الأحد، 2 نوفمبر 2025

لماذا نبني المتاحف؟ لماذا نلجأ إلى الماضي؟

 لماذا نبني المتاحف؟ لماذا نلجأ إلى الماضي؟

3A7D5961-51CB-4444-B816-C0B7FA9145E3

مهند عقيل

مدوّن، درس العلوم السياسية والعلاقات دولية.

في أكتوبر/ تشرين أوّل من عام 1971، قرّر شاه إيران محمد رضا بهلوي أن يحتفل بالمجد كما يراه. أعلنها مناسبة لإحياء مرور 2500 عام على قيام الإمبراطورية الفارسية، لكنها كانت في حقيقتها احتفالاً بالوهم، أو وداعاً أنيقاً قبل النهاية.

 في قلب برسبوليس (تخت جمشيد حالياً، شمال شرق مدينة شيراز في إيران) نُصبت خيام من حريرٍ فرنسيٍّ خالص، واستُورد الطعام من باريس، وجاءت الزهور من هولندا، والخمور من بوردو، وجيء بآلاف النُدُّل خصيصاً من أوروبا ليخدموا ملوك العالم وضيوف الشاه. كلّ شيء كان يلمع؛ الذهب، والكريستال، والموسيقى، والغرور. كأنّ الرجل أراد أن يثبت للتاريخ أنّه ما زال قادراً على استحضار عظمته الأولى، لكن التاريخ لم يبتسم له، بل اكتفى بالمشاهدة. فبعد ثمانية أعوام فقط، في فبراير/ شباط 1979، سقط الشاه وسقطت معه إمبراطوريته الورقية، ولم يبقَ من تلك الليلة سوى صورها، وشعورٌ باهت بالأسى من مجدٍ أُقيم فوق رمالٍ رخوة.

أفكّر في تلك القصّة كلما رأيت بلداً يحاول أن يصنع مجده من الذاكرة. في القاهرة الآن، يُفتتح المتحف المصري الكبير، ويبدو المشهد مألوفاً: أضواء وأناشيد وخطابات عن الحضارة التي أبهرت الدنيا. كلُّ شيءٍ مصقول بدقة، كأننا لا نفتتح متحفاً، بل نعيد تمثيل مجدٍ غابر أمام جمهورٍ منهك. نغني للفراعنة كي لا نسمع أنين الفقراء، ونعرض المومياوات كي لا نرى الوجوه الشاحبة في المواصلات. كأنّ الماضي أصبح آخر مكان نظيف يمكننا العيش فيه.

الافتتاح كان مُدهشاً فعلاً، لكنه بدا كأنه مشهد من فيلمٍ مُكلّفٍ عن بلدٍ غير موجود. كلّ شيءٍ مُرتّب كي يُقال للعالم: "انظروا كم نحن عظماء". لكن في الداخل، هناك شعور خفي بالارتباك، كأنّ الحفل نفسه يحاول إقناعنا أنّ البلد بخير، بينما الحقيقة تمشي في الاتجاه الآخر بهدوءٍ عنيد. كأنّنا نحاول أن نستعيد المجد من المتحف بدلاً من صناعته في الشارع.

حين تعجز الأمم عن بناء المستقبل، تلجأ إلى المتاحف

"يا بيت جدي ضاع المفتاح"، تلك الجملة التي خرجت من مسلسلٍ سوري قديم تبدو وكأنها وُلدت هنا. البيت ما زال قائماً، لكن روحه غادرت منذ زمن. أصبحنا نزوره في المناسبات ونبتسم للكاميرات ونغادر. البيت جميل، الجدران ثابتة، لكن المفتاح في يدٍ لا تعرف من يسكن في الداخل. صار البيت وطناً غريباً يرحّب بالضيوف ويغلق الباب في وجه أصحابه.

حين تعجز الأمم عن بناء المستقبل، تلجأ إلى المتاحف. ليس لأنّ الماضي أجمل، بل لأنّه أكثر جمالاً وأقلّ وجعاً. الماضي لا يسأل، لا يُطالب، لا يعترض. يمكننا أن نصوّره كما نشاء، وأن نُعيد ترتيبه حتى يُناسب الحاضر. لكن المشكلة أنّ الماضي، مهما بدا ساكناً، يفضحنا من حيث لا ندري. تمثال الفلاح في المتحف أكثر وقاراً من الفلاح الحي في أرضه، والمعبد في الصورة أنظف من المدرسة، والملكة القديمة في التابوت أكثر هيبةً من نساء هذا العصر وهن ينتظرن الخبز في الطوابير. الحضارة القديمة التي نحتفي بها لا تشبهنا، ومع ذلك نصرّ على التعلّق بها، ربما لأنها الشيء الوحيد الذي لم يخن بعد.

من بنوا الحضارة لم يكن لديهم متحف، كان لديهم وطن حيّ.

بالعودة إلى بيت الأجداد أفكّر أحياناً أنّ المفتاح لم يضع صدفة. ربما نحن من خبّأناه، لأننا خفنا ممّا سنجده لو دخلنا. خوفنا من مواجهة الحاضر جعلنا نلجأ إلى الماضي كملجأ آمن. نحتمي بالآثار كما يحتمي الطفل بصورة أبيه الراحل. نصدّق أنّ العظمة تنتقل بالدم، وأنّ المومياوات هي دليلنا على أننا "مثلهم". لكننا نسينا أن الذين بنوا تلك الحضارة لم يكن لديهم متحف، كان لديهم وطن حيّ.

ضاع المفتاح فعلاً، لكننا ما زلنا نحفظ الأغنية ونردّدها. نغنّي كي لا نفكّر، ونحتفل كي لا نسأل، ونرفع صور الملوك القدماء كي لا نرى وجوهنا. البلد الجميل صار مشهداً في الافتتاحية فقط، نسخة مُتخيّلة من وطن لم يعد يشبه نفسه. أما في الحقيقة، فالبيت مفتوح على مصراعيه، لكن أحداً لا يملك الجرأة على الدخول.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق