‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسعد طه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسعد طه. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 12 فبراير 2026

هل هززتَ النَّخلة؟

 هل هززتَ النَّخلة؟ 

 أسعد طه

(1)

ما حدث هو أن “لين كونج” الطبيب في الجيش الصيني، اضطر إلى الزواج من امرأة ريفية لا يحبُّها؛ انصياعًا لرغبة والده، وفكَّر أنه ربما عليه أن ينتظر بعض الوقت أملاً في أن يتغير الحال؛ مما يتيح له الانفصال عن زوجته دون أن يُغضب أباه.

لكنَّ الأيام تمرُّ دون جدوى، وقد زاد الأمر تعقيدًا، أن التقى في مستشفاه العسكري مع ممرِّضة وقع في حبها، مما دعاه لأن يفكِّر جديًّا في  أن يطلِّق زوجته ويتزوج حبيبته.

إلى هنا والحكاية ليس فيها جديد.

لكنَّ الجديد أنه ظل هكذا 18 عامًا في حالة انتظار ليحقق رغبته هذه، ربما كان مترددًا، ربما الواقع الاجتماعي والقانوني لا يسمح، لكنه في النهاية انتظر هذه الأعوام الطويلة ليفعل ما تمنَّاه.

الصدمة أنه حين وقع الطلاق بالفعل “لم يشعر (لين كونغ) بفرح، بل بفراغ واسع، كأن سنوات الانتظار قد حفرت داخله فراغًا لا يُملأ”.

وذلك بحسب ما ورد في رواية عنوانها: “الانتظار” اعتمد كاتبها الصيني الأمريكي (Ha Lin)  على هذه الواقعة الحقيقية، التي جرت أحداثها بالصين، في فترة الستينيات.

الرواية ليست قصة حب فاشلة، بل تأمُّل فلسفي في طبيعة الزمن البشري، وكيف يتحول الانتظار إلى سجن، وكيف تذوب الرغبة حين تُؤجَّل طويلاً، وكيف يعيش الإنسان حياته بين ما يجب أن يفعله وما يريد أن يفعله.

أنظر حولي فأرى أننا جميعًا نكاد نكون مصابين بهذا الداء، نحن في حال انتظار دائم، انتظار أن تُتاح وظيفة أفضل، أن تتحسن الأحوال المادية حتى نستمتع بالحياة، أن نجد الفرصة المناسبة لنفعل ما نرغب به، لكننا في الأغلب مترددون، بل إننا ننتظر أكثر مما نعمل، نقوم بالواجب، ونتنازل عن رغبتنا.

لكنَّ السؤال: هل لدينا بالفعل القوة على الفعل؟

(2)

هل تعلم أن بعضنا يمضي حياته كفقير بائس، فيما كنزه مدفون في مكان ما، وهو لا يكلف نفسه عناء البحث عنه، بل يقضي عمره كله، يندب حياته وأحواله، لأنه لا يستطيع أن يحقق أمانيه، مفضلا انتظار المجهول، عن عناء البحث.

لكل منا كنزه المدفون، وهذا ليس حديث تنمية بشرية، وإنما الواقع.

لم يخلق الله العظيم أحدًا منَّا عبثًا.

حاشاه، وإنما خلقه لدور ما، ولهدف ما، ومنحه مواهب مدفونة في نفسه، وتركه يبحث عنها ويجدها، لكن المرء منا أحيانًا لا يفعل، ويفضِّل الانتظار، ربما تتغير الظروف، معتقدًا أن لا حول له ولا قوة، وأنه مسلوب الإرادة، لا يستطيع اتخاذ قرارات حياته، يظن أنه حتى لو  فعل فلن يستطيع أن ينجز هدفه، كافرًا بما في نفسه من قدرات.

أليس ذلك جحودًا بنعمة الله؟!

نعم يمنحك الله نعمة وأنت تنكرها، ولا تستمتع بها؛ لأنك ابتداء أنكرت وجودها.

أنت لا تعرف نفسك حق المعرفة، بل الأدهى أنك لا تريد أن تعرفها، تخشى أن تفاجأ بما لا يرضيك، وفي الحقية ثمة مواهب مدفونة فيك، أنت لم تكتشفها بعد، وهي تتكشف أحيانًا عند الأزمات، فتتفجر الطاقات وتعرف نفسك وقدراتها، لكن في الأغلب للأسف متأخرا.

(3)

دع تفاؤلك يهزم تشاؤمك.

وفي تفسير التفاؤل دعني أخبرك بأمر بسيط.

كل ما عليك هو العمل، العمل على أحسن وجه ممكن، ثم تقبل النتيجة أيا كانت، فهذا قدر الله، والرضا به هو أعلى درجات السعادة.

الأمر لا يخضع للحسابات المادية.

فإذا كنتُ -مثلاً- في وضع اجتماعي ومادي متوسط فلا يعني تفاؤلك، أنك ستكون أفضل وفق هذه الحسابات، لكنك ستكون أسعد، ذلك أنك أديت واجبك كاملا، هذا شعور لا يفهمه ولا يقدره إلا من يعيشه ويؤمن به.

تمامًا مثلما إذا هاجمك عدو قوي وقررت -وأنت الضعيف- أن تدافع عن نفسك، فليس بالضرورة أنك ستنتصر، لكنني في الحالتين فائز.

المقاوم ينتصر حتى وإن مات.

والمستسلم ينهزم حتى وإن عاش.

الجنَّة على الأرض هي في أن تفعل ما بوسعك، وترضى بما يقدِّره الله.

وجهنم هي الانتظار.

هكذا ببساطة.

فلا تُلقِ بنفسك إلى التهلكة وتستسلم.

ستنجو فقط حين تتحرك.

(4)

كان النهار يميل إلى الغروب حين وصلتْ إلى أطراف الوادي السيدة الطاهرة، السماءُ رمادية تشوبها حمرة المساء، والريح تمرُّ على الرمال كأنها تهمس بالوحدة، لا صوت سوى خرير ماء خافت في جوف الأرض، ولا ظلَّ إلا ظلُّ نخلة وحيدة شامخة، جذعها عتيق، تتدلَّى منها بقايا سعف يابس كأنه أطراف ذاكرة قديمة.

الأفق من حولها جبليٌّ خافت، حجارةٌ بلون الطين والسكوت، وفي البعيد، ملامح مدينة (بيت لحم) القديمة، بيوتها الصغيرة من الحجارة البيضاء، لكنَّ المكان الذي لجأت إليه السيدة مريم كان أبعد من العمران، لا قريب، ولا عزيز، ولا حتى أي إنسان. 

تجلس عند جذع النخلة، وقد اشتدَّ بها المخاض، تتألم وهي وحيدة، حتى إنها تتمنى لو ماتت قبل ذلك، لكنَّ الله يأمرها أن تهز جذع النخلة، فقط هكذا كل ما في الأمر 

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾

كيف تفعل والمرأة التي في حال مخاض تكون في أضعف حالاتها الجسدية؟

إذن ستفعل ما في وسعها، حتى وإن لامست يداها جذع النخلة امتثالا لأمر الرحمن.

المهم أن تفعل شيئًا.

المهم ألا تستسلم.

المهم ألا تنتظر.

الأمر بسيط: افعل ما في وسعك، وانتظر قَدَر الله، وارض به.

(5)

يا شباب!

هزوا نخلتكم، هزوا جذع النخلة، فقط افعلوا ما عليكم أن تفعلوه، ليس كل أمر بالحسابات المادية، ثمة أمور لا يعرفها الذكاء الطبيعي ولا الاصطناعي. 

ابحثوا عن الكنز الذي وضعه الله في أنفسكم، وأنتم تجاهلتموه.

ثقوا في أنفسكم وفي قدراتكم. 

في كلٍّ منَّا كنز، حتى المريض، حتى الأعرج، حتى الأعمى، حتى العجوز لديه ما لديه.

لقد عشتُ في الدنيا ورأيتُ ذلك بعيني وليس كلامًا عاطفيًّا.

افعلوا ثم ارضوا بما يقسمه الله.

ستقولون: إن السيدة مريم إنما كانت مؤيَّدة من ربها!

كلنا مؤيَّد من ربه إن أطاع.

هزوا النخلة يا شباب.

لا تنتظروا وهزوا النخلة.

الجمعة، 7 نوفمبر 2025

رحّالة المناطق الرمادية وراوي حكاياتها المنسية: حوار مع أسعد طه

 رحّالة المناطق الرمادية وراوي حكاياتها المنسية: حوار مع أسعد طه

كتبه علي مكسور 


منذ خطواته الأولى في عالم الصحافة والإعلام، لم يكن أسعد طه يلاحق صورة تُدهش المشاهد بقدر ما كان يسعى وراء معنى يبدّد العتمة. 
سلك دروبه إلى تخوم العالم، يحمل صفة الصحفي، يمزجها بروح الراوي الإنسان، ذاك الذي يرى في الحكاية خلاصًا، وفي السفر امتحانًا، مؤمنًا بأن للأماكن روحًا تنطق لمن يصغي، وتصغي لمن ينطق.

عرفناه وهو يغامر في “المناطق الرمادية” التي يهابها الآخرون، فيراها مرايا للحقيقة حين يبتعد عنها الضوء. كتب، وأخرج، وقدّم، غير أن أثره الأعمق ظل في أسلوبه الفريد في السرد؛ حيث تمتزج الدقة بالسكينة، والموضوعية بالتأمل، فتغدو الكلمة عنده فعل إيمان بالإنسان وقدرته على النجاة مهما اشتدّ الخراب وضاق الأفق.

في هذا الحوار الخاص مع “نون بوست”، نقترب من تجربة الكاتب والصحفي أسعد طه، لنستكشف معه فلسفة الرحلة التي لا تنتهي، والحكمة في السير نحو المجهول، نصغي إلى رؤيته للثقافة والحرية، وإلى تأملاته في دور المثقف السوري اليوم في تحويل الذاكرة الجريحة إلى وعيٍ جامع يعيد بناء الذات، ومعنى أن تكون شاهدًا على العالم ومؤمنًا به في آنٍ واحد.

أسعد طه هو كاتب وصحفي ومخرج إعلامي مصري، عُرف بأسلوبه السردي المميز وأعماله الاستقصائية والوثائقية التي تستكشف قضايا إنسانية وسياسية من مناطق التوتر والصراع حول العالم، بدأ مسيرته صحفيًا ميدانيًا في تسعينيات القرن الماضي، وبرز اسمه من خلال تغطيته للنزاعات والحروب في مناطق تُعرف بـ”المناطق الرمادية” مثل الشيشان، البوسنة، كوسوفو، السودان، الصومال، اليمن، وغيرها من الأماكن التي عادة ما تكون خارج دائرة الضوء الإعلامي.

لكنه لم يكن مجرد مراسل حروب؛ بل راوٍ إنساني يبحث عن “المعنى”، ويتعامل مع الصحافة كفعل أخلاقي وسفر داخلي بقدر ما هو خارجي، ولعله أشهر برامجه كان “نقطة ساخنة“، و”يحكى أن“.. فإلى حديثنا معه.

تسافر دائمًا إلى ما تسميه “المناطق الرمادية” في التاريخ والجغرافيا.. ما الذي يجذبك إلى هذه العوالم التي يهرب منها الآخرون؟

ما الحكمة في أن تفعل ما يفعله الآخرون، أن تقول ما يقولون، وأن تكشف أمرًا اكتشفوه، لماذا لا تفعل أمرًا مختلفًا، لماذا لا تزيل العتمة عن بعض البلاد أو القضايا، لماذا لا تذهب إلى مناطق رمادية، غير معروفة، لا هي أبيض ولا هي أسود، لماذا لا تذهب إليها، فتزيل عنها من أعين الناس ما يخفيها عنهم.

هكذا قلت لنفسي.

قلت لنفسي لماذا لا أسافر إلى الأماكن المنسية وإلى حيث القضايا المهمشة تلك التي لا تصلها الأضواء عادة، أو التي يُغطى عليها بطبقات من الصمت أو الجهل أو اللامبالاة. ثم أعود لأروي ما رأيته، لأسمع أصواتًا لم تُسمع، ولأكشف حقائق كانت مخبأة.

أن أذهب إليها بروح المستكشف والراوي معًا، ومهما كانت وسيلتي: صحافة استقصائية، أو كتابة أدبية، أو توثيقًا، أو أي شكل من أشكال السرد، لأمنح صوتًا للصامت، ورؤية للمخفي.

وإذا كانت هذه المناطق هي مناطق حروب أو صراعات وأزمات، وإذا كان الثمن باهظًا، فإن الجائزة هي أن تفعل شيئًا مفيدًا، أن تقوم بشيء نافع، ربما لا يحرك العالم، لكنه خطوة في الطريق، أو على الأقل هذا ما في وسعك وتملكه، أن تلفت الأنظار إلى الحكايات المخبأة، في آسيا الوسطى، والفلبين، وتايلاند، والقطب الشمالي، وغيرها، وغيرها.

كتبتَ أن الحياة ليست غاية، بل رحلة، وأن قيمتها في الطريق لا في الوصول؛ في ضوء هذه الفلسفة، ما الذي ظلّ ثابتًا في داخلك رغم تغيّر الأمكنة والوجوه خلال رحلاتك الطويلة؟

الرحلة يعني أن تتأمل، ألا تترك ما تمر به إلا وتفكر فيه بجدية وعمق، أن تراجع معتقداتك وأفكارك، كل تأمل يحسن من جودة حياتك، تتخلص من أفكار ثبت لك بالتأمل وبالمرور بالآخرين، أنها فاشلة، أو غير مناسبة لك على الأقل، وأن تزيد قناعاتك بأخرى لديك بعد أن ثبت بالتأمل صحتها.

أحلى وأخطر ما منحنا الله هو “نعمة الاختيار”، وهي نعمة لا حدود لها، وفي كل خطوة في حياتك عليك أن تختار، وهو أمر مرهق بلا شك، لكن حلاوته لا تقارن بشيء آخر.

وإذا اختار فريق من الناس أن يكونوا وحوشًا، اختر أنت أن تكون إنسانًا.

وإذا كان مقياس الفوز عندهم هو الغنائم المادية، فإن ثباتك على مبادئك هي فوزك الحقيقي حتى وإن خسرت الدنيا كلها.

قد أفشل في دراستي، لكن يمكنني إعادة المحاولة، قد أطرد من وظيفتي يمكنني استبدالها حتى ولو بصعوبة، نفس الأمر مع أي شأن من شؤون حياتي، غير أنك في الآخرة، لن يكون لك أي اختيار آخر، فقد اخترت في الدنيا وعليك أن تدفع ثمنه في الآخرة.

هي معلومة بسيطة في أبجديات إيماننا، لكننا ننسى، حتى أنا الذي أحدثك قد تهزمني الدنيا لحظة، لكن فضل الله يكون أن أعود دائمًا إلى الطريق، وأن يظل إيماني به عز وجل هو الثابت.
في مقالك “هل شممت رائحة النبي؟” من كتاب “يحكى أن”، ترووي عن رجلٍ بعيدٍ عن عالم العرب، رأى فيكم أثر العطر النبوي، فمدّ يده يشمّه وكأنه يلامس سرًّا سماويًا. مشهد كهذا يفتح سؤالًا موجعًا: هل أدرك العرب حقًا أنهم مؤتمنون على هذه الرسالة؟

نحن نسير في عكس الاتجاه إلا من رحم ربي، الآخرون يحاولون النهوض، يحاولون إزالة الغبار المتراكم على معتقدهم وبث الروح فيه من جديد، وبتنا نرى شبابًا وفتيات يدعون بشجاعة لدينهم بمنظور عصري، صحيح قد تشوبه أحيانًا بعض الشوائب، لكنه أمر طبيعي، لا يمكن أن ينهض المغمور هكذا فجأة دون أن يتعثر قليلًا، أو يشوب مظهره ما يشوب، بل أن الآخرين من غير معتقدنا راحوا بفضل الله ثم بفضل السابع من أكتوبر إما يدخلون في دين الله، أو على الأقل يدركون أن ثمة تشويهًا فظيعًا قد جرى لديننا.

أما نحن، فما زلنا ألف فريق وفريق، يسب بعضنا بعضًا، بل ويكفر أحيانًا بعضنا بعضًا، ما نزال نتخبط، ما نزال أشداء على بعضنا، هل من أمل؟ لا أعرف، لذلك فقد أفلح من نجا.

يراك كثيرون أقرب إلى صديق منك إلى أستاذ حتى بين طلابك ومتدربيك وجمهورك.. كيف تحافظ على روح التواضع في خطابك مع تلامذتك وجمهورك؟ وهل تعتبرها جزءًا من فلسفتك في الصحافة أم من شخصيتك الإنسانية؟

من ناحية، لا يمكن أن تخاطب الناس من علٍ، فتخبرهم ماذا عليهم أن يفعلوا، وماذا عليهم ألا يفعلوا، كن معهم وبينهم، انقل بأدب شديد ما لديك، ولا تغضب ممن انتقد بعضًا مما تقول، أو حتى رفضه كله، بل استمع وانصت فلعلك نفسك تسفيد.

ومن ناحية أخرى، أنت اجتهدت، ووصلت إلى ما وصلت، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنك محق في كل شيء، فالتواضع هنا، ليس من باب الأخلاق الحميدة، قدر ما هو حقيقة، أنك مثلهم، وربما منهم من هو أفضل.

لا أظن إنني أعيش حياتي بطريقتين، طريقة للصحافة والإعلام، وطريقة أخرى شخصية، أنا ذاك الشخص في الحالتين.

أنا أدعي إنني صديق أبنائي، وصديق الشباب، وفي تواصلهم ورسائلهم معي أشعر بذلك جدًا، وهو ما يسعدني كثيرًا.

ما دور المثقف في ترميم ما انكسر بمجتمعات منطقتنا؟

أولًا، بالنسبة لي فإن كلمة “المثقف” هذه ثقيلة جدًا على نفسي، تذكرني بالصالونات المذهبة المغطاة بقماش حتى لا تستهلك، والتي يتجنب الجلوس عليها إلا في حضرة نوعية خاصة من الضيوف.

المثقف ليس ما يحمله من علوم ومعلومات وآداب، بل بما يتحمله من عناء لتغيير حياته وحياة من حوله للأفضل، غبي هذا المثقف الذي يتغنى بالحرية، لكنه ليس مستعدًا لدفع ثمنها أبدًا.

بائس هذا المثقف الذي لا ينزل إلى الشارع ويلتحم بالناس يأخذ منهم ويعطيهم.

على المثقف أن يغادر “طابيته” فقد اختلف الزمن، وبتنا في حاجة إلى بعضنا البعض، أن نقترب أكثر، أفضل من أن يستميت كل منا في الدفاع عن فكرته دون أن ينصت للآخر، ويقبل بالاختلاف.

نحن في عصر أزمة “الفهم”، ولن ننجو إذا مارسنا الاستعلاء على بعضنا البعض.
بعد سنوات من القمع الذي مارسه بشار الأسد، وتطويع الثقافة وإخماد الأصوات.. ما المهمة التي ترى أن على المثقف السوري أن يضطلع بها لتحويل الذاكرة الجريحة إلى طاقة بناء توحّد السوريين؟

التوثيق، فلا يمكن أن نطوي الصفحة هكذا بكل بساطة، نحن لا نوثق من باب الكراهية، بل العكس من باب الحب، لا نريد للوطن أن ينتكس مرة أخرى، نريد أن نقول للأجيال المقبلة، انظروا ماذا حدث، لا نريد لهذا أن يتكرر، افعلوا كل ما في وسعكم حتى لا يصاب الوطن بديكتاتور آخر.

ولا أقصد بالتوثيق هو تثبيت المعلومات في سجلات وكتب وأبحاث، بل أن تخرج لنا في روايات وحكايات ومحتوى وأفلام، وكل أشكال الأدب والفن.

ويجب أن يتمتع هذا التوثيق بأفضل أشكال الحرفية والمهنية، حتى يستطيع الصمود أمام هذا التطور الإعلامي المهيب، وحتى يجذب المتلقي لأن يتابعه، ولأن يفكر ألف مرة، ولأن يعتبر .

في ظل الفوضى الإعلامية وكثرة المنصات، ما العوامل التي تضمن أن تبقى الكتابة العربية صادقة وذات مسؤولية أخلاقية أمام جمهورها برأيك؟

أن تكون أصيلة، أن تكون صادقة، أن تعبر عن واقع الناس، عن الحلو والمر، الجميل والسيء، أن تتحلى بالخفة، بالرشاقة.

عادة هناك فروق بين كل جيل والذي يليه، لكن هذا الجيل الجديد فريد جدا، بحسناته وسيئاته، وأن تدرك وتتمكن من مخاطبته أمر ليس سهلا على الإطلاق.

عليك أن تفهمه أولًا، وأن تقبل اختلافه عنك ثانيًا، وأن تجد “اللغة” المناسبة للحديث معه.

أن تحببه إلى لغته العربية الأصيلة، أن تجعله يقع في غرامها، ولا يستحي من استخدامها.

ما نصيحتك للجيل الجديد من الصحفيين والكتّاب في مواجهة القيود والانكسارات؟

تعيشون زمنًا صعبًا، هذا صحيح، لكنكم تمتلكون أدوات عديدة يمكنكم تسخيرها بكل سهولة، فلا تحدثونا من واقع الكتب، لكن من واقع الحياة، فكونوا مرآة لهذا الواقع، حتى يرى الناس حسنهم، ويروا ما يشوهه فيتخلصون منه.


الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

السجن.. كأفضل مكان!

 

السجن.. كأفضل مكان!

(1)

الكتابة تغار، تأبى أن يشغلك عنها -وأنت في حضرتها- أي شاغل، ويدرك الكتاب هذه الحقيقة، ولهذا يلجؤون إلى العزلة، يحبسون أنفسهم في مكان ما بعيدا عن العائلة والأصدقاء، ويمضون في مشروعهم الكتابي، حتى إنه باتت هناك منتجعات للكتابة في مناطق طبيعية بعيدة عن العمران، بها أكواخ منعزلة عن كل وسائل الاتصال والتواصل، يقضي فيها الكاتب أيامه يكتب ويكتب دون مشتتات.

إنها "عزلة اختيارية".

وقد رأى الظالمون أن يمنحوا بعض الكتاب فرصة أفضل للعطاء والإبداع.

فوضعوهم في "عزلة إجبارية"!

(2)

كُتب ما فيه الكفاية عن أدب السجون، وكيف خرجت منه أعمال إبداعية لافتة من: روايات، ومذكرات، وأشعار، وأشكال مختلفة من الكتابات.

فقرأنا "رسائل من السجن" لأنطونيو غرامشي، الفيلسوف الإيطالي الماركسي الذي كتب أعماله الفكرية المؤثرة أثناء سجنه في عهد موسوليني.

و"أرخبيل الغولاغ" لألكسندر سولجينتسين، ذلك العمل الضخم الذي وثق فيه الكاتب الروسي تجربة معسكرات الاعتقال السوفياتية، والذي كتب أجزاء منه سرا أثناء سجنه.

أما "جاك هنري أبوت" فقد كتب "حجرة واحدة تكفي" عن تجربته في السجن الأميركي.

ولا ننسى "موت إيفان إيليتش" لدوستويفسكي، وأعمالا أخرى استوحاها من تجربته في المنفى السيبيري.

أما العالم العربي فقد كان كريما في هذا الشأن -بلا شك؛ فقرأنا لعبدالرحمن منيف روايته الشهيرة "شرق المتوسط"، والتي جسدت التعذيب والانكسار والأمل داخل المعتقلات.

ومن المغرب أبهرتنا رواية "تلك العتمة الباهرة"، التي استندت إلى شهادة عزيز بنين عن معتقل تازمامارت، وحصدت جوائز عديدة، ولها ترجمات واسعة.

وغيرهم العديد من الكتابات والكتاب، حتى أصبح أدب السجون ليس مجرد هامش في المكتبة العربية، بل مرآةً لحقبة كاملة من الصراع بين الحرية والقمع، وسجلا جمعيا يشارك فيه الأفراد بأقلامهم؛ ليكتبوا تاريخا لم يدون رسميا.

(3)

لكن باسم خندقجي استوقفني من بين هذه الأعمال بروايته "خسوف بدر الدين"، وهو الأسير الفلسطيني المحتجز في سجون الكيان منذ عام 2004، والمحكوم عليه بثلاثة أحكام مؤبدة، وقد أنهى أثناء سجنه دراسته الجامعية في الصحافة، ثم تابع دراسة العلوم السياسية في جامعة القدس.

باسم اختار أن يخرج عن معتاد أدب السجون، فلم يصف حياة الزنازين ومتاعبها، وإنما أطلق خياله إلى ما هو خارج السجن، وحلق بعيدا جدا، ليعود بنا إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي؛ ليتناول سيرة الشيخ الصوفي بدر الدين محمود، ابن قاضي قرية سيماونة إحدى قرى مدينة أدرنة في تركيا.

صحيح أن روح التمرد والثورة تطل بين صفحة وأخرى، كأنه قد حرر روحه بالفعل، كأن ما أعجبه في شخص بدر الدين أنه لم يستسلم للطغاة، كما لو أنه لا يكترث أن يكون القتل نهايته كنهاية بطله، ما دام أنه مؤمن بقضيته.

لقد فكرت كثيرا، كيف فعل فعلته تلك، وهو في حاجة إلى مراجع تاريخية عديدة، كيف صبر مرتين، مرة على حماقات السجانين، ومرة على كتابة رواية من أكثر من ثلاثمائة صفحة؟!

بل لدي سؤال أهم، فقد يكون مفهوما أن يخرج الكتاب من السجون فيكتبوا ذكرياتهم وأيامهم في شكل روايات أو مذكرات، لكن أولئك الذين يقضون عقودا من الزمان في السجن، كيف يفعلونها؟!

كيف يكتبون وهم قيد الزنازين، تحت رحمة السجان وحماقاته، وفي ظروف غير آدمية؟!

بل كيف يبدعون في أعمالهم تلك؟

من أين تأتيهم هذه الإرادة الفولاذية؟

وكيف تتفجر فيهم هذه الطاقات؟

(4)

في زنزانة باردة حد التجمد شتاء، لا تحتمل صيفا، انفرادية، أو مع حشد من المحكومين، لا أوراق ولا أقلام، ولا طاولة تتكئ عليها إضاءة جانبية، ولا فنجان القهوة، ولا موسيقى تملأ الغرفة، يكتب الكاتب المعتقل كتابه.

تخيل هذا السجين، جائع، مريض، مهان، يهاجم السجانون زنزانته من حين لآخر، يفتشون ما لديه؛ بحثا عن ممنوعات، يتمنون لو يفتشون رأسه -أيضا- بحثا عن "فكرة" لا تروق لهم.

تخيل كيف يغامر ويكتب بأقلام مهربة على قطع من القماش أو الورق المقوى، وعلى أوراق المحارم الورقية، أو أوراق لف السجائر، يكتب بخط صغير ما يكتب، ويتحمل العقاب إذا اكتشف السجان الأمر!

كيف يطيق ذلك؟!

بل كيف يطيق أن يعود ويبدأ الكتابة من الصفر مرة أخرى إذا ما صادر السجان ما كتب؟

وقد لجأ بعضهم إلى الذاكرة، فيحفظ في رأسه ما يكتب؛ ليعيد تدوينه مرة أخرى في حال المصادرة، ونجح آخرون في تهريب ما كتبوا خارج السجن.

وهكذا فعل نغوغي واثيونغو حين كتب رواية "شيطان على الصليب" على ورق المرحاض (التواليت) في معتقل كاميتي في كينيا.

وكذلك أنطونيو غرامشي كتب "دفاتر السجن" على مدى عشر سنوات، وهي عبارة عن 33 دفترا.

(5)

من أين تأتي هذه القوة الجبارة التي تنفجر في الأديب المعتقل، حتى يتحمل ما يتحمل ويكتب ما يكتب؟

هل تهبط عليه من السماء؟

هل يحتفظ بها في داخله؟

هل تخبئها نفسه عنه فلا يكتشفها إلا إذا حلت به مصيبة؟

لماذا لا نكتشف قدراتنا الداخلية ونعترف بها ونحن في أمان وراحة؟

لماذا لا نتعرف على قوة الداخل إلا عندما نبتلى؟

لماذا نتعذر بأتفه الأسباب حتى لا ننجز مهمتنا أو ما نحلم به، بينما لدينا -في الحقيقة- كل القوة والقدرة لنحقق ما نريد تحقيقه؟

كما لو أن قدراتنا الداخلية تشبه الأنهار الجوفية، تظل ساكنة حتى تهتز الأرض فتتفجر عيونها.

فكرت أن الإنسان ليكتشف نفسه، يمكنه -مثلا- أن يتجرأ على تجربة ما لم يجرِبه من قبل، أن يقف في مواجهة خوفه بدل أن يفر منه، أن يصر على المحاولة حيث ينسحب الآخرون، وأن يصغي جيدا لما يتغير في داخله بعد كل تجربة.


هكذا، شيئا فشيئا، يتكشف له معدن صبره، وقوة عزيمته، ونقاء إيمانه بقدرته على المضيِ.

إننا حين نغامر في المجهول، وحين نتجرأ على اقتحام الصعاب، لا نكتشف العالم فقط، بل نكتشف أنفسنا، ونكتشف أن داخلنا أوسع بكثير مما ظنناه.

الاثنين، 27 مايو 2024

هل تؤجل الحرب الأحلامَ

 هل تؤجل الحرب الأحلامَ

أسعد طه


(1)

إن قلت: نعم، أكون محبطًا، وغير دقيق.

وإن قلت: لا، أكون مبالغًا، وغير دقيق.

والحقيقة أنَّ الحقيقة بينهما.

(2)

الحرب مصيبة، تقع هكذا فجأة على رؤوس الناس، لم يحسبوا لها حسابًا، ولا يملكون منها مخرجًا.

تصبح النجاة هي همهم الأكبر، كيف ينقذون أنفسهم وما يملكون، ينظرون إلى أحلامهم أنها ترف في غير حاجة إليها، عبء لا يحتمل، وآخر ما يفكِّر المرء فيها لينقذها.

سهل -وأنا خارج دائرة الحرب- أن أقول: إنهم في ذلك مخطئون، لكن الحرب ليست جديدة على الإنسان، لقد اخترعها منذ أن وطئت قدماه الأرض، ويشهد التاريخ لكثر أنهم أنقذوا أحلامهم من الحرب، تمامًا كما أنقذوا أغلى ما يملكون.

في الحرب تتغيَّر حياتك وإلى الأبد، حتى وإن نجوت، لذلك فإن همَّك يجب ألا يقتصر على اللحظة الراهنة، وإنما على ما بعد الحرب، تسأل نفسك: إذا خرست المدافع كيف سيكون حالك، حيًّا بإذن الله، لكنك بائس؛ لأن الأحلام علامة أنك حقًّا تعيش، فإذا فقدتها فإنك لا تشعر بحلاوة الحياة، وإن بقيت أنت على قيدها.

قل لنفسك: جميل أن نخرج من الحرب سالمة أجسادنا، لكن ماذا عن أحوالنا وصحتنا النفسية، ماذا إذا انكسرنا؟

الأحلام تحميك من الانكسار.

(3)

الإبداع الذي يدَّعيه كثر إنما هو أن تلتف على ظروفك الصعبة وأوضاعك الاستثنائية؛ لتحقق ما تريد، أو بمعنى أدق: لتحقق أقصى ما يمكن أن تحققه مما كنت تحلم به.

لن يقدِّم لك أحد حلولاً جاهزة على طبق من ذهب، أنت من يجب أن يخترع هذه الحلول، أنت من عليه الالتفاف على الواقع بذكاء وصبر؛ ليحصل على الحلول.

الإبداع هو أن تتكيَّف مع الواقع بمعطياته الصعبة، ثم تعمل على تجاوز تحدياته، على اكتشاف فرص جديدة، تلك التي تنشأ من قلب الأزمات، أن تقترب من الشخصيات الملهمة، تستمد منها الحكمة والقوة، ترافقها، أو تسمع لها.

الإبداع أن تكون ذكيًّا بما يكفي لتقرِّر أن تكتفي في هذه المرحلة الصعبة بالعمل على تحقيق أحلام صغيرة بديلاً مؤقتًا لحلمك الكبير، وبنجاحك فيها تخطو خطوات إلى الأمام، وتمنحك الثقة في نفسك، وتمدك بالأمل.

أو تعرف: قد تكون الحرب في حد ذاتها هي الإلهام، تلهمك درسًا لم تتعلمه، أو تكشف لك حقيقة غابت عنك، أو تدفعك إلى أمر لم يكن في حسبانك.

(4)

الحرب ليست المدافع والصواريخ وحمم الطائرات وحسب، الحرب هي كل ظروف استثنائية صعبة ومؤلمة تمرُّ بك.

كل شدة هي حرب.

الفقر، المرض، العلَّة، الفراق، الفشل، وكل ما شابه ذلك.

هذه الأزمات تصقلك صقلاً، كما تصقل النار الذهب، بشرط أن تعرف كيف تتعامل معها، لا تستسلم لها، ولا تكثر الشكوى، ولا تكتفي بدور الضحية.

اقلب الطاولة -من فضلك- على حربك، على شدتك.

تحرَّر من الخوف، فهو عدوك القاتل.

ستنتهي الأزمة بلا شك؛ لأن من طبائع الأشياء أن لا شيء يدوم.

صدق الله العظيم: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ ليس بما نتمنى وإنما بالعمل، العمل ينجيك، السعي ينقذك، تكرار المحاولة -مهما فشلت- هو الذي يخرج بك -بإذن ربك- من ظلماتك إلى النور.

(5)

إن مللت من كلامي أدعوك لأن تسلي وقتك بقراءة هذه الرواية: «أحلام في حقبة الحرب»، للكيني «نغوغي وا ثيونغو»!

صاحبنا وُلد عام 1938 في ظلال الحرب العالمية الثانية، لا يعرف ترتيبه وفقًا للسن، بين الأربعة والعشرين طفلاً لأبيه وزوجاته الأربع، لكنَّه الطفل الخامس في منزل أمه.

يعود في روايته إلى محطَّات تاريخية لينقل لنا كيف أن حياته تأثَّرت بها بصيغة ما، مؤتمر برلين في عام 1885 الذي قسَّم إفريقيا إلى مدارات نفوذ بين القوى الأوروبية، تنافس الألمان والبريطانيون على استعمار أقاليم شرق إفريقيا.

ولأن الشدة حرب، يستذكر أن عائلته الكبرى كانت تعيش حياة عادية إلى أن نفقت مواشي الأب التي كانت عماد تجارته، ليصبح والده شخصًا عنيفًا جدًّا، تهرب والدته، ويطرد هو وأخوه من بيت أبيه.

حدث ذلك في وقت كان فيه الشعب الكيني يقاوم المستعمر البريطاني، الذي لم يتوان عن استخدام أي سلاح، وخاصَّة التعليم، للقضاء على اعتداد الشعب الكيني بثقافته ومقاومته له.

يحكي لنا عن المدارس المستقلة التي تمردت على نظام تعليم المستعمر، عن حلمه، الذي وعد والدته ألا يوفِّر جهدًا لتحقيقه، وهو أن يتعلَّم، رغم ظلال الحرب العالمية الثانية وأزماته الأسريَّة.

غير أن صاحبنا هزم الحرب والشدة، وحقق حلمه حتى أصبح يُعدُّ من بين أكبر كتَّاب إفريقيا.


السبت، 11 مايو 2024

ذات مرَّة (26) المتجرِّد يصل

 ذات مرَّة (26) المتجرِّد يصل

أسعد طه


  • هل مِن الحكمة أن تتفاءل بينما الواقع يشير إلى الأسوأ؟
  • نعم الواقع سيئ، لا يمكن أن ننكره، لكن ما تدَّعي أنه يشير إلى “الأسوأ” إنما هو محض اجتهاد منك، وليس حقيقة مؤكدة، حتى تبني عليها رأيًا، أنت الذي تتوقَّع، فيما الواقع ما زال أسير “اليوم”، ولم يصبح “الغد” بعد.
  • ما فائدة العقل إذن، إذا لم نُعمله في الواقع؛ لنستنتج ما سيؤول إليه المستقبل؟
  • وأين الفارق إذن بين الذين يؤمنون والذين لا يؤمنون؟
  • وما دخل الإيمان هنا؟
  • للإيمان دخل في كل شيء، سواء امتلكت هذا الإيمان أو لا؛ فأنت تنظر للأشياء إما من خلاله، أو بتجاوزه، بمعنى آخر: إن رؤيتك للأمور إما أنها بناء على إيمانك، أو بناء على عدم إيمانك.
  • لكن اليأس هو اليأس سواء كنت مؤمنًا أو لا؟
  • صحيح، لكنْ ما الذي أوصلك إلى اليأس بالأساس؟
  • كما قلتُ لك: أقيس بناء على الواقع.
  • والمؤمن يقيس بناء على قناعاته العقائدية والفكرية، أنت ترى الأمور في أسبابها، والمؤمن يرى أن الأسباب كلها في يد الخالق، وأن كل شيء يمكن أن يتغير في لحظة، مما هو عليه إلى ضده، ولذلك لا يصيبه اليأس أبدًا.
  • والاحتمال الثاني: ألا يتغير، وربما يزداد سوءًا.
  • لا خلاف، غير أن المؤمن يرى في كل احتمال خيرًا، سواء تغيرت الأمور أم لم تتغير، هو يرضى بخيارات الله تعالى.
  • إذن ما مصدر التفاؤل؟
  • الثقة في خيارات الله؛ فالتفاؤل ليس فيما سيحدث، وأن ما نرغب به، حسب تصوراتنا، سيحدث، ولكن التفاؤل في قَدَر الله، تمامًا كما لو أنك سلَّمت قيادة مركبتك لمن تثق به، ولله العظيم المَثَل الأعلى، صحيح قد يصيبك بعض القلق أو الخوف في الطريق، لكنك تظلُّ واثقًا في اختيارات مَن تركت له مهمة القيادة، إنْ سار إلى الأمام، أو انحرف قليلاً أو كثيرًا إلى اليمين، أو اختار الانحياز إلى اليسار، أنت مطمئن في كل الأحوال، صحيح أن نفسك تُحدِّثك -أحيانًا- بأن القادم أسوأ، ثم تتذكَّر أنك لطالما مررت بصعاب كثيرة أخرجك الله منها على خير، وربما بحسابات مختلفة عن حساباتك.
  • وعلى هذا الأساس نحصر دورنا في المشاهِد الذي يُتابع ما يجري، وهو صامت، وعليه أن يصبر، حتى لو رأى الجحيم على مرمى البصر.
  • على العكس تمامًا، فيتحتم عليك أن تفعل أقصى ما في وسعك، الآن وفي هذه اللحظة، ثم تترك أمر المستقبل للخالق، اليأس نوع من الخيانة، خيانة الرابط الذي يجمعك مع مَن خَلَقَك، خيانة الثقة به -عز وجل- وباختياراته وبأقداره.
  • لكنَّك تعتمد هنا على الغيبيَّات.
  • نعم، وهو أساس الدين؛ فنحن لم نر ربنا، لكننا نؤمن به عن غيب، بل أنت أيضًا تؤمن بالغيب؛ فتفترض ما سيحدث في المستقبل، رغم أنه في علم الغيب.
  • لديَّ مؤشِّرات.
  • هذه رؤية وليست رياضيات، واحد زائد واحد يساوي اثنين، الفكرة كلها في أنك كيف تنظر للأمور، يمكنك أن ترى دمار غزة هلاكها، ويمكنك أن ترى أن المكاسب العسكرية التي حققتها المقاومة غير مسبوقة في تاريخ العرب، وأن جيلاً كاملاً في الغرب بدأ يرى قضية فلسطين برؤية مختلفة، وأن صيحة الحرية لفلسطين التي تتردد الآن في أنحاء العالم لن تذهب سُدى، صحيح قد لا يُسعفنا هذا في اللحظة الراهنة، لكن ربما بعد عقد أو أكثر سوف تختلف الصورة تمامًا، في كل الأحوال يجب أن ترى الأمور بشقيها: السلبي والإيجابي؛ لتكوِّن رؤيتك الشاملة، مسلِّمًا بأن للحرية ثمنًا.
  • إذن تعتمد على عقلك.
  • نعم، تعتمد عليه وقد يُضلُّك، وقد يَدلُّك على قوانين مَن خَلَقَه.
  • وكيف أعرف؟
  • تجرَّد بحثًا عن الحقيقة؛ أخرج من قلبك كل هوى، من تحب ومن تكره، تجرد فإن المتجرِّد يصل.
  • أخشى أن التفاؤل يفعل فعل المخدِّر، فلا تحرِّك ساكنًا.
  • بل العكس تمامًا، ولذلك قيل: “لا تيأس فتقنط فلا تعمل”، التفاؤل يحثُّك على أن ترسم خططك لليوم التالي بعد الحرب، وقد خرجت منها منتصرًا بإذن الله.
  • وإذا لم يحدث؟
لا ضمانات في هذه الحياة؛ الحياة ليست سوى مجموعة من المغامرات، وعليك أن تُحسن اختيار مغامرتك، واليأس كفيل بهزيمتك من الخطوة الأولى، بينما الأمل يدفعك دفعًا للأمام.



أسعد طه
أبريل 14, 2024

علامة استفهام (54) ماذا فعلت بنا غزَّة؟

علامة استفهام (54) ماذا فعلت بنا غزَّة؟
أسعد طه

(1)
منذ زمن قلت لنفسي: لا تدعْ حكاية تمرُّ بك إلا واستخلصت العِبر منها.
مؤمن أنا كغيري بأنه لا شيء في هذا الكون صدفة، كل شيء بقدَر وبحكمة، فكيف أشيح بوجهي عن أمر يحدث أمامي، ولا أهتم به، ولا أستخلص منه الحكمة، بل الحكم؟
فما بالك لو أن هذا الأمر يخص صلب عقيدتي؟!
منذ السابع من أكتوبر ونحن بين فرحٍ لانتصارات وحزنٍ على خسارات، خصوصًا البشرية منها، ضربة تلو الضربة تطرق أدمغتنا؛ حتى بات كلٌّ منَّا يشعر أنه بعد غزة شخص مختلف عما كان عليه قبلها.


(2)
كيف فعلت المقاومة ما فعلت؟
كيف لها أن تخدع وتتغلَّب على واحد من أقوى جيوش العالم؟!
بل كيف لها أن تستمر قرابة أربعة أشهر بينما جيوش عربية مدججة بالأسلحة لم تفعل؟!
“لا مستحيل” هو ما تؤمن به المقاومة، غير أن الأمر يحتاج إلى تفكير طويل، وصبر ومثابرة وإرادة فولاذية.
هذه الأدوات هي التي يجب أن تسأل نفسك إن كنت تملكها، قبل أن تتوقف عن العمل لتحقيق حلمك وتصرخ قائلاً: “إن تحقيق هذا مستحيل”.
لقد ثبت أن كلُّ شيء ممكن، شريطة أن تمتلك هذه الأدوات، الفكر، والصبر، والإرادة، والمثابرة.
هؤلاء المحاصَرون لسنوات طويلة، المحرومون من إمدادات منتظمة من الماء والغذاء، الممنوعون من السفر، نجحوا في بناء قوَّاتهم، وأطلقوا فكرتهم واضحة: “لا شيء مستحيل”.


(3)

لا تنتظر الكمال حتى تبدأ.
أكاد أجزم أنهم كانوا غير راضين عن كلِّ ما اتخذوه من استعدادات حين بدأوا، لكن هناك وقت يجب أن تتوقَّف فيه عن البحث عن الكمال وتباشر مشروعك.
﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.. هو المطلوب أن تؤمِّنَه لتبدأ تحقيق حُلمك الذي تسعى إليه.
أما الأسباب المثالية لتحقيق الحُلم فقد تقضي عمرك دون أن تنجح في تأمينها.
ثم إن نجاحك مرتبط بزمن، فما تحققه في الأربعينيات من عمرك، لن تستمتع بلذته كما لو حققته في الثلاثينيات، وبالتأكيد في كلٍّ خير.
لذلك تسلَّح بما تستطيع؛ لتبدأ في الوقت الذي يناسبك؛ لتحقِّق ما تتمناه.

(4)
ليس ضربة حظٍّ أبدًا.
ما حقَّقته المقاومة ليس ضربة حظ، كان يمكن أن يكون يوم السابع من أكتوبر انتصارًا في موقعةٍ وانتهت، لكن المقاومة مستمرة، وبشهادة أعدائها وأعدائنا ما زالت عسكريًّا تحقِّق انتصاراتها، وهو ما يوكد أن ما حدث ليس ضربة حظٍّ، وإنما تراكم من الفعل.
فعل ولو صغير كل يوم، كل ساعة، وربما كل دقيقة، وقديما قالوا لا تحقرن صغيرة إنما الجبال من الحصى.
الأمر لا يتعلَّق فقط بالإنجازات العسكرية، وإنما بالحالة الإيمانية كذلك.
هؤلاء الذين نشاهدهم على شاشاتنا يصرِّون على السجود وقد أصابتهم القذيفة وباتوا في اللحظات الأخيرة من عمرهم، أو الذين يحتسبون الأمر عند خالقهم وهم يودِّعون أعزَّ أحبابهم، هؤلاء وغيرهم لم يمتلكوا هذا الإيمان هكذا فجأة، وإنما هو حصاد ما فعلوه على مدى طويل، بصبر وكد ومثابرة.
أنت -الآن- حصاد ما فعلت في الماضي، وإن رغبت أن تموت في صورة أفضل فعليك بفضيلة التراكم، افعل كلَّ يوم ما في استطاعتك، تقدَّم خطوة، اصبر، ولا تيأس.
نعجب نحن بالأنفاق التي أرهقت العدو، لكن ترى كم يومًا استلزم حفرها؟ كم شهيدًا في أثناء الحفر؟
هو التراكم والله.


(5)

شاهدت فيديو لشاب مصري يتحدث بعفوية شديدة، ويعيد المسائل كلَّها إلى نصابها، وأن كل ما حقَّقته المقاومة من انتصارات عسكرية لا يخضع لأي حساب، وأن الأمر كلَّه بسبب “العلاقة”، قاصدًا العلاقة مع الله تعالى.
لقد أخذوا بكل الأسباب التي في وسعهم، والانتصارات هي أشبه بمعجزات كنَّا نقرأ عنها في زمن السابقين، وهي إنما بفضل الله تعالى.
أعمى من لا يستطيع أن يفهم المسألة على حقيقتها، ضالٌّ من يعتقد أنه هو من “رمى”، ذكيٌّ من حالف من لا حول ولا قوة إلا به.

يهجم الجنود على المنزل، يأسرون ربَّ البيت، يوصي طفله -وهو مكبَّل مُقاد مع الأعداء- ألا ينسى التسبيح، هذا الذي لا جهد فيه إلا تحريك القلب واللسان، لكنه يجعلك في علاقة متصلة مع ربِّ البشر، فإذا منحك -عزَّ وجلَّ- رضاه فسوف ينصرك بطريقته تعالى، وليس بطريقتك.
دروس غزة لا تنتهي والحكيم هو من نال حكمها.

أسعد طه
أبريل 8, 2024

الاثنين، 6 مايو 2024

نصائح الشيطان

 نصائح الشيطان

أسعد طه


(1)

لا تجلدوا أنفسكم، وإنما أشعِروها بالعجز.

أنتم عاجزون تمامًا عن فعل أي شيء.

ليس كحكومات وأنظمة، وإنما كشعوب وأفراد.

لا حول لكم ولا قوة.

«نحن عاجزون».. «نحن عاجزون».. «نحن عاجزون».

ضعوا ذلك في أذهانكم، وردِّدوه ليل نهار.

تذكروا أن الفعل همُّ المخلصين.

وأن المخلصين لا ينتظرون أن يُؤذَن لهم ليفعلوا.

ولأنكم تعشقون البكائيات، فاستمروا إذن في النحيب.

إياكم ومن يقول لكم: إن النار تأتي من مستصغر الشرر، وإن الجبال من الحصى، وإن كل ثورة بدأت بصرخة، وإن التاريخ لا يخضع للخانعين.

(2)

أقول لكم:

إن اليأس سيمنحكم راحة البال.

إذا تملَّككم لن يصيبكم القلق، ولا التوتر، ولن تحتاروا حينها فيما عليكم فعله.

فلا فعل بعد اليأس.

اليأس يعني أن تشعروا شعور الميت.

تقلِّبه يمنة ويسرة، ترفعه.. تخفضه، تضربه.. تربت عليه، فلن يشعر بشيء.

وأنتم من قال: لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها.

لا تنصتوا لمن يقول لكم: وفِّروا جهدكم المبذول في الحزن واليأس

واستعدوا لليوم الثاني بعد النصر.

أتريدون أن يفتح أهل غزة عيونهم بعد الحرب

فيجدوكم أقوياء أسوياء جاهزين لمعركة ما بعد المعركة؟

(3)

لا تسمعوا لمن يقول لكم: استمروا في المقاطعة.

ما جدوى المقاطعة؟

لقد فعلتم ما في وسعكم وانتهى الأمر.

لن تفعل المقاطعة شيئًا، ولن تحرِّر شبرًا.

والشركات التي تقاطعونها هي من أفضل الشركات جودة في منتجاتها.

والذين يديرونها قادرون على التغلب على آثار المقاطعة.

هم أذكياء جدًّا، حتى إنهم يقتلونكم بأموالكم.

هل تتخيلون أن منتجاتكم المحلية يمكن أن تكون بديلاً؟

أنسيتم أن شعوبكم تهوى المستورد، حتى لو كان قهوة؟

(4)

لا تجعلوا أمر غزَّة ينسيكم خلافاتكم المذهبية والطائفية والقومية.

لا تثقوا إلا فيمن هو مثلكم تمامًا.

يقول ما تقولون، ويفعل ما تفعلون.

نفس المعتقد، بل نفس المذهب، بل نفس القومية، بل نفس الحركة، بل نفس المدينة، بل نفس البناية!

لا بأس أن تتشرذم قواكم، فهذا أفضل من أن تتحدوا على عدوكم.

دعوكم ممن يقول: فلنلتقِ في غزَّة ولنفترق في غيرها، أصروا أن من يتفق معكم في غزَّة يجب أن يتفق معكم في كل شيء، صحيح أن هذا أمر مستحيل، وليس من طبيعة الأشياء، لكن لا بأس، هكذا هي الحياة.

(5)

لا تسمعوا لمن يقول لكم: قد انتصرت غزَّة، يحدثكم عن اعترافات قيادات عدوكم بأن هدفًا واحدًا من أهداف عدوانه لم يحققها، يخبركم أن العالم قد تغير، وأن الطوفان قد وصل إلى أبواب البيت الأبيض وكل بيوت الغرب، وأن العداوة التقليدية للإسلام ها هي تتلاشى، وأن الناس يدخلون في الإسلام، وأن النساء اللائي كنَّ في الثقافة الغربية هن نقطة ضعف الإسلام أصبحن أكثر من يدخل في الإسلام، وأن الحرب قد أيقظت قضية فلسطين برمتها لدى الشباب الذي كاد ينساها، وأن أبناءكم المبتعثين في الغرب لم ينحرفوا، بل وضعهم الطوفان على الطريق المستقيم، وأن الحركة الطلابية في العالم تنهض من جديد، ليس فقط من أجل فلسطين، بل من أجل التحرر من قبضة الصهاينة الذين يتحكمون في السياسة والمال، وأن الحرية والكرامة لا ثمن لهما، وأن العبيد لا يعرفون هذا المعنى.

لا تسمعوا لمن يقول لكم: قد انتصرت غزَّة، وكلما حدثكم أحد في هذا الشأن، أغمضوا عيونكم عن كل ما حققه رجال الأنفاق، وتذكروا عدد الذين ماتوا، وعدد البنايات التي دُمرت.

ولتقنعوا أنفسكم بذلك، حاولوا أن تتخيلوا أن الناس قبل السابع من أكتوبر كما لو أنهم لم يكونوا في حصار، وأنهم كان بوسعهم السفر والتنقل، ولم يعانوا، ولم يسقط لهم شهيد، ولا وقع منهم أسير، وأن غزَّة كما لو كانت مثل باريس حتى وقع الطوفان.

(6)

الآن ماذا عليكم فعله إذا سمعتم أن وقفًا لإطلاق النار قد بدأ؟

انسوا القضية تمامًا، اكذبوا على أنفسكم وانصرفوا إلى شؤونكم الخاصة، فما من سبيل لأن يقف عدوكم على أقدامه من جديد بعد ما لحق به من عار سوى أن تنسوا، انسوا وكأن شيئًا لم يكن، وحذار من الذين يستعدون لطوفان يغرق كل المستبدين والطغاة من كل لون ومن كل صنف.