، سعيا إلى أن نكون على قدر التضحيات التي قدمها شعبنا.

وخلال هذه المرحلة، واصلنا أيضا تطوير المنتجات التي أصبحت علامة تجارية تحظى بتقدير واسع على المستوى العالمي. ومن أبرزها السيارة الكهربائية "توغ" "TOGG"، والطائرة القتالية الوطنية "كآن" "KAAN"، والكورفيتات الوطنية، والطائرات المسيرة.

ومن جهة أخرى، وخلال السنوات العشر التي مضت، برزت تركيا، بفضل نهجها القائم على الدبلوماسية المبادرة، بوصفها فاعلا مؤثرا في إيجاد الحلول للأزمات والنزاعات على المستويين الإقليمي والدولي.

ولم نتردد في تحمل مسؤولياتنا من أجل إرساء السلام والاستقرار، فوقفنا في جميع مناطق الأزمات إلى جانب المظلوم وصاحب الحق، لا إلى جانب الأقوى. وكلما وقع ظلم أو انتهاك للعدالة، كانت تركيا صوتا للقانون الدولي، والعدالة، والضمير الإنساني.

وإذا كانت تركيا اليوم تعد دولة يعول على إسهاماتها في القضايا الإقليمية والدولية، وتحظى كلمتها بالثقة، وتؤخذ آراؤها بعين الاعتبار، فإن الفضل في هذا الإنجاز يعود إلى الإرادة الراسخة لشعبنا الأبي، الذي دافع، مضحيا بنفسه، عن استقلال وطنه ومستقبل أمته في ليلة الـ15 من يوليو/تموز.

خلال السنوات العشر التي مضت، برزت تركيا، بفضل نهجها القائم على الدبلوماسية المبادرة، بوصفها فاعلا مؤثرا في إيجاد الحلول للأزمات والنزاعات على المستويين الإقليمي والدولي

لا تزال مكافحة الإرهاب، التي تتطلب تعاونا دوليا، تأتي في مقدمة جدول أعمال سياستنا الخارجية. وكما هو معلوم، فقد تسارعت خلال العامين الماضيين وتيرة التفكك الداخلي في البنية الخارجية لتنظيم غولن الإرهابي (فتو). ومع ذلك، فإننا على علم أن بعض الدول لا تزال، ولو بصورة غير معلنة، تقدم الدعم لهذا التنظيم وتؤوي عناصره.


وأود بهذه المناسبة أن أؤكد ضرورة توخي الحذر إزاء تنظيم غولن الإرهابي (فتو)، الذي لا يتورع عن سلوك أي سبيل لتحقيق أهدافه، ويتخفى في شتى الصور، ويستغل مفاهيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وغيرها من القيم لتحقيق مآربه.

وبوصفنا شعبا فقد في ليلة 15 يوليو/تموز 253 من أبنائه كشهداء على يد الانقلابيين، فإن تطلعنا الأساسي إلى المجتمع الدولي يتمثل في دعم نضال تركيا المشروع.

وبوصفنا شعبا استشهد 253 من أبنائه على يد الانقلابيين في ليلة الـ15 من يوليو/تموز، فإننا نتطلع إلى أن يساند المجتمع الدولي النضال المشروع الذي تخوضه تركيا.

فإرساء السلام والأمن والازدهار على المستوى العالمي لن يتحقق إلا من خلال مكافحة حازمة لا هوادة فيها ضد التنظيمات الإرهابية، دون أي تمييز، وبالاستناد إلى تعاون صادق.

السبت، 27 يونيو 2026

اجتماع الشرفة.. هل يتشكل تحالف جديد ضد أردوغان؟

اجتماع الشرفة.. هل يتشكل تحالف جديد ضد أردوغان؟


في 15 يونيو/حزيران 1997، كنت أقف في حديقة قصر تشيراغان، أحد أجمل المباني المطلة على المضيق في إسطنبول. يومها مر أمامي رئيس الوزراء آنذاك نجم الدين أربكان برفقة وفد كبير، متوجها إلى اجتماع بالغ الأهمية كان يعقد داخل القصر.

تحالف جديد يعلن للعالم
في قصر تشيراغان الذي يعود إلى الحقبة العثمانية ويستخدم اليوم فندقا، أُعلن تأسيس "منظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي"، التي ضمت الدول المؤسسة: تركيا، وبنغلاديش، وإندونيسيا، وإيران، وماليزيا، ومصر، ونيجيريا، وباكستان، ثم توسع التحالف بانضمام أذربيجان بعد قبولها من خلال تصويت جرى في 2024 بالقاهرة.

ومن خلال بيان حمل اسم "إعلان إسطنبول"، أعلنت الدول الثماني توحيد جهودها والعمل من أجل تحقيق التنمية. كما وقف قادة الدول في شرفة تطل على الحديقة الأمامية للقصر لالتقاط صورة جماعية أمام الصحفيين.

يعتبر هذا الاجتماع من أولى المحاولات الجادة للدول الإسلامية للاجتماع والتعاون فيما بينها، وحظي آنذاك باهتمام واسع، إذ انخرط الجميع في مناقشة مستقبل هذا التكتل الجديد المعروف باسم مجموعة الدول الثماني النامية  "D-8"

كنت شاهدا على الاجتماع في ذلك اليوم بصفتي صحفيا، وواصلت متابعة مساره لاحقا. وبعد يومين فقط من انعقاد الاجتماع، اضطر أربكان إلى الاستقالة من منصبه تحت ضغط العسكريين.

ومع استقالته بدأ هذا التكتل، الذي كان أربكان الأب الروحي لفكرته، يفقد زخمه وشعبيته تدريجيا. ثم تحول مع مرور الوقت إلى إطار رمزي وأصبحت تنظم اجتماعات سنوية لإحيائه من خلال فعاليات ثقافية. وأصبح من التقاليد المتبعة في هذه اللقاءات أن يلتقط المشاركون صورا تذكارية على الشرفة نفسها التي وقف عليها قادة الدول الثماني عام 1997.

لم تكن الظروف مواتية لمجموعة الدول الثماني النامية
بعد مرور 29 عاما، دعيت إلى اجتماع إحياء ذكرى المنظمة، وخلال متابعتي الفعاليات المنعقدة عادت إلى ذهني ذكريات يوم التأسيس الأول. وأثناء الكلمات التي ألقيت، جرى التأكيد على أن مجموعة الدول الثماني النامية (D-8) شكّلت أساسا بوصفها مماثلا لمجموعة السبع التي أسستها الدول الكبرى، وأنها تشكل أول خطوة مهمة اتخذتها الدول الإسلامية نحو التعاون والوحدة.

إعلان

كان جميع المشاركين من الوزراء والسفراء ورؤساء الحكومات ورؤساء الدول السابقين، فيما لم يحضر أي من المسؤولين الحاليين للدول المؤسسة. وتحدث الحاضرون جميعا عن أهمية هذا الكيان الذي يعود الفضل في تأسيسه إلى نجم الدين أربكان.

لقد كانت هذه المنظمة مبادرة مهمة تظهر مدى قوة رؤية أربكان وتصوره للمستقبل. لكن لا البنية السياسية في تركيا آنذاك، ولا الظروف الدولية السائدة، كانت مهيأة لتحويل هذا المشروع إلى واقع. كما أن الدول الغربية ونظيراتها في آسيا لم تكن ترغب بطبيعة الحال في ظهور تكتل مثل هذا ينافسها. بالإضافة لذلك، فإن القدرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لهذه الدول لم تكن كافية لفرض تأسيس كيان بديل في العالم رغم الدول الغربية.

تجدد الجدل حول تحالف جديد
ومنذ 29 عاما تنظم في تركيا فعاليات لإحياء ذكرى تأسيس مجموعة الدول الثماني النامية، إلا أن اجتماع هذا العام أثار جدالات من نوع مختلف، لأنه شهد مشاركة رؤساء أحزاب المعارضة المحافظة والرئيس التركي الحادي عشر عبد الله غول. وعندما اجتمع المشاركون- وفق التقليد المتبع- في شرفة القصر والتقطوا صورة جماعية، بدأت النقاشات بشأن ما إذا كانت تركيا تشهد تأسيس تحالف جديد في مواجهة الرئيس أردوغان.

كانت جميع الأحزاب السياسية المشاركة في الاجتماع هي أحزاب انبثقت عن الحركة التي أسسها نجم الدين أربكان التي تسمى "الرؤية الوطنية". وضمت الصورة كلا من مستضيف الاجتماع رئيس حزب السعادة محمود أريكان، ورئيس حزب "الرفاه الجديد" فاتح أربكان نجل نجم الدين أربكان، ورئيس حزب المستقبل ورئيس الوزراء السابق عن حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو، ورئيس حزب الديمقراطية والتقدم (ديفا) ونائب رئيس الوزراء السابق عن العدالة والتنمية علي باباجان، إضافة إلى الرئيس التركي السابق وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عبد الله غول. وقد أسهمت الأجواء الودية التي عكستها الصورة في إثراء النقاشات التي ترجح تشكل تحالف جديد.

تحظى السياسة الخارجية والسياسات الأمنية ومبادرات الصناعات الدفاعية التي انتهجها أردوغان بتقدير كبير في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. وفي هذا المناخ العالمي المضطرب، يعتقد الشعب أن لا أحد غير أردوغان قادر على إخراج تركيا من هذه الدوامة

هل يمكن تشكيل تحالف جديد؟
مارست جميع هذه الشخصيات العمل السياسي في الأحزاب التي أسسها أربكان وتلاميذه. ومع ذلك لم يستطيعوا في الانتخابات الأخيرة أن يجتمعوا على كلمة سواء أو يشكلوا تحالفا أو يتفقوا على مرشح مشترك. فعلى الرغم من تشابه أفكارهم وخلفياتهم السياسية المشتركة، بل وحتى علاقات الصداقة التي تجمع بينهم، فإنهم لم يتمكنوا من تأسيس حزب واحد، أو التحرك بشكل مشترك.

واليوم يوجد في تركيا خمسة أحزاب سياسية مختلفة- وُلدت من رحم الحركة التي أطلقها أربكان- تمارس السياسة بشكل نشط، ولا يمكن القول إنها متوافقة فيما بينها. ويعد حزب العدالة والتنمية الأكبر بينها، وهو الحزب الحاكم. وتدور الآن في تركيا نقاشات حول ما إذا كان تلاميذ أربكان سيشكلون تحالفا بديلا في مواجهة حزب العدالة والتنمية وأردوغان.

إعلان

ورغم عدم وجود شخصيات تقدم تحليلات سياسية بارزة من بين المشاركين، حول القضية موضع النقاش، فإن ما يجري تداوله على الساحة لاقى اهتماما واضحا. وربما أسهمت مشاركة عبد الله غول بشكل خاص في إعطاء المداخلات والحوار إثارة وعمقا. لكن ممثلي الأحزاب الذين تحدثت إليهم أثناء انعقاد  هناك لم يكونوا يعتقدون إطلاقا بإمكانية تشكيل هيكل تحالف هنا. مع اتساع وانتشار هذه التحليلات، تحدثت إليهم مجددا، فقالوا إن الأخبار والتعليقات كانت موجهة إلى حد ما، وأنها صادرة عن أشخاص لا يعرفون حقيقة ما يجري.

باختصار، لن يخرج من هنا مرشح ضد أردوغان، كما أن تشكيلهم تحالفا يبدو أمرا صعبا، ويعود ذلك إلى المواقف والرؤى التي تبناها هؤلاء السياسيون حتى اليوم.

معارضة أردوغان لا تحظى باهتمام شعبي
في الانتخابات الرئاسية عام 2023، اتخذ قادة الأحزاب الذين يقفون اليوم جنبا إلى جنب في الصورة مواقف مختلفة تماما. فقد دعم فاتح أربكان، الرئيس أردوغان. بينما أعلن عبد الله غول أنه لن يترشح على قائمة أي حزب. أما علي باباجان وأحمد داود أوغلو ومحمود أريكان فقد دعموا رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو، الذي يعد أبرز خصومهم السياسيين.

ورغم كل المحاولات لم يتمكنوا من توحيد أحزابهم، بل إن أحزاب السعادة والمستقبل والديمقراطية والتقدم (ديفا) خاضت الانتخابات البرلمانية ضمن قوائم حزب الشعب الجمهوري. وكان ذلك أكبر خطأ سياسي ارتكبوه؛ لأن قواعد "الرؤية الوطنية" أبدت رد فعل قوي تجاه التحالف مع حزب الشعب الجمهوري ذي الجذور اليسارية. كما أن التحالفات التي تقوم على معارضة أردوغان لم تحظ باهتمام شعبي في أي وقت.

وفي الانتخابات البلدية التي أجريت لاحقا، لم يفز أي من هذه الأحزاب برئاسة أي بلدية باستثناء حزب الرفاه الجديد الذي يدعم أردوغان، وبقيت نسبة أصواتها في حدود 1%. وفي الواقع، تعرضت هذه الأحزاب لهزيمة سياسية كبيرة. ورغم أن نتائج الانتخابات أظهرت سوء تقدير السياسات التي اتبعتها، وارتكابها أخطاء جسيمة، فإن أيا منهم لم يتحمل المسؤولية أو يقدم استقالته. وعلى إثر ذلك استقال عدد كبير من الشخصيات السياسية من هذه الأحزاب.

وفي المحصلة، فإن مجموع أصوات الأحزاب السياسية الأربعة التي اجتمعت خلال ذكرى تأسيس مجموعة الثماني في شرفة قصر تشيراغان لا يصل اليوم إلى 4%.

المرشح المشترك لن يخرج من تلك الصورة
عندما سألت عما إذا كان ترشح عبد الله غول أو علي باباجان يمكن أن يوحد هذه الأحزاب، أبدى كثير من مسؤولي الأحزاب اعتراضهم على الفور. فبحكم سنه، لا يتوقع أحد أن يخوض عبد الله غول مغامرة جديدة. أما باباجان فيبدو أنه استنفد رصيده لدى المجتمع.

ومع ذلك لا أعتقد أن هذه الأحزاب- المنبثقة من حركة "الرؤية الوطنية" التي أسسها نجم الدين أربكان- ستدعم مرة أخرى مرشحا ينظر إليه على أنه خصم لأربكان، كما فعلت في الانتخابات السابقة. ويبدو أنها تعلمت من أخطائها. وبدلا من ذلك ستحاول الآن طرح مرشح محافظ مشترك.

وتبدو مهمتها في الانتخابات الرئاسية صعبة للغاية؛ لأن المناخ السياسي في تركيا والعالم تغير كثيرا. وتحظى السياسة الخارجية والسياسات الأمنية ومبادرات الصناعات الدفاعية التي انتهجها أردوغان بتقدير كبير في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. وفي هذا المناخ العالمي المضطرب، يعتقد الشعب أن لا أحد غير أردوغان قادر على إخراج تركيا من هذه الدوامة. كما ينظر إلى أردوغان على أنه سيفوز بالانتخابات مع تحسن الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

ولهذا السبب لا تبدو التعليقات التي تتحدث عن خروج تحالف جديد أو تحديد مرشح مشترك من فعالية إحياء ذكرى مجموعة الدول الثماني النامية ذات أهمية كبيرة؛ نظرا للأسباب التي تم شرحها في ثنايا هذا المقال.

الأربعاء، 17 يونيو 2026

حدود أمن تركيا وحدود قوتها

 حدود أمن تركيا وحدود قوتها

إسماعيل ياشا

"لا تحتاج تركيا إلى تدخل عسكري مباشر في الأراضي السورية لحماية أمنها القومي، بل يكفيها التعاون والتنسيق مع دمشق"-

صرح رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان بأن أمن تركيا لا يبدأ من محافظة هاتاي، بل يبدأ من حلب ودمشق وبيروت. وقال في كلمته، الأربعاء الماضي، أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، إن تركيا لن تسمح بفرض أمر واقع في الدول الشقيقة ولن تتغاضى عن أي هجمات تستهدفها، مؤكدا أن بلاده لن تسمح بأوهام "أرض الميعاد". وحذَّر من "نار الفتنة التي يراد إشعالها في البحر الأبيض المتوسط، لا سيما في جزيرة قبرص"، مشيرا إلى أن أنقرة تتابع التطورات عن كثب.

التصريحات التي وردت في كلمة أردوغان حول حدود الأمن القومي التركي موجهة بالدرجة الأولى إلى إسرائيل، وترى أنقرة أن المخططات الإسرائيلية التوسعية تستهدف أمن تركيا وأراضيها، كما تستهدف سوريا ولبنان. إلا أن هذه التصريحات التي جاءت في الوقت الذي يشن الجيش الإسرائيلي هجمات على أماكن مختلفة في لبنان بما فيها عاصمتها بيروت، تطرح هذا السؤال: "إن كان أمن تركيا يبدأ من بيروت، فماذا يمكن أن تعمله أنقرة لحمايتها؟".

تركيا قادرة على استخدام كل ما تملك من قوة بما فيها القوة العسكرية لحماية حدودها البرية والبحرية، وهو من حقها وفقا للقانون الدولي كدولة ذات سيادة، ولكن حماية أمنها القومي ومصالحها خارج حدودها بحاجة إلى أساليب أخرى


تركيا قادرة على استخدام كل ما تملك من قوة بما فيها القوة العسكرية لحماية حدودها البرية والبحرية، وهو من حقها وفقا للقانون الدولي كدولة ذات سيادة، ولكن حماية أمنها القومي ومصالحها خارج حدودها بحاجة إلى أساليب أخرى ووسائل مختلفة مبنية على القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة مع الدول المعنية، مع الاحترام لسيادة تلك الدول؛ لأن تركيا لا تنشئ مليشيات تابعة لها في الدول الأخرى ولا تتدخل في شؤونها الداخلية.

أمن سوريا واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن تركيا واستقرارها، وأظهرت التطورات التي شهدتها سوريا بعد اندلاع الثورة هذه الحقيقة، مع سيطرة تنظيمات إرهابية مثل داعش وحزب العمال الكردستاني على أجزاء من الأراضي السورية المجاورة للأراضي التركية، لتشكل خطرا على الأمن القومي التركي. وقام الجيش التركي بعمليات عسكرية داخل الأراضي السورية لإبعاد ذاك الخطر عن الحدود، في ظل الفراغ الأمني وفقدان دمشق سيطرتها على تلك الأراضي. وبعد نجاح الثوار في إسقاط النظام وسيطرة الجيش السوري على كامل الأراضي السورية، باستثناء جزء بسيط بعيد عن الحدود التركية، لا تحتاج تركيا إلى تدخل عسكري مباشر في الأراضي السورية لحماية أمنها القومي، بل يكفيها التعاون والتنسيق مع دمشق وتعزيز قدرات الجيش السوري كيلا يسمح بتهديد تركيا انطلاقا من الأراضي السورية.

سوريا تستعيد عافيتها يوما بعد يوم وتضمد جراحها بدعم تركيا ودول صديقة أخرى لها، مثل المملكة العربية السعودية وقطر، كما تؤسّس جيشا وطنيا لحماية شعبها وأراضيها. وتعمل تركيا لتعزيز قدرات الجيش السوري من خلال برامج التدريب والتسليح، والمناورات المشتركة، وفقا للتفاهمات والاتفاقيات المبرمة بين دمشق وأنقرة. وفي هذا الأطار ولأول مرة، شارك الجيش السوري الشهر الماضي في مناورات "أفس 2026" التركية لتعزيز التعاون العسكري وتبادل الخبرات مع الجيش التركي والجيوش المشاركة الأخرى.

إن استمرّ الجيش الإسرائيلي في شن الهجمات على أنحاء متفرقة في لبنان بما فيها العاصمة بيروت بحجة حرية العمل العسكري، فإن تركيا لا تملك في الوقت الراهن غير إدانة العدوان الإسرائيلي، وإرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب اللبناني، ومطالبة إدارة ترامب والمجتمع الدولي بالتحرك


توسع الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية لا ينتهك سيادة لبنان فحسب، بل يهدد أمن سوريا ويشكل خطرا على الأمن القومي التركي، إلا أن حماية أمن بيروت أعقد من حماية أمن دمشق، بسبب اختلاف رؤى الحكومة اللبنانية وحزب الله في الحرب والسلم والتعامل مع مواجهة الاحتلال، إضافة إلى المشاكل التي أفرزها نظام المحاصصة. ومن المؤكد أن تركيا مستعدة لدعم الجهود الدبلوماسية اللبنانية الهادفة إلى إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولكن تلك الجهود قد لا تكفي للجم حكومة نتنياهو، ودفعها إلى الخضوع لوقف الحرب وسحب جيش الاحتلال من لبنان.

تركيا ومعها قوى إقليمية أخرى بذلت جهودا دبلوماسية لإنهاء الحرب على إيران ولبنان، وأدت تلك الجهود إلى قبول مذكرة تفاهم لوقف الحرب. إلا أن تصريحات قادة إسرائيل تشير إلى أن تل أبيب لن تلتزم بوقف إطلاق النار، ولا نية لها في الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال الحرب. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في "المنطقة الأمنية العازلة" في لبنان، مضيفا أنهم يعملون على الاحتفاظ بــ"حرية العمل العسكري" ودوام التمتع بها.

وإن استمرّ الجيش الإسرائيلي في شن الهجمات على أنحاء متفرقة في لبنان بما فيها العاصمة بيروت بحجة حرية العمل العسكري، فإن تركيا لا تملك في الوقت الراهن غير إدانة العدوان الإسرائيلي، وإرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب اللبناني، ومطالبة إدارة ترامب والمجتمع الدولي بالتحرك والتدخل لوقف العدوان.

x.com/ismail_yasa