الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية (2)
سورة الحج أنموذجًا
بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
لا يستطيع أحد أن يَجْزِمَ بأنّ سورة الحجّ مكيّةٌ كلّها، ولا بأنّها مدنيّةٌ كلّها، ولا حتى بأنّها مكيّة عدا آيات أو مدنية عدا آيات؛ لأنّ المكيَّ فيها كثير والمدنيّ أيضًا كثير، فهل يمكن أنّ نقول إنّها مختلطة، أي أنّها مكية مدنية؟ وهل يمكن أن نرتب على هذا أنّ ما نزل منها بمكة كان من أواخر ما نزل بها وأنّ ما نزل منها بالمدينة كان من أوائل ما نزل بها؟ وهل نستطيع أن نرتقي في سلم التوقع الطموح فنزعم أنّها بموقعها هذا تقف فوق سورٍ يفصل بين عهدين؟ وهل نستطيع بهذه المقدمات معرفة الموضوع الرئيس؟
هلمّوا نتأمّل بعض الآيات التي تولّجت السورة كما تتولّج دوائر العرض وخطوط الطول خريطة الكرة الأرضية، فهذه آيات جاءت لتصور الصراع بين الحقّ والباطل والتدافع بين قوى الإيمان والكفر: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40).
وهذا حديث عن الخصومة الواقعة بين أهل الإسلام وأهل الشرك: (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ) (الحج: 19)،
وحديثٌ عن ردّ العقوبة بالعقوبة وردّ البغي بالانتصار: (ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (الحج: 60)،
وهذه صورة ترسمها السورة الكريمة، تجسد مشاعر الغيظ الذي يسيطر على من لا يحب أن ينصر الله رسوله، ومن لا يظنّ ذلك ولا يتمناه: (مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ) (الحج: 15).
والجدال الذي يركب البعض فيه متن الهوى والكبر ويتبعون فيه راية الشيطان يُعَدُّ أحد صور المواجهة بين الحقّ والباطل، فهو - إِذَنْ - متكرر هنا: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ) (الحج: 3)، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) (الحج: 8)، (وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) (الحج: 68)، وهؤلاء (الَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِونَ وَالنَّصارى)
الذين ذكروا في البقرة والمائدة؛ في سياق الدعوة إلى الإسلام، يذكرون هنا بإجمال في سياق الفصل بين أهل الحقّ وأهل الباطل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (الحج: 17)، فهو - إِذَنْ - الفصل بين ضدّين.
وذِكْرُ الحجِّ في هذه السورة وذكْرُ البيت العتيق ليس للتشريع في الأصل، ولم يرد فيه التشريع إلّا قليلًا، وإنّما هو سرد لأحداث لها بُعْدٌ صداميّ؛ لذلك كانت البداية: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) (الحج: 25)، ثم استمرّ السرد القصصيّ الذي تولّجته آيات لها دلالتها في الصراع مع من يزعمون أنّهم رعاة البيت وحماة الشعائر وهم لا يعظمون حرمات الله ولا يعظمون شعائر الله، وما دام الأمر على هذا النحو من التدافع الحتميّ والصراع الأزليّ الأبديّ فيجب على المؤمنين الجهاد، ليس هذا وحسب بل الجهاد على وجهه الصحيح: (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ) (الحج: 78)، وما دام الأمر كذلك فلتكن البداية مزلزلة: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) (الحج: 1).
الآن اتضح بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ الموضوع الرئيس للسورة هو
(حتمية الصدام بين الجاهلية والإسلام)، لم يهاجر المسلمون - إِذَنْ - ليستريحوا وليعبدوا ربّهم آمنين في دار الإسلام بعيدًا عن دار الكفر، لم يهاجروا ليكون الإسلام بمنأى عن الجاهلية وتكون الجاهلية بمنأى عن الإسلام، وليكون المجتمعان الجاهليّ والمسلم في أمن وسلام من المواجهة والصدام، وإنّما هاجروا ليعتدل وضعهم بما يؤهلهم لخوض الصراع الحتميّ الذي لا يملكون دفعه ولا تحاشيه ولا النأي عنه، وإنّ أعظم خدعة يقع فيها المسلمون في كلّ جيل هي تصورهم أنّ الباطل يمكن ان يكفّ عنهم؛ ليتعايش معهم في سلام.
ولا ريب أنّ الله مع الذين آمنوا في صراعهم ضدّ قوى الكفر؛ كيف وهو الحقّ الذي أرسل رسوله بالحقّ وأنزل كتابه بالحقّ ورضي للناس الإسلامَ الحقَّ دينًا؟ فها هي السنن الإلهية الماضية تحقق مقصود الحقّ تبارك وتعالى في إحقاق الحقّ وإبطال الباطل: (إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)) (الحج: 38-41).
السُّنَّةُ الأولى: (إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)، والعبارة لم تأت في صورة وعد وحسب، وإنّما في صورة واقع مستمر مستقرّ؛ لأنّها سنة ماضية، سنّة خاصة بأهل الإيمان، قد تقررت في كثير من آي القرآن، مثل: (وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: 47)، ومثل: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ) (غافر: 51)، لكنّ هذه السنّة تتحقّق في كل زمان ومع كل نبيٍّ أو فريق من الحنفاء بصورة معينة وشكل محدد، فقد يكون النصر الذي يعطيه الله لنبيّ من أنبيائه أو لقوم من عباده أن يثبتهم فيموتوا على الحقّ دون أن يظفر منهم عدوهم بما يريد، وقد يكون بأن يهلك الله عدوهم وينجيهم من الهلاك، أمّا هذه الأمة فالأمر مختلف، فإنّ الله يدافع عنها ويدفع عنها غوائل الكفار والمشركين وينصرها ويمكن لها بأن يأذن لها في القتال والجهاد، فتقوم به خير قيام فينصرها الله أعظم النصر، ومن هنا قال الله تعالى بعد تقريره لهذا السنة: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).
أمّا السنة الثانية فهي سنة التدافع، وهي سنة وردت في كتاب الله في سياقين، سياق عامٌّ وسياق خاصٌّ، فأمّا ورودها في السياق العام فهو الذي في البقرة: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ) (البقرة: 251)، فهي سنة عامّة؛ بدليل أنّ أثرها عامٌّ (لفسدت الأرض)، ومعناها: لولا أنّ الله يدفع الناس بعضهم ببعض ويدفع القوى بعضها ببعض؛ لفسدت الأرض باستبداد قوة واحدة بمصائر الناس، وأمّا ورودها في السياق الخاصّ فهو هنا في الحج: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً)، والدليل على خصوصها أنّ أثرها خاصٌّ، ومعناها: لولا دفعُ اللهِ الكافرين بجهاد المؤمنين لتهدمت على يد الكافرين دور العبادة في الأرض.
وأمّا السنة الثالثة فهي: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)، وهي سنة ماضية وقانون إلهيٌّ لا يتوقف عن العمل، وهذه السنة خاصّة بالمؤمنين، فمن نصر الله نصره الله ولو بعد حين، ومِثْلُهُ قولُ الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) (محمد: 7)، وقبل أن يأتي تقرير السنة الرابعة يتوجه السياق إلى بيان المقصد من التمكين، فالتمكين الذي وعده الله الذين آمنوا ليس مقصودًا لذاته، وإنّما لمقاصد شرعية عَلِيَّة: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ).
أمّا السنة الرابعة فهي خاصة بالكافرين، وهي مشروحة في هذا السياق: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)) (الحج: 42-48)، فالسنة هنا هي: (فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ).
وتختم السورة بتحديد المعامل الحاسم: (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ) جاهدوا الجهاد الحقّ الذي ليس فيه تراخ ولا قصور، ولا يداخله أغراض ولا أهواء، ولا تنقصه الحكمة ولا تعوزه الأحكام المنظمة الضابطة، وليكن هذا الجهاد في الله، في ذات الله، حبًّا وعبودية وولاءًا لله، ابتغاء مرضات الله، ومن يجاهد إن لم تجاهدوا؟ أليس قد اصطفاكم وخفّف عنكم وجعل شريعتكم كلَّها يسرًا لتنطلقوا في آفاق الجهاد بلا عنت ولا أغلال؟ (هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، هذا الدين الحنيف السمح هو في جوهره وصلبه (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ) وأبوكم إبراهيم الذي وضع اللبنات الأولى لهذا الدين هو الذي سماكم في دعوته بالمسلمين: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ)، فلا تفرطوا في هذه الهوية الجامعة، ولا تتفرقوا عنها، فالتمسك بالهوية والاعتصام بالجماعة الواحدة (الأمة الإسلامية) من أكبر عوامل القوة، والله المستعان.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق