الأربعاء، 24 أغسطس 2022

ما قالت الصحراء للعواصم المنحرفة

ما قالت الصحراء للعواصم المنحرفة
جمال الجمل

وصلت الحالة الصحية إلى نقطة حرجة، وبدلا من التمادي في الفحوصات وتكثيف الأدوية والخضوع للتعليمات، استأذنت الطبيب في السفر وتأجيل كل البرامج الطبية المطلوبة لحين عودتي، وانتهى الحوار القصير بالموافقة على سفر قصير مشروط..

وعندما وضعت القاهرة خلف ظهري، اختفت واختفت معها مواجع السياسة، وترهات أهل الحكم، وضجيج فرق الطلبخانة، ورقصات الموالي والغلمان في حفلات تدعيم الوالي، وثرثرات المعلقين على المشهد باعتباره مركز الحياة وبؤرة الاهتمام..

هنا.. (في الصحراء الممتدة بين الجبل والبحر) لا وجود لكل ذلك الهراء المفروض على الناس بزعم أنه الحياة..

هنا.. (حيث تغيب السلطة وينحسر إعلامها وتختفي قراراتها وإنجازاتها) تعود الحياة لأصولها الأولى بغير ادعاءات ولا أكاذيب..

هنا.. يحضر الأمن بغير عسكري واحد، ويحضر الطعام بغير مجلس وزراء وتصريحات خارقة عن عظمة الدعم الحكومي، وتحضر الحقيقة بغير وكالات أنباء ومواخير إعلامية، ويحضر الحوار الصادق بين غرباء ومختلفين بغير تفتيش في الهوية أو تنمر وتخوين، هنا.. يبتسم الغريب للغريب ويتسامر القريب مع القريب هنا.. يمسح الإنسان التراب عن ذكرياته وذاكرته..

هنا..
يعود الإنسان ضميره ليطمئن على سلامته وقدرته على العمل بلا غش أو تواطؤ..

هنا..
(بالقرب من الوحوش والبداوة) يعرف الإنسان جيدا من يعينه ويروقه، ومن يعيبه ويعوقه.

هنا..
لا يتساهل المرء مع العدو أو يصافحه مبتسما أمام الكاميرات، بل يجتهد ليصنع الحواجز ضد الناموس والحشرات من غير أن يحرم نفسه من الهواء ومن الحرية..

هنا..
(في الخلاء المقفر) يتبين للإنسان أنه "سيد حياته"، ويدرك بجلاء أن السلطة بكل ما لديها ليست أكثر من عصابة تسلب أمنك ومالك وتفرض عليك الخوف والمذلة بحجة النظام والقانون.

هنا..
يتضح أن السلطة هي المشكلة، لأن غيابها يؤدي إلى غياب الكثير من المشاكل الملازمة لها، لهذا تذكرت زلة لسان لأحد زعماء "الميديوكريت" في العالم (الممثل الرئيس رونالد ريجان) قال فيها: "إن الحكومات ليست مهمتها حل المشاكل، بل إعادة تدويرها والاستفادة منها".

لذلك فإن السلطة بجيوشها وأسلحتها وميزانياتها الباهظة ليست مهمتها أن تشعرنا بالأمن، بالعكس إنها تصنع الخوف وتستثمره وتغرقنا فيه، بحيث لا يمكننا تنفس الهواء الطبيعي بل هواء الفوبيا. كما أن الطعام الذي يتوفر مجانا للعصافير والثعابين والأسماك، يتحول عند الحكومات الخسيسة المنحرفة إلى منّة تطلب السلطة في مقابلها حرية الإنسان وخضوعه التام لها.

قبل أن أرمي القاهرة وراء ظهري كنت مشغولا بأسئلة من نوع: هل يتوفر في الصحراء مستشفيات وأدوية؟ كيف أعثر على إنترنت ووسائل اتصال؟ كيف أكتب مقالي وأرسله، وأتمكن من متابعة أخبار الحياة الإنسانية المسروقة؟

صحيح أنني (هنا) نادرا ما أقابل طبيبا أو أجد مستشفى، لكنني أيضا نادرا ما أقابل المرض أو أحتاج إلى الدواء فالضغوط التي تفرضها السياسات المدمرة والساسة الفاسدون هي التي تصنع الكثير من الأمراض الحديثة المعقدة، في حين تأتي الأمراض في الصحراء خجولة، ودودة، خفيفة الحضور سريعة الانصراف، ويمكن التفاهم معها بمفردات من الطبيعة نفسها. فتقلبات الحرارة والبرودة ولسعات الحشرات ومشاكل المعدة لا تحتاج إلى أجهزة أشعة ومعامل تحاليل وميزانيات ضخمة للعلاج.. يكفي بعض الأعشاب والسوائل الدافئة، وقبل كل هذا يكفي الراحة والبيئة الصحية والهواء النقي.

مع هذا الإعجاب العلني بالصحراء، أوضح أنني لست "روبنسون كروزو" ولا أدعو البشرية للتخلص من مكتسبات العلم والعودة إلى الطبيعة البدائية، كما تحمس من قبل "جان جاك روسو" وآخرون احتجاجا على مثالب التحضر وانحرافاته..

بالعكس، أنا أدعو للتمسك بالعلم وبالحضارة وبكل مكتسبات التقدم وقبلها الأديان، شريطة تخليص العالم من الأوغاد الذين يفسدون حياتنا باسم هذه القيم، لأن طعام الصحراء البدائي البسيط يصير أفضل وأقيم وألذ من الأطعمة الحديثة المغشوشة المغلفة تغليفا مبهرا، كذلك يصير قانون الصحراء العرفي أفضل وأصدق من دساتير وقوانين تكرس الظلم وتقتل العدل وتنشر الخوف باسم القانون.

وبدون استطراد في الأمثلة أوضح أن الغرض من التذكير بالطبيعة، هو التذكير بأسس وقيم لا ينبغي الانحراف عنها تحت مسمى التقدم أو التحديث، ولهذا ظهرت "حركات تصحيح" بين المخلصين للإنسانية في أنحاء العالم لمحاولة علاج الخلل وتقويم الانحراف، فهذه الحركات لا تنكر الدين ولا تدعو إلى الإلحاد، بل ظهرت لتنبه البشر إلى جوهر الأديان وتكشف خديعة الاستغلال الحقير للبشر عن طريق الادعاء بوكالة الرب واحتكار التفويض من الله، كما أنها لا تنكر العلم ولا تدعو إلى الجهل والخرافة، بل تسعى لتحرير العلم من المفسدين والمستغلين وتجار السموم.

ولعل هذا الاتجاه يظهر في حركة "الإنسانيون الجدد" كما تتجلى في برامج واهتمامات النشطاء الدوليين المهتمين بحال الكوكب والوقوف ضد التلوث وحرق الغابات والتسلح العدائي وتطرف الجشع الرأسمالي على حساب صحة الناس.

في الصحراء اكتشفت أن مشكلة قلبي وصحتي عموما ناتجة في الأساس من خلل عظيم في قلب العالم وصحة الأرض، هناك انحراف هائل في سلوك العواصم وفي ضمائر المدن الكبيرة، وفي خطط ومستهدفات التصنيع والتجارة، وفي مسالك الربح والاستثمار الأعمى، وقد وصل هذا الانحراف "الحداثي" إلى حد الاستهانة بحياة البشر، وأدى إلى سن تشريعات مجرمة تيسر القتل الجماعي للملايين عن طريق تسميم حياة الناس وغمرهم في مستنقعات الكراهية والتنافس البغيض والصراع المحموم، بدلا من فضائل المحبة والتعاون.

والمؤسف أن الإجرام العام صار معيارا للنجاح وللشهرة والمكسب الوفير، وهو المعيار الذي كشف عنه ألان دونو في كتابه الهجائي للنظام العالمي تحت عنوان "الرداءة"، فالعالم يعيش تحت حكم عصابة من المفسدين المستفيدين من حرق الأشجار وحرق الإنسان نفسه، واستبدال الإنسانية الرحيمة العادلة بطور من الإنسانية الآلية المتوحشة، وتصنيع حياة منمطة قشرية، تطلي الخراب الإنساني بطبقة لامعة مع دهانات الخداع..

هنا في الصحراء يسهل أن تطوح بالغمامات التي تغلق العيون والقلوب، لذا يمكنك أن ترى حقيقة النظام العربي البشع، في صورة صبي صغير منحرف تابع لعصابة إجرامية تهيمن على مقادير الناس وتحشرهم في مسارات إجبارية يفقدون فيها حياتهم الأولى وإنسانيتهم الأصيلة.

لذلك فإنني عندما أعود إلى المدن (وسوف أعود دائما) لن أعود لأشارك، بل لأعطل وأفضح وأحتج، فأنا لا أخرج من المدن الظالمة لأهرب أو أنجو فرديا بذاتي، لكنني أخرج لأرى أوضح، وأستقل أكثر وأقترب أكثر، وأدعم مناعتي، وأشحن بطاريات صمودي للاستمرار في مواجهة الانحرف عن الطبيعة السوية التي خلقنا الله عليها وسوف يحاسبنا عليها أيضا.

وبإذن الله ألقاكم في القريب بعد انقضاء هجرتي المؤقتة..

 

tamahi@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق