‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمد أمين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمد أمين. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 26 أبريل 2021

العراق.. جوائح الاحتلال والفساد والطائفية

 العراق.. جوائح الاحتلال والفساد والطائفية

محمد أمين

عندما نكتب عن العراق، فإننا نكتب عن بلد عظيم كبير، مركزي في الحضارة الإنسانية والعربية والإسلامية، فقبل أن تكون بغداد لعقود طويلة عاصمة للخلافة الإسلامية كانت مهدا للحضارات.

تصح الجوائح التي يتعرض لها المواطن العراقي منذ ١٨ عاما على الاحتلال، وقبلها عقود من الاستبداد، مثالا على الجوائح العربية التي تجتاح وطننا العربي الكبير من المحيط إلى الخليج. فهذا البلد الغني يرزح أهله اليوم تحت فقر مدقع وتآكل في البنى التحتية، وبطالة وفساد ضاعفه قادة طائفيون يدينون بالولاء للخارج. كل ذلك رغم نفطه وموارده وغناه، حاله حال كثير من الدول العربية، فبلادنا ليس صحيحا أنها فقيرة، وإنما أفقرها وخربها وجرفها حكام سطوا على خيراتها في غفلة من الزمن.

يشكل العراق الغني وما يقاسيه مواطنوه من أهوال الكوارث مثالا على الجوائح التي يعانيها المواطن العربي، فرغم فاجعة مستشفى ابن الخطيب التي حرق فيها 82 مريضا، كانوا على أسرة الشفاء من كورونا قبل أن يتوفوا رحمهم الله، فإن معاناتهم ومعاناة العراقيين كلهم لم تبدأ مع كورونا، وإنما معاناة العراقي والعربي هي معاناة بدأت منذ زمن طويل مع الفساد والاستبداد، منذ تمكنت مجموعة من العسكريين من السطو على حكم بلداننا العربية عبر انقلابات عسكرية سموها "ثورات" زورا وبهتانا، فيما الحقيقة أنها استعمال للقوة للسطو على الحكم وإبادة الخصوم، ثم الاستحواذ على مقدرات البلاد.


لم تبدأ مشاكل العراقي بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق صدام حسين، وإنما تضاعفت، وإن الدول العربية التي تعاني اليوم من كورونا لا يصح فيها اختزال معاناة شعوبها في كورونا المستجد، وإنما الفشل الجديد لأنظمة الحكم في تلك البلدان في التعامل مع الجائحة ضاعف من معاناتها


لم تبدأ مشاكل العراقي بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق صدام حسين، وإنما تضاعفت، وإن الدول العربية التي تعاني اليوم من كورونا لا يصح فيها اختزال معاناة شعوبها في كورونا المستجد، وإنما الفشل الجديد لأنظمة الحكم في تلك البلدان في التعامل مع الجائحة ضاعف من معاناتها. فتلك الحكومات في الأصل هي وباء، فكيف لها أن تحارب وباء جديدا، فضلا عن كونه ليس مرضا عاديا، وإنما "جائحة"؟

نظرة سريعة على العراق عقب 18 عاما من الاحتلال، تجعلنا نقف عند جزء يسير من حقيقة المشهد العراقي المؤلم، فحجم الأموال المهربة خارج العراق حسب "لجنة النزاهة في البرلمان العراقي"؛ بلغ 350 مليار دولار على مدار 18 عاما، سرقت من أطفال ونساء وشباب العراق، وهربت للخارج بيوتا في العواصم الأوروبية، وأرصدة في الحسابات السويسرية.


الفيروس الأخطر في العراق وعموم العالم العربي هو الفساد، وإن من قالوا إنهم جاؤوا على الدبابة الأمريكية لتحرير العراق إنما هم سراق جاؤوا لنهبه، حالهم حال من قال في القاهرة إنه جاء ليحنوا على الشعب المصري

إن الفيروس الأخطر في العراق وعموم العالم العربي هو الفساد، وإن من قالوا إنهم جاؤوا على الدبابة الأمريكية لتحرير العراق إنما هم سراق جاؤوا لنهبه، حالهم حال من قال في القاهرة إنه جاء ليحنوا على الشعب المصري، فيما الحقيقة التي نراها اليوم أن ذلك الحنان يتجسد في قرابة 100 ألف مصري في المعتقلات، وتفريط في الأراضي، وتهديد للأمن القومي.

إن من جاء على دبابة الاحتلال ومن جاء بدعم من دول التطبيع، عرابة الثورات المضادة، هم الوباء وأصله، والخلاص من كورونا ومن غيره من الأهوال يكون بالاهتداء لطريق يخلصنا من تلك النظم البائسة.

بلداننا العربية ليست فقيرة، هي غنية بمواردها، بموقعها الجغرافي، بخيراتها، بطيبة أبنائها وإخلاصهم.. هي مهد الحضارات والديانات، وقبل ظهور البترول كانت بغداد ودمشق والقدس والرباط والقاهرة وصنعاء وكل حواضر الأمة تزخر بالخيرات. لسنا فقراء، هذا كذب، وإنما سُرقنا من لصوص الانقلابات، ووكلاء المستعمر الذي قاتله المخلصون وطردوه، ومنذ ذلك الوقت وهم يخوضون صراعا مع وكلائه الذين هم أشد ظلما وقهرا من أسيادهم.

الأربعاء، 31 مارس 2021

تجمدت العروبة ومات العرب!

تجمدت العروبة ومات العرب!

محمد أمين

كان أستاذي في الجامعة في قسم الصحافة والإعلام يقول لنا - في محاولة للتأكيد على أهمية الإعلام - إنه لو كان هناك إعلام حر في زمن النكبة والهجرة الفلسطينية لما كان العالم ليسكت على المحرقة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، باقتلاعه من أرضه وارتكاب المليشيات الصهيونية الإرهابية أبشع الجرائم بحقه تقتيلا وتهجيرا، ولكان للإعلام دور في تحشيد الرأي العام العربي والدولي، وكنت وقتذاك أحاول جاهدا الاقتناع بتلك الفرضية الإعلامية ولكن على مضض.

حُرق الفلسطينيون وقُتّلوا وهُجروا عام 1948 في غفلة من الإعلام، ويُحرق السوريون ويُقتلون ويُهَجَّرون ويموتون بردا وتجمدا "لايف" في 2021، وفي بث مباشر متواصل منذ العام 2011، لتتأكد شكوكي في نظرية الأستاذ، فالإعلام دون ضمير إنساني لا قيمة له، والحق بلا قوة هو ضعف في الحقيقة، والنفاق الدولي لا يختص بزمان معين ولا بشعب محدد، والخذلان العربي هو ذاته لم يتغير.

إن الصمت و"التجمد" إزاء التغريبة السورية سيلاحقنا جراءه العيب والعار كعرب أولا، كما سيلاحق "الإنسانية" جمعاء التي تكتفي بالتفرج على الأطفال والنساء والأبرياء السوريين وهم يُهجرون ويُقتلون على يد نظام فاشي، ويَتجمَّدون حتى الموت في محاولتهم الهروب من الموت.

العار كذلك سيلاحق أنظمة عربية متصهينة تضخ المليارات للاستثمار في تل أبيب، فيما لا تَهُز محرقة السوريين ضميرها.. دول تتسامح مع تل أبيب وتفتح لصهاينة العالم الباب والشباك والحدود دون تأشيرة وبلا حدود، وتغلق الحدود في وجه إخوة الدم واللغة والدين. لا أعني الحدود الجغرافية، بل الحدود الإنسانية العابرة للجغرافيا.

ففي لبنان تُمارس أبشع أنواع العنصرية ضد اللاجئين السوريين، وتفشل الدولة في ردع المتنمرين عليهم، ويقاسي السوريون مثل تلك العذابات في بقية دول الجوار. 
أما الدول الغنية فتغلق حدودها الإنسانية والمادية في وجه السوريين، وتفتحها مشرّعة للإسرائيليين، لنكون مضطرين في ظل بؤس المقام والمقال أن نطالبها بأن تعامل السوريين كالإسرائيليين بتقديم الدعم المادي لهم، وفتح الحدود الجغرافية والتسامحية.

نطالبهم بتمويل المؤسسات الخيرية التي تقوم على رعاية اللاجئين السوريين عوضا عن محاربتها ووسمها بالإرهاب، نطالب العرب شعوبا وأنظمة بالوقوف مع السوريين، فهم ليسوا شعبا مشردا، وإنما شعب ثائر كريم.. هم ليسوا متسولين بل تزخر بلادهم بكل خيرات الدنيا، تلك التي أكل منها كل العرب من المحيط إلى الخليج. مشكلتهم العصية على الحل أنهم ابتلوا بنظام دموي "أقلواتي" طائفي جرّف البلاد عبر نصف قرن، لم يرحم فيها حجرا ولا بشرا، ذلكم النظام هو المسؤول عما يتعرض له السوريون، وليس من خرج منهم بسلمية مطالبا قبل عقد بالحرية.

لا ينبغي أن يتم التعامل مع السوريين كعبء فهم إخوة لنا، ودعم كل عربي ومسلم لأخيه السوري أو الفلسطيني أو العراقي أو الصومالي هو عقيدة واجبة، وليس صدقة ولا منة، فكلنا ننطق بلغة واحدة، وندين لرب واحد، ونشترك في مصير مشترك، وقدرنا جميعا أن نواجه في بلادنا مثلث "الظلم والفساد والاستبداد" الذي يتسبب منذ عقود في تخريب بلداننا وإفقارها، وتهجير الشباب والشابات منها. فالموت لم يبدأ في زمن كورونا ولا زمن الربيع العربي، وهناك صيرورة طويلة للمأساة العربية، بدأت من فلسطين، ولم تتوقف.

سوريا لم تكن يوما "خرابة"، وليست قاحلة ولا مهجورة.. ليست فقيرة، هي أرض الخيرات والفاكهة.. هي أرض أقدم الحضارات على وجه الأرض، فيها كانت بداية الاستيطان البشري وتخطيط أولى المدن واكتشاف الزراعة والتدجين، فيها عُرفت الأبجدية كما تقول كتب التاريخ، قامت فيها مملكة إيبلا التي استمرت من2500 قبل الميلاد إلى 2400، وليس الأسد وأبوه من قبله إلا عابرين في كلام عابر.

لم تتجمد السيدتان الشهيدتان وطفلاهما، بل صعدوا عند أرحم الراحمين، شهداء عند ربهم يرزقون.. من تجمد هي العروبة، ومن مات هم العرب.