الأحد، 14 أغسطس 2022

الورطة الكبرى لقوى التخالف

الورطة الكبرى لقوى التخالف

د.عبد العزيز كامل 
kamil@albayan-magazine.com 

كان من المفترض أن يكون هذا المقال جواباً عن السؤال الذي كان ماثلاً أمام الجميع ومطروحاً من الجميع وهو: (ماذا نفعل) بشأن قضية المسلمين الأولى في بيت المقدس؟ وهو السؤال الذي ختمت به المقال الثاني من حلقات: (الإسلاميون وساعة الحقيقة) ولكن الأحداث التي وقعت في أمريكا ثم أفغانستان دهمت الجميع، وقلبت أوراق الجميع؛ فقبل أن ننتهي من مواجهة أنفسنا بـ (ساعة الحقيقة) إذا بها تواجهنا في ساحة الخطر الدقيقة التي لم يتفاجأ بها الإسلاميون وحدهم، بل 

فجأت الأمة الإسلامية جميعاً على حين غرة، وعلى غير استعداد في كل المستويات. 

لقد تكاثرت الآراء، وتباينت التحليلات حول أبعاد وتداعيات ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في العام الأول من الألفية الثالثة؛ حيث لم يكن يخطر ببال أحد من الناس حتى أكثرهم تشاؤماً أن تختتم الألفية الثانية بأحداث الانتفاضة 
الدامية الباكية، والتي لا يعرف أحد إلى أي شيء ستنتهي، ولم يكن يخطر ببال أحد أيضاً أن تفتتح الألفية الثالثة [١] بأحداث تفجيرات أمريكا التي لا يعرف أحد أيضاً إلى أي شيء ستقود العالم؟ 

إلا أن الشعور يتزايد بأن العالم كله أصبح على شفا ورطة كبرى تتوزع أجزاؤها على مختلف الدول المهمة، بحيث لا يتصور أن دولة مهمة واحدة يمكن أن تفلت من نصيبٍ قل أو كثر من تلك الورطات. 

الورطة الأمريكية: لا حدود للورطة الأمريكية بسبب ما وقع على أرض أمريكا في الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م؛ فالخسائر العسكرية أكبر من خسائر أي حرب حقيقية خاضتها أمريكا؛ لأن تدمير مركز القيادة العسكرية في قلعة 
(البنتاغون) قد حصد أرواح ما لا يقل عن ٨٠٠ من كبار موظفي إدارة الجيش الأمريكي وهو أثمن عند أمريكا من الدبابات وأغلى من الغواصات والطائرات والصواريخ، فهؤلاء الضحايا العسكريون قد قضوا وقضت معهم خبرات وأخبار، وخطط وأسرار لن تستطيع أمريكا بشكل شبه مؤكد تعويض خسارتها فيهم على المدى القريب، أما ما هو مؤكد بالفعل، فإن أمريكا ستخوض حربها الأولى في القرن الحادي والعشرين محرومة من تلك الإمكانات والكفاءات. 

ومن الناحية الاقتصادية لا شك أن الكسر الذي أصاب الاقتصاد الأمريكي غير قابل للجبر على المدى القريب، وقد لا ينجبر أبداً ليعود كما كان؛ حيث دخلت أمريكا والعالم معها مجاهل أزمة اقتصادية مجهولة الأبعاد، ربما تحرمها إلى الأبد من ميزة الرفاه الزائد، والفائض المتراكم الذي كانت تتمتع به لأكثر من ربع قرن. 

أمريكا دخلت الحرب ضد أفغانستان، ومجرد الدخول في تلك الحرب هو في حد ذاته ورطة كبيرة ذات فروع؛ فمن فروعها أن أمريكا اضطرت للدخول في تلك الحرب بشكل شبه ارتجالي، وبتحالفات غير متينة ولا واضحة المعالم، وقد اضطرت لهذه العجلة وذلك الارتجال تحت ضغط الداخل الأمريكي الثائر، والخارج الأمريكي الشامت، فلم يكن بوسع الإدارة الأمريكية إلا أن تتخذ قرار الحرب، ولم 
يكن بوسعها إلا أن تبدأ تلك الحرب خارج حدودها وهي غير آمنة للمرة الأولى في تاريخها على ما هو داخل حدودها، وتلك ورطة أخرى؛ فالحرب قد تطول فتطول معها حالة الطوارئ داخل أمريكا، وفي هذا ما فيه من ضغط هائل على الإدارة الأمريكية لكي تنتهي في أسرع وقت من تلك الحرب! وكيف يمكن لأمريكا أن تنتهي (بسرعة) من تلك الحرب التي استمر مثلها مع الاتحاد السوفييتي عشر سنوات قبل أن تحسم لصالح الأفغان؟ ! 

وكيف تنتهي منها بسرعة وتخرج فيها منتصرة وقد تعهدت أمام العالم بتحقيق أهداف محددة وهي القضاء على كل أعدائها في أفغانستان على عجل لتتفرغ للقضاء على بقيتهم في كل بقاع العالم! لقد اعتبر قادة أمريكا أن تحقيق النصر لا يتم إلا بتحقيق هذا الهدف، ولهذا تعهد بوش أمام شعبه والعالم بتحقيق النصر وقال: (سننتصر حتماً) ! ! 
ولكن: بما أن النصر من عند الله وليس من عند بوش؛ فإن هذا الرئيس قد ألجأ بلاده بهذا التعهد المعلن إلى أضيق طريق، وأوقع نفسه وإدارته في حرج بالغ؛ لأن الأمر في أفغانستان ليس مجرد إخراج قوات غازية ستنتهي 
الحرب بإخراجها كما حدث في العراق ولكنه هدف صعب إن لم يكن مستحيل التحقيق لأن القضاء على أفراد معينين يعدون بالآلاف، ويمكن أن يظلوا متنقلين من مكان إلى مكان في أرجاء التضاريس الوعرة لأفغانستان ولفترات قد تستمر 
لسنوات، مهمة في غاية التعقيد لا يستطيع بوش أن يثبت انتصاره دون أن يثبتها، وإثباتها يعني حقيقةً إفناء أفغانستان؛ فهذا هو الطريق الوحيد والمستحيل طبعاً للقضاء على مقاومة هذا الشعب. 
فالحرب في رأينا وعلى خلاف ما أعلن برويز مشرف ستطول وتطول، وقد تستمر لسنوات أو لعقود، وطيلة هذا الاستمرار؛ من يضمن لأمريكا ألا يجرها ساستها إلى مزيد من الورطات؟ ! 

لقد دشنت أمريكا حرباً (عالمية) ليست مقصورة داخل حدودها، وأمريكا نفسها ليست محصورة داخل أرضها؛ لأنها دولة كوكبية المصالح، عالمية المرافق، سرطانية الانتشار، فكيف تستطيع دولة بهدا الاتساع أن تفرض لصالحها حالة (الطوارئ) على العالم؟ ! 

إن أمريكا في الوقت الذي لا تزال تحشد فيه لتحالف دولي (معها) لحروب أخرى في غير أفغانستان فإنها تحشد بنفسها في الوقت نفسه تحالفاً آخر ضدها؛ ذلك لأنها رفضت مبدأ الحياد، واشترطت في صرامة واضحة أن من ليس معها 
فهو ضدها. 

وهذا توريط للعالم فالعالم.. إن العالم في كل تاريخه لم يشهد حرباً واحدة تحقق فيها ذلك الشرط الأمريكي؛ بل كان هناك دائماً محايدون، أو حتى متفرجون؛ فكيف تريد أمريكا من عالم اليوم المعقد في علاقاته المتشابك في مصالحه أن يقف 
صفاً واحداً معها في حرب ستستمر كما قالت عشر سنوات وتشمل ستين دولة؟ ! 
سوف ننتظر لنرى ماذا ستفعل أمريكا في الدولة رقم (واحد) وهي أفغانستان، وهل ستقنعها ورطتها في أفغانستان باستئناف المسيرة (الصليبية) إلى الدولة رقم (٦٠) أم ستغير رأيها؟ ! 

الورطة الأوروبية التركية: نجحت أمريكا طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية في أن تجعل من أوروبا تابعاً لها، غير قادرة على منافستها فضلاً عن مواجهتها، ولما جاءت الضربات المسقطة للهيبة الأمريكية، فرح الأوروبيون 
متظاهرين بالحزن العميق بمن فيهم بريطانيا التي قال أحد المسؤولين فيها: (( إن سلاحنا النووي سلاح أمريكي؛ ولو لم نكن مع أمريكا في خندق واحد لحرمتنا من هذا السلاح )) . 

ولما كان سقوط أمريكا سقوط الجريح لا سقوط القتيل بعد ضربات نيويورك وواشنطن، فقد عزمت على الثأر، وشرعت في الترتيب لتفعيل تحالف عسكري مشترك مع أوروبا يقاتل معها في قضية لا تخص الأوروبيين، يريد الأمريكيون أن يحاربوا فيها عدواً خفياً حتى آخر جندي أوروبي! ! في البداية سيداهن الأوروبيون 

أمريكا، وأغلب الظن أن أكثرهم سيكتشف خطأ الانسياق الأعمى وراء رغباتها الانتقامية التي ستفسد علاقات أوروبا مع الكثير من الدول المستهدفة، بل قد تقود إلى تعريض أوروبا للخطر في حالة اتساع الحرب واختلاط أوراقها على مستوى الدول، وخاصة أن التقارير العسكرية كانت تحذر قبل الهجوم بأيام من أن أي صواريخ يمكن أن توجه لأمريكا إذا واجهت حرباً من عدوٍ ما، يمتلك الصواريخ العابرة للقارات، فإنها سوف تسقط على المدن الأوروبية قبل أن تصل إلى المدن الأمريكية. فهل تقبل أوروبا كلها باختراق جدران عواصمها من أجل جبران الخواطر الأمريكية؟ هذا ما لا يترجح للآن إلا إذا وجد الأوروبيون أنفسهم في 
مواجهة الخطر الأمريكي ذاته. ومن أوجه تورط أوروبا، أن خيار كثير من دولها صعب بين أن تكون (مع) أمريكا أو (ضد) أمريكا؛ فأمريكا التي رفضت مبدأ الحياد في الأزمة، ستضطر بعض الدول اضطراراً للنزول على أوامرها، ودول أخرى ستضطر إلى إعلان معارضة الدخول في التحالف معها، وهذا بحد ذاته ورطة أخرى ستهدد الوحدة الأوروبية أو تغير مسارها على الأقل. 

أما عن الدولة التركية المسلمة السكان، الأوروبية الهوى، فإن ورطتها مع أوروبا حادة؛ لأن الأوروبيين الذين رفضوا بإباء أن يضموها لدول المجموعة الأوروبية الاقتصادية لدواعٍ (ثقافية) هم الذين يريدون الآن منها أن تدفع من 
سيادتها ثمناً باهظاً مقابل ضمها لـ (حلف شمال الأطلسي) فالقوات الأمريكية العسكرية في قاعدة (إنجرليك) التركية كانت منطلقاً لخوض الحرب وستصبح تركيا طرفاً فيها. وهذا التورط التركي في الأزمات الراهنة والمقبلة قد ينعش 
حركات التمرد داخل تركيا، وقد يعيد شرق أوروبا إلى توترات ظنت أوروبا الغربية أنها قد فرغت من جُل مشاكلها في بلاد البلقان وما حولها. 

إن أوروبا الغربية ذات الأغلبية الكاثوليكية، وأوروبا الشرقية ذات الأغلبية الأرثوذكسية لن تسلسا قيادهما بسهولة لصالح أمريكا البروتستانتية في حربها الألفية، وخاصة أن الفرصة القائمة الآن لإنزال أمريكا من فوق كرسي التفرد بزعامة العالم، قد لا تعوض إذا فُوتت، وإذا فاتت فعلى أوروبا أن ترضى دوماً بالتبعية الذليلة لأمريكا، كما ترضى تركيا بالتبعية الذليلة لأوروبا. نستطيع أن نقول: إن 
كل الورطات الأمريكية في الحروب المقبلة بالأصالة، ستكون أوروبية بالتبعية. 

الورطة الروسية الصينية: عاشت روسيا عقود النصف الثاني من القرن الماضي على أمل الوصول إلى المياه الدافئة قرب الخليج العربي، لتنعم بمشاركة الغرب في نهب العرب، ولكن ملحمة الجهاد الأفغاني الأولى خيبت مسعاها وعطلت 
خطاها، وتبع ذلك انفراط عقدها الفريد الذي نظمته في سلك الظلم والطغيان؛ فهوى اتحاد الإلحاد السوفييتي الذي أقامته روسيا، وتبع ذلك ضعف وفاقة اقتصادية هددت الاتحاد الروسي نفسه بالتفكك، حتى أصبح الروس يتكففون الدول الغنية. وجاء الهجوم على أمريكا ليضع روسيا على محك الابتزاز الغربي؛ حيث تطمعها أمريكا الآن في الدعم الاقتصادي مقابل التعاون العسكري بالاشتراك في التحالف، 
إضافة إلى الدعم السياسي بالسكوت عنها في الشيشان مقابل أن تتعاون روسيا في غزو أفغانستان، ولكن الدب الروسي سيظل متردداً في دخول تلك المصيدة فلا تزال مخالبه دامية من جراء التورط في أفغانستان، الذي جر على روسيا كل ما قد كان، ثم إن السكوت على (احتلال) أمريكا لأفغانستان تحت مسمى أي حكومة وطنية (مخلصة) لا يعني لروسيا إلا الانتحار؛ حيث ستضطر للقبول بوجود أمريكي دائم على حدودها، وهذا ما لم يخطر لقادة الكرملين السابقين واللاحقين ولو في الكوابيس، ثم أن روسيا التي حرمتها أمريكا من المشاركة في ثروات الخليج بعد أن أشركتها في التحالف ضد العراق، تريد أمريكا منها الآن أن تتحالف معها 
ضد أفغانستان من أجل أن تنفرد هي بثروات بحر قزوين، فهل سترضى روسيا بأن تضحك عليها أمريكا مرتين. وما يقال عن تخوف روسيا من التقارب الإجباري مع أمريكا، يقال عن الصين التي حرصت أن تجعل من باكستان وأفغانستان جُنة واقية، وساحة فاصلة عن أي اقتراب غربي أمريكي يمكن أن يزعج أحلام المارد الأصفر المسترخي في عزلته. فهل ستسلم الصين لأمريكا في تثبيت نظام عميل لها 
كما تريد في بلد لها حدود مع الصين؟ وهل ترتكب أمريكا حماقة فتح جزء من الردم في بناء من يعتبرهم الشعب الأمريكي قوم يأجوج ومأجوج؟ ! 

الورطة الباكستانية الهندية: الهند والباكستان دولتان نوويتان متجاورتان، حازتا السلاح النووي لكي تحميا نفسيهما به، ولكنهما وجدتا نفسيهما في حاجة إلى حماية ذلك السلاح، أو بالأدق حماية نفسيهما منه، بعد أن تبين أنه أصبح يشكل تهديداً داخلياً أكثر منه رادعاً خارجياً، وقد تأكد ذلك في الأيام الأولى من الهجوم على أمريكا، حيث كشف مسؤولون باكستانيون كبار أن أمريكا مارست على الإدارة 
الباكستانية إذا لم تتحالف معها ضغوطاً ترهيبية، منذرة إياها بأن (إسرائيل) لديها خطط جاهزة لتفجير المحطة النووية الباكستانية. 
ولم يشأ الأمريكيون أن يذكروا الهند صراحة، مع أن التهديد بها أقرب؛ لأن باكستان تعي نوايا الهند العدوانية المبيتة، ولم يكن هناك لدى باكستان من خيار في الأمر إلا الأمرّ منهما، فاختارت الوقوف مع أمريكا ضد أفغانستان، وقد كان في هذا القرار خطر لا يقل عن الخطر النووي على المدى البعيد؛ لأن باكستان دولة تتحكم فيها العرقية حتى النخاع، ومعنى ضرب أفغانستان من داخل باكستان أن ملايين الباكستانيين من أصحاب العرقية البشتونية التي ينتمي إليها جمهور طالبان سيكونون أعداء للحكومة الباكستانية، وإذا سعوا إلى إسقاطها فقد تقع البلاد في دوامة حرب أهلية لاتنتهي بسهولة. يضاف إلى ذلك أن أفغانستان لو أقيم فيها حكم ممالئ للأمريكان ومناوئ لباكستان؛ فإن الأخيرة سوف تضطر لإعادة كل حساباتها الداخلية والخارجية، بما في ذلك إعادة نشر قواتها على كامل الحدود المشتركة مع أفغانستان، وهي حدود في غاية الطول ٢٥٠٠ كم؛ بحيث تكاد تستحيل السيطرة عليها. 
أما الهند فقد تجد نفسها في مواجهة نووية مباشرة مع باكستان إذا عزمت على اقتناص فرصة الرغبة 

المشتركة مع أمريكا في القضاء على المقاومة الباكستانية الإسلامية في كشمير، والتي تعد بالنسبة لباكستان قضية حياة أو موت، إضافة إلى أن كشمير ستتحول إلى طالبان أخرى في خاصرة الهند حتى لو بسطت الهند سيطرتها عليها. 

الورطة الإيرانية الأفغانية: ظلت إيران متوجسة بعد مجيء حكومة طالبان في أفغانستان من عدم الاستقرار على حدودها الشرقية، وقد تدعمت تلك المخاوف بعد سقوط المواقع الشيعية في (باميان) الأفغانية على أيدي القوات الطالبانية في العام ١٩٩٨م، وأقبلت إيران بالاشتراك مع الهند وروسيا على دعم قوى التحالف الشمالي (المجاهدين سابقاً) ضد حكومة طالبان، وجاءت الأحداث الأخيرة لتوقع 
إيران في شراك فخ خطير؛ فإيران التي لا تريد حكومة سنِّية قوية بجوارها لا تقبل بحكومة عميلة للأمريكان على بعد خطوات منها، خاصة إذا قبلت تلك الحكومة وذلك أمر مؤكد بوجود أمريكي دائم في أفغانستان على غرار الوجود الأمريكي في البلقان. ولكن هذا الخطر المتوقع لا يمكن أن يدفع إيران إلى التعاون مع أفغانستان، ولا يمكن أيضاً أن يدفعها إلى التحالف مع الأمريكان؛ فماذا تفعل إيران في هذه 
الورطة؟ 

الراجح أنها ستركز على الوقوف مع المقربين منها من مناوئي طالبان؛ ولكن مشكلة هؤلاء أيضاً أنهم لا ولاء عندهم لأحد، ولا ثبات في مواقفهم مع أحد؛ ولهذا 
ستظل إيران واقعة في هذا الشَرَك الذي يبدو شَرَكاً أصغر بجانب الشَرَك الأكبر المتمثل في النوايا المبيتة من الغرب تجاه إيران؛ فإيران أحد البلدان المرشحة للتضحية بها على عتبة مقام الرضا الإسرائيلي، حتى تطمئن تلك (الإسرائيل) 
إلى عدم وجود خطر مستقبل محتمل عليها في المنطقة بعد زوال الخطر العراقي. لن تعدم الإدارة الأمريكية حيلة في مرحلة لاحقة أن تورط إيران في حرب مع الغرب بالنيابة أو الأصالة، والذرائع جاهزة: فدعم إيران لشيعة لبنان، أو التحالف مع شيعة سوريا، أو حتى رفض الدخول في التحالف المنعقد حالياً ضد أفغانستان، قد يمثل بعضها ذريعة مناسبة لتصفية حسابات طال تأجيلها بين أمريكا وإيران التي وجدت نفسها فجأة مدعوة للتحالف العسكري مع (الشيطان الأكبر الأمريكي) لصالح (الشيطان الأصغر الإسرائيلي) ؛ فهل تجازف إيران بدعم أعداء طالبان، 
أم تقع في شَرَك عائلة الشيطان؟ إنها فعلاً ورطة خطيرة، ولا تقل عنها خطورة ورطة التحالف الشمالي المغضوب عليه من الجميع؛ فهو يحاول إثبات دور في الأحداث، ولكن الراجح أن الدور سيأتي عليه فيجرد من قواه؛ لأن الغربيين 
يريدون التخلص نهائياً من أي ذكرى لـ (الجهاد الأفغاني) ، ولهذا استدعوا (ظاهر شاه) من على حافة القبر، لمحاولة تنصيبه ملكاً بعد غيبوبة استمرت ثلاثين عاماً، ومن العجيب أن التحالف الشمالي (الإسلامي جداً) تورط في التحالف مع 
ظاهر شاه الذي (كان) خائناً؛ ليقدم الطرفان للأمريكان قربان عرفان من دماء الأفغان. 

الورطة العراقية الخليجية: الخيوط تنسج من الآن لتوريط العراق في مشكلة جديدة أقلها مضاعفة الحصار، وأقصاها العودة إلى الحرب والدمار؛ فالإشارات تأتي من أمريكا باتهام العراق بأن له ضلعاً قوية في تدبير الهجوم على أمريكا من خلال تعاون أجهزة مخابراته مع بعض الجماعات الإسلامية. وهذه التهمة مهما كانت فضفاضة جاهزة لأن يُلبسها الأمريكيون للمسؤولين العراقيين ويجعلوها على مقاسهم، ولا أشك أبداً في أن حرب السنوات العشر التي يراد لها أن تدوم حتى تحقق كل الأهداف الأمريكية، سيكون العراق أحد ميادينها الرئيسة حتى يكمِّل بوش الثاني ما بدأه بوش الأول. وقد بدأ الأمريكيون في حشد قواتهم مرة أخرى لتنفيذ خططهم الجديدة التي لم يفصحوا عنها هذه المرة، مع أن دول الخليج التي تحملت وحدها ثمن الحماقة العراقية والغطرسة الأمريكية، ما كانت لتريد التورط في حرب أخرى، ولكنها الورطة! ! الورطة التي بدأها العراق قبل عشر سنين والتي ظن نفسه قد تجاوزها بعد أن بدت تباشير الانفراج مع بعض جيرانه، وبعد أن ظهر له خطأً قبل الأحداث أن الأمريكان ربما استغرقتهم المشاغل الداخلية عن المشاكل الخارجية، فراح يعد نفسه لمواجهة (حاسمة) لتحرير القدس، فإذا به ينكبُّ الآن 
للبحث عن سبل الدفاع عن بغداد! 

الورطة المصرية السودانية: ضربت أمريكا السودان عقب تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا، واتهمت بعض الدوائر السودانية الحكومة المصرية 
بالسماح للطائرات أو الصواريخ الأمريكية بعبور الأجواء المصرية لتنفيذ الضربة، ولكن الطرفين تجاوزا تلك الأزمة تخوفاً من أزمات أعقد، كانت الحكومتان المصرية والسودانية قد عزمتا على حلها أو تجميدها لتفويت الفرصة على الخطة الخبيثة المبيتة لتقسيم السودان؛ فالوفاق متفق عليه ولو تصنعاً تفادياً للخطر الأكبر على البلدين من جراء قيام حكومة نصرانية في الجنوب. 

السودان لا يزال مدرجاً على قائمة الدول الراعية للإرهاب وإن رفعت عنه بعض العقوبات وقد حاول المسؤولون السودانيون جهدهم أن ينفوا عن أنفسهم تهمة الإرهاب بما يحل وما لا يحل، وبما يعقل وما لا يعقل، ولكن المترجح أن اتهام السودان بالإرهاب هو أحد الذرائع المقسمة بدقة على عدد من الدول الإسلامية لترتيب أوضاع مستقبلية تخدم الأهداف الأمريكية. إن من الأهداف الأمريكية في 
إفريقيا أن يكون لها وجود عسكري دائم في القرن الأفريقي وما حوله، وقد حاول الأمريكيون ذلك أثناء الحرب الصومالية التي تدخل فيها الأمريكيون مباشرة، ولكنهم دُحِروا، وهم يراهنون من وقتها على الاعتماد على ما يسمى بـ (جيش تحرير السودان) بزعامة جون قرنق؛ فماذا لو أراد الأمريكيون تحقيق الهدف المبيت في دفع هذا (الجون) لتحقيق الهدف؟ ! إنهم سيلقون بثقلهم خلف أي محاولة إجرامية يقوم بها لـ (تحرير السودان) !                      وعند ذلك: ماذا تفعل مصر مع تلك الورطة التي قد تهدد عصب الحياة فيها إذا تحكم هؤلاء الحاقدون الموالون  لليهود في منابع النيل؟ ! وماذا تفعل مصر لو خيرت بين الخيارين الأمريكيين الوحيدين (معنا أو ضدنا) ؟ ! هل يكونون ضد السودان التي تعد بوابة الأمن الجنوبي لمصر؟ أم يضحون بصداقة أمريكا مع كل ما يعنيه ذلك من خسارة اقتصادية ومخاطر عسكرية؟ وماذا يفعل السودان في مواجهة أمريكا التي لم تثبت تهمته في تفجيرات إفريقيا ولم تنفها وإنما سكتت عنها؟ مع من يتحالف السودان..؟ وضد من سيحارب؟ ضد خطر شمالي محتمل أم ضد خطر جنوبي مؤكد؟ ! حقاً إنها ورطة! 

الورطة اليمنية العمانية: كانت التحقيقات بشأن تفجير المدمرة (كول) قد تعقدت قبيل حدوث تفجيرات أمريكا؛ حيث تطاول المحققون الأمريكيون فيما يبدو على شؤون سيادية يمنية، وبالرغم من أن اليمن ليس مدرجاً ضمن الدول الراعية للإرهاب، إلا أن الحكومة الأمريكية تلمح إلى أن فيه معسكرات للتدريب على الإرهاب، وهذا يرشح اليمن كما أكدت مصادر عديدة أن يكون مستهدفاً في حرب أمريكا على (الإرهاب) . وهذه الحرب ضد اليمن قد لا تكون بالضرورة عسكرية؛ فقد تكون سياسية أو اقتصادية، ومع هذا فلا ينبغي استبعاد كونها عسكرية في ضوء ما أذاعته وكررته الإدارة الأمريكية من أن حربها الصليبية قد تشمل ستين بلداً، وأنها لن تستأذن أحداً في ضرب ما أسمته (معاقل الإرهاب) . 
فإذا نوت أمريكا ذلك؛ فما هي أقرب البلدان التي تحوي قواعد عسكرية أمريكية تصلح لضرب اليمن؟ ! قد تكون عُمان هي المرشحة لذلك وبخاصة أنه قد أُجريت فيها مناورات عسكرية بريطانية كبيرة قريباً، وعُمان التي لم تدخل حرباً خارجية منذ حروبها ضد المستعمرين البرتغاليين، والتي يتمركز فيها ٢٠ ألف جندي بريطاني ستجد نفسها في خيار مُرّ، إذا ما أُجبرت على السماح بانطلاق ضربات من أراضيها ضد الجارة الآمنة اليمن؛ وهذا الحرج البالغ على عُمان، سوف يتكرر مع أي دولة عربية أو غير عربية أخرى يريد الأمريكيون أن يصفُّوا 
من فوق أراضيها حساباتهم مع البلد التي دمرت على ضفافه وفي ضيافته المدمرة (كول) التي سُجلت القضية فيها للآن ضد مجهول.
 
الورطة السورية اللبنانية: اقترنت لبنان طوعاً أو كرهاً بالنفوذ السوري السياسي والعسكري؛ حيث تطابق الموقف اللبناني طوعاً أوكرهاً أيضاً مع الموقف السوري في الصراع العربي الإسرائيلي. وقد ساعدت سوريا بالاشتراك مع إيران في بناء الوجود الشيعي القوي في جنوب لبنان، وأصبح لبنان مضطراً للاعتراف العلني باحترام حزب الشيعة واعتباره جزءاً من القوى الوطنية اللبنانية. 

ولكن (إسرائيل) ومن ورائها أمريكا تنظر لحزب الشيعة باعتباره نموذجاً للتنظيم الإرهابي المدعوم من الدول، وخاصة أن له أراضيه ومواقعه وبرامجه وقياداته المعلنة والمستخفية؛ فهو هدف سهل مؤجل، أُجِّلت مواجهته فقط لاستثمار مشاغباته لمراحل لاحقة. والحاصل الآن بعد الهجوم على أمريكا أن حزب الشيعة اللبناني توضع حوله إحدى دوائر الاتهام الحمراء، وقد أبرز المحققون الأمريكيون اسم (عماد مغنية) الشيعي اللبناني مع اسم الطبيب المصري (أيمن الظواهري) 

باعتبار أنهما كما يقول المحققون متورطيْن مع المخابرات العراقية في التخطيط للهجمات على أمريكا! لهذا لا يبعد أن يُستهدف ذلك الحزب المعدود في القوى الوطنية اللبنانية التحررية ضمن مرحلة من مراحل الحرب الأمريكية على 
(الإرهاب) ، وإذا حصل ذلك فماذا سيكون موقف لبنان الرسمي، وهل سيقبل أن يتحالف مع أمريكا ضد جبهة وطنية تحريرية طالما افتخر اللبنانيون في الفترة الأخيرة بأنها أحرزت أول نصر عربي حقيقي في الصراع العربي الإسرائيلي؟ ! 
وماذا ستفعل سوريا عندما تطالَب بكشف حساب عن دعمها للحزب الذي يُزعم أنه شارك في ضرب أمريكا، ويُجزم بأنه يعمل ضد وجود (إسرائيل) ؟ !                                  إن سوريا، منذ إخفاق مؤتمر كامب ديفيد الثاني، بل ومنذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان مستهدفة بانتقام إسرائيلي معلن؛ فهل تقوم إسرائيل بهذا الانتقام، أم تقوم 
بالنيابة عنها أمريكا كما حدث في العراق؟ ! وهل تقوى كل من سوريا ولبنان الآن أن تقولا لأمريكا: لا، فتسمحا بذلك بكشف الغطاء عنهما أمام الذئب المتربص في تل أبيب؟ ! وهل ستقف الأطراف العربية الأخرى إذا ما ضربت إسرائيل سوريا أو لبنان موقف المتفرج أو تنضم إليهما في التحالف ضد أمريكا؟ ! إنها ورطة سورية لبنانية سبق أن نسجت شباكها بأيد إسرائيلية. 

الورطة الفلسطينية الأردنية: توهم (الواقعيون) العرب، أن تنفرج الأزمة الفلسطينية بعد حدوث الكارثة الأمريكية، وتمنوا على العالم أن يتنادى إلى إنصاف الفلسطينيين في (مدريد ثانية) تتمخض عن إعلان دولة فلسطينية مستقلة رئيسها عرفات وعاصمتها القدس، مكافأة للفلسطينيين على عام من الانتفاضة! ! ويبدو أن القوم كذبوا وصدَّقوا أنفسهم، فراحوا يتسلقون مرة أخرى مع السلطة جدران عملية السلام المتهالكة، لعلهم (يضحكون) على أمريكا وإسرائيل معاً! ! 
ولأجل إنجاح هذه الخطة الذكية نادى بعضهم بفض الانتفاضة، لبيع ثمراتها المختطفة مرة أخرى في سوق الوهم والهراء. ولكن شارون أرسل بالإشارات تلو الإشارات لعرفات لعله يفهم، عندما اتهمه صراحة وعلناً بأنه أسامة بن لادن الفلسطيني! ! وأنه يقود منظمة إرهابية تريد تقويض إسرائيل من الداخل كما حدث لأمريكا! ولكن عرفات لم يفهم الرسالة كعادته وراح يصافح يد بيريز الذي سلم عليه (بقرف) كما ظهر في الصور أثناء اللقاء (الأمني) الأخير بينهما. إن المطلوب من عرفات إسرائيلياً أن يسلم قوائم بـ (إرهابيين) فلسطينيين من حماس والجهاد وغيرهما، والمطلوب منه أمريكياً أن يكون عضواً فاعلاً في التحالف ضد الإرهاب، وقد قبل عرفات العرض الثاني بسرعة، ظاناً أن سرعة الاستجابة، مع شيء من التبرع بقطرات الدم السخي، ستشغلان الأمريكان عن الطلب الإسرائيلي 
بإلقاء القبض عن ما لا يقل عن مئة وثمانية من الفعاليات الجهادية الفلسطينية وتسليمهم لإسرائيل، ولكن عرفات المتورط والمشهور تقليدياً بقدرته الفائقة على التخلص من الأزمات يبدو أنه قد أُلجئ هذه المرة إلى أضيق الزوايا فلا خيار أمامه إلا (ضد) أو (مع) ، فإما أن يرضي إسرائيل وأمريكا بمحاربة شعبه وتسليم قيادته الحقيقية لليهود أو يخوض مع شعبه مواجهة مسلحة مع إسرائيل، قد سبق أن 
تبرع عبر ثماني سنوات مضت بإبطال مفعولها وقهر أبطالها. 
إنه خيار محيِّر، لا أظن أن صحة عرفات النفسية والبدنية ستصمد أمامها طويلاً، وخاصة أن الجميع الآن مشغولون عنه بما حل أو سيحل بهم من هموم أخرى بعيدة عن الهم الفلسطيني الذي بدأ إسلامياً ثم غدا عربياً حتى أصبح هماً 
فلسطينياً وحيداً طريداً بفضل إصرار (الختيار) على الزعامة المنفردة. ستنفرد (إسرائيل) على الأرجح بالفلسطينيين، لا كعمل ضمن التحالف ضد الإرهاب، 
ولكن في إطار عمليات داخلية بحتة لا شأن للمجتمع الدولي (المشغول) بها. وهي أي إسرائيل لن تفوت أيضاً فرصة ضرب الفلسطينيين بالأردنيين عندما تقدم 
لأمريكا قائمة بمطلوبين أردنيين من أصل فلسطيني في الغالب بتهمة الإرهاب؛ فالأردن خياراته ضيقة في أن يكون مع أو ضد الولايات المتحدة في حربها ضد ما 
يزعم عن (الإرهاب) الفلسطيني. وشارون صاحب مشروع (الوطن البديل) الذي يقول إن الأردن هو دولة الفلسطينيين، ما زال حياً يرزق وعلى رأس السلطة 
وما زالت همجيته ودمويته متعطشة للمزيد، وبخاصة بعد أن لاحت فرصة الفرص في حرب عالمية ضد (الإرهاب) لا يصلح لقيادتها في الشرق الأوسط إلا أبوالإرهاب (شارون) هل هناك ورطة إسرائيلية؟ نسأل الله أن يصب الورطات فوق رؤسهم صباً ولكن للآن لم تتضح لي معالم أي ورطة وقع فيها الإسرائيليون بشأن ما حدث في واشنطن ونيويورك، بل على العكس، كل الشواهد تثبت أنهم مستفيدون من كل المصائب التي حلت أو ستحل على أي طرف في الحرب الدولية المتوقعة، ولهذا فإنهم يتجهون بأي وسيلة إلى إسدال الستار على مسلسل (الحرب القائمة) المحلية ضد الانتفاضة في فلسطين ليتفرغوا لـ (الحرب القادمة) الإقليمية ضد الإسلام في المنطقة، وهنا أريد التنبيه على أن دولة اليهود لم تتخل عن برامجها، أو ما تبقى من برامجها الدينية التسلطية في المنطقة العربية وعلى رأسها ابتلاع القدس نهائياً بصفة (رسمية) و (دولية) والتخلص من المسجد الأقصى لبناء هيكلهم الثالث الذي دشنوا منذ شهور قليلة مرحلة البدء فيه بوضع حجر الأساس (الرمزي) ! 
هل سيجد اليهود ظروفاً أنسب أو فرصة أرحب من تلك المتاحة الآن، أو بعد الآن إذا انخرطت المنطقة في حروب أخرى؟ وهل مرّ على العالم الإسلامي الذي طالما تخوفت (إسرائيل) من رد فعله مرحلة هو أشد ضعفاً وأشل قوة منه في مرحلته الراهنة؟ ! 

والآن: كيف ستواجه الأمة هذه التحديات المتعددة الأبعاد والمتوالية المراحل؟ 

كيف ستصمد أمام تلك الحرب الطويلة التي بدأت ولا نعلم متى ولا كيف ستنتهي؟ 

كيف سيديرون معركتهم ويدبرون أمرهم في صراع لم يسبق لهم به عهد، ولم يظهر لهم فيه بُعد؟ كيف سيدخلون تلك المعركة الكبرى بلا راية ولا دراية ولا هدف ولا غاية؟ 

إن الحملة التي تواجه المسلمين اليوم باسم محاربة الإرهاب أخطر من الغزو الصليبي، والاجتياح التتاري، وهي أكثر مكراً من الهجمة الصهيونية وأفدح ضرراً من الموجة الاستعمارية الليبرالية والشيوعية؛ وذلك لسبب بسيط وهو أنها تجمع بين إجرام كل هؤلاء إضافة إلى لؤم المنافقين وغشم الوثنيين، إننا كثيراً ما كنا نردد قول النبي صلى الله عليه وسلم (( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها )) [٢] ونظن أنه ينطبق على مرحلة من المراحل الزمنية القريبة المعاصرة، ولكنا الآن نرى هذه النبوءة رأي العين، وبصورة لم تكتمل من قبل على هذا النحو؛ فماذا نفعل؟ ! 

إن المرحلة أكبر من أي كلام بلا عمل، ومن أي عمل بلا فقه، ومن أى فقه بلا إخلاص، وهي أخطر من أن تطغى فيها الاجتهادات الفردية، أو العصبيات الحزبية أو النعرات القومية والوطنية والقبلية، إنها أشق من أن تتحمل مسؤوليتها جهة أو جبهة واحدة، وأدق من أن تقوم بشأن مواجهتها سلطة أو دولة واحدة، ولهذا أقول إنه لا بد من تحرك يتناسب مع حجم الورطة الكبرى التي وقع فيها 
المسلمون ضمن بقية العالم. 

مطلوب فوراً: 

أولاً: من الحكومات والأنظمة: أن ترقى إلى مستوى وعي الشعوب؛ فقد أثبتت الأحداث أن هناك شعوباً أوعى من حكوماتها، وأكثر شعوراً بحقيقة المواقف منها؛ فتلك الشعوب، وبرغم كل عمليات التدليس والتلبيس والتجهيل الثقافي والتعمية الإعلامية والدجل السياسي تثبت أن الخير أصيل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إنني اعتقد أن تلك الأمة بمن فيها من متعلمين وعاميين، وإسلاميين وعاديين على استعداد للانضواء تحت لواء أية دولة أو حكومة تعلن ولاءها الصادق لله ولرسوله والمؤمنين، وذلك بنفس القوة والحماس الذي ستعلن به عداوتها ورفضها لكل من يعلن عداءه لله ورسوله والمؤمنين [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ 
وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ]  (المائدة: ٥٥-٥٦) .

ثانياً: مطلوب من الشعوب والمجتمعات: أن ترتفع بنفسها عن مستنقعات السفاسف وانشغالات التوافه وصغائر الأمور؛ فالحرب المعلنة والتي بدأت بصورة (حرب أمنية) ضد الإسلاميين ستتحول شيئاً فشيئاً إلى صورة عنصرية ضد العرب لتنتهي صريحة إلى حرب دينية علنية ضد كل المسلمين بلا أية خدع سياسية ولا رتوش دبلوماسية؛ وعندها سوف يرى الجميع أن أمة الإسلام سوف تستهدف بانتظام في دينها وثرواتها، ومقدساتها وسائر حرمانها: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] 
(البقرة: ٢١٧) . 

ثالثاً: مطلوب من المثقفين والمنظِّرين: أن يقفوا دون تغييب وعي الأمة، ويكفوا عن شغلها بما يضرها ويكتفوا بما ينفعها؛ لأن هذه الأمة التي طالما استهدفت بـ (التثقيف) اللاديني واللاأخلاقي لحقب طويلة، قد غدت شرائح كبيرة 
منها غير مدركة للفرق بين العدو والصديق، وبين الآمر بالخير والمعروف، والمتآمر بالشر والمنكر، وليعلم كل صاحب فكر وثقافة أن فكره وثقافته، إما أن تكون أداءً لأمانة، أو اقتراف لخيانة، ولا أخونَ من خائن يفسد العقول بما يخالف قول الله وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وبخاصة إذا كان يتقاضى على تلك الخيانة أجراً [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ 
تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ]  (الأنفال: ٢٧-  ٢٨) .

رابعاً: مطلوب من الحركيين والتنظيميين: أن يدركوا أن التحديات الكبار التي تواجهها الأمة اليوم لا تحتمل المزيد من المبادرات الفردية أو التحركات المرتجلة أو التصرفات العجلى؛ فليكن تحرك الجميع مضبوطاً بضوابط الشرع، 
وأفهام المخلصين من أهل العلم، وخبرات المحنكين من أهل التجربة؛ فأحوال الأمة الآن لا تحتمل أنانية في الأخذ بزمام الأمة كلها إلى حيث لا تعلم ولا تفهم، ولا إلى حيث لا تستطيع أو تريد؛ فلا خير في أثرة تلبس ثوب الإيثار، ولا بركة في عمل لا يقوم على المشورة، [وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]  (الشورى: ٣٨) .

خامساً: مطلوب من العلماء والدعاة: وهم أهم من كل مهم ممن ذُكر، مطلوب من هؤلاء الأجلاء أن يراعوا حق الله في التوقيع عنه، وحق الرسول صلى الله عليه وسلم في الوراثة منه، وحق الأمة في البيان لها والنصيحة المخلصة في أمورها.                                                             فإذا كان الدين النصيحة كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت تلك النصيحة لله ولرسوله ولخاصة المسلمين وعامتهم، فإن هذا يدل على أن نصح (الخاصة) من الدين، والعلماء من الخاصة، بل هم خاصة الخاصة، ولكن هذه 
الخصوصية لم تعفهم من أثقل أنواع المسؤولية؛ حيث قال الله تعالى لهم آخذاً الميثاق الغليظ عليهم: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] 
(آل عمران: ١٨٧) . 
فليتذكر العلماء المسموع لهم أن الله يسمع لقولهم ويعلم سرهم وجهرهم، والأمة أحوج إليهم اليوم من المتخصصين الاستراتيجيين والقادة العسكريين؛ بل ومن القادة السياسيين؛ لأن كل هؤلاء لا يصلحون إلا بصلاح أهل العلم، فإذا 
كانت أمتنا اليوم تحتاج إلى أمثال المعتصم وصلاح الدين وبيبرس وقطز، فإن حاجتها أشد لأمثال الإمام أحمد وابن تيمية والعز بن عبد السلام، محمد بن عبد الوهاب. 
إن علماءنا مدعوون في سائر أقطار العالم إلى البحث عن صيغة يستطيعون بها أن يباشروا ما أسنده إليهم من الولاية الواجبة بإيجاب الله تعالى في قوله سبحانه: 

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] (النساء: ٥٩) . 
وأولوا الأمر: هم العلماء والأمراء [٣] . 
ولهذا فإن أوجب واجبات المرحلة فيما أرى تشكيل قيادة علمية من المخلصين والمتجردين على مستوى الأمة تتفرع عنها سائر القيادات؛ وهذا الواجب وكل ما سبقه من واجبات لا يستطيع ترتيب خطواته وترتيب فعالياته إلا العاملون الصادقون من الإسلاميين، وعندها سنبدأ في السير الصحيح لمواجهة التبعات الثقيلة لساعة الحقيقة. 

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا. آمين. 

(١) باعتبار أن العام ٢٠٠٠ هو العام المتمم للقرن للعشرين. 

(٢) رواه أحمد، ح/ ٨٤٩٦. 

(٣) انظر: تفسير القرطبي، ج ٥، ص ١٦٨. 

المصدرمجلة البيان - المجلد 168 - الصفحة 69 - جامع الكتب الإسلامية: مجلة البيان 

المقال في العدد (١٦٨) لشهر شعبان١٤٢٢ / نوفمبر ٢٠٠١


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق