الأربعاء، 20 مايو 2026

مشروع إلغاء اتفاقية أوسلو وقرب نهاية السلطة الفلسطينية

 مشروع إلغاء اتفاقية أوسلو وقرب نهاية السلطة الفلسطينية

 . أحمد مصطفى الغر

  بينما ينشغل العالم بحروب المنطقة،     يمضي الكيان الصهيوني في قضم ما تبقى من القضية الفلسطينية سياسيا بدفن اتفاقية أوسلو نهائياً، وبينما يسعى لوضع نهاية للسلطة الفلسطينية فإنه يعطي الضوء الأخضر لطور جدد من المقاومة هي أشد مما واجهه من قبل.


يواجه المشروع الوطني الفلسطيني اليوم واحدة من أخطر لحظاته الوجودية منذ نكبة عام 1948، حيث تتكالب قوى اليمين الصهيوني المتطرف للإجهاز على ما تبقى من رماد اتفاقيات أوسلو، في محاولة محمومة لفرض واقع دولة الاحتلال الواحدة وتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي.

ومع أن رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو قد آثر تأجيل مناقشة مشروع قانون إلغاء هذه الاتفاقيات داخل اللجنة الوزارية لشؤون التشريع بدعوى مزيد من الدراسة، إلا أن هذا الإرجاء ليس سوى مناورة تكتيكية لتجنب فتح جبهات دبلوماسية وأمنية جديدة في ظل انشغال حكومته بحروبها على جبهات أخرى كجنوب لبنان والتوتر مع إيران.

إن هذا التأجيل لا يلغي الخطر بل يضعه في غرفة انتظار استراتيجية، بينما تواصل الجرافات والتشريعات الأخرى قضم الأرض وتفكيك مؤسسات السلطة، مما يجعل "موت أوسلو" حقيقة ميدانية لا تنتظر سوى التوقيع القانوني الأخير لتكريس عودة الحكم العسكري المباشر.

تشريعات الاستئصال

لم يعد الحديث عن إلغاء اتفاق أوسلو مجرد صرخات غوغائية يطلقها المستوطنون في شوارع القدس، بل استحال إلى مشروع قانون رسمي يتقدم به حزب "القوة اليهودية" المتطرف بقيادة إيتمار بن غفير وليمور سون هار ميليخ. وينص هذا المشروع بوضوح لا لبس فيه على إلغاء جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، بما في ذلك اتفاق الخليل ومذكرة "واي ريفر"، واعتبارها غير ملزمة لدولة الاحتلال بأي شكل من الأشكال. إن الغاية الجوهرية من هذا القانون هي إعادة الوضع القانوني والأمن في الضفة الغربية إلى ما كان عليه قبل عام 1993، أي تحويلها إلى أراضٍ تخضع للحكم العسكري المباشر دون أي وسيط سياسي فلسطيني، وهو ما يعني عملياً تدمير الغطاء القانوني الذي قامت عليه السلطة الفلسطينية.

ويبرر مروجو القانون خطوتهم بأن هذه الاتفاقيات كانت خطأ تاريخياً ورسالة ضعف لم تجلب إلا الإرهاب ـ على حد وصفهم، مدعين أنها وفرت البنية التحتية التي قادت إلى أحداث السابع من أكتوبر. غير أن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن اليمين الصهيوني يسعى لاستخدام هذا التشريع كأداة لسحق الدولة الفلسطينية ديموغرافياً وجغرافياً، ومنع أي فرصة مستقبلية لإقامتها. فإلغاء الاتفاقية يزيل القيود القانونية (ولو كانت شكلية) التي وضعتها أوسلو بشأن التوسع الاستيطاني في المناطق المصنفة "أ" و"ب"، ويفتح الباب أمام ضمٍ رسمي وشرعنةٍ شاملة لكل البؤر الاستيطانية المنتشرة في جسد الضفة.

 

إن رسالة حكومة الاحتلال الإسرائيلية من وراء هذا التأجيل هي أن "أوسلو" قد انتهت وظيفياً، وأن المسألة هي مجرد توقيت دفنها قانونياً بما يضمن أقل قدر من الأضرار للكيان

إن هذا التوجه التشريعي يعكس إجماعاً متزايداً داخل الائتلاف الحاكم على ضرورة التحلل من الالتزامات الدولية والتعاقدية السابقة، فالأمر لم يعد يتعلق بتعديل بنود أو تحسين ظروف التفاوض، بل بالانتقال إلى مرحلة الحسم التي ترفض الاعتراف بوجود شريك فلسطيني أو كينونة وطنية مستقلة. وبذلك، يتحول القانون المقترح إلى إعلان حرب سياسية تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من صفتهم السياسية وتحويلهم إلى مجرد سكان تحت إدارة أمنية محضة.

مناورات نتنياهو

جاء قرار نتنياهو بتأجيل المصادقة على مشروع القانون ليعكس حالة من البراغماتية المتوحشة التي يجيدها، حيث فضل عدم الصدام المبكر مع المجتمع الدولي في توقيت عسكري حساس. فالتقارير الإعلامية تشير إلى أن التأجيل نبع من تقديرات أمنية ودبلوماسية تخشى انفجار الضفة الغربية بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وتجنباً لفتح جبهة إضافية بينما تتركز الجهود العسكرية في جبهات أخرى. ومع ذلك، فإن هذا التأجيل لا يمثل رفضاً لمضمون المشروع، بل هو إدارة للوقت بانتظار الظروف المواتية للانقضاض النهائي.

وقد أكد وزير القضاء الإسرائيلي ياريف ليفين هذا التوجه حين صرح علانية بأنه يؤيد التقدم بالقانون بشكل مدروس ومسؤول، معتبراً أن العودة إلى المستوطنات التي أُخليت سابقاً هي الهدف القادم. إن رسالة حكومة الاحتلال الإسرائيلية من وراء هذا التأجيل هي أن "أوسلو" قد انتهت وظيفياً، وأن المسألة هي مجرد توقيت دفنها قانونياً بما يضمن أقل قدر من الأضرار للكيان. وهذا التكتيك يسمح للاحتلال بمواصلة القضم المتدرج للأرض دون تحمل التكاليف القانونية والسياسية الفورية لإلغاء الاتفاقات الدولية.

وبينما يتصارع أقطاب اليمين مثل بن غفير، الذي يطالب بالدفع بالقانون فوراً باعتبارها فرصة نادرة، وبين نتنياهو الذي يفضل التأجيل المدروس، يظل الفلسطيني هو الضحية الوحيدة لهذه اللعبة السياسية. فالاحتلال يستخدم فزاعة الإلغاء القانوني كأداة ابتزاز سياسي دائمة، بينما يطبق على الأرض كل بنود الإلغاء عبر الاستيطان والاقتحامات وخنق السلطة مالياً. إن التأجيل ليس طوق نجاة للسلطة، بل هو حبل مشنقة يزداد ضيقاً بانتظار اللحظة التي يرى فيها الاحتلال أن كلفة البقاء على الوضع الحالي أصبحت أكبر من كلفة الانهيار الشامل.

سراب التسوية

عند النظر بعمق في مآلات ثلاثة عقود من "أوسلو"، يتضح أن الاتفاقية كانت منذ لحظة ولادتها في حديقة البيت الأبيض عام 1993 فخاً استراتيجياً أعده الاحتلال ببراعة. فبينما كان الفلسطينيون يأملون في أن يقود المسار الانتقالي إلى استقلال ناجز، كانت إسرائيل تستخدم الاتفاقية كغطاء لتعميق سيطرتها الأمنية والاقتصادية. والواقع أن الاتفاقية بدأت تموت فعلياً مع اغتيال إسحاق رابين عام 1995، ثم استكمل شارون ومن بعده نتنياهو مهمة تمزيق بنودها عبر سياسة القضم المتدرج للأرض وعزل التجمعات الفلسطينية.

وباتت اتفاقية أوسلو اليوم جثة سياسية تعيش حالة موت سريري، وما يفعله اليمين المتطرف الآن هو مجرد محاولة لدفن هذه الجثة رسمياً. فمنذ عام 1999، أصبح واضحاً أن إسرائيل لم تلتزم بأي من قضايا الوضع النهائي كالقدس واللاجئين والحدود. بل على العكس، تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية نحو سبع مرات منذ توقيع الاتفاق، ليرتفع من 111 ألفاً إلى قرابة 750 ألف مستوطن حالياً، مما حول فكرة الدولة المتصلة جغرافياً إلى مستحيل واقعي.

 وقد أفرغ الاحتلال الاتفاق من جوهره عبر تقسيم الضفة إلى مناطق (أ، ب، ج)، وهي تقسيمات فقدت معناها العملي مع الاجتياحات اليومية المتكررة للمدن الفلسطينية وسيطرة جيش الاحتلال المطلقة على الحدود والمعابر. وفي هذا السياق، تبرز المأساة في أن السلطة الفلسطينية تحولت بفعل هذه الاتفاقيات إلى إدارة مدنية محدودة الصلاحيات تقع تحت هيمنة الاحتلال الكاملة. إسرائيل تستفيد من بقاء هذا الهيكل المشوه لأنه يزيح عنها عبء تأمين حياة الفلسطينيين كدولة احتلال، بينما تحتفظ هي بالسيطرة العسكرية والسيادية المطلقة.

حرب المقاصة

تتجلى سياسة الخنق الصهيونية من خلال استخدام الاقتصاد كسلاح فتاك لتفكيك السلطة الفلسطينية من الداخل، وهي سياسة يقودها الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش. وتعتمد هذه السياسة على سرقة إيرادات المقاصة (أموال الضرائب الفلسطينية) ومنع العمال من العمل داخل الأراضي المحتلة. إن الهدف المعلن هو إيصال السلطة إلى حالة الانهيار المالي الشامل، مما يؤدي إلى فوضى عارمة وشلل في مؤسسات التعليم والصحة والخدمة المدنية.

 

إن الهدف النهائي هو إعادة تشكيل المنطقة من جديد عبر ممارسة عنف منفلت يجبر السكان على النزوح، وتجريف كل مظاهر السيادة الوطنية الفلسطينية. وبذلك، يتحول الميدان إلى حقل تجارب لسياسة الحسم

ويمكن رصد محاور هذه الحرب المالية في النقاط التالية:

* احتجاز مبالغ خيالية من أموال المقاصة الفلسطينية بحجج واهية تتعلق برواتب الأسرى والشهداء.

* تحويل جزء من الأموال الفلسطينية المسروقة لتمويل مشاريع بديلة أو ما يسمى بـ "مجلس السلام" لخدمة أجندات الاحتلال.

* تراكم الديون والفوائد الوهمية لصالح شركات الكهرباء والمياه الإسرائيلية لاستنزاف ميزانية السلطة.

* دفع السكان نحو اليأس والهجرة القسرية عبر تجفيف منابع العيش الكريم وضرب الاقتصاد المحلي.

هذا التدهور الاقتصادي المخطط له يهدف إلى دفع السكان للتمرد على قيادتهم أو الهجرة، وتحويل المسؤولين الفلسطينيين إلى مجرد باحثين عن سبل البقاء بدل الانشغال بالحقوق الوطنية. وهي خطة تنسجم تماماً مع خطة الحسم التي طرحها سموتريتش، والتي ترى في السلطة الفلسطينية عبئاً يجب التخلص منه لصالح حكم عسكري صريح أو إدارة محلية تفتقر لأي طابع سياسي.

هندسة الجغرافيا

على الأرض، تترجم دولة الاحتلال الإسرائيلي نواياها بإلغاء أوسلو من خلال تغييرات جغرافية وهيكلية عميقة، خاصة في شمال الضفة الغربية ومحافظة جنين. فقرار مصادرة آلاف الأمتار المربعة في حي الجابريات بمدينة جنين لإنشاء قاعدة عسكرية داخل المنطقة المصنفة "أ" هو خرق فاضح لآخر ما تبقى من سيادة فلسطينية اسمية. وكذلك إنشاء أبراج مراقبة تطل مباشرة على مخيم جنين يعكس عودة جيش الاحتلال للتمركز في قلب المدن الفلسطينية، وهو وضع يهدف لإعادة هندسة المنطقة ديموغرافيا.

ولا تتوقف الهندسة الجغرافية عند القواعد العسكرية، بل تمتد لتشمل إعادة بناء المستوطنات التي أُخليت عام 2005 مثل "صانور" و"غانيم" و"كديم". وتعد المصادقة على بناء وحدات سكنية جديدة في هذه المواقع بمثابة تصحيح لجريمة الإخلاء في نظر قادة المستوطنين، وخطوة عملية نحو إلغاء تقسيمات المناطق (أ، ب، ج) ودمجها تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة. إن هذا الواقع الجديد يهدف إلى عزل المدن الفلسطينية وتحويلها إلى جزر معزولة وسط بحر من الاستيطان والسيطرة العسكرية المباشرة.

وتترافق هذه التحركات مع تدمير ممنهج للبنية التحتية في مخيمات الشمال ضمن عملية السور الحديدي، مما أدى إلى نزوح الآلاف وإغلاق مئات المنشآت التجارية. إن الهدف النهائي هو إعادة تشكيل المنطقة من جديد عبر ممارسة عنف منفلت يجبر السكان على النزوح، وتجريف كل مظاهر السيادة الوطنية الفلسطينية. وبذلك، يتحول الميدان إلى حقل تجارب لسياسة الحسم التي ترفض أي وجود لمؤسسات فلسطينية ذات سيادة، وتعيد تعريف الأرض كساحة حرب مفتوحة تتجاوز كل الاتفاقيات السابقة.

اختبار الوجود

في حال إقرار قانون إلغاء أوسلو، ستدخل القضية الفلسطينية في نفق مظلم من الفراغ القانوني والسياسي، حيث ستتحول السلطة الفلسطينية في نظر الاحتلال من شريك تعاقدي إلى كيان غير شرعي. وسيعني ذلك سقوط شرعية الأجهزة الأمنية الفلسطينية، واعتبار أي سلاح في يدها غير قانوني، مما يفتح الباب أمام جيش الاحتلال للعمل في قلب المناطق (أ) دون أدنى تنسيق. إن هذا السيناريو سيضع ملايين الفلسطينيين أمام مواجهة مباشرة مع آلة القمع الصهيونية دون أي غطاء مؤسسي.

وعلى الرغم من اعتراف العديد من دول العالم بالدولة الفلسطينية، إلا أن هذا الاعتراف يبقى رمزياً ويفتقر لآليات التنفيذ التي تحميه من الوقائع المفروضة على الأرض. إن الفجوة تتسع باستمرار بين النصوص التي تصاغ في قاعات الأمم المتحدة وبين الجرافات التي تنهش الأرض الفلسطينية. كما أن إلغاء أوسلو سيضع القوى الإقليمية والدولية أمام اختبار حقيقي حول جدوى الرهان على حل الدولتين الذي تعمل إسرائيل على دفنه يومياً عبر مخططات الضم وشرعنة البؤر الاستيطانية.

ومع ذلك، يرى البعض في هذا الانهيار الحتمي لاتفاقيات أوسلو فرصة استراتيجية للشعب الفلسطيني للتحلل من القيود الأمنية والاقتصادية المهينة. فإلغاء الاتفاق من جانب واحد قد يعني تفكيك الغطاء الذي استخدمه الاحتلال لإدارة الصراع بدل حله، مما قد يمهد الطريق لعمل المقاومة الفلسطينية واستعادة الروح النضالية، أو العودة إلى إعلان الاستقلال الفلسطيني لعام 1988 كمرجعية أساسية، وتدويل القضية كحركة تحرر وطني تواجه نظام فصل عنصري واحتلال مباشر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق