الخميس، 1 سبتمبر 2022

كيف تنتصر إذا ما هُزمت؟

 كيف تنتصر إذا ما هُزمت؟


أسعد طه



يهزم المرء هزيمة قاسية، إذا لم يخض معركته بروح معنوية عالية، مؤمنة بمعركتها، واثقة من انتصارها 

(1)

يخشى الناس الهزيمة، حتى إنهم لا يخوضون في مشروع جديد أو مغامرة يتمنونها مخافة أن تلحق بهم الهزيمة، يلتمسون الأعذار لأنفسهم، ويلزمون السكون، فتتجمد حياتهم، ويراوحون مكانهم، وبذلك يُهزمون.

(2)

الحياة سلسلة من الحروب، ما إن تخرج من واحدة حتى تخوض أخرى، وهكذا إلى أن تنتهي الحياة، وكلما أدركنا ذلك مبكرا، اختصرنا على أنفسنا جهدا كبيرا، وتفادينا عثرات عديدة، وهيَّأنا أنفسنا لطبيعة حياتنا.

وفي الحروب لا أحد ينتصر دائما، حتى وإن كنت صاحب حق، حتى وإن كنت قويّا. إنها سنن الحياة، فلا تبتئس إذا هزمت.

نعم، علينا أن نختار معاركنا بدقة، فليس كل الحروب تستحق خوضها، وليس كل التضحيات تؤتي أكلها. واختيار المعركة التي تناسبنا، أمر ليس سهلا، فالغنائم التي تلوح لنا من بعيد، تغرينا بأن نخوض المعركة من أجلها، ثم قد نكتشف حقيقتها لاحقا، ونعرف أنها ليست كما كنا نتخيل.

تخوض معركة الدراسة، فإن انتهيت منها بدأتَ في معركة العمل، فمعركة الأسرة، وفي ظلال هذه المعارك تفتح الدنيا عليك معارك أخرى، إلى أن تصل إلى معركة الشيخوخة.

ثمة معارك تُفرض علينا فرضا، علينا حينها مواجهتها بكل ذكاء وشجاعة.

غير ذلك؛ علينا أن نختار معاركنا بدقة، فنحن نعيش مرة واحدة، والزمن يجري، نبلغ الـ30 فنقلق، نصل إلى الـ40 فنسأل أنفسنا هل فعلا عشنا كل هذه السنوات على الأرض؟ وماذا فعلنا فيها؟ ومع كل عقد تزداد المفاجأة، مع الـ50 ثم الـ60 إلى أن يشاء الله.

وعندما نكبر، ونبدأ في شق طريقنا، نرى غبار معارك الأسبقين، فنتخيل أن معاركهم يجب أن تكون هي معاركنا، والحقيقة أنها قد تختلف، فلكل زمن طبيعته الخاصة، بل لكل شخص معاركه التي تلائمه، لذا ينبغي ألا ينظر أحدنا إلى من سبقه فيقلده، ولا إلى من بجانبه ويفعل مثله.

نعم، علينا أن نختار معاركنا بدقة، فليس كل الحروب تستحق خوضها، وليس كل التضحيات تؤتي أكلها. واختيار المعركة التي تناسبنا، أمر ليس سهلا، فالغنائم التي تلوح لنا من بعيد، تغرينا بأن نخوض المعركة من أجلها، ثم قد نكتشف حقيقتها لاحقا، ونعرف أنها ليست كما كنا نتخيل.

(3)

أوَيهزم المرء؟

نعم، بل من الطبيعي في مسار حياته ومعاركه التي لا تحصى أن يهزم مرة، بل أكثر من مرة.

يهزم إذا لم يحسن اختيار المعركة بدقة، وتورط في معارك جانبية، لا تغني ولا تسمن من جوع.

يهزم إذا خاض واحدة لا تحقق هدفه، صحيح قد يفوز بها، لكنه يكتشف أنها لا توصله إلى ما كان يريد.

يهزم إذا اختار معركة لا يناسبها سلاحه، فمن المهم أن يعرف ماذا يجيد، وما الذي لا يجيد، ما الأدوات التي يحسن استخدامها، وما التي لا يحسن استخدامها.

يهزم إذا أساء الحسابات، إذا لم يُقلّب الأمور يمنة ويسرة، فوق وتحت، ويضع "سيناريو" لكل حالة، بل يرسم خطة الانسحاب إذا اضطر لذلك.

يهزم المرء هزيمة قاسية، إذا لم يخض معركته بروح معنوية عالية، مؤمنة بمعركتها، واثقة من انتصارها.

يُهزم إذا خاضها بروح مترددة، منهزمة، خائفة.

حدد أسباب الإخفاق بدقة، والأخطاء التي وقعت فيها، والقرارات الخطأ التي اتخذتها، أو حتى الظروف الخارجة عن إرادتك التي وقعت لك ولم تكن في حسبانك.

(4)

لن نُجَمِّل الهزيمة، فهي أمر سيئ ومؤلم.

لكن الأمر ليس كما يبدو.

الهزيمة تكشف لك نفسك، معدنها، ثباتها وقت الشدة، من معك يساندك ممن حولك، ومن ضدك، من المخلص، ومن الخائن، من قَبِلَك في كل أحوالك، ومن تخلَّى عنك.

الهزيمة ليست في عثرة نسقط منها، الهزيمة الحقيقية هي الاستسلام، وما دمنا نقاوم فإن الأمر لم ينته بعد.

أتعلمون أن علينا التعامل في الدنيا كما يتعامل لاعبو الكرة في مبارياتهم، في حال هزيمتهم يحزنون، لكنهم يصافحون الفائزين بروح رياضية عالية، ثم يصرفون جهدهم للاستعداد للجولة المقبلة.

قال الحكماء "لا تأخذ الدنيا على محمل الجد". يبدو أن هذا كان مقصدهم، اسألوا كبار السن، فمنذ أن وصلوا إلى عمرهم هذا وهم ينظرون إلى الحياة من عل، يكاد يرى الكبار كل شيء على حقيقته، يسخرون من أنفسهم عندما يعودون بذاكرتهم إلى الوراء ويتذكرون هزائمهم وأحزانهم، وما اعتبروه في حينه نهاية الحياة.

ها هم يكتشفون أن الأمور ليست هكذا.

لذلك علينا ونحن صغار أن نبذل جهدا كبيرا لنرى الأمور على حقيقتها وبأحجامها الطبيعية، فلا نبالغ في تضخيمها.

(5)

وإذا هزمنا، فماذا نفعل؟

نستقبل الأمر ببساطة.

فكل هؤلاء الناجحين حولنا هزموا ذات يوم قبل أن ينتصروا اليوم ويتربعوا على عرش انتصاراتهم.

اسأل العم غوغل، فهو ملآن بحكايات عن رجال أعمال وأثرياء وفنانين ولاعبي كرة وعلماء وأدباء، تعثروا كثيرا في حياتهم، إلى أن حقَّقوا ما أرادوا.

لا تلُم نفسك، لا تجلدْ ذاتك، حتَّى وإن كنت قد أخطأت، لا بأس، كلنا نخطئ، ليس منا على وجه الأرض من لا يتعثر أو "يحسبها غلط" أو يفشل.

لملم شتاتك واستعد للوقوف مرة أخرى، لتخوض المعركة من جديد.

حدد أسباب الإخفاق بدقة، والأخطاء التي وقعت فيها، والقرارات الخطأ التي اتخذتها، أو حتى الظروف الخارجة عن إرادتك التي وقعت لك ولم تكن في حسبانك.

ثم لا يمكن أن تبدأ من جديد من نفس النقطة التي بدأت منها المرة السابقة، وإلا فلا تنتظر نتائج مختلفة.

نعم الكلام سهل، والتطبيق صعب، لكن هذا بالتحديد الذي يصنع الفرق بين الناس، بين الذي يجد صعوبة في أن ينهض من جديد، وذلك الذي يتمتع بإرادة فولاذية.

أتعرفون؟! عندما يمر الواحد منا بظروف تجعله بين الحياة والموت، مثل حادث، أو حريق، أو غرق، أو ما شابه، فإنه يبذل جهدا عظيما لينجو بنفسه، وبعد أن ينجح يندهش كيف استطاع ذلك، وفي الأحوال العادية لو سألته هل تستطيع القفز مثلا أو تستطيع كذا؟ لأجاب نافيا. لكنَّ محنته فجرت فيه قواه الخفية. وهذا هو المطلوب تحديدا، أن تكتشف قواك الخفية، القادرة على تحويلك من خانة المهزوم إلى خانة المنتصر.

يقولون في الأمثال "ما يقع إلا الشاطر".

والشاطر قادر على أن ينهض من جديد.

أهمية العقيدة في ظلال القرآن

أهمية العقيدة في ظلال القرآن

الذي يقرأ في “في ظلال القرآن” لا يحتاج إلى كبير عناء ليلحظ المساحة الهائلة التي شغلتها العقيدة الإسلامية ومباحثها في ثنايا هذا التفسير، فقد كان منطق سيد قطب في فهم القرآن على أنه مسوق لغاية واحدة عظيمة، وهي: 

تقرير الألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية في حياة البشر، بل إن هذه الحقيقة كانت مدار الرّسالات السماوية كافّة، لهذا جاء الظلال حافلاً بقضايا الاعتقاد.

العقيدة هي الموضوع الرئيسي للقرآن كله

يقول سيد قطب في مقدمة تفسير سورة يونس: ” والواقع أن تلك القضية الكبرى هي قضية القرآن كله، وقضية القرآن المكي بصفة خاصة، فتعريف الألوهية الحقة، وبيان خصائصها من الربوبية والقوامة والحاكمية، وتعريف العبودية وحدودها… والوصول من هذا كله إلى تعبيد الناس لإلههم الحق… هذا هو الموضوع الرئيسي للقرآن كله، وما وراءه إن هو إلا بيان لمقتضيات هذه الحقيقة الكبيرة في حياة البشر بكل جوانبها”1.

وهذا المنطق له ما يبرره، فقد كانت أغلب سور القرآن العظيم من القرآن المكي، والقرآن المكي على المشهور هو: ما نزل قبل الهجرة، وهذه الفترة الزمنية -المكية-من حياة الدعوة أكثر ما كانت تعني به العقائد. فضلا عن أن القرآن المدني لم يخلو من ذكر العقيدة، بل كان يذكرها في مناسبات شتى.

وقد كانت نظرة سيد للقرآن المكي أعمق وأوسع من نظرة علماء كثيرين اعتقدوا أن فوائد معرفة المكي والمدني منحصرة في معرفة الناسخ والمنسوخ، وتاريخ التشريع، وحفظ القرآن، فهو يرى أن موضوع القرآن المكي الذي عالج العقيدة على امتداد ثلاثة عشر عاما كاملة دون تجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام والشريعة، ظاهرة كبيرة يجب فهمها بأبعادها الحقيقية2.

ويمكن للباحث أن يخلص إلى أن أهمية العقيدة من خلال القرآن المكي في “ظلال القرآن” تتلخص في أمرين:

الأول: حاجة الإنسان الفطرية للعقيدة

تنبع أهمية العقيدة من كونها حاجة حيوية للإنسان كحاجته إلى الطعام والشراب، لأنها تلبي دوافعه الفطرية في معرفة سر وجوده ووجود الكون والحياة من حوله، فهو يريد أن يعرف عن أصله ونشأته ومصيره بعد الموت، وأن يتبين حقيقة الكون الذي يحيا فيه، كيف نشأ وما وراءه من أسرار، وسر الحياة على هذه الأرض، كيف نشأت هذه الحياة من هذا الموات المحيط بها؟ ولماذا؟ … وهل وراء هذا الوجود والحياة قوة مدبرة؟ ومن هي هذه القوة؟ وماذا تريد منه؟ وما صلته بها؟ هذه الأسئلة تساور كل نفس، ولا يمكن للإنسان أن يطمئن دون إيجاد إجابات تقنع عقله وتجيب فطرته، وتحدد وظيفته وغايته ودوره وارتباطاته بهذا الوجود. وتجاوز هذه الأسئلة أو حلها بصورة خاطئة يبقي على مشاعر القلق والشك والحيرة.

 يقول سيد قطب: ” والشأن في مسألة الاعتقاد هو الشأن في كل أمر حيوي تتوقف عليه حياة الكائن البشري. فالكائن الحي يبحث عن الطعام والشراب والهواء – كما يبحث عن التناسل والتكاثر – بحثاً فطرياً ولا يترك الأمر في هذه الحيويات حتى يكمل التفكير وينضج، أو حتى ينمو العلم ويغزر. وإلا تعرضت حياة الكائن الحي إلى الدمار والبوار . . والإيمان حيوي للإنسان حيوية الطعام والشراب والهواء سواء بسواء. ومن ثم يكله الله فيه إلى تلاقي الفطرة بآياته المبثوثة في صفحات الكون كله في الأنفس والآفاق”3.

الثاني: بناء تصّور الإنسان عن الكون والإنسان والحياة

العقيدة هي التي تشكل وجهة نظر الإنسان عن الكون والإنسان والحياة، وإدراك حقيقة وجوده وغايته ووظيفته، وتحدد رؤيته لما وراء الكون والإنسان والحياة من قوة مدبرة، وتكشف له عن القوى الحقيقية الفاعلة في هذا الوجود، وتحدد ارتباطاته بها وبالوجود كله، وهذا التفسير للوجود يترجم عملياً في حياة الفرد والجماعة عن طريق أنظمة العيش، والقيم، والأخلاق، التي تنظم الحياة وتحدد السلوك، ولهذا تختلف توجهات البشر واهتماماتهم وفق ما يحملون من عقائد، وتتغاير المجتمعات البشرية وتصطبغ بصبغة العقيدة التي يعتنقونها، لهذا كان أمر العقيدة في غاية الخطورة، فمفرق الطريق بين الحياة الصحيحة والحياة التائهة هي العقيدة.

 يقول سيد قطب عند ملاحظة الجهد الهائل الذي بذله القرآن وخصوصاً القرآن المكي في تصحيح التصور الاعتقادي: ” وهذا الاهتمام البالغ بتصحيح التصور الاعتقادي، وإقامته على قاعدة التوحيد الكامل الحاسم، يدل على أهمية هذا التصحيح، وأهمية التصور الاعتقادي في بناء الحياة الإنسانية وفي صلاحها، كما يدل على اعتبار الإسلام للعقيدة بوصفها القاعدة والمحور لكل نشاط إنساني، ولكل ارتباط إنساني كذلك”4.

 ويقول في موضع آخر: “ فنظام الحياة ومنهج السلوك وقواعد الأخلاق والآداب، ليست بمعزل عن التصور الاعتقادي؛ بل هي قائمة عليه، مستمدة منه. وما يمكن أن تثبت وتستقيم ويكون لها ميزان مستقر إلا أن ترتبط بالعقيدة، وبالتصور الشامل لحقيقة هذا الوجود وارتباطاته بخالقه الذي وهبه الوجود”5.

ارتباط الأخلاق والسلوك بالعقيدة

ويستدل سيد قطب لهذه الحقيقة بأمثلة كثيرة في تفسيره، ولنضرب بعض الأمثلة يتضح بها المقال:   

يقول سيد: ” الإيمان بالله معناه إفراده -سبحانه -بالألوهية والربوبية والعبادة. ومن ثم إفراده بالسيادة على ضمير الإنسان وسلوكه في كل أمر من أمور الحياة … فالسيادة على ضمائر الناس وعلى سلوكهم لله وحده بحكم هذا الإيمان. ومن ثم فالتشريع وقواعد الخلق، ونظم الاجتماع والاقتصاد لا تتلقى إلا من صاحب السيادة الواحد الأحد”6.

العقيدة هي القاعدة التي تستمد منها القيم والتصورات والتوجهات

ويقول في موضع آخر: ” هذه الوحدانية الحاسمة الناصعة هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي؛ والتي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها… وعن هذا التصور تنشأ قاعدة: الحاكمية لله وحده. فيكون الله وحده هو المشرع للعباد؛ ويجيء تشريع البشر مستمداً من شريعة الله. وعن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم كلها من الله؛ فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة كلها إذا لم تقبل في ميزان الله، ولا شرعية لوضع أو تقليد أو تنظيم يخالف عن منهج الله. وهكذا إلى آخر ما ينبثق عن معنى الوحدانية من مشاعر في الضمير أو مناهج لحياة الناس في الأرض على السواء”7.

ففرق كبير في الحياة، والتصورات، والقيم، والتوجهات، بين ما تفرزه عقيدة الإسلام القائمة على التوحيد في الواقع، وبين العقائد الأرضية التي تقطع الصلة بين الله وبين خلائقه، كالرأسمالية، والاشتراكية، أو الديمقراطية، والديكتاتورية، والملكية والتي تتخذ لها أرباباً من دون الله تجعل لها القوامة والسلطان والحاكمية فيعبّدون الناس لربوبيتهم الزائفة، فيشرعون للناس ما يشاءون من القيم والتقاليد والأوضاع ما يجعل دينونتهم لهذه الأرباب لا لله8.

الإيمان باليوم الآخر هو مفرق الطريق بين الحياة الصحيحة والحياة التائهة

أما الإيمان باليوم الآخر، فإنه يشكّل – من وجهة نظر سيد قطب- مفرق الطريق بين من يعتقد أنّ حياته محصورة في مجال الأرض هي كل ما له في هذا الوجود، وبين من يؤمن بأن هناك حياة أخرى أبدية وراء هذا الحيز الصغير تستحق أن يجاهد لها، يقول سيد: ” والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض؛ فلا تستبد بهم ضرورات الأرض. وعندئذ يملكون الاستعلاء على هذه الضرورات… ومن ثم فإن هذه الكلية تعد مفرق الطريق بين العبودية للنزوات والرغائب، والطلاقة الإنسانية اللائقة ببني الإنسان. بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلق بالقيم الربانية والاستعلاء على منطق الجاهلية… وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع ما لم تتحقق هذه الكلية في تصور البشر. وما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير. وما لم يثق الفرد المحدود العمر بأن له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمداً على العوض الذي يلقاه فيها. وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعور ولا خلق ولا سلوك ولا عمل. فهما صنفان مختلفان من الخلق. وطبيعتان متميزتان لا تلتقيان في الأرض في عمل ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء، وهذا هو مفرق الطريق”9.

كل انحراف في السلوك أو القيم أو الأخلاق مرده إلى فساد التصور والاعتقاد

ويبرز سيد قطب أن كل انحراف في السلوك أو القيم أو الأخلاق مرده إلى فساد التصور والاعتقاد، فالعرب – قبل الإسلام- لم يؤمنوا بأن الرزق من عند الله، وإنما هو حصيلة الجهد والكسب في الأعمال والحروب، فكانوا يخشون الفقر مع ولادة الأنثى لضعفها عن مزاولة أعمال الذكورة، فتحركت مشاعرهم بهذه العقيدة (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [النحل: 58، 59] فكان منهم احتقار جنس الإناث، وشرعوا لأنفسهم نظاماً مبنياً على عقيدتهم السخيفة، فوأدوا البنات في الجاهلية أو أبقوا عليهن في الذل والهوان10.

يقول سيد عند تفسير قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) [الإسراء : 31]. ” إن انحراف العقيدة وفسادها ينشئ آثاره في حياة الجماعة الواقعية، ولا يقتصر على فساد الاعتقاد والطقوس التعبدية. وتصحيح العقيدة ينشئ آثاره في صحة المشاعر وسلامتها، وفي سلامة الحياة الاجتماعية واستقامتها. وهذا المثل من وأد البنات مثل بارز على آثار العقيدة في واقع الجماعة الإنسانية. وشاهد على أن الحياة لا يمكن إلا أن تتأثر بالعقيدة، وأن العقيدة لا يمكن أن تعيش في معزل عن الحياة”11.

هذا هو الطريق: اجتثاث التصور الجاهلي الاعتقادي جملة من جذوره؛ وإقامة التصور الإسلامي الصحيح

ومن هذه النظرة يجيب سيد قطب عن ظاهرة اعتناء القرآن المكي بتصحيح العقيدة قبل الاعتناء بتصحيح السلوك، يقول: ” إنما بدأ الإسلام من عقدة النفس البشرية الأولى. عقدة العقيدة. بدأ باجتثاث التصور الجاهلي الاعتقادي جملة من جذوره؛ وإقامة التصور الإسلامي الصحيح. إقامته من أعماق القاعدة المرتكزة إلى الفطرة. بيّن للناس فساد تصوراتهم عن الألوهية وهداهم إلى الإله الحق. وحين عرفوا إلهم الحق بدأت نفوسهم تستمع إلى ما يحبه منهم هذا الإله الحق وما يكرهه. وما كانوا قبل ذلك ليسمعوا! أو يطيعوا أمراً ولا نهياً؛ وما كانوا ليقلعوا عن مألوفاتهم الجاهلية مهما تكرر لهم النهي وبذلت لهم النصيحة. إن عقدة الفطرة البشرية هي عقدة العقيدة؛ وما لم تنعقد هذه العقدة أولاً فلن يثبت فيها شيء من خلق أو تهذيب أو إصلاح اجتماعي”12.

مما سبق يتبين كيف أبرز سيد قطب أثر العقيدة في بناء الإنسان وصقل شخصيته، وفي بناء المجتمع وتحديد معالمه وهويته، وتكوين حضارته، وأخيراً يمتد التأثير إلى التجمع الإنساني برمته، خصوصا في حاضرنا الذي بات فيه العالم قرية صغيرة تتزاحم فيها الأفكار والثقافات وتتصارع فيها الحضارات. لهذا كان للعقيدة هذا الشأن العظيم في حياة البشر.

الهوامش

1 – في ظلال القرآن ، (3/1753).

2- في ظلال القرآن، (3/ 1004-1005).

3- قطب، في ظلال القرآن، (1 /299).

4- المصدر السابق: (2/946).

5 – المصدر السابق: (1/ 296).

6 -قطب، في ظلال القرآن، (1/341).

7 – قطب، في ظلال القرآن (1/ 286-287).

8- انظر: المصدر السابق، (4/ 1852، 1866، 2074).

9- قطب، في ظلال القرآن (1/24-25).

10 – انظر: المصدر السابق، (4/2178).

11 – المصدر السابق: (4/2223).

12- قطب، في ظلال القرآن (1/973).

المصدر

كتاب: “خصائص العقيدة الإسلامية وآثارها من خلال تفسير الظلال لسيد قطب” 


كفاح الجزائر المرير !

 كفاح الجزائر المرير !

الأستاذ الشهيد سيد قطب تقبله الله
كفاح الجزائر في سبيل البقاء،
كفاحها في أن تظل عربية
وأن تظل مسلمة،هذا الكفاح له في نفسي دلالة خاصة ..
قد لا تخلص من كفاح أي بلد آخر من البلاد العربية أو البلاد الإسلام.
لقد أريد بالجزائر أن تكون أندلسا جديدة .
أريد بها أن تنسلخ من جسم الوطن العربي الإسلامي،
و أن تبتلعها الصليبية الأوروبية الجديدة،

و مضى أكثر من قرن و المحاولات الجبارة لا تني لحظة و لا تكف،
و استخدمت كل الوسائل التي لا تعرف البشرية
أقسى منها
و لا أمكر منها
و لا أفتك منها .

و لكن الجزائر ..
بدلا من أن تموت ..انتفضت حية
بدلا من أن تنهار ، تماسكت و تجمعت
و أعلنت عن وجودها بدلا من أن تبتلعها الصليبية ،

و لم يعرف بلد آخر في الشرق أو في الغرب ..
ما عرفته الجزائر من أساليب الصليبية
حتى الأندلس
و حتى فلسطين
لم تعرفا هذه الأساليب ،

لقد امتدت هذه الأساليب إلى تفتيت التماسك العنصري و العائلي ،

و امتدت إلى تخليط الأنساب
و تحطيم الأخلاق،

امتدت إلى إزالة الصبغة العربية و الصبغة الدينية ،

و تم هذا في غفلة من العالم الإسلامي و الأمة العربية في القرن الماضي،

و كانت الجزائر وحدها في الميدان فلم يكن بجوارها أحد كما هو الحال الآن .

لهذا كله تخلص لي من كفاح الجزائر دلالة لا تخلص لي من كفاح أي بلد آخر،
دلالة مطمئنة تدعو إلى الثقة و التفاؤل.

إن هذا العالم الإسلامي لن يموت و لن يفنى،
و لو كان يراد له الموت لمات ،
و لو كان كتب له الفناء لفني ..

إن المحنة التي عانها في الجزائر لن يعاني مثلها اليوم
لأن الاستعمار لا يملك مثلها اليوم و بعد اليوم ،
و لأن الأساليب التي جربها في الجزائر لا يعرف العالم لها نظيرا .

إن في الوطن الإسلامي حيوية كامنة لا يغلبها شيء ..
هذا هو الخاطر الذي يخالج نفسي ..
كلما نظرت في كفاح الجزائر
و نظرت في تاريخ هذا الكفاح ..

إن العالم الإسلامي لا يكاد يعرف شيئا عن هذا الكفاح !
إن تاريخه لم يكتب بعد بالتفصيل
و لم تعرضه أقلام أمينة نزيهة عالِمة ببواطن الأمور،

و أنا أقترح على "جمعية علماء الجزائر" ،
أن تعرض تاريخ هذا الكفاح على الناس باللغة العربية و بجميع اللغات ،

إن هذا التاريخ سيكون له وقع عظيم ،
لأنه سيطلع اليائسين و المترددين و الضعاف في العالم الإسلامي كله على:
أن الحيوية الكامنة في جسم الوطن الإسلامي لا غالب لها ،
و أن هذا الجسم يحمل بذرة الحياة التي لا تموت أبدا ،

إنه سيد المكافحين في الأرض كلها بدفعة قوية من الرجاء الحار في الخلاص ،

و نحن محتاجون إلى هذه الدفعة القوية في معاركنا الفاصلة التي ستشب يوما في أجزاء العالم الإسلامي .

لقد عاش الاستعمار بعد أوانه ،
عاش أكثر من عمره الطبيعي ،
عاش ضد طبائع الأشياء،

و لم يعد له بد من،
أن يصطدم بالحياة
و أن يلتقي في معركة فاصلة مع الزمن و الحياة و الناس ،

و هيهات أن يبقى نظام يصطدم بالزمن و الحياة و الناس .

لذلك كله أحب ..
أن يعرض كفاح الجزائر على أنظار البشرية جمعاء
و أن تعرض آلام الجزائر على المكافحين الذين تصب عليهم الآلام اليوم

لكي يدرك الجميع أن آلام الأرض كلها ..
لا تقتل أمة تريد الحياة ،
و لا تعوق شعبا يعتزم الكفاح .

ثم لكي يعرف المكافحون في العالم الإسلامي
حقيقة العنصر الذي يحميهم من الانهيار ،
و يمسك بهم من التفكك و التفتت ،

و سيجدون هذا العنصر بارزا في كفاح الجزائر،
إنه العقيدة و اللغة التي نزلت بها هذه العقيدة .

و لقد عرفت جمعية علماء الجزائر كيف توثق هذا الحبل ،
و كيف ترفع ذلك المشعل ،
فعرفت كيف تجمع الشاردين ،
و كيف تؤمّم أمامهم الطريق،
و كيف تخلق ذلك البعث ..
الذي لن تموت الجزائر بعده
و لن تهين و لن تستسلم ،
و العالم كله قد صحا من سباته العميق .

و إنني لأكتفي اليوم بهذه الكلمات القلائل تحية لجمعية علماء الجزائر و شيخها الجليل الذي يجاورنا اليوم
[يقصد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله يوم كان في القاهرة]،
فيبعث فينا من روحه شعاعا حارا،
و يشعرنا بأن في العالم الإسلامي رجالا ..
رجالا من طراز فريد،

و لن يموت هذا العالَم و هو يبعث من أعماقه بمثل هؤلاء الرجال.

المصدر : مذكرات الشيخ خير الدين ص: 401
البصائر / العدد 214 السنة الخامسة 1953


هل نجحوا في "تطهير" المساجد؟

هل نجحوا في "تطهير" المساجد؟




حلمي الأسمر
01 سبتمبر 2022

كنتُ في بلد عربي ذات سنة ليست بعيدة، وداهمتني صلاة الفجر، فتوجّهت إلى المسجد لأداء الصلاة، وفوجئت بصاحبي يجذبني بعيداً عن المسجد، قائلاً لي إنّ صلاة الفجر "جماعة" في المسجد تشكّل في بلده تهمة، ومن الأفضل لي أن أؤديها إما في بيته أو الفندق. وأخذ يروي لي كيف رأى شقيقه "نجوم الظهر" من جهاز أمن البلد، فقط لأنه دأب على تأدية صلاة الفجر تحديدا في المسجد. وحين رأيت شقيقه قال لي، وهو شاب عشريني، ليس متدينا، ولا يوجد في بيتهم من يصلّي ولو ركعة، إنه حدث ذات يوم أن دعاه ابن جيرانه إلى صلاة الفجر، فلبّى النداء، وصحبه إلى المسجد، وحينما خرج كان في انتظاره عنصران من "أمن الدولة" حملاه في سيارة ومضيا به بعيدا، ثم عاد الفتى بعد أيام، وهو يقول لأهله: "والله لو صلّى اليهود الفجر في المسجد ما صليته بعد الآن". باختصار، تعرّض الفتى لألوان من الضرب والإهانة من أزلام الأمن، وهدّدوه بما لا يتخيله عقل إن واصل الذهاب إلى المسجد، ولقاء مرتاديه.
ليست هذه الواقعة شاذّة، ففي الأردن، مثلاً، فرض على خدم المسجد أن يُغلق فور أن يؤدّي المصلون الصلاة، وقد كان في ما مضى يبقى مشرع الأبواب لخدمة عابري السبيل، وترافق هذا مع تعليمات مشدّدة تصدرها وزارة الأوقاف، تمنع أي داعية من فتح فمه بالدعوة والإرشاد إلا بإذن من الوزارة، مع منع كثيرين من الخطباء وعلماء الدين وأساتذة الشريعة من اعتلاء المنبر. وتطوّر الأمر أخيراً إلى  "توحيد" خطبة الجمعة في جميع المساجد. وليس الأردن ببدع من البلاد العربية الأخرى، فقد غدا المسجد تحت الضوء الكاشف مراقبةً ورصداً، لأنّه في معيار أنظمةٍ كثيرة بؤرة لتنظيم الدعاة الحركيين، وما يسمّونه "التطرّف". وبلغ الأمر في بلاد أخرى فرض إجراءاتٍ مشدّدة على كل من يخرج من الخطباء عن الخط المرسوم أمنياً، فيجد نفسه واقعاً في الأغلال، ومجرجراً إلى غياهب السجن، حتى لو كان خطيباً للحرم المكي. وما قصة الحكم بالسجن على إمام الحرم المكي، الشيخ صالح آل طالب، عشر سنين بسبب خطبة جاء فيها على ذكر حفلات "الترفيه" بالنقد، في خطبةٍ انتشرت على منصات الإعلام الشعبي، ومثله كثيرون، أودعوا المعتقلات بسبب موعظة أو "بوست" على "فيسبوك"!

"مفتاح" ما جرى ويجري في كثير من بلادنا العربية مرتبطٌ بشكل وثيق مع حمّى "التطبيع" والتطبيل مع كيان العدو الصهيوني

وفي واقعةٍ ليست بعيدة، منع حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن من إقامة مهرجان خطابي انتصاراً للأقصى ضد هجمات المستوطنين قبل ساعات من انطلاقه، فيما يُسمح لكلّ من هبّ ودبّ بتنظيم حفلات غناء ورقص، بل يُستقدم مطربون ومطربات من كلّ بقاع الدنيا وتفتح لهم صالات كبار الزوار، ويجدون ترحيباً منقطع النظير، هم ومنظمو حفلاتهم، فيما يضيق صدر القوم بمهرجان خطابي ينتصر للأقصى، وإن بالكلام.
أما حكاية مراكز تحفيظ القرآن الكريم، فتلك قصة طويلة بدأت منذ أعلنت غير جهة مسؤولة في بلاد العرب عما يسمّونه "تطوير المناهج" ليتبين بعد بحث سريع أنّ عمليات التطوير نالت من آيات الجهاد فشُطبت كلها أو جلها من مناهج العرب، كما شطب كلّ ما له علاقة باليهود وخيانتهم العهود وتآمرهم على الدعوة الإسلامية في سنيها الأولى في المدينة المنورة. ولهذا تعين على السلطات ذات العلاقة أن تلاحق حلقات تحفيظ القرآن الكريم، كي لا يقرأ النشء ما شُطب من آياتٍ من مناهج الدراسة المختلفة.
ويبدو أنّ "مفتاح" ما جرى ويجري في كثير من بلادنا العربية مرتبطٌ بشكل وثيق مع حمّى "التطبيع" والتطبيل مع كيان العدو الصهيوني، وإن كانت الحملات على المساجد وأهلها بدأت مبكراً مع موضة محاربة ما يسمّونه "الإرهاب" لكنّها اشتدّت ضراوة وتوحشاً مع البدء بإعلان تحالفات النظام العربي الرسمي مع كيان الاحتلال، بعدما كانت تلك التحالفات والعلاقات سرّية بعيداً عن الأعين وفي الغرف المغلقة، ولا أدلّ على هذا من شريط فيديو لصهر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، جاريد كوشنر، وهو يقول بكلّ صراحة: "نفّذنا عملاً جيداً في تطهير كثير من المساجد بالتعاون مع شركائنا في المنطقة  لتسهيل التطبيع مع إسرائيل". ولا يحتاج هذا التصريح لأي تعليق أو شرح لمعنى "التطهير"، فهي كلمةٌ توحي أن مساجدنا كانت "ملوّثة" بالنظافة، وجرى "تطهيرها" من أي معنىً للرجولة أو الجهاد أو عزة الإسلام، كي تصبح مجرّد أماكن تفتح لوقت قصير لكبار السن، لتأدية الصلوات على عجل، ثم تغلق فوراً كي لا يجتمع فيها "الإرهابيون!" ليتعلموا بعضاً من دينهم!

تغصّ جنبات المساجد، والمسجد الأقصى على وجه الخصوص، بآلاف المصلين في صلاة الفجر تحديداً، في مظهرٍ لافت

الغريب هنا، وهو ليس بغريب حقيقة، أنّ حملات السلطات المختصّة على مساجد العرب، ومناهجهم، يرافقها شيوع غير مسبوق للتدين اليهودي وجنوح مخيف في كيان العدو نحو مزيد من نمو أحزاب وحركات وجماعات متطرّفة دينياً، شعارها "الموت للعرب" وليس للفلسطينيين فقط، ولن يمر وقت طويل حتى نرى نتائج انتخابات الكنيست الصهيوني الوشيكة، وطبيعة ما يفرز من قوى يمينية، يتوقّع أن تهيمن عليه بشكل ساحق، جرّاء الرعاية الرسمية لليمين المتطرّف والتدين اليهودي، وهو الذي يأخذ على عاتقه حملات التهويد والبطش بالفلسطينيين ومصادرة أراضيهم وتخريب محاصيلهم وسرقتها.
ومن طريف ما يُروى في هذا المقام أنّ مخبراً أمنياً في بلد عربي كان يتعقب "مشتبهاً به" بالتدين لاحظ أنّه دخل يوماً محلاً لبيع الخمور، فرفع تقريراً لمرؤوسيه كتب فيه عن هذا "المشبوه": "تحسّنت أخلاقه!"... ويبدو أنّ هذا "التحسّن" هو المعنى ذاته الذي قصده كوشنر في تصريحه عن "تطهير" المساجد. ومن المفارقات هنا أن عملية "التطهير" تلك لم تصل إلى مساجد فلسطين، التي تشهد هذه الأيام إقبالاً غير مسبوق على صلاة الفجر، إذ تغصّ جنبات المساجد، والمسجد الأقصى على وجه الخصوص، بآلاف المصلين في صلاة الفجر تحديداً، في مظهرٍ لافت لا بدّ أنّه محط "دراسة" وتعقب من جهاز الشاباك، ووحدات الدراسة والتعقب والرصد في أجهزة أمن الاحتلال، وما يتبع لها من أجهزة "التنسيق الأمني" في فلسطين وخارجها! 
ومن طريف ما قالته رئيسة وزراء الكيان إبّان حرب أكتوبر عام 1973، غولدا مائير، عندما حذّروها بأنّ عقيدة المسلمين تنصّ على حرب قادمة بين المسلمين واليهود سوف ينتصر فيها المسلمون عند اقتراب الساعة، فقالت: "أعرف ذلك، لكنّ هؤلاء المسلمين ليسوا من نراهم الآن، ولن يتحقق ذلك إلا إذا رأينا المصلين في صلاة الفجر مثلما يكونون في صلاة الجمعة"... ويبدو أنّ ما خشيته مائير قد بدأ بالتحقق.

فتنة النموذج التونسي!

 فتنة النموذج التونسي!

سيف الهاجري 

يتباكون على نموذج تونس الديمقراطي مع أنه تشكل في اتفاق باريس عام ٢٠١٣ بين السبسي والغنوشي برعاية فرنسية أمريكية، وتمت هندسة هذا النموذج الوظيفي ليعيد تأهيل رجال بن علي لتولي السلطة وهذه المرة باسم الثورة!

وهذا الاتفاق جاء ليعيد التوازن للمشهد في تونس بعد اختلاله عام ٢٠١١ بسبب الثورة وهذا ما قاله صراحة رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي في مقاله

«لقاء باريس: الدروس والتحديات والآفاق»

(لقاء باريس.. هيأ لحزبي النهضة والنداء سبل النجاح في قيادة الحياة السياسية نحو التهدئة بوجود حزبين كبيرين لهما قدرة على تأطير الشارع وإحلال التوازن الذي اختل بعد انتخابات أكتوبر 2011)

وهذا اعتراف صريح من الشيخ الغنوشي برؤية حركة النهضة للمخرجات السياسية التي تمثل الثورة عام ٢٠١١ بأنها اختلال للتوازن السياسي القائم أي الواقع السياسي المستبد الذي ثار عليه الشعب التونسي.

واليوم بعد عقد من اتفاق باريس انتهت صلاحية نموذجه السياسي الوظيفي وجاء نموذج سياسي جديد وكلاهما باسم ثورة الشعب، والشعب التونسي لا ناقة له ولا جمل في هذه الترتيبات السياسية التي تعقد صفقاتها في باريس وواشنطن وتنفذ في تونس وقرطاج!

هذه هي الحقيقة التي غيبت في ركام من تضليل يمارسه جماعات ونخب وظيفية لإيهام الشعوب بأنهم جزء من الثورة والربيع العربي وحقيقتهم كما في الحديث الذي رواه الترمذي

((يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللَّهُ: أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئِونَ! فَبِي حَلَفْتُ، لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانَ))

فما أعظم فتنة هؤلاء الذين لبسوا على أهل الإسلام دينهم حتى جعلوا كل اتفاق يعقد في عواصم الحملة الصليبية هو من السياسة الشرعية ومقاصد الدين في حفظ النفس والمال والحقيقة هي أن الشعوب هي من تدفع الثمن فأبنائها الأحرار إما مقتول أو منفي أو مسجون وثرواتها تنهب كل هذا باسم الإسلام والثورة فما أعظمها من فتنة فعلا!

‏ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾

وثيقة: لقاء باريس :الدروس والتحديات والآفاق

وثيقة: لقاء باريس :الدروس والتحديات والآفاق

30 سبتمبر، 2018

 

بقلم : راشد الغنوشي
رئيس حركة النهضة

نشر راشد الغنوشي، رئيس حركة “النهضة”، في 15 ماي الفارط، وبمناسبة الذكرى الخامسة للقاء باريس، الذي جمعه بالرئيس الحالي الباجي قايد السبسي، نصا على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، شدد فيه على أهمية “التوافق” الذي بمقتضاه تم حكم تونس خلال الأربعة السنوات الفارطة. 
لكن، اللافت للانتباه أن النص كتب و “التوافق” يمر بأسوأ مراحله، وهو ما تأكد بالفعل بعد أقل من شهرين، اذ أعلن الرئيس السبسي في حوار متلفز (24 سبتمبر 2018)، عن نهاية التوافق بينه وبين راشد الغنوشي.
“تحل اليوم 15 أوت 2018 الذكرى الخامسة للقاء باريس الذي جمعني بفخامة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي زعيم جبهة الإنقاذ وقتها، والذي كان منطلقا لمسار حمى البلاد بفضل الله سبحانه وتعالى من الفتنة والانقسام، وهيأ للثورة التونسية سبل النجاح لتواصل شق طريقها لطي صفحة الاستبداد والدكتاتورية بعد انهيار اغلب تجارب الربيع العربي.
كانت الأمور تسير نحو الفوضى التي لم يكن يفصلنا عنها سوى سلك رفيع يحول بين جمهور المعارضة المحتشد في ساحة البرلمان المعطل {اعتصام الرحيل}واعتصام {الشرعية} في نفس الساحة. وكان التحريض على أشده حتى تلحق تونس بركب الثورات المجهضة، وكانت التوقعات ان تحاول النهضةـ العمودي الفقري للترويكاـ استغلال الدولة لمصادمة معارضيها، وان يندفع النداء ـالقوة الاساسية في جبهة الإنقاذـ الى تأجيج الشارع لاستنساخ السيناريو المصري.
رغم ان كل أطياف المعارضة يميناً ويسارا قد تداعت على التسليم بسي الباجي زعيما لجبهة الإنقاذ رغم اختلافاتها الراديكالية معه، إلا أن سي الباجي أطل من شاشات التلفزة في مثل هذا الشهر من سنة 2013 مادا يده للحوار،فلم تتأخر استجابتي، وحتى من لامني وقتها على الذهاب الى باريس للقائه ، اجبته لو كان الذهاب الى قواتيمالا مفيدا لتونس في درء الفتنة المخيم شبحها على البلاد ما ترددت ، المهم المضمون لا الشكل، ان مصلحة الوطن مقدمة عندنا على كل مصلحة اخرى.
لم تكن المهمة سهلة بالنسبة للطرفين ، رغم أني كنت قبل اقل من أسبوعين قد خطبت في ساحة القصبة يوم 3 أوت 2013 في تلك الجموع الهادرة {قدرت بأكثر من ربع مليونا}كان المنتظر ربما من رئيس حركة النهضة خطابا حماسيا يرد على خطاب الكراهية والتحريض من الطرف الاخر ، وليس الدعوة الى الوحدة الوطنية والمصالحة بين التونسيين.
كان موقفي نابعا من من ان تلك الجماهير الهادرة في القصبة أو المتواجدة في ساحة باردو تنتظر من قادتها وزعمائها شيئا اخر غير لغة الحقد والتحريض، غير الاستسلام للأمر الواقع وقتها وهو الانجرار وراء الفتنة والانقسام وفض الخلاف بالقوة لا بالعقل والحوار.
جماهيرنا كانت تحتاج دعوة الى العيش المشترك ونكران الذات وتقديم مصلحة الوطن على الأحزاب والكيانات والافراد والتأسيس لقيم التصالح والسماحة والتوافق والوحدة الوطنية والقبول بالاخر وملاحقة فكر الاستئصال والاقصاء والتطرف الخطر الأعظم على الثورة بالامس واليوم وغدا
لقاء باريس الذي هيأ الظروف لمسار كامل من التوافق السياسي والمجتمعي فتح الأبواب امام الاستجابة الشاملة لدعوة منظمات المجتمع المدني الى الحوار الوطني وهيأ لحزبي النهضة والنداء سبل النجاح في قيادة الحياة السياسية نحو التهدئة بوجود حزبين كبيرين لهما قدرة على تأطير الشارع وإحلال التوازن الذي اختل بعد انتخابات أكتوبر 2011.
خرجنا والحمد لله من الأزمة بعد توافق، لم يكن صفقة انتهازية أو خيارا تكتيكيا أو مناورة ظرفية. النهضة خرجت من الحكم ولكنها لم تخرج من السياسة، لم تنقذ نفسها وحسب من محرقة كانت تعد بل انقذت بانسحابها من السلطة الثورة من الارتداد ، انقذت ما غدا يعرف بالنموذج التونسي والاستثناء التونسي : واحة للحرية والديمقراطية وسط فضاء عربي ضربه إعصار مدمر . لم يعد يسيرا بعدها ترداد: ان كانت كل الشعارات المرفوعة وقتها بأن الديمقراطية هي بالنسبة النهضويين مجرد سلم للوصول الى السلطة واحتكارها الى ما لا نهاية له.
اما النداء فقد أعطى بتلك الخطوة التاريخية من زعيمه ومؤسسه طابعا جديدا للمعارضة في عصر الديمقراطية وهي انها فعل بناء وإيجابي يرفض العدمية والتطرف والخيارات القصووية.
منذ لقاء باريس، الذي أعطى إشارة انطلاق سلسلة من اللقاءات بعيدا عن الصخب الإعلامي في منزل سي الباجي أو في منزلي، بالتوازي مع الحوار الوطني والى غاية موفى سنة 2014 ، لتبدأ تقاليد جديدة في الحوار والتشاور بين فخامة رئيس الجمهورية ورئيس حركة النهضة، أصبحت لتونس تجربة في إدارة الاختلاف السياسي بطريقة ديمقراطية قائمة على التداول السلمي على السلطة.
فقد انتصر النداء في انتخابات 2014 فبادرت بتهنئة رئيس الحزب الفائز حتى قبل صدور النتائج النهائية مسجلا حالة أولى من نوعها في بلاد العرب ، وقبلت النهضة بعد ان كانت تقود الحكومة المشاركة الرمزية في الحكم لتحصين المسار الجديد من العابثين والمتآمرين . وكم سعدنا بأن شعبنا كافأنا بالفوز في الانتخابات البلدية دون ان يتحول هذا الفوز الى مصدر لإرباك توازنات المشهد القائم، او مبعثًا لغرور وتغول، فحاجة البلاد وسكينتها تبحر في بحر متلاطم احوج الْيَوْمَ وغدا لنهج التوافق كما كانت أمس
وذلك بعد سنوات لم تخل من تباين في وجهات النظر ومن تنازلات متبادلة ومن تعارض احيانا بين طابع المنافسة الذي يميز العلاقة بين الأحزاب الطامحة دائما لان تكون في صدارة الانتخابات والأكثر تأثيرا في الشارع، وبين ضرورات الحفاظ على مقومات التعايش وإدارة الاختلاف تحت سقف الحوار البناء. ولكننا كنّا نجد أنفسنا والحمد لله عند كل اختبار أكثر تمسكا بميثاق العيش المشترك، وأكثر استعدادا لمواجهة التشدد في الرأي، حتى تبقى الوسطية مفتاح كل حل والضامن الأساسي لأمن البلاد ووحدة المجتمع.
وإني أؤكد هاهنا :
*أولا : الالتزام التام بخيار التوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي واعتباره الإطار الأمثل للحوار حول كل القضايا للوصول الى حلول وبدائل وتوافقات ، بعيدا عن منطق الغلبة وفرض الرأي ، وهو المنهج الذي توافقنا عليه في باريس وتوقفنا بعون الله وحمده الى الحفاظ عليه.
*ثانيا : ان التوافق أرضية خصبة لكل حوار جدي بين مكونات المجتمع وهو خيار استراتيجي لحركة النهضة وهو ما ظهر جليا في موقفنا من الدستور الذي راهنا على ان يكون موحدا لا مقسما أو مفرقا وكانت جلسة المصادقة عليه عرسا وطنيا خالدا والحمد لله . ومن المنطلق ذاته ندعو الى تبني نفس استراتيجية الحوار والبحث عن افي معالجة المستجدات والنأي بالمجموعة الوطنية عن كل ما من شأنه احلال الفرقة والتطاحن والتباغض. وفِي هذا السياق نؤكد اننا سنتفاعل مع مبادرة رئيس الدولة حول الإرث حين تقدم رسميا الى البرلمان، بما تقتضيه من الحوار والنقاش للوصول الى الصياغة التي تحقق المقصد من الاجتهاد وتجعل من تفاعل النص مع الواقع أداة نهوض وتجديد وتقدم لا جدلا مقيتا يفرق ولا يجمع، ويفوت على التونسيين والتونسيات المزيد من فرص التضامن والتآلف، وتساعدنا جميعا على المضي قدما في تحقيق ازدهار المرأة التونسية. وهذه مناسبة أنوه فيها بانتخاب الأخت سعاد عبد الرحيم أول رئيسة لبلدية تونس كما أهنئ كل من حظين بهذا الشرف في البلديات الاخرى سواء من المترشحات على قائمات النهضة{اكثر من أربعين سيدة}أو القائمات الاخرى.
*ثالثا : أن دعوتنا الى الاستقرار الحكومي لم تكن متعارضة مع خيار التوافق مع رئيس الجمهورية أو بحثا عن أُطر بديلة عنه بل تقديرا للمصلحة الوطنية . فلم يكن من الممكن تغيير حكومة في ذروة الانتخابات البلدية وقبل ان تستلم المجالس المنتخبة مسؤوليتها، ولا في ذروة الحوار مع المؤسسات الدولية المانحة، ولا في ذروة الموسم السياحي في ظل تهديدات ارهابية لا مجال لمواجهتها بحكومة تصريف اعمال، ولا قبل فترة قصيرة من الأجل الدستوري لإيداع قانون المالية القادم في مجلس نواب الشعب.
ومن هذا المنطلق فإننا نجدد دعوة كل الأطراف الى معالجة الاختلافات حول هذا الموضوع في إطار الحوار والبحث عن الحلول المعقولة سياسيا والمقبولة دستوريا في كنف الاحترام الكامل للمؤسسات، والنأي بوطننا عن كل ما من شأنه ان يعيق مسار انتقاله الديمقراطي ونحن على مشارف سنة انتخابية هامة، وفِي ظل وضع اجتماعي واقتصادي يحتاج حوكمة رشيدة وعادلة ومستقرة وناجعة في معالجة مشاكل الناس قبل تحولها إلى أزمات مستفحلة، وفِي مواجهة ارهاب متربص يرى تونس باعتبارها نموذجا للتعايش بين الاسلام والديمقراطية خطرا على استراتيجيته التكفيرية الاجرامية الشريرة. الذي نؤكده انفتاحنا على كل الحلول عبر الحوار الجاد بحثا عن التوافقات الضرورية
*رابعا : أن التنافس الحر هو من صميم الديمقراطية وان الطموح الشخصي للوصول الى الحكم عبر الصندوق حق دستوري لا يمكن المساس به أو إدانته، ولكن وكما قلنا سابقا فان الديمقراطية الناشئة لها مقتضياتها .فتونس لا يمكن ان تُحكم في تقديرنا بمنطق الأغلبية والأقلية وأن نتيجة الصندوق لا يجب ان تتنافى مع ضرورة الحفاظ على إمكانية التوافق على منظومة حكم مستقرة. ولنا في النموذج الألماني خير مثال وحافز. ومن منطلق خصوصية التجربة فإننا نجدد التأكيد على أن مواجهة تحديات المرحلة القادمة تقتضي تفرغ الحكومة لمهمتها في التنمية ومحاربة الفساد بعيدا عن التجاذبات الانتخابية والحزبية.
*خامسا : إدانة حملات التشويه التي تدار بطريقة منهجية عبر ترويج الاكاذيب وبث الفتن والتحريض على الشخصيات السياسية والأحزاب ورموز الدولة وإطاراتها بما قد يعكس لدى البعض رغبة في العودة الى اجواء الاحتقان والتشنج. وإننا اذ ندين بكل شدة ما تعرض له بالخصوص رئيس الدولة من ثلب وتهجم فإننا ندعو أجهزة الدولة الى التحرك ضمن القانون لضرب العابثين بالشبكات الاجتماعية، كما ندعو وسائل الإعلام الى الانخراط في ميثاق وطني ضد العنف اللفظي وثقافة التشويه ونشر الأخبار الزائفة حتى تبقى حرية التعبير التي أهدتها الثورة لتونس عنوانا من عناوين الحرية والديمقراطية لا سببا للفوضى والتشرذم.
*سادسا : أن التوافق السياسي لا ينفصل عن التوافق الاجتماعي والمجتمعي وأننا نجدد الدعوة الى اعادة الاعتبار لثقافة العمل والإنتاج والمبادرة باعتباره السبيل لتنمية الثروة الوطنية والتقليص من الحاجة الى التداين . وإذ نعبر عن دعمنا الكامل لكل ما من شانه تحسين المقدرة الشرائية للإجراء في تناسب مع إمكانيات الدولة والقطاع الخاص، فإننا ندعو كل الأطراف الى دعم المؤسسة الاقتصادية وبذل الحوافز للمستثمرين التونسيين والأجانب لتشجيعهم على احداث المشاريع وخلق مواطن الشغل وخاصة للشباب وأبناء المناطق الداخلية وازالة كل معوقات الاستثمار، ولا سيما ما يتصل بمنظومة التشريع وخاصة في مجال حرية الصرف وإزاحة القيود والعراقيل التي تكبل العملاق التونسي المتحفز للانطلاق
لقد حققنا معا بفضل الله تعالى بلقاء باريس الكثير لوطننا. واننا اذ نحتاج الْيَوْمَ اكثر من اَي وقت المضى استحضار الدروس واستلهام العبر من تلك المبادرة التي كانت تبدو وقتها حلما صعب المنال في ظل أزمة سياسية ما زالت تراوح مكانها رغم نجاحنا في الحد من تأثيرها السلبي في استقرار منظومة الحكم، فإننا نؤكد ان الادارة الجيدة للتوافق خلال السنوات الماضية ماتزال مفتاحا للحل وخزانا للأمل والتفاؤل بالمستقبل.
لقد نجحنا في كتابة دستور الجمهورية الثانية وطوينا بانتخابات 2014 صفحة الحكم الانتقالي، لتحقق الديمقراطية احد ابرز انتصاراتها بإجراء الانتخابات البلدية والشروع في تركيز أسس الحكم المحلي ليبقى الرهان الاقتصادي بكل تجلياته مشغلنا الذي لا يجب ان يغيب عنا في مرحلة تاريخية تترسخ فيها قدم وطننا تونس يوما بعد يوم في عالم الديمقراطية نموذجا ناجحا صامدا امام الصعاب والمخاطر، مؤكدا أن الاستثمار في الديمقراطية والحريّة ومهما بدا مكلفا وشاقا فإنه أفضل من الرهان على الدكتاتورية التي قطعت معها بلادنا دون رجعة والحمد لله.
نحن على يقين بان هذا الشعب العظيم الذي صنع ثورة عظيمة لا تزال مصدر الهام للشعوب المقهورة، وتمكن من المحافظة عليها وسط الاعاصير ، وحولها ديمقراطية معاصرة عبر التوافق ، قادر عبر العمل الناصب والابداع والوحدة الوطنية ،على ان يواصل مسيرته المظفرة، فيصنع نموذجا تنمويا راقيا يوفر الحياة الكريمة لكل الفئات والجهات .
“وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كُنتُم تعملون” التوبة 105″.