‏إظهار الرسائل ذات التسميات تركيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تركيا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 18 يوليو 2026

هل نجرؤ على مواجهة أنفسنا في مرآة التاريخ؟.. كيف تشكلت فكرة تصفية الدولة العثمانية؟

هل نجرؤ على مواجهة أنفسنا في مرآة التاريخ؟.. كيف تشكلت فكرة تصفية الدولة العثمانية؟

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم



بعد الحرب العالمية الأولى، قامت على الأراضي العثمانية التي جرى احتلالها دول عربية «بهيئة عربية»، غير أن جميع هذه الدول أسست هويتها القومية لا على معاداة القوى التي احتلتها فعليًا، بل على معاداة الأتراك. 
ففي حين لم تُبد أي عداء يُذكر للدول التي كانت تحتلها آنذاك، وتستغلها وتضطهدها، اعتبرت الدولة العثمانية – التي عاشت في ظلها أربعة قرون من الأمن والاستقرار – كيانًا أبعد وأشد عداوة.


وهذا التصور لا ينسجم مع حقائق التاريخ، لكنه كان جوهر المحتوى الأيديولوجي للتعليم القومي الذي فُرض عليها: العثمانيون والأتراك، بحسب هذا السرد، كانوا قوة استعمارية احتلالية استقرت في تلك الأراضي مدة أربعمائة عام، ولم تترك وراءها أي إرث يُذكر بالخير.

بطبيعة الحال، لم يكن هذا الخطاب منسجمًا مع الواقع المعيشي اليومي للشعوب العربية، ولا مع ما يمكن أن يقبله وجدانها الجمعي. ولذلك نشأ تناقض واضح بين ذاكرة الشعوب العربية من جهة، وبين ما كانت تُلقَّنه لأبنائها في المدارس، وما يُضخ إليها يوميًا عبر الصحف ووسائل الإعلام الرسمية من جهة أخرى. ويمكن القول إن مسار «الربيع العربي» مثّل، في أحد أبعاده، عملية تخلّص الشعوب العربية من هذه السرديات المفروضة، وعودةً إلى الالتقاء مع الأتراك خارج الأطر الأيديولوجية المصطنعة.

في سوريا
، وبعد الثورة الشعبية، أعلنت الإدارة السورية الجديدة مؤخرًا إلغاء «يوم الشهداء» الذي ظل يُحتفل به رسميًا مدة مئة عام، وعدم إحيائه بعد اليوم. وكان هذا اليوم مخصصًا لإحياء ذكرى المثقفين العرب السوريين واللبنانيين الذين أُعدموا بأمر من جمال باشا في ساحة المرجة بدمشق وساحة البرج في بيروت. ولم يكن هذا الإعلان مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة بعدم منح أي مشروعية للسردية الكامنة خلف هذا اليوم، وبأن النظرة القومية العربية القديمة تجاه الأتراك لن تكون معتمدة بعد الآن.

إلغاء يوم الشهداء في سوريا: كان هذا هو المتوقع

وسبق أن أُعلن عن تنقية المناهج التعليمية الوطنية السورية من جميع الخطابات والروايات المعادية للأتراك التي كانت سائدة في السابق. 
ولا شك أن هذا يعكس مقاربة ودية من قبل الإدارة السورية الجديدة تجاه تركيا والأتراك. 
غير أن امتناع السوريين عن إثارة سياسات جمال باشا أو ممارسات ضباط جمعية الاتحاد والترقي في سوريا ولبنان، تفاديًا لإشعال فتنة جديدة مع الأتراك، ورغم كونه موقفًا نبيلاً وإيجابيًا، فإنه لا يغيّر من حقائق التاريخ.

فالحقيقة التاريخية هي أن خلق مسافات عاطفية ونفسية غير قابلة للتجسير بين العرب والأتراك كان مشروعًا اتحاديا–طورانيًا ذا طابع ماسوني، بدأ قبل الحرب العالمية الأولى بزمن طويل. 
ومن يعرف لمن تخدم المشاريع في نهاياتها، يدرك حقيقتها من نتائجها.


لقد أسهمت سياسات جمال باشا في سوريا – ولا سيما فرض اللغة التركية قسرًا، واعتماد مركزية صارمة، وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مثقفين وأعيان عرب استنادًا إلى معلومات استخباراتية خاطئة دون تمحيص – في تأجيج النزعة القومية العربية التي كانت تُشعل أصلًا، وبالأدوات ذاتها، كوسيلة لإيقاع الفتنة مع الأتراك.

وبذلك، فإن هذه الممارسات تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية عن نشوء القومية العربية بصيغتها العدائية، وعن أي اتهام بـ«الخيانة العربية». 
ومع ذلك، فإن العداء للعثمانيين وللأتراك لم يجد قاعدة شعبية واسعة كما يُتصور، بل إن دور الضباط العثمانيين في انهيار الدولة يفوق، من حيث التأثير، كل ما يُنسب إلى تلك «الخيانات».


كيف وصلنا إلى فكرة «الأراضي التي ليست منا»؟

سبق أن أشرنا إلى أن محاولات إحداث قطيعة وجدانية وهوياتية بين العرب والأتراك بدأت قبل سياسات جمال باشا بزمن طويل، بل قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بسنوات. 
وربما يكون من الأدق فهم تلك السياسات باعتبارها حلقات متكاملة في مسار واحد، لفهم كيفية انهيار الدولة العثمانية.

وفي اللحظة التي بدأت فيها اكتشافات النفط، لم تكن الدولة العثمانية كيانًا منهارًا، بل دولة قائمة بمؤسساتها، وإن شابها الضعف.

فكيف حدث التحول الذهني الذي جعلنا ننظر إلى تلك المناطق بوصفها «أراضي ليست منا»؟ 
ولماذا وقع هذا التحول في ذلك التوقيت تحديدًا؟
 لماذا لم تُعتبر تلك الأراضي «غريبة» حين لم يكن فيها نفط، وحين لم تكن بريطانيا وفرنسا قد وضعتا أعينهما عليها، بل حين كانت إدارتها عبئًا أكثر من كونها مكسبًا؟
 أليس في هذا التزامن ما يستدعي التفكير؟



«يجب ألا نترك تصفية الدولة العثمانية للأعداء»… ولكن لماذا؟

في مقالات سابقة، نقلتُ عن فالح رفقي آتاي بعض الشهادات حول النقاشات التي دارت بين الضباط العثمانيين بين عامي 1906 و1908. 
وفي إحدى تلك الشهادات، وردت إشارة إلى علي فؤاد جَبَسوي، الصديق المقرّب لمصطفى كمال، والذي رافقه في تلك النقاشات. 
وفي كتابه «زميلي في الصف أتاتورك: ذكريات المدرسة والشباب العسكري» (إنقلاب وآقا، 1967)، يروي بالتفصيل كيف تبلورت آنذاك فكرة «الانسحاب» إلى حدود تشبه ما عُرف لاحقًا بالميثاق الوطني:

«لقد أُلقيت كل أعباء دولة واسعة المساحة، نصف سكانها ليسوا من الأتراك، على كاهل العنصر التركي، في حين لم تكتفِ الأقليات المسيحية بخدمة مصالحها فحسب، بل سعت أيضًا إلى الاتحاد مع الدول المجاورة من نفس العرق. أما الأتراك والعرب الذين سيبقون، فسيُحوَّلون إلى مستعمرات لدول منفصلة، وستقف العناصر غير التركية إلى جانب الدول المعادية. فهل الأفضل أن نُسحق تحت أنقاض دولة منهارة، أم أن ننسحب إلى حدود قومية ذات أغلبية تركية ونحميها؟ أرى النجاة في الخيار الثاني».


ويخلص جبسوي إلى أن المقصود من كلام مصطفى كمال هو أن تصفية الدولة العثمانية يجب ألا تُترك للأعداء، بل ينبغي أن تتولاها سلطة دستورية قادمة بقرار شجاع. فهذا – في نظره – هو طريق الخلاص.

أما كيفية تنفيذ هذه «التصفية»، فيورد جبَسوي تصور مصطفى كمال على النحو التالي: تبقى تراقيا الشرقية والغربية ضمن الدولة، تُعدَّل حدود أدرنة لصالح بلغاريا، تُمنح أقاليم أخرى وفق مبدأ الأغلبية القومية في مؤتمر يُعقد بإسطنبول، تستقل ألبانيا، يُقسَّم البوسنة والهرسك بين صربيا والنمسا–المجر، تبقى الجزر القريبة من الأناضول ضمن الدولة التركية الجديدة، وتُعطى الجزر الأخرى لليونان، وتشمل الحدود الجنوبية هاتاي وحلب والموصل، بينما تُترك بقية المناطق للعرب، دون تغيير في الشرق والشرق الشمالي للأناضول، مع تبادل الأقليات.


قد يبدو هذا الاقتباس طويلًا، لكنه ضروري لإظهار الحدث التاريخي بكل وضوحه. 
فهل كان «الميثاق الوطني» استجابة اضطرارية، أم ثمرة خطة مدروسة مسبقًا لتصفية الدولة؟ وإذا كانت التصفية لا يجوز تركها للأعداء، فلماذا خيضت حروب دامية ضدهم، وسقط فيها مئات الآلاف من الأتراك؟


كيف نُعيد اليوم قراءة ما كان يُعد خيانة بالأمس؟

كان الضباط الذين ناقشوا تصفية الدولة العثمانية قبل الحرب بسنوات يدركون تمامًا تبعات ما يفعلون. ولم يكن هذا التفكير طبيعيًا آنذاك، كما لا هو طبيعي اليوم. ويواصل جَبَسوي نقله عن مصطفى كمال قائلًا:
«أعلم أن من لا يريدون رؤية المستقبل سيعدّون التنازل عن أراضي الإمبراطورية خيانة، لكن رغم ذلك يجب تحويل هذه الأفكار إلى برنامج يُدافع عنه بقوة».

فكيف نقيّم هذه التصورات اليوم، بمنطق الوطن والواجب والولاء للدولة؟ هل نحن مستعدون لأن ننظر في المرآة، وأن نواجه هيكلنا العظمي كما هو، بلا أقنعة؟

 - يني شفق -

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

التصدي الشعبي في 15 يوليو يعد حدثا فريدا في تاريخ الديمقراطية العالمية

 التصدي الشعبي في 15 يوليو يعد حدثا فريدا في تاريخ الديمقراطية العالمية

الشعب التركي خرج إلى الشوارع وأفشل المحاولة الانقلابية عام 2016 

وقعت إحدى أكثر محاولات الانقلاب قسوة في التاريخ السياسي التركي قبل عشرة أعوام، في الـ15 من يوليو/تموز 2016.

وكان هدف هذه المحاولة، التي نفذتها شبكة إرهابية تسللت بمكر إلى مؤسسات الدولة، جر تركيا إلى حالة من الفوضى طويلة الأمد، وإخضاع مستقبل شعبها لهيمنتها.

بيد أن شعبنا الأبي، الذي تمسك باستقلال وطنه ومستقبل أمته، تصدى للانقلابيين بمقاومة بطولية، معلنا أمام العالم أجمع أن الإرادة الوطنية في هذه الأرض لا يمكن أن تستعبد أو تصادر.

ولا شك أن ما أظهره الشعب التركي في ليلة الـ15 من يوليو/تموز من حكمة وشجاعة وبصيرة يعد حدثا فريدا في تاريخ الديمقراطية العالمية.

لقد كانت هذه المحاولة الخائنة، التي نفذها تنظيم غولن الإرهابي (فتو)، تتجاوز كونها انقلابا عسكريا تقليديا، إذ مثلت محاولة احتلال شاملة هددت استقلال بلادنا وسيادتها.

وكان الهدف الأول للانقلابيين هو المجمع الرئاسي ومجلس الأمة التركي الكبير، بوصفهما المؤسستين اللتين تجسدان الإرادة الوطنية واستقلال الشعب التركي.

وفي التصريح الذي أدليت به ليلة الـ15 من يوليو/تموز، أكدت أنني لم أؤمن يوما بوجود قوة تفوق قوة الشعب. وقد قلت ذلك وأنا على يقين بأن الشعب التركي سيحمي إرادته الحرة.

لقد اتخذنا خطوات راسخة نحو بناء مستقبل أكثر ازدهارا من خلال المشاريع التي أطلقناها في قطاعات الطاقة، والنقل، والصحة، والزراعة، والتكنولوجيا، والدفاع، وذلك في إطار نضالنا ضد محاولة الانقلاب التي استهدفت أيضا الرفاه الاقتصادي والتنمية في بلادنا

وبالفعل، فقد خرج أبناء شعبنا في تلك الليلة إلى الشوارع بإيمان راسخ وثقة كبيرة بالنفس، رافضين الخضوع لهيمنة العصابة الإرهابية.

وقد خاض شعبنا، دفاعا عن استقلال وطنه، ومكتسباته الديمقراطية، وإرادته الحرة، مقاومة باسلة ضحى فيها بالغالي والنفيس، حتى تمكن من دحر الانقلابيين، مسطرا ملحمة وطنية في صون الإرادة الشعبية ستظل مصدر فخر تتناقله الأجيال.


استلهمنا من الموقف الشجاع الذي أبداه شعبنا العزم على التحرك سريعا لإزالة الآثار السلبية التي خلفتها هذه المحاولة الخائنة.

وبادرنا على وجه السرعة إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية تكفل تجريد أي تشكيلات داخل مؤسسات الدولة من قدرتها على تهديد سير العمل الديمقراطي عبر وسائل خارجة عن الإطار السياسي.

وعقب ذلك، حققنا نجاحات حاسمة في العمليات التي نفذناها داخل البلاد وخارجها، في إطار إستراتيجيتنا الرامية إلى القضاء على التنظيمات الإرهابية الأخرى التي واجهناها.

وفي نهاية المطاف، أطلقنا مبادرة تركيا خالية من الإرهاب، بوصفها صفحة جديدة في مسيرة وحدتنا وتلاحمنا الوطني.

ويعد هذا المسار أحد المرتكزات الأساسية لرؤية المئوية التركية، وهو يمضي، بفضل الله، بخطى واثقة نحو تحقيق أهدافه، مستندا إلى نهج شامل واحتوائي، وإلى الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية المختصة، فضلا عن الدعم الذي تقدمه المؤسسات السياسية.

وأؤمن بأن نجاح مسار تركيا الخالية من الإرهاب لن ينعكس إيجابا على أمن واستقرار بلادنا فحسب، بل سيسهم أيضا في تعزيز السلم والاستقرار في منطقتنا.

لم نتردد في تحمل مسؤولياتنا من أجل إرساء السلام والاستقرار، فوقفنا في جميع مناطق الأزمات إلى جانب المظلوم وصاحب الحق، لا إلى جانب الأقوى

لقد اتخذنا خطوات راسخة نحو بناء مستقبل أكثر ازدهارا من خلال المشاريع التي أطلقناها في قطاعات الطاقة، والنقل، والصحة، والزراعة، والتكنولوجيا، والدفاع، وذلك في إطار نضالنا ضد محاولة الانقلاب التي استهدفت أيضا الرفاه الاقتصادي والتنمية في بلادنا.

وخلال السنوات العشر الماضية، أحرزنا طفرة نوعية في صناعات الدفاع والطيران والفضاء عبر المبادرة الوطنية للتكنولوجيا.

كما طورنا أنظمة نقل كهربائية وذكية، وعملنا على تنفيذ استثمارات كبيرة في مجالي الصحة والزراعة، سعيا إلى أن نكون على قدر التضحيات التي قدمها شعبنا.

وخلال هذه المرحلة، واصلنا أيضا تطوير المنتجات التي أصبحت علامة تجارية تحظى بتقدير واسع على المستوى العالمي. ومن أبرزها السيارة الكهربائية "توغ" "TOGG"، والطائرة القتالية الوطنية "كآن" "KAAN"، والكورفيتات الوطنية، والطائرات المسيرة.

ومن جهة أخرى، وخلال السنوات العشر التي مضت، برزت تركيا، بفضل نهجها القائم على الدبلوماسية المبادرة، بوصفها فاعلا مؤثرا في إيجاد الحلول للأزمات والنزاعات على المستويين الإقليمي والدولي.

ولم نتردد في تحمل مسؤولياتنا من أجل إرساء السلام والاستقرار، فوقفنا في جميع مناطق الأزمات إلى جانب المظلوم وصاحب الحق، لا إلى جانب الأقوى. وكلما وقع ظلم أو انتهاك للعدالة، كانت تركيا صوتا للقانون الدولي، والعدالة، والضمير الإنساني.

وإذا كانت تركيا اليوم تعد دولة يعول على إسهاماتها في القضايا الإقليمية والدولية، وتحظى كلمتها بالثقة، وتؤخذ آراؤها بعين الاعتبار، فإن الفضل في هذا الإنجاز يعود إلى الإرادة الراسخة لشعبنا الأبي، الذي دافع، مضحيا بنفسه، عن استقلال وطنه ومستقبل أمته في ليلة الـ15 من يوليو/تموز.

خلال السنوات العشر التي مضت، برزت تركيا، بفضل نهجها القائم على الدبلوماسية المبادرة، بوصفها فاعلا مؤثرا في إيجاد الحلول للأزمات والنزاعات على المستويين الإقليمي والدولي

لا تزال مكافحة الإرهاب، التي تتطلب تعاونا دوليا، تأتي في مقدمة جدول أعمال سياستنا الخارجية. وكما هو معلوم، فقد تسارعت خلال العامين الماضيين وتيرة التفكك الداخلي في البنية الخارجية لتنظيم غولن الإرهابي (فتو). ومع ذلك، فإننا على علم أن بعض الدول لا تزال، ولو بصورة غير معلنة، تقدم الدعم لهذا التنظيم وتؤوي عناصره.


وأود بهذه المناسبة أن أؤكد ضرورة توخي الحذر إزاء تنظيم غولن الإرهابي (فتو)، الذي لا يتورع عن سلوك أي سبيل لتحقيق أهدافه، ويتخفى في شتى الصور، ويستغل مفاهيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وغيرها من القيم لتحقيق مآربه.

وبوصفنا شعبا فقد في ليلة 15 يوليو/تموز 253 من أبنائه كشهداء على يد الانقلابيين، فإن تطلعنا الأساسي إلى المجتمع الدولي يتمثل في دعم نضال تركيا المشروع.

وبوصفنا شعبا استشهد 253 من أبنائه على يد الانقلابيين في ليلة الـ15 من يوليو/تموز، فإننا نتطلع إلى أن يساند المجتمع الدولي النضال المشروع الذي تخوضه تركيا.

فإرساء السلام والأمن والازدهار على المستوى العالمي لن يتحقق إلا من خلال مكافحة حازمة لا هوادة فيها ضد التنظيمات الإرهابية، دون أي تمييز، وبالاستناد إلى تعاون صادق.

السبت، 27 يونيو 2026

اجتماع الشرفة.. هل يتشكل تحالف جديد ضد أردوغان؟

اجتماع الشرفة.. هل يتشكل تحالف جديد ضد أردوغان؟


في 15 يونيو/حزيران 1997، كنت أقف في حديقة قصر تشيراغان، أحد أجمل المباني المطلة على المضيق في إسطنبول. يومها مر أمامي رئيس الوزراء آنذاك نجم الدين أربكان برفقة وفد كبير، متوجها إلى اجتماع بالغ الأهمية كان يعقد داخل القصر.

تحالف جديد يعلن للعالم
في قصر تشيراغان الذي يعود إلى الحقبة العثمانية ويستخدم اليوم فندقا، أُعلن تأسيس "منظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي"، التي ضمت الدول المؤسسة: تركيا، وبنغلاديش، وإندونيسيا، وإيران، وماليزيا، ومصر، ونيجيريا، وباكستان، ثم توسع التحالف بانضمام أذربيجان بعد قبولها من خلال تصويت جرى في 2024 بالقاهرة.

ومن خلال بيان حمل اسم "إعلان إسطنبول"، أعلنت الدول الثماني توحيد جهودها والعمل من أجل تحقيق التنمية. كما وقف قادة الدول في شرفة تطل على الحديقة الأمامية للقصر لالتقاط صورة جماعية أمام الصحفيين.

يعتبر هذا الاجتماع من أولى المحاولات الجادة للدول الإسلامية للاجتماع والتعاون فيما بينها، وحظي آنذاك باهتمام واسع، إذ انخرط الجميع في مناقشة مستقبل هذا التكتل الجديد المعروف باسم مجموعة الدول الثماني النامية  "D-8"

كنت شاهدا على الاجتماع في ذلك اليوم بصفتي صحفيا، وواصلت متابعة مساره لاحقا. وبعد يومين فقط من انعقاد الاجتماع، اضطر أربكان إلى الاستقالة من منصبه تحت ضغط العسكريين.

ومع استقالته بدأ هذا التكتل، الذي كان أربكان الأب الروحي لفكرته، يفقد زخمه وشعبيته تدريجيا. ثم تحول مع مرور الوقت إلى إطار رمزي وأصبحت تنظم اجتماعات سنوية لإحيائه من خلال فعاليات ثقافية. وأصبح من التقاليد المتبعة في هذه اللقاءات أن يلتقط المشاركون صورا تذكارية على الشرفة نفسها التي وقف عليها قادة الدول الثماني عام 1997.

لم تكن الظروف مواتية لمجموعة الدول الثماني النامية
بعد مرور 29 عاما، دعيت إلى اجتماع إحياء ذكرى المنظمة، وخلال متابعتي الفعاليات المنعقدة عادت إلى ذهني ذكريات يوم التأسيس الأول. وأثناء الكلمات التي ألقيت، جرى التأكيد على أن مجموعة الدول الثماني النامية (D-8) شكّلت أساسا بوصفها مماثلا لمجموعة السبع التي أسستها الدول الكبرى، وأنها تشكل أول خطوة مهمة اتخذتها الدول الإسلامية نحو التعاون والوحدة.

إعلان

كان جميع المشاركين من الوزراء والسفراء ورؤساء الحكومات ورؤساء الدول السابقين، فيما لم يحضر أي من المسؤولين الحاليين للدول المؤسسة. وتحدث الحاضرون جميعا عن أهمية هذا الكيان الذي يعود الفضل في تأسيسه إلى نجم الدين أربكان.

لقد كانت هذه المنظمة مبادرة مهمة تظهر مدى قوة رؤية أربكان وتصوره للمستقبل. لكن لا البنية السياسية في تركيا آنذاك، ولا الظروف الدولية السائدة، كانت مهيأة لتحويل هذا المشروع إلى واقع. كما أن الدول الغربية ونظيراتها في آسيا لم تكن ترغب بطبيعة الحال في ظهور تكتل مثل هذا ينافسها. بالإضافة لذلك، فإن القدرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لهذه الدول لم تكن كافية لفرض تأسيس كيان بديل في العالم رغم الدول الغربية.

تجدد الجدل حول تحالف جديد
ومنذ 29 عاما تنظم في تركيا فعاليات لإحياء ذكرى تأسيس مجموعة الدول الثماني النامية، إلا أن اجتماع هذا العام أثار جدالات من نوع مختلف، لأنه شهد مشاركة رؤساء أحزاب المعارضة المحافظة والرئيس التركي الحادي عشر عبد الله غول. وعندما اجتمع المشاركون- وفق التقليد المتبع- في شرفة القصر والتقطوا صورة جماعية، بدأت النقاشات بشأن ما إذا كانت تركيا تشهد تأسيس تحالف جديد في مواجهة الرئيس أردوغان.

كانت جميع الأحزاب السياسية المشاركة في الاجتماع هي أحزاب انبثقت عن الحركة التي أسسها نجم الدين أربكان التي تسمى "الرؤية الوطنية". وضمت الصورة كلا من مستضيف الاجتماع رئيس حزب السعادة محمود أريكان، ورئيس حزب "الرفاه الجديد" فاتح أربكان نجل نجم الدين أربكان، ورئيس حزب المستقبل ورئيس الوزراء السابق عن حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو، ورئيس حزب الديمقراطية والتقدم (ديفا) ونائب رئيس الوزراء السابق عن العدالة والتنمية علي باباجان، إضافة إلى الرئيس التركي السابق وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عبد الله غول. وقد أسهمت الأجواء الودية التي عكستها الصورة في إثراء النقاشات التي ترجح تشكل تحالف جديد.

تحظى السياسة الخارجية والسياسات الأمنية ومبادرات الصناعات الدفاعية التي انتهجها أردوغان بتقدير كبير في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. وفي هذا المناخ العالمي المضطرب، يعتقد الشعب أن لا أحد غير أردوغان قادر على إخراج تركيا من هذه الدوامة

هل يمكن تشكيل تحالف جديد؟
مارست جميع هذه الشخصيات العمل السياسي في الأحزاب التي أسسها أربكان وتلاميذه. ومع ذلك لم يستطيعوا في الانتخابات الأخيرة أن يجتمعوا على كلمة سواء أو يشكلوا تحالفا أو يتفقوا على مرشح مشترك. فعلى الرغم من تشابه أفكارهم وخلفياتهم السياسية المشتركة، بل وحتى علاقات الصداقة التي تجمع بينهم، فإنهم لم يتمكنوا من تأسيس حزب واحد، أو التحرك بشكل مشترك.

واليوم يوجد في تركيا خمسة أحزاب سياسية مختلفة- وُلدت من رحم الحركة التي أطلقها أربكان- تمارس السياسة بشكل نشط، ولا يمكن القول إنها متوافقة فيما بينها. ويعد حزب العدالة والتنمية الأكبر بينها، وهو الحزب الحاكم. وتدور الآن في تركيا نقاشات حول ما إذا كان تلاميذ أربكان سيشكلون تحالفا بديلا في مواجهة حزب العدالة والتنمية وأردوغان.

إعلان

ورغم عدم وجود شخصيات تقدم تحليلات سياسية بارزة من بين المشاركين، حول القضية موضع النقاش، فإن ما يجري تداوله على الساحة لاقى اهتماما واضحا. وربما أسهمت مشاركة عبد الله غول بشكل خاص في إعطاء المداخلات والحوار إثارة وعمقا. لكن ممثلي الأحزاب الذين تحدثت إليهم أثناء انعقاد  هناك لم يكونوا يعتقدون إطلاقا بإمكانية تشكيل هيكل تحالف هنا. مع اتساع وانتشار هذه التحليلات، تحدثت إليهم مجددا، فقالوا إن الأخبار والتعليقات كانت موجهة إلى حد ما، وأنها صادرة عن أشخاص لا يعرفون حقيقة ما يجري.

باختصار، لن يخرج من هنا مرشح ضد أردوغان، كما أن تشكيلهم تحالفا يبدو أمرا صعبا، ويعود ذلك إلى المواقف والرؤى التي تبناها هؤلاء السياسيون حتى اليوم.

معارضة أردوغان لا تحظى باهتمام شعبي
في الانتخابات الرئاسية عام 2023، اتخذ قادة الأحزاب الذين يقفون اليوم جنبا إلى جنب في الصورة مواقف مختلفة تماما. فقد دعم فاتح أربكان، الرئيس أردوغان. بينما أعلن عبد الله غول أنه لن يترشح على قائمة أي حزب. أما علي باباجان وأحمد داود أوغلو ومحمود أريكان فقد دعموا رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو، الذي يعد أبرز خصومهم السياسيين.

ورغم كل المحاولات لم يتمكنوا من توحيد أحزابهم، بل إن أحزاب السعادة والمستقبل والديمقراطية والتقدم (ديفا) خاضت الانتخابات البرلمانية ضمن قوائم حزب الشعب الجمهوري. وكان ذلك أكبر خطأ سياسي ارتكبوه؛ لأن قواعد "الرؤية الوطنية" أبدت رد فعل قوي تجاه التحالف مع حزب الشعب الجمهوري ذي الجذور اليسارية. كما أن التحالفات التي تقوم على معارضة أردوغان لم تحظ باهتمام شعبي في أي وقت.

وفي الانتخابات البلدية التي أجريت لاحقا، لم يفز أي من هذه الأحزاب برئاسة أي بلدية باستثناء حزب الرفاه الجديد الذي يدعم أردوغان، وبقيت نسبة أصواتها في حدود 1%. وفي الواقع، تعرضت هذه الأحزاب لهزيمة سياسية كبيرة. ورغم أن نتائج الانتخابات أظهرت سوء تقدير السياسات التي اتبعتها، وارتكابها أخطاء جسيمة، فإن أيا منهم لم يتحمل المسؤولية أو يقدم استقالته. وعلى إثر ذلك استقال عدد كبير من الشخصيات السياسية من هذه الأحزاب.

وفي المحصلة، فإن مجموع أصوات الأحزاب السياسية الأربعة التي اجتمعت خلال ذكرى تأسيس مجموعة الثماني في شرفة قصر تشيراغان لا يصل اليوم إلى 4%.

المرشح المشترك لن يخرج من تلك الصورة
عندما سألت عما إذا كان ترشح عبد الله غول أو علي باباجان يمكن أن يوحد هذه الأحزاب، أبدى كثير من مسؤولي الأحزاب اعتراضهم على الفور. فبحكم سنه، لا يتوقع أحد أن يخوض عبد الله غول مغامرة جديدة. أما باباجان فيبدو أنه استنفد رصيده لدى المجتمع.

ومع ذلك لا أعتقد أن هذه الأحزاب- المنبثقة من حركة "الرؤية الوطنية" التي أسسها نجم الدين أربكان- ستدعم مرة أخرى مرشحا ينظر إليه على أنه خصم لأربكان، كما فعلت في الانتخابات السابقة. ويبدو أنها تعلمت من أخطائها. وبدلا من ذلك ستحاول الآن طرح مرشح محافظ مشترك.

وتبدو مهمتها في الانتخابات الرئاسية صعبة للغاية؛ لأن المناخ السياسي في تركيا والعالم تغير كثيرا. وتحظى السياسة الخارجية والسياسات الأمنية ومبادرات الصناعات الدفاعية التي انتهجها أردوغان بتقدير كبير في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. وفي هذا المناخ العالمي المضطرب، يعتقد الشعب أن لا أحد غير أردوغان قادر على إخراج تركيا من هذه الدوامة. كما ينظر إلى أردوغان على أنه سيفوز بالانتخابات مع تحسن الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

ولهذا السبب لا تبدو التعليقات التي تتحدث عن خروج تحالف جديد أو تحديد مرشح مشترك من فعالية إحياء ذكرى مجموعة الدول الثماني النامية ذات أهمية كبيرة؛ نظرا للأسباب التي تم شرحها في ثنايا هذا المقال.

الأربعاء، 17 يونيو 2026

حدود أمن تركيا وحدود قوتها

 حدود أمن تركيا وحدود قوتها

إسماعيل ياشا

"لا تحتاج تركيا إلى تدخل عسكري مباشر في الأراضي السورية لحماية أمنها القومي، بل يكفيها التعاون والتنسيق مع دمشق"-

صرح رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان بأن أمن تركيا لا يبدأ من محافظة هاتاي، بل يبدأ من حلب ودمشق وبيروت. وقال في كلمته، الأربعاء الماضي، أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، إن تركيا لن تسمح بفرض أمر واقع في الدول الشقيقة ولن تتغاضى عن أي هجمات تستهدفها، مؤكدا أن بلاده لن تسمح بأوهام "أرض الميعاد". وحذَّر من "نار الفتنة التي يراد إشعالها في البحر الأبيض المتوسط، لا سيما في جزيرة قبرص"، مشيرا إلى أن أنقرة تتابع التطورات عن كثب.

التصريحات التي وردت في كلمة أردوغان حول حدود الأمن القومي التركي موجهة بالدرجة الأولى إلى إسرائيل، وترى أنقرة أن المخططات الإسرائيلية التوسعية تستهدف أمن تركيا وأراضيها، كما تستهدف سوريا ولبنان. إلا أن هذه التصريحات التي جاءت في الوقت الذي يشن الجيش الإسرائيلي هجمات على أماكن مختلفة في لبنان بما فيها عاصمتها بيروت، تطرح هذا السؤال: "إن كان أمن تركيا يبدأ من بيروت، فماذا يمكن أن تعمله أنقرة لحمايتها؟".

تركيا قادرة على استخدام كل ما تملك من قوة بما فيها القوة العسكرية لحماية حدودها البرية والبحرية، وهو من حقها وفقا للقانون الدولي كدولة ذات سيادة، ولكن حماية أمنها القومي ومصالحها خارج حدودها بحاجة إلى أساليب أخرى


تركيا قادرة على استخدام كل ما تملك من قوة بما فيها القوة العسكرية لحماية حدودها البرية والبحرية، وهو من حقها وفقا للقانون الدولي كدولة ذات سيادة، ولكن حماية أمنها القومي ومصالحها خارج حدودها بحاجة إلى أساليب أخرى ووسائل مختلفة مبنية على القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة مع الدول المعنية، مع الاحترام لسيادة تلك الدول؛ لأن تركيا لا تنشئ مليشيات تابعة لها في الدول الأخرى ولا تتدخل في شؤونها الداخلية.

أمن سوريا واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن تركيا واستقرارها، وأظهرت التطورات التي شهدتها سوريا بعد اندلاع الثورة هذه الحقيقة، مع سيطرة تنظيمات إرهابية مثل داعش وحزب العمال الكردستاني على أجزاء من الأراضي السورية المجاورة للأراضي التركية، لتشكل خطرا على الأمن القومي التركي. وقام الجيش التركي بعمليات عسكرية داخل الأراضي السورية لإبعاد ذاك الخطر عن الحدود، في ظل الفراغ الأمني وفقدان دمشق سيطرتها على تلك الأراضي. وبعد نجاح الثوار في إسقاط النظام وسيطرة الجيش السوري على كامل الأراضي السورية، باستثناء جزء بسيط بعيد عن الحدود التركية، لا تحتاج تركيا إلى تدخل عسكري مباشر في الأراضي السورية لحماية أمنها القومي، بل يكفيها التعاون والتنسيق مع دمشق وتعزيز قدرات الجيش السوري كيلا يسمح بتهديد تركيا انطلاقا من الأراضي السورية.

سوريا تستعيد عافيتها يوما بعد يوم وتضمد جراحها بدعم تركيا ودول صديقة أخرى لها، مثل المملكة العربية السعودية وقطر، كما تؤسّس جيشا وطنيا لحماية شعبها وأراضيها. وتعمل تركيا لتعزيز قدرات الجيش السوري من خلال برامج التدريب والتسليح، والمناورات المشتركة، وفقا للتفاهمات والاتفاقيات المبرمة بين دمشق وأنقرة. وفي هذا الأطار ولأول مرة، شارك الجيش السوري الشهر الماضي في مناورات "أفس 2026" التركية لتعزيز التعاون العسكري وتبادل الخبرات مع الجيش التركي والجيوش المشاركة الأخرى.

إن استمرّ الجيش الإسرائيلي في شن الهجمات على أنحاء متفرقة في لبنان بما فيها العاصمة بيروت بحجة حرية العمل العسكري، فإن تركيا لا تملك في الوقت الراهن غير إدانة العدوان الإسرائيلي، وإرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب اللبناني، ومطالبة إدارة ترامب والمجتمع الدولي بالتحرك


توسع الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية لا ينتهك سيادة لبنان فحسب، بل يهدد أمن سوريا ويشكل خطرا على الأمن القومي التركي، إلا أن حماية أمن بيروت أعقد من حماية أمن دمشق، بسبب اختلاف رؤى الحكومة اللبنانية وحزب الله في الحرب والسلم والتعامل مع مواجهة الاحتلال، إضافة إلى المشاكل التي أفرزها نظام المحاصصة. ومن المؤكد أن تركيا مستعدة لدعم الجهود الدبلوماسية اللبنانية الهادفة إلى إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولكن تلك الجهود قد لا تكفي للجم حكومة نتنياهو، ودفعها إلى الخضوع لوقف الحرب وسحب جيش الاحتلال من لبنان.

تركيا ومعها قوى إقليمية أخرى بذلت جهودا دبلوماسية لإنهاء الحرب على إيران ولبنان، وأدت تلك الجهود إلى قبول مذكرة تفاهم لوقف الحرب. إلا أن تصريحات قادة إسرائيل تشير إلى أن تل أبيب لن تلتزم بوقف إطلاق النار، ولا نية لها في الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال الحرب. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في "المنطقة الأمنية العازلة" في لبنان، مضيفا أنهم يعملون على الاحتفاظ بــ"حرية العمل العسكري" ودوام التمتع بها.

وإن استمرّ الجيش الإسرائيلي في شن الهجمات على أنحاء متفرقة في لبنان بما فيها العاصمة بيروت بحجة حرية العمل العسكري، فإن تركيا لا تملك في الوقت الراهن غير إدانة العدوان الإسرائيلي، وإرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب اللبناني، ومطالبة إدارة ترامب والمجتمع الدولي بالتحرك والتدخل لوقف العدوان.

x.com/ismail_yasa

الخميس، 4 يونيو 2026

المسلمون الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية الإيرانية!

المسلمون الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية الإيرانية!
الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية بين المد والجزر
  مضر أبو الهيجاء

إنَّ أقدارَ اللهِ الغلَّابةَ تقودُ إلى خيرٍ عظيمٍ، وكم مِن محنةٍ عصيبةٍ ولَّدت مِنحةً عظيمةً.

مِن نافلةِ القولِ أنَّه لا دورَ ولا فعلَ للمسلمينَ في الحربِ الأمريكيَّةِ الإسرائيليَّةِ الإيرانيَّةِ، والتي تدورُ حولَ صراعِ نفوذٍ بينَ مشاريعَ متوحِّشةٍ لا أخلاقيَّة، يجمعُ بينها قتلُ البشرِ الآمنين، وسرقةُ ثرواتِ الشعوب، واحتلالُ بلادٍ وأراضٍ ليست لهم، والعداءُ الشديدُ للإسلامِ والمسلمين.

ومِن روعةِ أقدارِ اللهِ الغلَّابةِ أنَّها قادتِ المشاريعَ المعاديةَ الثلاثةَ إلى حالٍ مِن التدافعِ الخشنِ الذي يُضعفُها ويفضحُها ويُعرِّيها ويُتلفُ قواها، ويُسهمُ في تفكيكِ مشاريعِها.

لقد باتت حالةُ المدِّ والجزرِ القائمةِ بينَ حلفاءِ الأمسِ وخصومِ اليومِ حالةً ينتفعُ منها المسلمونَ بشكلٍ غيرِ مباشر. وإذا كانت آثارُ التدافعِ قد مسَّت بلادَ المسلمينَ ونالها شيءٌ مِن الأذى، فإنَّ حجمَ الخيرِ الناتجِ عن هذا التدافعِ يتعاظمُ كلَّ يومٍ أضعافًا مضاعفةً.

اللَّا حلُّ هو الفرجةُ نحوَ الحلِّ!

إنَّ بقاءَ الحالِ بينَ المشاريعِ المعاديةِ الثلاثةِ: الأمريكيِّ والإيرانيِّ والإسرائيليِّ، في حالةِ مدٍّ وجزرٍ على أرضيَّةِ احترابٍ قائمٍ ودائمٍ، هو فرجٌ كبيرٌ وربحٌ للمسلمين.

وإذا كانتِ الحربُ الدائرةُ بينهم سببًا في هدرِ قواهم العسكريَّةِ، وارتباكِ مواقفِهم السياسيَّةِ، واختلالِ مشاريعِهم التي تجتمعُ على هتكِ العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ، وقتلِ شعوبِه، وتفكيكِ دولِه، وسرقةِ طاقاتِه ومواردِه، فإنَّ حالةَ المدِّ والجزرِ في الصراعِ الخشنِ القائمِ بينهم تُوجدُ خلخلةً سياسيَّةً في المنطقةِ العربيَّةِ والأقاليمِ الإسلاميَّةِ، تسمحُ ببعثِ مشروعٍ إسلاميٍّ يُعبِّرُ عن مجموعِ مصالحِ شعوبِها ودولِها التي تجمعُ بينها وحدةٌ ثقافيَّة.

دجلٌ مقصودٌ لدفعِ المسلمينَ نحوَ اصطفافٍ خاطئٍ

إنَّ الدجلَ الذي تمارسُه الماكينةُ الإعلاميَّةُ في مشاريعِ الخصومِ يهدفُ لدفعِ المسلمينَ، دولًا وشعوبًا، للاصطفافِ مع مشاريعِ الخصوم، وهو مخطَّطٌ مقصودٌ يستهدفُ تحويلَ المنطقةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ وشعوبِها إلى حطبٍ ووقودٍ في سياقِ التدافعِ بينَ مشاريعَ توسعيةٍ لا أخلاقيَّةٍ ومتوحِّشة، لاسيَّما وقد اعتادَ الغربُ الإمبريالي خلالَ قرنٍ، كما اعتادَ النظامُ الإيرانيُّ الطائفيُّ خلالَ نصفِ قرنٍ، على امتطاءِ الحركاتِ والتنظيماتِ والجماعاتِ السياسيَّةِ، وتحويلِ الشعوبِ إلى حطبٍ ووقودٍ مستهلكٍ في صراعاتِ الغيرِ البينيَّة، وهو ما يجبُ ألَّا يتكرَّرَ اليومَ كشرطٍ لازمٍ لبعثِ مشروعٍ عربيٍّ إسلاميٍّ يُعبِّرُ عن عمومِ مصالحِ شعوبِها، ويستردُّ دورَه الحضاري انطلاقًا مِن وحدةٍ ثقافيَّةٍ قائمةٍ تنطلقُ مِن الهويَّةِ الإسلاميَّةِ قرآنًا وسيرةً وسنَّةً.

تركيا، كما الدولُ العربيَّةُ، مستهدفةٌ!

جاوزَ الحدَّ الترويجُ المخلُّ لمقولةِ إنَّه في حالِ انكسارِ إيرانَ وتفككِها فإنَّ إسرائيلَ ستتوجَّهُ برعايةٍ أمريكيةٍ لتدميرِ تركيا!

إنَّ تلك المقولةَ تحوي صدقًا وكذبًا، وهو ما يصنعُه الساحرُ الذي يفتنُ عقولَ وأبصارَ الناظرينَ إليه، ثم يسلبُهم عقولَهم ويمنعُهم مِن التفكيرِ السليم.

أمَّا الجانبُ الصحيحُ، فهو أنَّ إسرائيلَ وأمريكا تستهدفانِ تركيا المسلمةَ التي يحكمُها رجلٌ مسلمٌ وإسلاميٌّ -والتي لا تزالُ محكومةً بنظامٍ علماني- يناورُ الغربَ ولا يخضعُ له، كما تستهدفانِ مصرَ المسلمةَ التي يحكمُها رجلٌ علمانيٌّ انقلابيٌّ خاضعٌ للغرب، وكذا الحالُ بالنسبةِ للسعوديةِ والجزائرِ والمغربِ وغيرها.

وأمَّا الجانبُ الخطأُ والدجلُ الكبيرُ، فهو القولُ إنه بمجردِ حسمِ المعركةِ بينَ الوحوشِ الثلاثةِ فإنَّ الدورَ القادمَ سيكونُ بشكلٍ مباشرٍ وتلقائيٍّ على تركيا – إلى جانب سورية-، وكأنَّ تركيا دولةٌ هشَّةٌ لا تملكُ شعبًا، ولا إرادةً سياسيَّةً، ولا قوة عسكرية وجيشًا!

فإذا كانت إيران قد استفادت مِن قضيَّة هرمز، وزادت كراهيةَ الشعوبِ لها ونفورَ الدولِ تجاهَها، فإنَّ تركيا تملكُ مائةَ قضيَّةٍ أعلى مِن هرمز، قادرة على تحريكِها في كلِّ اتجاه، عداك عن أنَّ تركيا محبوبةٌ مِن قِبَلِ عمومِ الشعوبِ العربيَّة، وليس لها إشكالاتٌ سياسيَّةٌ ولا امتداداتٌ وميليشياتٌ وأذرعٌ تخريبية في الدولِ العربية.

ولذلك فإن الاستنتاجَ الغبي لتلقائيةِ تدميرِ تركيا في حالِ انكسارِ إيرانَ يُقصدُ منه الزجُّ بها، وعمومِ الدولِ العربية، في الاصطفافِ خلفَ المحاورِ المتصارعةِ، واتخاذِ مواقفَ خاطئةٍ، والدخولِ في عمليَّةِ الهدرِ الكبيرِ الذي يهدفُ لتفويتِ الفرصةِ على بعثِ مشروعٍ عربيٍّ إسلاميٍّ مستقل في نظرتِه ومواقفِه، يحفظُ قواه العسكريَّةَ واقتصاداتِه الماليَّةَ لموعدٍ آتٍ لا محالة، يُصارَعُ فيه على الكياناتِ الهزيلةِ التي أقامها الغربُ الصليبيُّ ليحلبَ منطقتَنا العربيَّةَ وأقاليمَنا الإسلاميَّة، ويحولَ دونَ نهضةِ العربِ والمسلمين واستردادِ دورِهم الريادي في قيادةِ البشريَّة.

نفشُ إيرانَ وإسرائيلَ وتقزيمُ العربِ والمسلمينَ

لا ينقصُ العربَ والمسلمينَ إلَّا مشروعٌ جامعٌ يؤطِّرُ قواهم الشعبيَّةَ، ومواقفَهم السياسيَّةَ، وجيوشَهم العسكريَّةَ، في اتجاهِ تحقيقِ الإرادةِ السياسيَّةِ المستقلَّةِ، وافتكاكِ القرارِ مِن أيدي القوى الدوليَّةِ المهيمنةِ، وعلى رأسِها القطبُ الأمريكيُّ، وهو ما لا يمكنُ تحقيقُه دونَ مشروعٍ يجمعُ الأمَّةَ العربيَّةَ والإسلاميَّةَ على مصالحِها الجمعيَّة، الأمرُ الذي تُسهمُ في الدفعِ نحوَه الحربُ القائمةُ، مستفيدا مِن حالةِ المدِّ والجزرِ بينَ أمريكا وإيرانَ وإسرائيل.

ولعلَّ مِن المستقبحِ أن يقومَ البعضُ المتهافتُ -الذي لا يملكُ قدرةً ذاتيَّةً على التفكيرِ والتقريرِ- بنفشِ إيرانَ وإسرائيلَ وتعظيمِهما، فيما يُقزِّمُ قيمةَ وقدراتِ العربِ والمسلمينَ إذا ما التفتوا إلى صياغةِ المشروعِ الجامع.

وبكلمةٍ يمكنُ القولُ إنَّ الحربَ الأمريكيَّةَ الإسرائيليَّةَ الإيرانيَّةَ منحةٌ عظيمةٌ تعطي فرصةً ذهبيَّةً للعربِ والمسلمينَ لتشكيلِ وتكوينِ مشروعٍ جديدٍ يعطي الأملَ ببعثٍ جديد، مستفيدًا مِن طولِ حالةِ المدِّ والجزرِ بينَ حلفاءِ الأمسِ وخصومِ اليومِ، المجتمعينَ في كلِّ وقتٍ وحينٍ على قتلِ العربِ والمسلمينَ ونهبِ ثرواتِهم واحتلالِ بلدانِهم.

فهل يتوازنُ العقلُ العربيُّ والإسلاميُّ في النظر، ويصوغُ مِن جديدٍ رؤيتَه المرحليَّةَ، ويعيدُ ضبطَ مواقفِه بما يؤولُ لنفعَ لشعوبِ ودولِ المنطقة، ويقيها مِن تكرارِ الامتطاءِ المهينِ، واستخدامِ الشعوبِ كحطبٍ ووقودٍ في مشاريعِ الغير؟

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 26/5/2026

الاثنين، 25 مايو 2026

أيام القهر العلماني كان الحج هو ذاكرتنا الصامتة في تركيا

أيام القهر العلماني كان الحج هو ذاكرتنا الصامتة في تركيا
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.

الإحرام، والطواف، والسعي، ومنى، وعرفات، ومزدلفة، ورمي الجمرات، والأضحية، قد تبدو كل واحدة من هذه، لمن ينظر من الخارج، مجرد طقوس دينية لا أكثر. غير أن الحج ليس مجرد عبادة فحسب؛ بل هو أيضا واحد من أعظم المؤسسات السوسيولوجية التي منعت العالم الإسلامي، عبر قرون طويلة، من التفكك والانهيار.

حين ننظر اليوم إلى العالم الإسلامي، فإن أكثر ما يلفت النظر هو مشهد التمزق: حروب، واحتلالات، وفقر، وأنظمة استبدادية، وصراعات مذهبية، وتدخلات خارجية، وتبعيات اقتصادية.. في كثير من أنحاء العالم يبدو المسلمون وكأنهم فقدوا إرادتهم التاريخية وقدرتهم على الفعل الجماعي.

لكن الناس أنفسهم الذين يعيشون داخل هذا العالم الممزق، يتحولون مع موسم الحج إلى نموذج مذهل من الانضباط والصبر والوعي الجماعي. ففي كل عام يستجيب ملايين البشر للنداء نفسه؛ يرتدون اللباس نفسه، ويرددون الكلمات نفسها، ويتحركون نحو الجهة نفسها.

والحقيقة أنه لا توجد في العالم الحديث حركة بشرية أخرى بهذا الحجم، وبهذا التنوع القومي، وبهذا العمق الرمزي والمعنوي.

وهنا يجد الإنسان نفسه مضطرا لطرح سؤال بالغ الأهمية:
كيف يمكن لأمة تبدو شديدة التمزق في حياتها اليومية أن تنتج أثناء الحج هذا الإحساس القوي بالوحدة؟

وربما كان الأمر على العكس تماما:
فلعل الحج نفسه هو أحد الروابط الخفية التي منعت هذه الأمة من الانهيار الكامل.

والحق أنه لا يوجد أدنى شك في أن الحج واحد من أهم المؤسسات التي تحفظ المقاومة الروحية والاجتماعية للعالم الإسلامي؛ لأن الحج ليس مجرد عبادة فردية، بل هو أيضا آلية عالمية ضخمة لإنتاج الوعي الجماعي الإسلامي، والتنشئة الاجتماعية، والشعور بالأمة.

فعندما يخرج المسلم من حيه الصغير أو من بلده، ويصل إلى مكة، يواجه لأول مرة الحجم الحقيقي للعالم الإسلامي. النيجيري يقف بجانب الإندونيسي، والتركي بجانب الماليزي، والعربي بجانب الأفريقي، والجميع يطوفون حول الكعبة نفسها، ويقفون في الصف نفسه، ويؤمّنون على الدعاء نفسه.

الإحرام هنا لا يغير لباس الإنسان فقط، بل يعلق مؤقتا كل الفوارق الدنيوية. الغني والفقير، الأسود والأبيض، الحاكم والمحكوم.. كلها فروق تتلاشى، ولو لأيام قليلة.

وهنا يتحقق ما سماه عالم الاجتماع فيكتور ترنر بـ"الكوميونيتاس" (communitas): أي تجربة المساواة والأخوة العميقة التي يعيشها الناس حين يتحررون مؤقتا من مواقعهم الاجتماعية المعتادة.

ولعل أعظم درس يتعلمه الإنسان في الحج يبدأ من هنا: أن الإنسان ليس مركز الكون.

فالحياة الحديثة تضع الإنسان باستمرار في مركز ذاته، وتغذي فردانيته ونرجسيته. أما الحج، فإنه يخرج الإنسان من مركزه الضيق، ويضعه داخل حقيقة أكبر منه بكثير. والفرد الذي يذوب وسط ملايين الطائفين حول الكعبة، يجد نفسه لأول مرة.

وفوق ذلك، فالحج لا ينتج آثارا روحية فقط، بل ينتج أيضا آثارا اجتماعية هائلة.

فطرق الحج عبر التاريخ لم تكن طرق عبادة فحسب، بل كانت أيضا طرق تجارة، وشبكات لتداول الأفكار والعلوم والثقافات وذاكرات المقاومة. وكثير من العلاقات العلمية والتجارية والتفاعلات الثقافية في العالم الإسلامي نشأت أصلا بفضل الحج.

واليوم، تقوم تقنيات الاتصال الحديثة بتوسيع هذا التأثير أكثر فأكثر. في الماضي كان الحاج العائد يحمل القصص إلى بلدته الصغيرة. أما اليوم فإن ملايين البشر يشاهدون ذلك اللقاء العظيم مباشرة عبر الشاشات. ولم تعد الكعبة مجرد مكان يُرى في مكة، بل أصبحت مركز الذاكرة العاطفية المشتركة للعالم الإسلامي كله.

وما قاله غودفري هـ. يانسن قبل نحو نصف قرن لا يزال صحيحا إلى اليوم: فالحج ليس مجرد علامة على حيوية الإسلام، بل هو أيضا أحد أهم أسباب هذه الحيوية نفسها؛ لأن الحج مؤسسة فريدة تجمع المسلمين من أنحاء العالم كافة في الزمان نفسه، والطقوس نفسها، وعالم المعاني نفسه.

وفي هذا السياق، تبدو التجربة التركية ذات دلالة خاصة.

فخلال مسار التحديث في تركيا، جرى لفترة طويلة إخضاع الحياة الدينية للرقابة والضبط. ورغم أنه لم يكن هناك "حظر" مباشر على الحج في العقود الأولى للجمهورية، فإن نظام الجوازات، وقيود العملة، وصعوبات السفر، والعراقيل الإدارية، جعلت الحج شديد الصعوبة عمليا. وفي ظل السياسات العلمانية الصارمة في عهد الحزب الواحد، تحول الحج، بصورة ما، إلى مساحة صامتة لحفظ الذاكرة الدينية للمجتمع.

ومع ذلك، لم يختف الحج أبدا من حياة الناس.

بل على العكس، ظل لقب "الحاج" في تركيا يحمل، لسنوات طويلة، ليس فقط معنى دينيا، بل أيضا رمزا أخلاقيا واجتماعيا للثقة والاحترام. وكان استقبال الحجاج وتوديعهم، والهدايا التي يجلبونها، والحكايات التي يروونها بعد عودتهم، تعكس كلها مدى الحضور الثقافي العميق للحج داخل المجتمع التركي.

ومن هنا تكتسب الدراسات المبكرة لعالم اجتماع الدين محمد باييغيت أهمية كبيرة؛ إذ تناول الحج في تركيا ليس بوصفه عبادة فحسب، بل بوصفه مؤسسة اجتماعية كبرى تؤثر في العائلة، والحي، والمكانة الاجتماعية، والذاكرة الثقافية، والعلاقات المجتمعية. والحقيقة أن الحج كان، لفترة طويلة، أحد أهم المجالات التي أعادت إنتاج الذاكرة الدينية التي حاول مشروع التحديث تفكيكها.

كما أن الأرقام التي أوردها يانسن تؤكد هذا المعنى بوضوح. فعلى الرغم من كل الضغوط العلمانية خلال مرحلة الحزب الواحد، استمرت أعداد الحجاج في الارتفاع؛ لأن الحج لم يكن مجرد عبادة فردية، بل تجربة يعيد الناس من خلالها وصل أنفسهم بتاريخهم، وأمتهم، ومقدساتهم.

ولعل جزءا من السبب الذي جعل الذاكرة المحافظة في تركيا تبقى حية وقوية حتى اليوم يعود إلى هذه الشبكات الدينية غير المرئية.

ومع ذلك، يبقى سؤال صعب يفرض نفسه: إذا كان الحج ينتج هذا القدر من الوعي والانضباط، فلماذا لا يزال العالم الإسلامي عاجزا عن تجاوز أزماته الحالية؟

هنا توجد نقطة مهمة كثيرا ما يجري تجاهلها. قد يكون الحج قادرا على تربية الشعوب، لكن مصير الشعوب الإسلامية ليس دائما بأيديها. ففي أجزاء واسعة من العالم الإسلامي توجد فجوة عميقة بين الشعوب والأنظمة الحاكمة. وكثير من هذه الأنظمة هو نتاج مرحلة ما بعد الاستعمار، أي إنها كيانات لم تنشأ من إرادة اجتماعية عضوية حقيقية.

وربما كان هذا أحد أسباب الفارق الكبير بين ذلك الانضباط الجماعي الذي نراه أثناء الحج، وبين حالة الفوضى والتشظي التي نراها في الحياة السياسية اليومية.

فالناس في الحج يتحركون استجابة لنداء الله، بينما يُجبرون في السياسة اليومية على العيش داخل الحدود الضيقة التي فرضتها ترتيبات ما بعد الاستعمار.

ومع ذلك، فإن الحج يواصل تأثيره التحويلي، ربما يغير ببطء، وربما يغير بصمت، لكنه يغير حتما.

فرمضان، والصلاة، والأضحية، والعمرة، والحج، كلها تعمل بوصفها شعائر كبرى تحفظ الذاكرة الجماعية للمجتمعات الإسلامية حية. ورغم كل الضغوط التفكيكية التي يمارسها العالم الحديث، فلا يزال المسلمون قادرين على الاجتماع داخل أفق معنوي مشترك، ولعل أحد أهم أسباب ذلك هو هذه الشعائر نفسها.

ولهذا فإن الحج ليس مجرد تطهر فردي، الحج هو اللقاء السنوي العظيم الذي يعلن أن الأمة لم تمت بعد.

وربما كان هذا بالذات هو ما لا يستطيع العالم الحديث فهمه تماما: فالذي يدفع ملايين البشر إلى الحركة في الوقت نفسه ليس مجرد واجب ديني، بل هو أيضا ذاكرة مشتركة، ومصير مشترك، وشعور عميق بالانتماء.

ولهذا فإن الحج ليس مجرد عبادة، بل هو أعظم معجزة سوسيولوجية تثبت أن العالم الإسلامي لا يزال حيا.