الثلاثاء، 16 أغسطس 2022

كنتُ هناك!

 كنتُ هناك!
أحمد عبد العزيز

قبل تسع سنوات كنت هناك!

المكان: ميدان رابعة العدوية - مدينة نصر - القاهرة

التاريخ: الأربعاء الموافق 14 آب/ أغسطس 2013

التوقيت: الساعة الثامنة صباحا

(1)
كنت أعاني من متاعب في القلب، فغادرت الميدان فجر ذاك اليوم؛ طلبا لقسط من الراحة.. لم تكن الشقة التي أسكنها تبعد عن ساحة الاعتصام سوى خمس دقائق بالسيارة..

كان التلفاز مفتوحا (في صالة الشقة) على إحدى القنوات التي كانت تبث مباشرة وقائع الاعتصام.. ولأني كنت منهكا، أويت إلى فراشي، دون أن أغلقه..

في السابعة صباحا، أيقظتني أصوات الاستغاثة وطلقات الرصاص المنبعثة من التلفاز.. هرعت لاستطلع الأمر، وكان المشهد صادما.. ساحة حرب بالمعنى الحرفي للكلمة، غير أنها كانت حربا من طرف واحد.. لقد شنت قوات سلطة الانقلاب هجوما واسعا مروِّعا؛ لتصفية أكبر عدد ممكن من المعتصمين السلميين الذين كانوا يطالبون باحترام الدستور، وعودة الشرعية، وليس لفض الاعتصام وحسب! هذه هي الحقيقة التي شاهدتها بأم عيني!

صحتي معتلة.. قواي خائرة.. ماذا عساي أن أفعل إذا ذهبت إلى ساحة الاعتصام؟ ماذا يمكنني أن أقدم للمعتصمين هناك؟ لا شيء!


كان المشهد صادما.. ساحة حرب بالمعنى الحرفي للكلمة، غير أنها كانت حربا من طرف واحد.. لقد شنت قوات سلطة الانقلاب هجوما واسعا مروِّعا؛ لتصفية أكبر عدد ممكن من المعتصمين السلميين الذين كانوا يطالبون باحترام الدستور، وعودة الشرعية، وليس لفض الاعتصام وحسب!

ولكن.. كيف يمكنني البقاء في البيت، والحال كذلك، وابنتي "حبيبة" هناك؟

وجدتني في الشارع أبحث عن سيارة أجرة؛ لتحملني إلى أقرب نقطة إلى ميدان رابعة.. كان محيط الميدان مغلقا من مسافة بعيدة؛ بسبب الحصار الذي فرضته قوات سلطة الانقلاب على المعتصمين..

نزلت حيث لم يعد ممكنا أن تتقدم سيارة الأجرة.. الغاز المسيل للدموع كان كثيفا إلى الحد الذي تعذرت معه الرؤية، ولم يكن معي ما يقيني منه.. سلكت طرقا جانبية كنت قد خبرتها خلال ترددي على الميدان، طوال فترة الاعتصام.. وصلت مسجد رابعة في حال مزرية.. تلقفني بعض الشباب، وقدموا لي (مشكورين) الإسعافات الأولية.. استرددت بعض عافيتي.. أسندت ظهري إلى حائط أحد المباني في الحديقة التي يتوسطها المسجد.. كان الشهداء والجرحى يمرون من حولي محمولين على أعناق الشباب بأعداد كبيرة! أمسكت مصحفي وشرعت أتلو من آيات الذكر الحكيم تارة، وألهج بالدعاء تارة.. كانت فوارغ طلقات الرصاص تتساقط على رأسي، بعد ارتطامها بالجدار الذي احتميت به.. ونمت!

(2)
نعم.. نمت نوما عميقا.. نمت في هذا الجحيم ما يزيد على الساعة.. لم أشعر بأي شيء من تلك الأهوال التي تحيط بي من كل جانب.. استيقظت فجأة، لأسمع صوت رنين هاتفي ينبعث من جيبي.. زوجتي تتصل من الإمارات، حيث كانت أسرتي تقيم وقتئذ.. كيف سمعت رنين الهاتف بين أصوات الرصاص الذي ينهمر فوقي كالمطر؟ ليس لدي إجابة!

كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة تقريبا!

السلام عليكم يا أبا حبيبة.. "حبيبة" استشهدت!

الحمد لله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. رددي يا أم حبيبة.. الحمد لله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. فردَّدت بصبر واحتساب..

تابعتُ في سكينة لم أعرفها في حياتي: وأين أجد "حبيبة"؟

اتصل بهاتفها، وسيدلك الشاب الذي يحمله على مكانها..

اتصلت بهاتف "حبيبة".. رد الشاب: "حبيبة" بجوار "طيبة مول"..

لم يكن ممكنا الوصول إلى "طيبة مول" عبر الشارع الرئيس (شارع النصر) الذي كانت تدور فيه المجزرة.. فسلكت شارع "أنور المفتي" الموازي له خلف مسجد رابعة.. ويا للهول.. الشارع مغطى تماما بطلقات الرصاص الفارغة من أعيرة شتى.. صاح بي بعض المحتمين بالجدران: ارجع.. ارجع.. وصاح آخرون: أسرع.. أسرع.. وصاح بعض ثالث: خذ لك ساتر.. لم أرجع، ولم أسرع، ولم أستتر.. مضيت إلى حيث حبيبة، ماشيا لا مهرولا، تحت الرصاص المنهمر.. فوق الطلقات الفارغة التي كست الشارع بكثافة مذهلة، ولم أكن أبالي.. وقع الموت عليَّ أو وقعت عليه!

في الطريق، استغاث بي شاب حُبِس خلف باب حديدي استقرت في قِفله طلقة رصاص فأغلقته؛ كي أساعده في فتح الباب.. حاولت أن أساعده بكل ما بقي لدي من عافية ولم أفلح.. اعتذرت منه؛ لأني مضطر لأن أذهب! فأذن لي..

تقدم نحوي ضابط من القوات الخاصة يحمل رتبه صغيرة؛ ليقدم لي العزاء، فنهرته، وأشحت بوجهي عنه، ولم أقبل منه عزاءه، فتراجع إلى الخلف في صمت

وصلت إلى حيث "حبيبة".. كانت الفتاة الوحيدة (حتى تلك الساعة، في ذاك المكان) بين عدد من إخوانها الشهداء.. تعرفت عليها فورا.. لقد لف الشباب جثمانها (بعناية) في حصيرة من البلاستيك؛ ليستروها، رغم أن ملابسها كانت تسترها تماما.. فقد كانت "حبيبة" تحسب حساب هذه اللحظة، ومستعدة لها دائما، حسب رسائلها التي أرسلتها إلى والدتها، وحسب آخر منشورات لها على الفيسبوك.

جثوت على ركبتي.. أزحت الحصيرة عن وجه "حبيبة".. طبعت قبلة على جبينها صاحبها شعور أعجز عن وصفه.. ودعوت لها بما فتح الله به عليَّ.. حين نهضت، تقدم نحوي ضابط من القوات الخاصة يحمل رتبه صغيرة؛ ليقدم لي العزاء، فنهرته، وأشحت بوجهي عنه، ولم أقبل منه عزاءه، فتراجع إلى الخلف في صمت..

كان يوجد في المكان عدد من ضباط القوات الخاصة من ذوي الرتب الكبيرة.. كانوا يتحركون جيئة وذهابا على غير هدى.. كانوا مذعورين.. فهم على رأس القوة الرئيسة التي تنفذ المجزرة..

طلبت إلى أكبرهم رتبة (لواء) أن يطلب سيارة إسعاف؛ لإخلاء جثمان "حبيبة" من المكان.. حاول وحاول وحاول.. ولم تأت سيارة الإسعاف.. بعد ست ساعات أو سبع من الانتظار.. قررت أن أتصرف..

بحثت في الأرجاء عن وسيلة لنقل الجثمان، فوجدت عربة صغيرة متهالكة تعود (فيما أظن) إلى بائع متجول.. كانت صندوقا خشبيا له يدان، تحمله عجلتان.. قام بعض الشباب بوضع جثمان "حبيبة" في صندوق العربة.. استقر نصف الجثمان الأعلى في الصندوق، أما نصفه السفلي فكان ممددا خارج الصندوق.. لم أستطع منع الشباب من مرافقتي.. فشرعنا في مغادرة المكان سيرا على الأقدام، في مرمى الرصاص..

طلبت إلى أكبرهم رتبة (لواء) أن يطلب سيارة إسعاف؛ لإخلاء جثمان "حبيبة" من المكان.. حاول وحاول وحاول.. ولم تأت سيارة الإسعاف.. بعد ست ساعات أو سبع من الانتظار.. قررت أن أتصرف

كنت أريد الوصول إلى شارع "عباس العقاد"، فهو أقرب نقطة آمنة، يمكن التحرك بعدها بسهولة إلى أي مكان.. انشقت الأرض عن ذلك الضابط الصغير الذي نهرته، وطلب مساعدتي؛ ليحمينا من الرصاص!

أصر الضابط على أن أركب إلى جواره في "كابينة" سيارة الشرطة.. صعد بعض الشباب إلى ظهر السيارة المكشوف، وأمسكوا بيدي العربة الخشبية، وأحاط بعض آخر بجثمان "حبيبة"؛ كي لا يسقط.. مشى الضابط بالسيارة بسرعة مماثلة لخطوات الشباب المشاة الذين يحيطون بـ"حبيبة"..

(3)
وصلنا شارع "عباس العقاد"، وهناك لقيت أحد جيراني، فعرض عليَّ المساعدة من فوره، فطلبت إليه أن ننقل "حبيبة" إلى أقرب مشفى، وكان مشفى "هليوبوليس".. كانت جثامين الشهداء تملأ ردهات المشفى وغرفه! تركت الشباب الذي تفضلوا بمرافقتي؛ لإتمام الإجراءات في المشفى، وتوجهت إلى أقرب قسم شرطة إلى المشفى؛ لأحرر بلاغا بواقعة القتل!

بدأ الشرطي المناوب في تحرير البلاغ، فلما وصل إلى السؤال الذي لا مفر من طرحه: مَن تتهم بقتل ابنتك؟ فأجبته: المستشار عدلي منصور (الذي عينه وزير الدفاع المنقلب رئيسا مؤقتا)، الدكتور حازم الببلاوي (أول رئيس وزراء بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب)، الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع (المنقلب والآمر بالقتل)، واللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية (الذي تخضع له القوات الخاصة التي قامت بالقتل) وآخرين.. ارتجف الشرطي، وتردد في كتابة الأسماء.. فنهرته بشدة، وكدت أصفعه على وجهه.. فكتب الأسماء بيد مرتعشة.. وتم إثبات جريمة القتل وبعض أسماء مرتكبيها، في بلاغ رسمي!


ارتجف الشرطي، وتردد في كتابة الأسماء.. فنهرته بشدة، وكدت أصفعه على وجهه.. فكتب الأسماء بيد مرتعشة.. وتم إثبات جريمة القتل وبعض أسماء مرتكبيها، في بلاغ رسمي!

عدت إلى المشفى، وبمساعدة الشباب المرافقين استأجرنا سيارة لنقل الموتى، وبينما نجتاز الباب الخارجي للمشفى، استوقفنا عدد من ذوي الشهداء.. طلبوا إلينا أن ننقل أبناءهم مع "حبيبة"، فحملناهم جميعا إلى مشرحة "زينهم"..

بت ليلتي هناك مفترشا التراب.. جثامين الشهداء على مد البصر، في كل الشوارع المحيطة بالمشرحة.. والأهالي لا يكفون عن وضع قطع الثلج على جثامين الشهداء.. لقد كنا في شهر آب/ أغسطس، وما أدراك ما طقس آب/ أغسطس في القاهرة..

في الصباح، جاء الدور على "حبيبة".. قام الطبيب الشرعي بتشريح الجثمان، وحرر تقريره، فكتب في خانة "سبب الوفاة": "طلق ناري في الصدر، اخترق القلب، وهشم ضلوع الصدر، وخرج من أسفل الظهر"..

المسافة التي تفصل بين باب المشرحة الداخلي وبابها الخارجي لا تتجاوز عشرين مترا.. تجاوزنا هذه المسافة في ساعتين! بينما جثمان "حبيبة" على أعناق الشباب الذين قاموا بإنهاء كل الإجراءات، وكانوا حريصين على إعفائي من بذل أي مجهود، ولولاهم لهلكت، أو لمكثت في المشرحة يومين أو ثلاثة.. فشكرا لهم..

ذهبنا في سيارة نقل الموتى إلى المسجد المجاور للشقة التي كنت أسكنها، في مدينة نصر.. تطوعت إحدى صديقات "حبيبة" بتغسيلها، ثم غادرنا إلى كفر حمام (مسقط رأس الكاتب) إحدى قرى مركز تلا التابع لمحافظة المنوفية، في وسط دلتا النيل.. وصلنا بعد العصر.. كان بيت العائلة جاهزا لاستقبال "حبيبة"، وكانت أسرتي قد وصلت من الإمارات.. التف الجميع حول النعش؛ لإلقاء نظرة الوداع على "حبيبة".. كانت "حبيبة" نائمة لا ميتة.. كان جسمها غضا كما لو كانت على قيد الحياة.. وكان الدم ينزف من أنفها، وكانت رائحته طيبة.. زفَّ أهالي القرية "حبيبة" بالزغاريد والهتافات المنددة بالانقلاب ؛ إنفاذا لوصيتها.. أدينا صلاة الجنازة على "حبيبة" في مسجد محاز للمقابر، ثم واريناها الثرى، ووقفت أتقبل العزاء..

(4)
في الختام أود التنبيه إلى عدة أمور:

أولا: شهداء رابعة كانوا بالآلاف وليسوا بضع مئات كما حاولت سلطة الانقلاب أن تقنع العالم! عدد الشهداء (في تقديري) يتراوح بين خمسة آلاف وستة آلاف شهيد، تم تجريف جثامين العدد الأكبر منهم بالبلدوزرات، ولم يُعرف لها مكان حتى اليوم..

أجهزة الانقلاب قامت بتصوير وقائع المجزرة، ولو كان لديها لقطة فيديو واحدة تثبت إطلاق النار على القوات المهاجمة، من جانب المعتصمين، لكانت أظهرتها، وجعلت منها وثيقة "تاريخية" على "إرهاب" الإخوان المسلمين


ثانيا: اعتصام رابعة لم يكن مسلحا، إلا من بعض الهراوات؛ لزوم تأمين ساحة الاعتصام من أي هجوم محتمل من جانب البلطجية، على غرار "موقعة الجمل" التي وقعت في ميدان التحرير، في شباط/ فبراير 2011.. ولم يكن الاعتصام مزودا بأي وسيلة لصد هجوم مسلح لقوات نظامية، بدليل أن الضحايا في صفوف المعتصمين كانوا بالآلاف، أما من قضى من القوات المهاجمة، فقد تم إعدامه ميدانيا من قبل زملائه، بأمر من قيادته؛ لأنه رفض تنفيذ الأوامر.. هذه قناعتي، والله أعلم بما كان!

فمما لا شك فيه أن أجهزة الانقلاب قامت بتصوير وقائع المجزرة، ولو كان لديها لقطة فيديو واحدة تثبت إطلاق النار على القوات المهاجمة، من جانب المعتصمين، لكانت أظهرتها، وجعلت منها وثيقة "تاريخية" على "إرهاب" الإخوان المسلمين الذي كان (ولا يزال وسيظل) مجرد ادعاء "حقير" تبريرا لاضطهادهم، على مدى سبعين عاما..

ثالثا: الاعتصام كان محاطا بكثير من المقار الحيوية للقوات المسلحة، وكانت المسيرات التي يقوم بها المعتصمون تضم الآلاف، وقد شاركت في عدد منها، ولم أشاهد معتصما يلقي "طوبة" على أي من هذه المباني، أو على مجند من الذين يحرسونها.. ولو فكر منظمو الاعتصام بطريقة أخرى، لأمكنهم الاستيلاء على هذه المقار بسهولة، وبأقل الخسائر في الأرواح، لكن فكرة المواجهة لم تكن واردة في أذهان منظمي الاعتصام من الأساس..

رابعا: لا اعتراف بسلطة الانقلاب، ولا حوار مع القتلة، ولا عفو عن أولئك المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجريمة الشنعاء، عن سابق قصد وتصميم، بهدف الصدمة والترويع؛ لإظهار سيطرتهم (التامة) على مقاليد الأمور، في البلاد.. فمكان هؤلاء في المحاكم لا موائد الحوار..

 

twitter.com/AAAzizMisr
aaaziz.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق