‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات اسعد طه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات اسعد طه. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 10 مايو 2026

الوصية

الوصية 

أسعد طه


السؤال الآن ليس كيف ستمر هذه الأيام الصعبة.

بل السؤال الأهم، كيف سيكون حالنا بعد أن تمضي هذه الأيام.

سنة الحياة أن لا شيء ثابت ومستمر، كل شيء يتغير، الأيام الحلوة والأيام الصعبة، المهم ما هي الحالة التي سنكون عليها بعد أن تمضي هذه المحنة.

أرواح متعبة، نفوس مثقلة، أم نفوس تتمتع بالسكينة والطمأنينة.

وهذا الكلام يخص الذين يعيشون وسط الحرب، أو حتى أمثالنا الذين يتابعونها من بعيد.

هذه وصيتي لما يمكن أن نفعله في أيامنا هذا مع كل الأخبار السيئة، وهي وصية طويلة خذ منها ما يناسبك، أو خذ منها ما تراه صائبا، وسامحني عما تعتقده غير ذلك.

أدعوك أولا إلى “عزلة جزئية”، أن تتخفف من كل شيء، أن تتجنب كل ما تستطيع أن تتجنبه، ربما من المستحيل أن تنعزل كليا، لكن قلل من اختلاطك مع الآخرين، ولا يعني ذلك أن تنقطع عما يجري حولك، لكن لا تغرق فيه، واحرص على أن تكون واعيا بكل أبعاد الصورة، وهذه معادلة صعبة، أن تنعزل جزئيا، ولكن تظل على تواصل بالقضايا التي تفرض نفسها علينا، نعم معادلة صعبة، ولذلك قلت عزلة جزئية، وأضيف أن “التوزان” ينجيك.

وأدعوك ثانيا إلى الصمت الطويل، ففيه راحة لا يمكن أن تتخيلها، وليس الصمت أن تكف عن الكلام، ثم تقضي وقتك متابعا لمنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وإنما أن تخلو إلى نفسك، واحذر من أن تقع في مصيدة التفكير الزائد، فالصمت هو الكف عن الكلام الداخلي لا أن تكثفه، كف قليلا عن إقناع نفسك بأي شيء.

ثم ثالثا اختر مهمة والتزم بها، أي مهمة تراها مفيدة لك، وللمجتمع من حولك، كأنك تقول سأغادر مقعد المشاهد المتحسر على ما يجري، وألجأ إلى فعل إيجابي، لا تقلل من أهمية أي عمل أو أي مهمة، لا تبحث عن أعمال ضخمة، استحضر وصية النبي، صلى الله عليه وسلم، وأزرع الفسيلة، المهمة البسيطة ليست تافهة، طالما كانت إيجابية لك ولمجتمعك، فاشغل نفسك بها، ابحث عن أي خير يمكن أن تقوم به، وقم به.

ثم إياك وأن تنزلق إلى معارك جانبية، فتغرق في حوارات تخسر فيها نفسك ومن حولك، المنطق غائب هذه الأيام، والناس مصطفة في قوالبها التي اختارتها لأنفسها، والأعصاب مشدودة، والشائعات كثرت، والأخبار زائفة، ولن يكون أبدا حوار أفكار، فاهتم بنفسك، وبمهمتك التي اخترتها، وإذا كان من ضرورة فاختر بعناية فائقة من تريد الحديث معه، وأي موضوع تتناوله، والأهم استعداد الآخر للانصات، وفي كل الأحوال تجنب الحوارات ما استطعت.

والآن يأتي ما هو أهم من ذلك كله، وهو القرآن، اتلو القران، لكن لا تتلوه كأنك في عزاء، تؤدي واجبا وتنصرف، ولكن أقرأ بتدبر، فستجد كل الإجابات لأسئلتك بين ثناياه، لكن القرآن لن يفتح لك أبوابه، إلا  إذا احسنت التعامل معه، وبغض النظر عن مدى ما لديك من علم، النية والهمة كافيلان بأن يدلاك بأذن ربك على ما تبحث عنه.

هذا والله أعلم.


الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

علي الذي ظل ثابتا

 علي الذي ظل ثابتا

أسعد طه


(1)
عندما كانت التشيك وسلوفاكيا دولة واحدة تحت اسم “تشيكوسلوفاكيا”، كان هناك شاب اسمه فاكلاف هافل، يكتب مسرحياته المناوئة للنظام الشيوعي، تبدو نصوصه بسيطة لكنها في الحقيقة تفضح عبثية السلطة وظلمها، وبالطبع كان السجن نصيبه، ولأنه عنيد واصل نضاله بعد خروجه من السجن حتى سقطت الشيوعية وليصبح هو رئيسا للبلاد.
تذكرته عندما تذكرت علي، فالرجلان متشابهان، وقد أودت بهما الكتابة إلى السجن، والأثنان خرجا من السجن إلى مقعد الرئاسة، والأثنان يلحّان على الأخلاق في السياسة، ضد ما هو سائد من أن السياسة لا أخلاق لها، وأن المصالح هي الفيصل، والأثنان يؤمنان بالتعدّدية والحريات العامة، مناوئان للشمولية والاستبداد، كلاهما لم يأتِ من خلفية عسكرية أو حزبية، بل من عالم الفكر والكلمة، وقد واجها سؤالًا واحدًا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على كرامته في وجه سلطة تريد سحقه؟

(2)
هافل كان كاتبًا مسرحيًا يؤمن بأن لا قيمة للكلمة إن لم تقاوم، وبيغوفيتش كان مفكرًا يرى أن الروح هي مركز الإنسان، وأن فقدانها أخطر من فقدان الأرض. كلاهما دخل السجن لا لأنه حمل سلاحًا، بل لأنه حمل فكرة. ومن خلف القضبان نسجا نصوصًا ستصبح لاحقًا خريطة طريق.
هافل كتب قوة المستضعفين، وبيغوفيتش كتب هروبي إلى الحرية. 

الفارق أن الأول خرج ليقود ثورة سلمية أسقطت الشيوعية في براغ، أما الثاني فخرج ليجد بلاده تتهيأ لحرب إبادة، فصار عليه أن يجمع بين الفيلسوف ورجل الدولة في آن واحد. ورغم اختلاف السياق، فقد اشتركا في قناعة واحدة، وهي أن السياسة بلا قيم تتحول إلى قسوة عمياء، وأن الفكر بلا مسؤولية يصبح مجرد ترف ثقافي.
لكن الاختلاف ربما هو أن هافل كان علمانيًا وجوديًا، بينما بيغوفيتش كان يستمد رؤيته من الإسلام.


(3)

ربما يذكرني علي عزت بيغوفيتش بنيلسون مانديلا، فالسجن عند كلاهما لم يكن مجرد مكان للعقوبة، بل مدرسة للروح وصقل للقيادة. كلاهما قضى سنوات طويلة خلف القضبان، وخرج أكثر قوة وهدوءً مما دخل.
مانديلا تحوّل من ناشط سياسي ملاحَق إلى رمز وطني يختزن حلم شعب بأكمله، وبيغوفيتش خرج من زنزانته برؤية أعمق لدور العدالة والروح في بناء الدولة. التشابه بين الرجلين أن كليهما رفض أن يتحول إلى صورة مشوهة صنعها السجّان، لم يخرجا مكسورين أو متعطشين للانتقام، بل خرجا بقلوب تسعى للمصالحة وبعقول تحاول أن تجد طريقًا للعدل.
مانديلا خرج من السجن ليقود بلاده إلى مصالحة كبرى بعد سقوط الأبارتهايد، حيث كان العالم كله يقف معه، وكانت لحظة التحرر تحمل روح انتصار جماعي. بينما خرج بيغوفيتش ليجد بلاده في مستهل أزمة أدت إلى حرب إبادة، وكان عليه أن يتخذ قرارات يومية بين الدفاع عن شعب يذبح، وبين الحفاظ على مبادئه الإنسانية.
مانديلا استطاع أن يقدم نموذجًا عالميًا للصفح والتسامح، أما بيغوفيتش فقد ظل يذكّر شعبه أن “العدالة أهم من الدولة”، حتى وهو يتفاوض مع من تلطخت أيديهم بالدماء. وإذا كان مانديلا قد أثبت أن التسامح يمكن أن يعيد صياغة وطن، فإن بيغوفيتش أثبت أن القيم يمكن أن تصمد حتى في أشرس الحروب، وأن الحفاظ على إنسانية المرء وسط المجازر قد يكون أصعب من أي انتصار عسكري.

(4)
يذكرني علي عزت بيغوفيتش بمحمد إقبال، الشاعر والفيلسوف الهندي، الذي كتب أشعاره وكأنها نداء للأمة الإسلامية أن تستيقظ من سباتها. وتغنى في قصائده بالروح التي هي سر القوة، وسر الحياة فالإنسان بنظره لا يُقاس بما يملك، بل بما يحلم، وقد ألهمت كلماته تأسيس باكستان فيما بعد.
ثم جاء بيغوفيتش بعده بعقود، وكتب كتابه الأشهر الإسلام بين الشرق والغرب. فيه رسم صورة متوازنة، كأنه يقول إن الإسلام ليس مجرد ماضٍ يُحفظ في المتاحف، ولا مجرد طقوس، بل هو رؤية متكاملة للإنسان والحياة.
كأن بيغوفيتش هو الامتداد العملي لإقبال، أحدهما نفخ الروح بالشعر والفلسفة، والآخر جسّد تلك الروح وهو يقود أمة نحو الاستقلال.
يلتقي علي عزت بيغوفيتش مع محمد إقبال عند نقطة مركزية، فكلاهما رأى أن الإسلام ليس ماضيًا يُحكى، بل مشروعًا للمستقبل. إقبال حمل الهمّ شعراً وفلسفة، يوقظ الروح الشرقية من سباتها، ويزرع في النفوس أن النهضة تبدأ من “خودي” الإنسان، أي من وعيه بذاته وكرامته.
أما بيغوفيتش فقد ترجم الفكرة إلى خطاب فكري متماسك في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب، ثم مضى بها إلى ميدان السياسة وهو يقود شعبًا يحارب للبقاء. التشابه بينهما أن كليهما جمع بين الفلسفة والرؤية الروحية، وأنهما خاطبا الإنسان المسلم لا باعتباره تابعًا للتاريخ، بل صانعًا له. لكن الاختلاف أن إقبال ظل في فضاء الحلم والشعر، ملهِمًا من بعيد لميلاد باكستان، بينما وجد بيغوفيتش نفسه في معترك الدولة والحرب، مضطرًا لأن يوازن بين المثال الذي يحلم به والواقع الذي يفرضه الدم والدمار.


(5)

يذكرني علي بآخرين، لكن له فرادته، كتاباته رائعة، صحيح لكن صدقه أكثر روعة، فكثر هم الذين يكتبون، وقليل هم الصادقون، وإذا اقتربت من علي، ستجد له سمتين، الثبات والاستمرار، بما يتوافق مع ما كتبه مرارا من أن التاريخ لا يصنعه الذين يندفعون بسرعة ثم يتوقفون، بل الذين يواصلون الطريق في صمت وإصرار، وأن العظمة الإنسانية ليست في البداية المضيئة، بل في القدرة على الثبات حين تخفت الأضواء، وأن الحرية تحتاج إلى رجال يصبرون أكثر مما تحتاج إلى رجال يثورون، وأن الانتصار لا يُقاس بلحظة حماسية، بل بالقدرة على احتمال الطريق كله حتى النهاية، والأهم أن الطريق إلى الله طويل، والسر ليس في السرعة بل في الاستمرار.


علي ظل ثابتا على ما يعتقد من صغر شبابه إلى أن توفاه الله، معتنقا نفس المبادئ في مساره الحياتي الصعب، واستمر في عطائه لنصرة ما يعتقد، وفي كل الأحوال لم يقدم تنازلا واحدا، كان بسيطا إلى حد أنه أندهش كما ذكر في مذاكراته كيف يمكن أن يزج بالمرء في السجن عقابا على ما كتب، أو على ما يعتقد، وعندما أصبح رئيسا لبلده، احتفظ بفريق عمل فيهم من هو على نقيض أفكاره، ولم يقع ضرر على صاحب رأي خالفه.
لو كتب لك أن تلتقيه لوجدته هو نفسه كما كتب، أمام الكاميرا كما خلفها، فوق مقعد الرئاسة كما كان سجينا، كما كان مواطنا عاديا، نفس المبادئ ونفس الأفكار، لم يخنها أبدا.
بالطبع لم يكن كاملا، كما هي سنة الحياة، فليس هناك على الأرض من ليس به نقص إلا من اختارهم الله رسلا له.
وفيما كان البعض يعتقد أن الفلسفة لا مكان لها في زمن الحرب، فإن تجربة بيغوفيتش أثبتت العكس، أن أعظم السلاح هو أن تبقى إنسانًا حين يريد الآخرون أن يحولوك إلى وحش.


علي يذكرنا بالرجال، ويذكرنا بالمبادئ، ويذكرنا بالثبات والاستمرار، وحين نستعيد ذكرى رحيله، في 17 أكتوبر من كل عام، لا نتذكر فقط رئيسًا بوسنيًا أو قائدًا سياسيًا، بل نتذكر إنسانًا حاول أن يثبت أن الأفكار يمكنها أن تهزم المدافع.

الجمعة، 7 نوفمبر 2025

رحّالة المناطق الرمادية وراوي حكاياتها المنسية: حوار مع أسعد طه

 رحّالة المناطق الرمادية وراوي حكاياتها المنسية: حوار مع أسعد طه

كتبه علي مكسور 


منذ خطواته الأولى في عالم الصحافة والإعلام، لم يكن أسعد طه يلاحق صورة تُدهش المشاهد بقدر ما كان يسعى وراء معنى يبدّد العتمة. 
سلك دروبه إلى تخوم العالم، يحمل صفة الصحفي، يمزجها بروح الراوي الإنسان، ذاك الذي يرى في الحكاية خلاصًا، وفي السفر امتحانًا، مؤمنًا بأن للأماكن روحًا تنطق لمن يصغي، وتصغي لمن ينطق.

عرفناه وهو يغامر في “المناطق الرمادية” التي يهابها الآخرون، فيراها مرايا للحقيقة حين يبتعد عنها الضوء. كتب، وأخرج، وقدّم، غير أن أثره الأعمق ظل في أسلوبه الفريد في السرد؛ حيث تمتزج الدقة بالسكينة، والموضوعية بالتأمل، فتغدو الكلمة عنده فعل إيمان بالإنسان وقدرته على النجاة مهما اشتدّ الخراب وضاق الأفق.

في هذا الحوار الخاص مع “نون بوست”، نقترب من تجربة الكاتب والصحفي أسعد طه، لنستكشف معه فلسفة الرحلة التي لا تنتهي، والحكمة في السير نحو المجهول، نصغي إلى رؤيته للثقافة والحرية، وإلى تأملاته في دور المثقف السوري اليوم في تحويل الذاكرة الجريحة إلى وعيٍ جامع يعيد بناء الذات، ومعنى أن تكون شاهدًا على العالم ومؤمنًا به في آنٍ واحد.

أسعد طه هو كاتب وصحفي ومخرج إعلامي مصري، عُرف بأسلوبه السردي المميز وأعماله الاستقصائية والوثائقية التي تستكشف قضايا إنسانية وسياسية من مناطق التوتر والصراع حول العالم، بدأ مسيرته صحفيًا ميدانيًا في تسعينيات القرن الماضي، وبرز اسمه من خلال تغطيته للنزاعات والحروب في مناطق تُعرف بـ”المناطق الرمادية” مثل الشيشان، البوسنة، كوسوفو، السودان، الصومال، اليمن، وغيرها من الأماكن التي عادة ما تكون خارج دائرة الضوء الإعلامي.

لكنه لم يكن مجرد مراسل حروب؛ بل راوٍ إنساني يبحث عن “المعنى”، ويتعامل مع الصحافة كفعل أخلاقي وسفر داخلي بقدر ما هو خارجي، ولعله أشهر برامجه كان “نقطة ساخنة“، و”يحكى أن“.. فإلى حديثنا معه.

تسافر دائمًا إلى ما تسميه “المناطق الرمادية” في التاريخ والجغرافيا.. ما الذي يجذبك إلى هذه العوالم التي يهرب منها الآخرون؟

ما الحكمة في أن تفعل ما يفعله الآخرون، أن تقول ما يقولون، وأن تكشف أمرًا اكتشفوه، لماذا لا تفعل أمرًا مختلفًا، لماذا لا تزيل العتمة عن بعض البلاد أو القضايا، لماذا لا تذهب إلى مناطق رمادية، غير معروفة، لا هي أبيض ولا هي أسود، لماذا لا تذهب إليها، فتزيل عنها من أعين الناس ما يخفيها عنهم.

هكذا قلت لنفسي.

قلت لنفسي لماذا لا أسافر إلى الأماكن المنسية وإلى حيث القضايا المهمشة تلك التي لا تصلها الأضواء عادة، أو التي يُغطى عليها بطبقات من الصمت أو الجهل أو اللامبالاة. ثم أعود لأروي ما رأيته، لأسمع أصواتًا لم تُسمع، ولأكشف حقائق كانت مخبأة.

أن أذهب إليها بروح المستكشف والراوي معًا، ومهما كانت وسيلتي: صحافة استقصائية، أو كتابة أدبية، أو توثيقًا، أو أي شكل من أشكال السرد، لأمنح صوتًا للصامت، ورؤية للمخفي.

وإذا كانت هذه المناطق هي مناطق حروب أو صراعات وأزمات، وإذا كان الثمن باهظًا، فإن الجائزة هي أن تفعل شيئًا مفيدًا، أن تقوم بشيء نافع، ربما لا يحرك العالم، لكنه خطوة في الطريق، أو على الأقل هذا ما في وسعك وتملكه، أن تلفت الأنظار إلى الحكايات المخبأة، في آسيا الوسطى، والفلبين، وتايلاند، والقطب الشمالي، وغيرها، وغيرها.

كتبتَ أن الحياة ليست غاية، بل رحلة، وأن قيمتها في الطريق لا في الوصول؛ في ضوء هذه الفلسفة، ما الذي ظلّ ثابتًا في داخلك رغم تغيّر الأمكنة والوجوه خلال رحلاتك الطويلة؟

الرحلة يعني أن تتأمل، ألا تترك ما تمر به إلا وتفكر فيه بجدية وعمق، أن تراجع معتقداتك وأفكارك، كل تأمل يحسن من جودة حياتك، تتخلص من أفكار ثبت لك بالتأمل وبالمرور بالآخرين، أنها فاشلة، أو غير مناسبة لك على الأقل، وأن تزيد قناعاتك بأخرى لديك بعد أن ثبت بالتأمل صحتها.

أحلى وأخطر ما منحنا الله هو “نعمة الاختيار”، وهي نعمة لا حدود لها، وفي كل خطوة في حياتك عليك أن تختار، وهو أمر مرهق بلا شك، لكن حلاوته لا تقارن بشيء آخر.

وإذا اختار فريق من الناس أن يكونوا وحوشًا، اختر أنت أن تكون إنسانًا.

وإذا كان مقياس الفوز عندهم هو الغنائم المادية، فإن ثباتك على مبادئك هي فوزك الحقيقي حتى وإن خسرت الدنيا كلها.

قد أفشل في دراستي، لكن يمكنني إعادة المحاولة، قد أطرد من وظيفتي يمكنني استبدالها حتى ولو بصعوبة، نفس الأمر مع أي شأن من شؤون حياتي، غير أنك في الآخرة، لن يكون لك أي اختيار آخر، فقد اخترت في الدنيا وعليك أن تدفع ثمنه في الآخرة.

هي معلومة بسيطة في أبجديات إيماننا، لكننا ننسى، حتى أنا الذي أحدثك قد تهزمني الدنيا لحظة، لكن فضل الله يكون أن أعود دائمًا إلى الطريق، وأن يظل إيماني به عز وجل هو الثابت.
في مقالك “هل شممت رائحة النبي؟” من كتاب “يحكى أن”، ترووي عن رجلٍ بعيدٍ عن عالم العرب، رأى فيكم أثر العطر النبوي، فمدّ يده يشمّه وكأنه يلامس سرًّا سماويًا. مشهد كهذا يفتح سؤالًا موجعًا: هل أدرك العرب حقًا أنهم مؤتمنون على هذه الرسالة؟

نحن نسير في عكس الاتجاه إلا من رحم ربي، الآخرون يحاولون النهوض، يحاولون إزالة الغبار المتراكم على معتقدهم وبث الروح فيه من جديد، وبتنا نرى شبابًا وفتيات يدعون بشجاعة لدينهم بمنظور عصري، صحيح قد تشوبه أحيانًا بعض الشوائب، لكنه أمر طبيعي، لا يمكن أن ينهض المغمور هكذا فجأة دون أن يتعثر قليلًا، أو يشوب مظهره ما يشوب، بل أن الآخرين من غير معتقدنا راحوا بفضل الله ثم بفضل السابع من أكتوبر إما يدخلون في دين الله، أو على الأقل يدركون أن ثمة تشويهًا فظيعًا قد جرى لديننا.

أما نحن، فما زلنا ألف فريق وفريق، يسب بعضنا بعضًا، بل ويكفر أحيانًا بعضنا بعضًا، ما نزال نتخبط، ما نزال أشداء على بعضنا، هل من أمل؟ لا أعرف، لذلك فقد أفلح من نجا.

يراك كثيرون أقرب إلى صديق منك إلى أستاذ حتى بين طلابك ومتدربيك وجمهورك.. كيف تحافظ على روح التواضع في خطابك مع تلامذتك وجمهورك؟ وهل تعتبرها جزءًا من فلسفتك في الصحافة أم من شخصيتك الإنسانية؟

من ناحية، لا يمكن أن تخاطب الناس من علٍ، فتخبرهم ماذا عليهم أن يفعلوا، وماذا عليهم ألا يفعلوا، كن معهم وبينهم، انقل بأدب شديد ما لديك، ولا تغضب ممن انتقد بعضًا مما تقول، أو حتى رفضه كله، بل استمع وانصت فلعلك نفسك تسفيد.

ومن ناحية أخرى، أنت اجتهدت، ووصلت إلى ما وصلت، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنك محق في كل شيء، فالتواضع هنا، ليس من باب الأخلاق الحميدة، قدر ما هو حقيقة، أنك مثلهم، وربما منهم من هو أفضل.

لا أظن إنني أعيش حياتي بطريقتين، طريقة للصحافة والإعلام، وطريقة أخرى شخصية، أنا ذاك الشخص في الحالتين.

أنا أدعي إنني صديق أبنائي، وصديق الشباب، وفي تواصلهم ورسائلهم معي أشعر بذلك جدًا، وهو ما يسعدني كثيرًا.

ما دور المثقف في ترميم ما انكسر بمجتمعات منطقتنا؟

أولًا، بالنسبة لي فإن كلمة “المثقف” هذه ثقيلة جدًا على نفسي، تذكرني بالصالونات المذهبة المغطاة بقماش حتى لا تستهلك، والتي يتجنب الجلوس عليها إلا في حضرة نوعية خاصة من الضيوف.

المثقف ليس ما يحمله من علوم ومعلومات وآداب، بل بما يتحمله من عناء لتغيير حياته وحياة من حوله للأفضل، غبي هذا المثقف الذي يتغنى بالحرية، لكنه ليس مستعدًا لدفع ثمنها أبدًا.

بائس هذا المثقف الذي لا ينزل إلى الشارع ويلتحم بالناس يأخذ منهم ويعطيهم.

على المثقف أن يغادر “طابيته” فقد اختلف الزمن، وبتنا في حاجة إلى بعضنا البعض، أن نقترب أكثر، أفضل من أن يستميت كل منا في الدفاع عن فكرته دون أن ينصت للآخر، ويقبل بالاختلاف.

نحن في عصر أزمة “الفهم”، ولن ننجو إذا مارسنا الاستعلاء على بعضنا البعض.
بعد سنوات من القمع الذي مارسه بشار الأسد، وتطويع الثقافة وإخماد الأصوات.. ما المهمة التي ترى أن على المثقف السوري أن يضطلع بها لتحويل الذاكرة الجريحة إلى طاقة بناء توحّد السوريين؟

التوثيق، فلا يمكن أن نطوي الصفحة هكذا بكل بساطة، نحن لا نوثق من باب الكراهية، بل العكس من باب الحب، لا نريد للوطن أن ينتكس مرة أخرى، نريد أن نقول للأجيال المقبلة، انظروا ماذا حدث، لا نريد لهذا أن يتكرر، افعلوا كل ما في وسعكم حتى لا يصاب الوطن بديكتاتور آخر.

ولا أقصد بالتوثيق هو تثبيت المعلومات في سجلات وكتب وأبحاث، بل أن تخرج لنا في روايات وحكايات ومحتوى وأفلام، وكل أشكال الأدب والفن.

ويجب أن يتمتع هذا التوثيق بأفضل أشكال الحرفية والمهنية، حتى يستطيع الصمود أمام هذا التطور الإعلامي المهيب، وحتى يجذب المتلقي لأن يتابعه، ولأن يفكر ألف مرة، ولأن يعتبر .

في ظل الفوضى الإعلامية وكثرة المنصات، ما العوامل التي تضمن أن تبقى الكتابة العربية صادقة وذات مسؤولية أخلاقية أمام جمهورها برأيك؟

أن تكون أصيلة، أن تكون صادقة، أن تعبر عن واقع الناس، عن الحلو والمر، الجميل والسيء، أن تتحلى بالخفة، بالرشاقة.

عادة هناك فروق بين كل جيل والذي يليه، لكن هذا الجيل الجديد فريد جدا، بحسناته وسيئاته، وأن تدرك وتتمكن من مخاطبته أمر ليس سهلا على الإطلاق.

عليك أن تفهمه أولًا، وأن تقبل اختلافه عنك ثانيًا، وأن تجد “اللغة” المناسبة للحديث معه.

أن تحببه إلى لغته العربية الأصيلة، أن تجعله يقع في غرامها، ولا يستحي من استخدامها.

ما نصيحتك للجيل الجديد من الصحفيين والكتّاب في مواجهة القيود والانكسارات؟

تعيشون زمنًا صعبًا، هذا صحيح، لكنكم تمتلكون أدوات عديدة يمكنكم تسخيرها بكل سهولة، فلا تحدثونا من واقع الكتب، لكن من واقع الحياة، فكونوا مرآة لهذا الواقع، حتى يرى الناس حسنهم، ويروا ما يشوهه فيتخلصون منه.


الثلاثاء، 14 أكتوبر 2025

أسئلة "الحكاية"؟

 أسئلة "الحكاية"؟


(1)

هل تتذكر أول حكاية سردتها أنت لأحد؟

لا أظن، ولا أنا أذكر، فمنذ أن أدركنا النطق ونحن نحكي، كل بطريقته، كطبيعة إنسانية خلقها الله فينا، فالحكاية وسيلتنا البدائية والأساسية لفهم العالم، ولحفظ ذاكرتنا من النسيان.

لكن ما وقع مؤخرا، غيّر المعادلة قليلا أو ربما كثيرا، ففي عصر المنصات والذكاء الاصطناعي أصبح كل شيء يتغير، حتى الحكاية.

(2)

من يملك الحكاية على منصات التواصل؟

في ظاهر الأمر فإن كل منا يملك أن يحكي حكايته، لكن في الواقع هناك الخوارزميات، وهناك الجمهور، وهناك الرعاة، أي أن الحكاية اليوم تخضع لنظام ملكية هجين ومعقد، يبدو فيه ظاهريا أن كل مستخدم يملك حكايته الشخصية، لكن الواقع ليس كذلك.

الخوارزميات تمتلك القدرة على تحديد مصير كل حكاية، من يراها، متى تظهر، وكيف تنتشر. هذا يعني أن المنصات تملك "مفاتيح الرؤية"، وهي قوة أساسية في عالم السرد، ثم هناك الجمهور الذي يشارك في تشكيل الحكاية عبر التفاعل والتعليق والمشاركة، مما يجعل كل حكاية عملا تشاركيا بشكل لا واعٍ، والمعلنون أيضا يملكون تأثيرا غير مباشر من خلال تمويل المحتوى الذي يخدم أهدافهم التجارية.

في النهاية، نحن أمام وهم الملكية الفردية، بينما الحكاية تخضع لشبكة من المصالح والقوى التي تتجاوز الراوي الأصلي، هذا التوزيع للسلطة يخلق نوعا جديدا من الرقابة اللامرئية، حيث تُشذب الحكايات وتُعدل وفقا لمعايير الانتشار والربحية.

(3)

هل طورت المنصات الحكاية أم هزمتها؟

تتعرض الحكاية في زماننا لضغوط تجبرها على إعادة تعريف مكوناتها الأساسية، البداية والوسط والنهاية، فالبداية صار لزاما أن تكون خاطفة ومثيرة في الثواني الأولى، وإلا فقدت المشاهد. أما الوسط فقد تحول إلى لحظة ذروة مكثفة، فيما النهاية صارت نقطة تأثير سريعة أو twist مفاجئ. هذا التطور خلق أشكالا سردية جديدة مثل القصة المصورة (stories)، الحكاية المتسلسلة عبر عدة منشورات، والسرد التفاعلي، حيث الجمهور يشارك في تحديد مسار القصة.

الحكاية بالتأكيد لم تختفِ، لكنها تفككت إلى وحدات صغيرة قابلة للاستهلاك السريع، وفي ظل ذلك فقدت الحكاية التعقيد النفسي، والتطور التدريجي للشخصيات، والعمق الفلسفي، بعد أن أصبحت تعتمد على الإيحاء والرمز أكثر من التفصيل، وعلى الصدمة أكثر من التأمل. إنها رواية البرق، تضيء لحظة ثم تتركنا في عتمة أطول.

(4)

هل ضاع الصوت الفردي؟

في الماضي، كان الصوت الفردي يتطور عبر سنوات من التجربة والكتابة، لكنه اليوم يمكن أن يتشكل ويتغير في أسابيع، والمشكلة الكبرى أن هذا الصوت صار يتأثر بشدة بردود الأفعال الفورية والخوارزميات.

الصوت الفردي اليوم يواجه تحديات جديدة، مثل الحاجة للتكيف مع منصات متعددة، كل منها له قواعده وجمهوره. هذا يعني أن نفس الشخص قد يطور "أصواتا" مختلفة: صوتا على "إكس"، آخر على "إنستغرام"، وثالثا على "تيك توك".

لكن هناك أيضا ديمقراطية جديدة في الصوت، حيث يمكن لأصوات كانت مهمشة أن تجد منابرها. المشكلة في التشابه المتزايد بين الأصوات؛ بسبب الخوارزميات التي تكافئ أنماطا معينة من المحتوى، مما يدفع الجميع نحو المحاكاة. الصوت الفردي موجود، لكنه يصارع للحفاظ على تفرده وسط ضغط التوحيد الخوارزمي.

(5)

ما الفرق بين من يحكي ومن يوثق؟

الحكاية تتطلب تدخلا واعيا في المادة الخام، إعادة ترتيب الأحداث، اختيار زاوية نظر معينة، وإضافة طبقات من المعنى. الحكاية تسعى لتحويل الواقع إلى تجربة قابلة للنقل والفهم، وهي تتضمن قدرا من الخيال والتأويل.

التوثيق، من ناحية أخرى، يسعى للحفاظ على الأحداث كما وقعت، مع أقل قدر من التدخل. الموثق يحاول أن يكون شاهدا أمينا، بينما "الحكواتي" يسعى لأن يكون مفسرا ومُعيدا تشكيل التجربة.

لكن الحدود تتداخل بشكل معقد على المنصات الاجتماعية. كل منشور يحمل طابع التوثيق (هذا ما حدث لي)، والحكاية (هكذا أريدكم أن تروا ما حدث). الفلاتر والزوايا والاقتصاص كلها أدوات حكاية، حتى لو ادعى صاحبها أنه يوثق.

الفرق الحقيقي يكمن في الوعي والنية، فـ"الحكواتي" يعترف بتدخله ويستخدمه كأداة فنية، بينما الموثق يسعى لإخفاء هذا التدخل. لكن في عالم وسائل التواصل، الحدود أصبحت أكثر ضبابية، وربما هذا جزء من سحر وخطورة هذه المنصات.

(6)

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن "يشعر" بالنهاية؟

الذكاء الاصطناعي يُحاكي النهايات بناء على أنماط تعلمها من آلاف النصوص، لكنه لا يملك "المشاعر" التي تحرك الإنسان. النهاية في الحكاية الإنسانية تحمل معنى الموت والولادة والتطهير، وهي تأتي من فهم عميق لدورة الحياة والمعنى.

الذكاء الاصطناعي يُنتج نهايات "تقنية" تُرضي المنطق السردي، لكنها تفتقر للرعشة الإنسانية. يمكنه أن يحدد أن القصة تحتاج لنهاية مفتوحة أو مغلقة، حادة أو ناعمة، لكنه لا يشعر بالحاجة الروحية للوصول لتلك النهاية.

هذا لا يعني أن نهايات الذكاء الاصطناعي سيئة، بل إنها تأتي من مكان مختلف. إنها نهايات حسابية، مبنية على احتمالات وأنماط، بينما النهايات الإنسانية تأتي من مكان أعمق، من الخوف والأمل والحاجة للمعنى.

المثير أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد البشر في اكتشاف نهايات لم يفكروا بها، لكنه لن يستطيع أن يحل محل الحدس الإنساني في معرفة متى تكون النهاية "صحيحة" على المستوى الروحي والعاطفي.

(7)

كيف يرى الراوي الكلاسيكي نفسه في عالم الذكاء الاصطناعي؟

ذاك الراوي يواجه أزمة هوية حقيقية وتحديا وجوديا. هو يملك عمق التجربة الإنسانية، والحدس المُكتسب من سنوات العيش والملاحظة، والقدرة على التقاط الفروقات الدقيقة في المشاعر والمواقف. لكنه يفتقر لسرعة الإنتاج والقدرة على التكيف مع الأشكال الجديدة.

قد يرى نفسه كحارس للذاكرة في مواجهة آلة النسيان، أو كحرفي ماهر في عالم الإنتاج المُصنّع. هناك شعور بالفخر والقلق في آن واحد، فخر بامتلاك شيء لا يمكن تكراره آليا، وقلق من أن هذا الشيء قد يفقد قيمته في السوق.

بعض الرواة الكلاسيكيين يتبنون موقفا دفاعيا، مؤكدين على تفوق الإبداع الإنساني، بينما آخرون يسعون للتعاون مع الذكاء الاصطناعي كأداة تساعدهم. هناك أيضا من يرى في هذا التحدي فرصة لإعادة تعريف دور الراوي، من مُنتج للمحتوى إلى مُرشد ومُفسر ومُعطي معنى.

التحدي الأكبر أن الراوي الكلاسيكي يجب أن يُبرر وجوده بطرق جديدة، أن يُظهر قيمة مضافة لا يمكن للآلة توفيرها. هذا يدفعه للتعمق أكثر في الجوانب الإنسانية للحكاية، وربما يجعله راويا أفضل.

(8)

ما الذي بدأ في الاندثار في زمن التوليد؟

على مستوى القصص الإخبارية التلفزيونية القصيرة التي كنت أقدمها، كنت أعيش مع كل واحدة تجربة إنسانية لذيذة، أفكر كيف يمكن أن أحكي الحكاية، ومن أين أبدأ، وأين أنتهي، إلى آخر شروط الحكاية، لذلك فإن المدهش الآن هو أن ما يندثر ليس الإبداع نفسه، بل الطقوس والظروف التي تُولد الإبداع. نحن نفقد الصمت الذي يسبق الكلام، والفراغ الذي يُولد الحكاية، والألم الذي يُعطي للسرد معناه وضرورته.

البطء يندثر، ذلك البطء الضروري للتأمل والهضم والتخمير. الحاجة للحكي تتراجع لأن الحكاية صارت متاحة بلا جهد، وبذلك نفقد قدسية الحكاية ووظيفتها العلاجية والتطهيرية.

الخطأ والمحاولة يندثران أيضا، فالذكاء الاصطناعي يُنتج نصوصا "صحيحة" من المحاولة الأولى، بينما الإبداع الإنساني يحتاج للتجريب والفشل والتعلم. هذا يعني أننا نفقد المسار، والمسار جزء من القيمة.

الصدفة والمفاجأة تتراجعان أيضا، فالخوارزميات تعتمد على الأنماط والتوقعات، بينما الإبداع الحقيقي يأتي من اللامتوقع. نحن نفقد "الحوادث السعيدة" في الكتابة، تلك اللحظات التي تأتي فيها الفكرة من مكان لم نتوقعه.

نحن نفقد الحاجة للمعنى، فالإنتاج الغزير للمحتوى يخلق وهما بأن كل شيء قد قيل، وأن لا حاجة للبحث عن معانٍ جديدة. الكثرة تقتل الندرة، والندرة جزء من قيمة الحكاية.

(9)

في النهاية، فإن الحكاية لا تموت، لكنها تتبدل وجوهها، قد تكتبها الخوارزميات، وتختصرها المنصات، وتجمّلها الفلاتر، لكنها تظل بحاجة إلى إنسان يسأل: لماذا نحكي أصلا؟

فربما لا تُنقذ الحكاية العالم، لكنها- كما قال والتر بنيامين- تجعل العالم قابلا لأن يُروى، وهذه وحدها بداية النجاة.

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2025

عليٌّ الذي ظل ثابتا

 عليٌّ الذي ظل ثابتا

رئيس البوسنة الراحل علي عزت بيغوفيتش


(1)

عندما كانت تشيك وسلوفاكيا دولة واحدة تحت اسم "تشيكوسلوفاكيا"، كان هناك شاب اسمه فاكلاف هافل، يكتب مسرحياته المناوئة للنظام الشيوعي، تبدو نصوصه بسيطة لكنها في الحقيقة تفضح عبثية السلطة وظلمها، وبالطبع كان السجن نصيبه، ولأنه عنيد واصل نضاله بعد خروجه من السجن حتى سقطت الشيوعية، وليصبح هو رئيسا للبلاد.

تذكرته عندما تذكرت "عليّ"، فالرجلان متشابهان، وقد أودت بهما الكتابة إلى السجن، والاثنان خرجا من السجن إلى مقعد الرئاسة، والاثنان يلحّان على الأخلاق في السياسة، ضد ما هو سائد من أن السياسة لا أخلاق لها، وأن المصالح هي الفيصل، والاثنان يؤمنان بالتعددية والحريات العامة، ومناوئان للشمولية والاستبداد.

كلاهما لم يأتِ من خلفية عسكرية أو حزبية، بل من عالم الفكر والكلمة، وقد واجها سؤالا واحدا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على كرامته في وجه سلطة تريد سحقه؟

هافل كان كاتبا مسرحيا يؤمن بأن لا قيمة للكلمة إن لم تقاوم، وبيغوفيتش كان مفكرا يرى أن الروح هي مركز الإنسان، وأن فقدانها أخطر من فقدان الأرض. كلاهما دخل السجن لا لأنه حمل سلاحا، بل لأنه حمل فكرة. ومن خلف القضبان نسجا نصوصا ستصبح لاحقا خريطة طريق.

هافل كتب قوة المستضعفين، وبيغوفيتش كتب هروبي إلى الحرية. الفارق أن الأول خرج ليقود ثورة سلمية أسقطت الشيوعية في براغ، أما الثاني فخرج ليجد بلاده تتهيأ لحرب إبادة، فصار عليه أن يجمع بين الفيلسوف، ورجل الدولة في آن واحد.

ورغم اختلاف السياق، فقد اشتركا في قناعة واحدة، وهي أن السياسة بلا قيم تتحول إلى قسوة عمياء، وأن الفكر بلا مسؤولية يصبح مجرد ترف ثقافي.

لكن الاختلاف ربما هو أن هافل كان علمانيا وجوديا، بينما بيغوفيتش كان يستمد رؤيته من الإسلام.

(2)

ربما يذكرني علي عزت بيغوفيتش بـ"نيلسون مانديلا"، فالسجن عند كليهما لم يكن مجرد مكان للعقوبة، بل مدرسة للروح وصقل للقيادة. كلاهما قضى سنوات طويلة خلف القضبان، وخرج أكثر قوة وهدوءا مما دخل.

مانديلا تحوّل من ناشط سياسي ملاحَق إلى رمز وطني يختزن حلم شعب بأكمله، وبيغوفيتش خرج من زنزانته برؤية أعمق لدور العدالة والروح في بناء الدولة.

التشابه بين الرجلين أن كليهما رفض أن يتحول إلى صورة مشوهة صنعها السجّان، لم يخرجا مكسورين أو متعطشين للانتقام، بل خرجا بقلوب تسعى للمصالحة، وبعقول تحاول أن تجد طريقا للعدل.

مانديلا خرج من السجن ليقود بلاده إلى مصالحة كبرى بعد سقوط الأبارتايد، حيث كان العالم كله يقف معه، وكانت لحظة التحرر تحمل روح انتصار جماعي.

بينما خرج بيغوفيتش ليجد بلاده في مستهل أزمة أدت إلى حرب إبادة، وكان عليه أن يتخذ قرارات يومية بين الدفاع عن شعب يذبح، وبين الحفاظ على مبادئه الإنسانية.

مانديلا استطاع أن يقدم نموذجا عالميا للصفح والتسامح، أما بيغوفيتش فقد ظل يذكّر شعبه أن "العدالة أهم من الدولة"، حتى وهو يتفاوض مع من تلطخت أيديهم بالدماء.

وإذا كان مانديلا قد أثبت أن التسامح يمكن أن يعيد صياغة وطن، فإن بيغوفيتش أثبت أن القيم يمكن أن تصمد حتى في أشرس الحروب، وأن الحفاظ على إنسانية المرء وسط المجازر قد يكون أصعب من أي انتصار عسكري.

(3)

يذكرني علي عزت بيغوفيتش بمحمد إقبال، الشاعر والفيلسوف الهندي، الذي كتب أشعاره وكأنها نداء للأمة الإسلامية أن تستيقظ من سباتها. وتغنى في قصائده بالروح التي هي سر القوة، وسر الحياة، فالإنسان بنظره لا يُقاس بما يملك، بل بما يحلم، وقد ألهمت كلماته تأسيس باكستان فيما بعد.

ثم جاء بيغوفيتش بعده بعقود، وكتب كتابه الأشهر "الإسلام بين الشرق والغرب". فيه رسم صورة متوازنة، كأنه يقول إن الإسلام ليس مجرد ماضٍ يُحفظ في المتاحف، ولا مجرد طقوس، بل هو رؤية متكاملة للإنسان والحياة.

كأن بيغوفيتش هو الامتداد العملي لإقبال، أحدهما نفخ الروح بالشعر والفلسفة، والآخر جسّد تلك الروح وهو يقود أمة نحو الاستقلال.

يلتقي علي عزت بيغوفيتش مع محمد إقبال عند نقطة مركزية، فكلاهما رأى أن الإسلام ليس ماضيا يُحكى، بل مشروعا للمستقبل. إقبال حمل الهمّ شعرا وفلسفة، يوقظ الروح الشرقية من سباتها، ويزرع في النفوس أن النهضة تبدأ من "خودي" الإنسان، أي من وعيه بذاته وكرامته.

أما بيغوفيتش فقد ترجم الفكرة إلى خطاب فكري متماسك في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب"، ثم مضى بها إلى ميدان السياسة وهو يقود شعبا يحارب للبقاء.

التشابه بينهما أن كليهما جمع بين الفلسفة والرؤية الروحية، وأنهما خاطبا الإنسان المسلم لا باعتباره تابعا للتاريخ، بل صانعا له. لكن الاختلاف أن إقبال ظل في فضاء الحلم والشعر، ملهِما من بعيد لميلاد باكستان، بينما وجد بيغوفيتش نفسه في معترك الدولة والحرب، مضطرا لأن يوازن بين المثال الذي يحلم به، والواقع الذي يفرضه الدم والدمار.

(4)

يذكرني علي بآخرين، لكن له فرادته، كتاباته رائعة، صحيح، لكن صدقه أكثر روعة، فكثر هم الذين يكتبون، وقليل هم الصادقون، وإذا اقتربت من علي، ستجد له سمتين؛ الثبات والاستمرار، بما يتوافق مع ما كتبه مرارا من أن التاريخ لا يصنعه الذين يندفعون بسرعة ثم يتوقفون، بل الذين يواصلون الطريق في صمت وإصرار، وأن العظمة الإنسانية ليست في البداية المضيئة، بل في القدرة على الثبات حين تخفت الأضواء، وأن الحرية تحتاج إلى رجال يصبرون أكثر مما تحتاج إلى رجال يثورون، وأن الانتصار لا يُقاس بلحظة حماسية، بل بالقدرة على احتمال الطريق كله حتى النهاية، والأهم أن الطريق إلى الله طويل، والسر ليس في السرعة، بل في الاستمرار.

علي ظل ثابتا على ما يعتقد من صغر شبابه إلى أن توفاه الله، معتنقا نفس المبادئ في مساره الحياتي الصعب، واستمر في عطائه لنصرة ما يعتقد، وفي كل الأحوال لم يقدم تنازلا واحدا، كان بسيطا إلى حد أنه اندهش كما ذكر في مذاكراته كيف يمكن أن يُزج بالمرء في السجن عقابا على ما كتب، أو على ما يعتقد، وعندما أصبح رئيسا لبلده، احتفظ بفريق عمل فيهم من هو على نقيض أفكاره، ولم يقع ضرر على صاحب رأي خالفه.

لو كُتب لك أن تلتقيه لوجدته هو نفسه كما كتب، أمام الكاميرا كما خلفها، فوق مقعد الرئاسة كما كان سجينا، كما كان مواطنا عاديا، نفس المبادئ ونفس الأفكار، لم يخنها أبدا.

بالطبع لم يكن كاملا، كما هي سنة الحياة، فليس هناك على الأرض من ليس به نقص إلا من اختارهم الله رسلا له.

وفيما كان البعض يعتقد أن الفلسفة لا مكان لها في زمن الحرب، فإن تجربة بيغوفيتش أثبتت العكس، أن أعظم السلاح هو أن تبقى إنسانا حين يريد الآخرون أن يحولوك إلى وحش.

علي يذكرنا بالرجال، ويذكرنا بالمبادئ، ويذكرنا بالثبات والاستمرار، وحين نستعيد ذكرى رحيله، في 17 أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، لا نتذكر فقط رئيسا بوسنيا أو قائدا سياسيا، بل نتذكر إنسانا حاول أن يثبت أن الأفكار يمكنها أن تهزم المدافع.




الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

السجن.. كأفضل مكان!

 

السجن.. كأفضل مكان!

(1)

الكتابة تغار، تأبى أن يشغلك عنها -وأنت في حضرتها- أي شاغل، ويدرك الكتاب هذه الحقيقة، ولهذا يلجؤون إلى العزلة، يحبسون أنفسهم في مكان ما بعيدا عن العائلة والأصدقاء، ويمضون في مشروعهم الكتابي، حتى إنه باتت هناك منتجعات للكتابة في مناطق طبيعية بعيدة عن العمران، بها أكواخ منعزلة عن كل وسائل الاتصال والتواصل، يقضي فيها الكاتب أيامه يكتب ويكتب دون مشتتات.

إنها "عزلة اختيارية".

وقد رأى الظالمون أن يمنحوا بعض الكتاب فرصة أفضل للعطاء والإبداع.

فوضعوهم في "عزلة إجبارية"!

(2)

كُتب ما فيه الكفاية عن أدب السجون، وكيف خرجت منه أعمال إبداعية لافتة من: روايات، ومذكرات، وأشعار، وأشكال مختلفة من الكتابات.

فقرأنا "رسائل من السجن" لأنطونيو غرامشي، الفيلسوف الإيطالي الماركسي الذي كتب أعماله الفكرية المؤثرة أثناء سجنه في عهد موسوليني.

و"أرخبيل الغولاغ" لألكسندر سولجينتسين، ذلك العمل الضخم الذي وثق فيه الكاتب الروسي تجربة معسكرات الاعتقال السوفياتية، والذي كتب أجزاء منه سرا أثناء سجنه.

أما "جاك هنري أبوت" فقد كتب "حجرة واحدة تكفي" عن تجربته في السجن الأميركي.

ولا ننسى "موت إيفان إيليتش" لدوستويفسكي، وأعمالا أخرى استوحاها من تجربته في المنفى السيبيري.

أما العالم العربي فقد كان كريما في هذا الشأن -بلا شك؛ فقرأنا لعبدالرحمن منيف روايته الشهيرة "شرق المتوسط"، والتي جسدت التعذيب والانكسار والأمل داخل المعتقلات.

ومن المغرب أبهرتنا رواية "تلك العتمة الباهرة"، التي استندت إلى شهادة عزيز بنين عن معتقل تازمامارت، وحصدت جوائز عديدة، ولها ترجمات واسعة.

وغيرهم العديد من الكتابات والكتاب، حتى أصبح أدب السجون ليس مجرد هامش في المكتبة العربية، بل مرآةً لحقبة كاملة من الصراع بين الحرية والقمع، وسجلا جمعيا يشارك فيه الأفراد بأقلامهم؛ ليكتبوا تاريخا لم يدون رسميا.

(3)

لكن باسم خندقجي استوقفني من بين هذه الأعمال بروايته "خسوف بدر الدين"، وهو الأسير الفلسطيني المحتجز في سجون الكيان منذ عام 2004، والمحكوم عليه بثلاثة أحكام مؤبدة، وقد أنهى أثناء سجنه دراسته الجامعية في الصحافة، ثم تابع دراسة العلوم السياسية في جامعة القدس.

باسم اختار أن يخرج عن معتاد أدب السجون، فلم يصف حياة الزنازين ومتاعبها، وإنما أطلق خياله إلى ما هو خارج السجن، وحلق بعيدا جدا، ليعود بنا إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي؛ ليتناول سيرة الشيخ الصوفي بدر الدين محمود، ابن قاضي قرية سيماونة إحدى قرى مدينة أدرنة في تركيا.

صحيح أن روح التمرد والثورة تطل بين صفحة وأخرى، كأنه قد حرر روحه بالفعل، كأن ما أعجبه في شخص بدر الدين أنه لم يستسلم للطغاة، كما لو أنه لا يكترث أن يكون القتل نهايته كنهاية بطله، ما دام أنه مؤمن بقضيته.

لقد فكرت كثيرا، كيف فعل فعلته تلك، وهو في حاجة إلى مراجع تاريخية عديدة، كيف صبر مرتين، مرة على حماقات السجانين، ومرة على كتابة رواية من أكثر من ثلاثمائة صفحة؟!

بل لدي سؤال أهم، فقد يكون مفهوما أن يخرج الكتاب من السجون فيكتبوا ذكرياتهم وأيامهم في شكل روايات أو مذكرات، لكن أولئك الذين يقضون عقودا من الزمان في السجن، كيف يفعلونها؟!

كيف يكتبون وهم قيد الزنازين، تحت رحمة السجان وحماقاته، وفي ظروف غير آدمية؟!

بل كيف يبدعون في أعمالهم تلك؟

من أين تأتيهم هذه الإرادة الفولاذية؟

وكيف تتفجر فيهم هذه الطاقات؟

(4)

في زنزانة باردة حد التجمد شتاء، لا تحتمل صيفا، انفرادية، أو مع حشد من المحكومين، لا أوراق ولا أقلام، ولا طاولة تتكئ عليها إضاءة جانبية، ولا فنجان القهوة، ولا موسيقى تملأ الغرفة، يكتب الكاتب المعتقل كتابه.

تخيل هذا السجين، جائع، مريض، مهان، يهاجم السجانون زنزانته من حين لآخر، يفتشون ما لديه؛ بحثا عن ممنوعات، يتمنون لو يفتشون رأسه -أيضا- بحثا عن "فكرة" لا تروق لهم.

تخيل كيف يغامر ويكتب بأقلام مهربة على قطع من القماش أو الورق المقوى، وعلى أوراق المحارم الورقية، أو أوراق لف السجائر، يكتب بخط صغير ما يكتب، ويتحمل العقاب إذا اكتشف السجان الأمر!

كيف يطيق ذلك؟!

بل كيف يطيق أن يعود ويبدأ الكتابة من الصفر مرة أخرى إذا ما صادر السجان ما كتب؟

وقد لجأ بعضهم إلى الذاكرة، فيحفظ في رأسه ما يكتب؛ ليعيد تدوينه مرة أخرى في حال المصادرة، ونجح آخرون في تهريب ما كتبوا خارج السجن.

وهكذا فعل نغوغي واثيونغو حين كتب رواية "شيطان على الصليب" على ورق المرحاض (التواليت) في معتقل كاميتي في كينيا.

وكذلك أنطونيو غرامشي كتب "دفاتر السجن" على مدى عشر سنوات، وهي عبارة عن 33 دفترا.

(5)

من أين تأتي هذه القوة الجبارة التي تنفجر في الأديب المعتقل، حتى يتحمل ما يتحمل ويكتب ما يكتب؟

هل تهبط عليه من السماء؟

هل يحتفظ بها في داخله؟

هل تخبئها نفسه عنه فلا يكتشفها إلا إذا حلت به مصيبة؟

لماذا لا نكتشف قدراتنا الداخلية ونعترف بها ونحن في أمان وراحة؟

لماذا لا نتعرف على قوة الداخل إلا عندما نبتلى؟

لماذا نتعذر بأتفه الأسباب حتى لا ننجز مهمتنا أو ما نحلم به، بينما لدينا -في الحقيقة- كل القوة والقدرة لنحقق ما نريد تحقيقه؟

كما لو أن قدراتنا الداخلية تشبه الأنهار الجوفية، تظل ساكنة حتى تهتز الأرض فتتفجر عيونها.

فكرت أن الإنسان ليكتشف نفسه، يمكنه -مثلا- أن يتجرأ على تجربة ما لم يجرِبه من قبل، أن يقف في مواجهة خوفه بدل أن يفر منه، أن يصر على المحاولة حيث ينسحب الآخرون، وأن يصغي جيدا لما يتغير في داخله بعد كل تجربة.


هكذا، شيئا فشيئا، يتكشف له معدن صبره، وقوة عزيمته، ونقاء إيمانه بقدرته على المضيِ.

إننا حين نغامر في المجهول، وحين نتجرأ على اقتحام الصعاب، لا نكتشف العالم فقط، بل نكتشف أنفسنا، ونكتشف أن داخلنا أوسع بكثير مما ظنناه.