الثلاثاء، 12 مايو 2026

ضياء العوضي.. هل هو طبيب أم دجال؟

 ضياء العوضي.. هل هو طبيب أم دجال؟

منذ فترة قصيرة عبرت أمامي مقاطع مصورة لطبيب يتحدث بأسلوب فظ، وبرغم فضولي الشديد في أحيان كثيرة لمعرفة هوية من يقتحمون علينا شاشاتنا إلا أني مررته دونما اكتراث، لدرجة أن زوجته ظهرت في بث مباشر لتستغيث، فتخطيته لظني أنها ستشتكي منه لأنه ضربها وسرق ذهبها!

برغم الضجة التي أحدثتها وفاة الطبيب المفاجئة، إلا أني اعتبرتها موجة جديدة من الإلهاء، ربما لأني لا أهتم بمجال التغذية، لكن مع اقبال الجمهور على متابعته، ألحت عليّ لقاءاته فاستسلمت وشاهدت الكثير منها.

كعادتي لا أًقيّم شخصا قبل أن أجمع معلومات عنه؛ فبحثت وأدهشني ما وجدت! فضياء العوضي هو طبيب بشري، نشأ في أسرة أكاديمية ميسورة الحال لأب أستاذ في كلية الزراعة، وشقيق وحيد يعمل أستاذ جراحة أوعية دموية.


تخرج العوضي في كلية الطب جامعة عين شمس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف دفعة 2002، واختار نيابة قسم التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، وخدم منذ 2004 وحتى 2023 في كل وحدات الرعاية المركزة بمستشفى عين شمس التخصصي والدمرداش.

حصل العوضي على الماجستير 2007 في الجلطة الرئوية، وعين مدرسا مساعدا، وحصل على الدكتوراه 2011 في استخدام الكورتيزون في علاج الزلال البولي المصاحب لتسمم الدم وكان الأصغر والأول على دوره.

عين ضياء محاضرا في كلية طب عين شمس، وتدرج من طبيب مقيم وحتى أصبح استشاري أول في تخصصه -وعمره 31 سنة- يقود فرقا طبية ويتخذ قرارات علاجية للحالات الحرجة؛ ثم شهدت مسيرته تحولا منذ 2017 حيث نقل نشاطه نحو الطب الوقائي والتغذية والمناعة والأورام.

يحكي العوضي أن نظرته للطب تغيرت منذ عام 2011 مع تكرار مشاهداته للمرضى في قسم الرعاية المركزة التي خدم فيها نحو عشرين عاما، والتي عاصر فيها كل أنواع الحالات في أسوأ مراحلها، وكان هذا التغيير مصدر خلاف بينه وبين رؤسائه.

بعد ما علمته عن تاريخ الدكتور ضياء أصبح من الصعب أن يصفه عاقل بالدجل، أما عن اختلاف زملائه الأطباء معه فهذا أمر آخر.

كان أول ما تعجبت له هو عدم سلوك العوضي المسار الطبيعي للبحث العلمي لإثبات نظريته، لكن بعد أن أشار لتجاهل زملائه وأساتذته لأوراق علمية قدمها لهم، صوبت اتهامي نحو المنظومة الصحية التي كان لابد أن تحتوي أحد أعضائها وخاصة أنه نشر أفكاره تحت سمعها وبصرها لعدة سنوات.

 بدأت شكوك العوضي عندما لاحظ أن الدواء لا يعالج، وأن الطب أصبح استثمارا، وحينما وجد تضاربا بين مسلمات قرآن وسنة وبين أخرى علاجية علمية، ووقتما لمس اتفاقا بين معطياته الاسلامية وبين ملاحظاته الطبية.

يقول العوضي أنه شك في أفكاره واختبرها لمدة اثنتي عشرة عاما حتى وصل لقناعات اعتبرها قواعد بسيطة مفسرة لترابط عمل أجهزة الجسم.

ارتكزت نظرية العوضي على أساس فلسفي يوثق الصلة بين حتمية أن يكون علم الطب خادما لإصلاح الجسم البشري من أجل هدف العبادة الذي خلق لأجله، وبين تعظيم خلق الله وتكريم أجهزة الجسد الذي أمر أهل السماء بالسجود له، ويقر بأنه تعالى أنزله للأرض ومعه دليل علاجه.

تحترم المنظومة الطبية المصرية وصية أبي قراط إلى زملائه: «إن استطعتم شفاء مريضكم بالغذاء الصحيح فكفوا عن أي علاج “، وتوقر “يوشينوري أوسومي” الحاصل على جائزة نوبل لأبحاثه عن “الالتهام الذاتي للخلايا”، وتقدر “رسلان ميدزيتوف” الذي تتبع ظاهرة الشفاء الذاتي عن طريق الحمية والغذاء، لكن إذا ما اعتمد أحد اعضائها على وصية نبي الاسلام محمد: “مَا ملأَ آدمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ”، يفصل من جامعته ويجرد من أستاذيته وتسقط عضويته ويشطب من نقابته، وتسحب تراخيص مزاولته المهنة، وتغلق منشآته الطبية.

إن ظاهرة العوضي ليست الأولى من نوعها، فقد سبقه المعماري الثائر حسن فتحي عندما رفض الخرسانة والمواد المستوردة والتغريب، وعبد الواحد الوكيل الذي آمن بإحياء روح العمارة الاسلامية واستخدام مواد البناء البيئية والتقنيات التقليدية.

ظهر العوضي في فترة شهدت فشل المجال الطبي في التشخيص والعلاج، ليس لقصور في إمكانيات الأطباء، ولكن لانتظامهم في عقد المنهج الطبي العالمي المحفوظ؛ ولعل أكبر دليل على العجز الطبي هو اتجاه منظمة الصحة العالمية نحو محاولة دمج الطب التكميلي “التقليدي” في عمق الرعاية الصحية.

 ازدادت شعبية العوضي بسبب شعور الناس وخاصة كبار السن باليأس بعد أن جربوا الأدوية لسنوات، وملوا من متاجرة شركاتها بآلامهم، فصاروا جوعى لفكر جديد علهم يجدوا فيه الشفاء.

اتهم الرجل بالجنون والذهان والدروشة، ووصف جمهوره بأنه مريض بالضلالات المشتركة، ما أعاد لذاكرتي همجية العامة في العصور الوسطى وتلذذهم بإعدام كل ذي فكر مختلف.

لم يخترع العوضي عجلة نظام الطيبات لكنه أضاف إليها، ولأنه كان يقدر إمكانياته ويشعر بالظلم رد على استفزازات مهاجميه باستفزازات أكبر، ومع قص ولصق كلامه بدت تصريحاته مبعثرة، وبمزحه مع جمهوره في بثوثه المباشرة زاد الطين بلة.

يعزي مهاجمو العوضي موته إلى نظامه، لكنهم لا يضيفون سياسة تكسير العظام وتحطيم المعنويات التي اتبعتها الدولة معه عبر مؤسساتها واعلامها كسبب محتمل، ويعتبرون فصله من أحد النقابات المسيسة دليلا على تخريفه، ويسلطون الضوء على حالات وفاة اتهمت نظامه ويهملون أخرى شفيت ومدحته!

بنى العوضي جماهيريته الخاصة لذلك شكل تهديدا لنظام الصوت الواحد، وخاصة أن الطبيب عظم القرآن والسنة، وهاجم اليهود، واستهزأ بثلاجة الملك، وانتقد بحدة مشاريع استثمارية، وحرض الناس على الفهم والوعي والتفكير خارج الصندوق.

كان العوضي يعمل في نطاق محدود إلا أن هناك يدا روجت لمقاطعه بشكل واسع منذ بداية أزمته مع الدولة، نتج عن ذلك تطور سريع للأحداث، بدأ بإقدامه على سفر للإمارات كان قد أجله مرتين، ثم موته وقيام الطب الشرعي هناك بتشريح جثته، ثم عودته ودفنه ومحاولة غلق صفحاته، ثم هياج الاعلام المرئي والمقروء ضده وضد مؤيديه! 

ثم القاء القبض على محاميه بتهمة تحرير شيكات بدون رصيد، ثم استدعاء زوجته للتحقيق بتهمة الترويج لأخبار كاذبة!

لا أحب الصوت العالي، ولا الإثبات المصحوب بعبثيات تصرف الذهن عن محور الفكرة الأصلي، ولم أكتب هذا المقال دفاعا عن الطبيب لأثبت صحة نظامه فلست من أهل التخصص ولا لأفترض اغتياله فليس لدي دليل قاطع، ولكن لأنتقد التعامل المسف والسطحي مع كل ظاهرة مختلفة بمراهقة هابطة تجعل صاحبها كمن يسقط ضحكا على مزحة لم يسمعها حتى النهاية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق