الثلاثاء، 12 مايو 2026

النفاق.. المرض الذي يسبق انهيار الدول والحضارات

النفاق.. المرض الذي يسبق انهيار الدول والحضارات
 


1- ليسَ النِّفاقُ عارضًا طارئًا في حياة الأمم، بل هو الطاعونُ الذي يسبقُ سقوطَها، والدُّودُ الذي ينخرُ عظامَها وهي تظنُّ نفسها في أوجِ القوّة.

2- فما سقطَ طاغيةٌ إلا وكان حوله جيشٌ من المصفّقين، وما ادّعى بشرٌ الألوهية إلا ووجدَ مَن يركعُ له خوفًا، أو طمعًا، أو جُبنًا، أو انتفاعًا.

3- والمنافقُ أخطرُ من الطاغية نفسه؛ لأن الطاغية يعرفُ أنه ظالم، أمّا المنافقُ فيُزيّن الظلم، ويُلبسُ الباطلَ ثوبَ الحق، ويصنعُ للطغيان مِحرابًا، ثم يدعو الناسَ إلى السجود فيه بـ اسم الوطن، أو الدين، أو الحكمة، أو المصلحة العامة.

4- ولذلك كان القرآنُ أشدَّ قسوةً على المنافقين من الكافرين، فجعلهم في “الدرك الأسفل من النار”، لأن العدوَّ الظاهر يمكنُ الاحتراز منه، أمّا المنافقُ فيدخلُ عليك بوجهِ الناصح، ولسانِ المُحب، وثيابِ الزاهد، بينما قلبُه مع السلطان حيث مال، ومع القوّة حيث استقرّت، ومع المصلحة حيث دارت.

5- وعبرَ التاريخ، لم تكن الكارثةُ في المستبدّ وحده، بل في أولئك الذين صنعوا حوله هالة التقديس، حتى تحوّل الحاكمُ من بشرٍ يُخطئ ويصيب، إلى كائنٍ فوق النقد والمساءلة، ثم إلى “ظِلّ الله على الأرض” – كما يعتقد المداخلة – لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

6- ومن هنا تبدأُ رحلةُ السقوط؛ حين تموتُ كلمةُ “لا”، ويصبحُ النفاقُ ثقافةً عامة، لا مجرّد سلوكٍ فردي، ويتحوّلُ الناسُ من عبيدٍ لله إلى عبيدٍ للخوف، أو الرغيف، أو الكرسي، أو الهتاف الجماعي.

7- وإذا كانت الأممُ تُقاسُ بعدد علمائها الأحرار، فإنها تُفضَحُ كذلك بعدد المنافقين الذين يملؤون ساحاتها، يكتبون ما لا يؤمنون به، ويقولون ما لا يعتقدونه، ويبيعون ضمائرهم عند أبواب السلاطين بثمنٍ بخس، ثم يتركون للأجيال صفحاتٍ سوداء، تُثبت أن الكلمة حين تخون، قد تكون أشدَّ فتكًا من السيف.

8-  المنافقون.. الجيوشُ الخفيّة التي تهدمُ الأممَ من الداخل، وخطرُهم لا يقلُّ عن خطرِ القنبلة الهيدروجينية؛ فكلاهما قاتلٌ مدمّر، وكلاهما قادرٌ على صناعة الخراب والإبادة، غيرَ أنَّ القنبلةَ تُدمّرُ الجدرانَ والحجارة، أمّا المنافقون فيهدمون الأرواحَ والضمائرَ والقِيَم، ويقتلون الأوطانَ ببطءٍ وهي تظنُّ نفسها حيّة.. إنهم أشدُّ خطرًا من العدوِّ الظاهر، إذ يخرجون من صميمِ المجتمع، ويتسلّلون إليه بوجوهٍ مألوفة، ولغةٍ ناعمة، وشعاراتٍ براقة، حتى إذا تمكّنوا منه، حوّلوا الحقيقةَ إلى جريمة، والتصفيقَ إلى فضيلة، والخوفَ إلى عقيدة، ولهذا استطاعت أممٌ كثيرة أن تنجوَ من الحروب، لكنها نادرًا ما تنجو حين يتحوّل النفاقُ إلى ثقافةٍ عامة، ويتحوّل المنافقون إلى أبطالٍ ومشاهير وصُنّاع رأي.

9- حين يتحوّل النفاق إلى ثقافةٍ عامة، فلا تنتظر من الأمة إلا التآكل والانهيار في كلِّ شؤون حياتها.

10- لكل عصرٍ رموزه من الإعلاميين، وأصحاب اللِّحَى البلاستيك، وشيوخ الأنابيب..

وتاريخ النفاق عندنا ممتد، بل هو صناعة عربية/مصرية خالصة، نشأت وترعرعت في بلادنا، ثم صدّرناها للدنيا.. فثاني من ادّعَى الألوهية بعد النمرود العراقي (1638 ق.م)، كان مصريا: (فرعون) وصدّقه الناس وعبدوه (1213 ق.م) ولم ينكروا عليه ذلك، ولذا جاء “الحاكم بأمر الله” بعده بعشرات القرون (مات في 1021م)، وكرر ما فعله فرعون من دون خوفٍ أو تردد، وصدّقه معظم العامة في مصر، وكانوا يسجدون له في المساجد والطرقات، كما قال السيوطي، والمؤرّخ يحيى بن سعيد الأنطاكي في “تاريخ الأنطاكي”

11- يقول المؤرّخ المصري (ابن تغري بردي) عن حاكم مصر الشيعي الزنديق (الحاكم بأمر الله)، إنه كان يفعل الشيء على مراحل لجس النبض، قبل أن يفرض ما يريده،

فقبلَ ادّعاء الألوهية، طلب أن يقوم الناس عند ذِكر اسمه في دعاء خطبة الجمعة في المساجد، فلم يعترض أحد من المصلين خوفا، ثم أمر أن ينحنوا بعد الوقوف، ثم أمر أن يسجدوا بعد الوقوف والركوع ، وعندما لم يعترض أحد، أمر أن يسجد الناس خارج المساجد عند ذِكر اسمه، ولم يعترض أحد في مصر خوفا.. وهكذا حتى ادّعى الألوهية.. (المؤرخ ابن تغري بردي مجرد ناقل، فهو لم يعاصر الحاكم بأمر الله، فقد مات في 1407م،، والحاكم مات في 1021م،، بينهما حوالي 400 سنة)

12- ونحن – بلا فخر – أول من قـدّس الحكام وعبدهم (أحياءً وأموات)، وأقمنا لهم التماثيل بعد رحيلهم عن الدنيا، لتستمر دورة العبودية والتقديس.

13- وقفَ سعد زايد، محافظ أسيوط، أثناء زيارة جمال عبد الناصر للمحافظة، يخطب منفعلا: (إذا كان موسى بَنَى أمة، وعيسى بنَى أمة، ومحمد بنَى أمة، فأنت بنيتَ أُممًا وحررتَ شعوبا.. وإذا كان الله قد أنزل التوراة علي موسي، والإنجيل علي عيسي، والقرآن علي محمد، فأنت يا سيادة الرئيس قد أنزلت علينا الميثاق!)..

وقد ذكر تفاصيلها المؤرّخ الدكتور أحمد شلبي (والد المذيعة السابقة سهير شلبي، زوجة أحمد سمير، رحمهم الله جميعا) في الجزء التاسع من موسوعته التاريخية.. وذكرها شوكت التوني في كتاب: (محاكمات الدجوي)..

وتمت ترقية “سعد زايد” ليكون محافظا للقاهرة، وبعد شهور تم تعيينه وزيرا للإسكان..

14- وحتى الكاتب والمثقف الكبير “أحمد حسن الزيات”، وقعَ في النفاق، وقضى على تاريخِه كلِّه، عندما كان رئيسا لتحرير مجلة الأزهر..العدد الأول من السنة الخامسة والثلاثين، الصادر في المحرم سنة 1383هـ/ يونيو 1963م..

15- الزيات يقارن في مقال مليء بالكذب والتطاول على مقام النبي (صلى الله عليه وسلم)، والنفاق الرخيص، بين الوحدة المحمدية (نسبة إلي الحبيب محمد صلي اللهُ عليه وسلم)، والوحدة الصلاحية (صلاح الدين الأيوبي)، والوحدة الناصرية (نسبة لـ عبد الناصر)

16- قال الزيات في افتتاحية المجلة، تحت عنوان “أمة التوحيد تتوحّد”: (إن الوحدة المحمدية كانت كُلّيّة عامة، لأنها قامت علي العقيدة، ولكن العقيدة مهما تدم قد تضعف أو تحوّل، وأن الوحدة الصلاحية كانت جزئية، خاصة لأنها قامت علي السلطان، والسلطان يعتريه الوهن فيزول، أما الوحدة الناصرية فباقية نامية، لأنها تقوم علي الاشتراكية في الرزق، والحرية في الرأي، والديمقراطية في الحُكم، وهذه المقوّمات الثلاثة ضمان دائم للوحدة ألا تستأثر فتستقل، وألا تستبد فتطغي، وألا تحكم فتتحكّم، والأثرة والطماعية والطغيان والحسد كانت وما زالت علة العلل في فساد الزمان، وهلاك الأمم)..

17- لم يجرؤ أي شيخ أزهري على الرد، إلا الشيخ العملاق محمود عبدالوهاب فايد (إمام ورئيس الجمعية الشرعية) في مجلة الاعتصام، وكتب: (بسم الله والله أكبر، فليستقل شيخ الأزهر) وتم نقل الرجل لأسوان، فأعاد نشر المقال مرة ثانية: (من أسوان.. بسم الله والله أكبر، فليستقل شيخ الأزهر) وبعدها هربَ الرجلُ من مصر.

18- كانت تلك السقطة الكبرى للزيات صاحب أعظم مجلة ثقافية عربية (الرسالة)، هي السبب الرئيس في سقوطه وإهمال تاريخه، ولا يتذكّره أحد إلا إذا ذُكِرَت مجلة الرسالة فقط، فقد أراد أن (يجاري الوضع) في مصر وقتها من تأليه عبد الناصر، بالإضافة إلى ابتعاده عن دائرة الضوء،، ومات الزيات باشا، ولم يعتذر، كِبرًا وغطرسة..

19- أحمد حسن الزيات باشا، مولود في 2 أبريل 1885م، كفر دميرة القديم، مركز طلخا، محافظة الدقهلية (مصر)

ومات في مثل هذا اليوم: 12 مايو 1968م، بالقاهرة، ودُفن في قريته.

لم يكمل تعليمه الأزهري، وكان من المقرّبين جدا لـ طه حسين، وحصلَ على ليسانس الحقوق من جامعة باريس.

20- لم ينتمِ الزيات طيلة حياته لأي حزب سياسي.

21- أما العالم الشيخ الدكتور محمود عبد الوهاب فايد، فقد كان أسد زمانه، وأسطورة العلماء، فهو كما قيل في رثائه من علماء الأزهر: (إنه العز بن عبد السلام في زماننا.. فهو صيحة حقٍ في وجه الباطل، ينطق دائما بكلمة الحق فتخرج منه فصيحة صريحة من مخارجها الصحيحة أمام الحكام والعلماء والعامة)

(محمود عبد الوهاب مبروك فايد)، مواليد 30 نوفمبر 1921م، بقرية “دمنكة” بمركز دسوق، محافظة كفر الشيخ (مصر)، ورحل عن الدنيا في 11 يونيو 1997م،

22- محمود عبد الوهاب فايد، صاحب الكلمات الخالدة عن عبد الناصر ورجاله: (أرادوا أن يذلّوني فأعزني الله، وأن يفقروني فأغناني الله، لا أُذَل وأنا عبد العزيز، و لا أُفتقَر وأنا عبد الغني، و لا أضعف وأنا عبد القوي)

وهو صاحب المقولة الشهيرة: (إن نُصحَ الأئِمّة، يأتي قبل نُصحِ الأمّة)

– أستاذ التفسير والحديث بكلية أصول الدين والدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية من عام (1971م، إلى 1986م)

عاد بعدها إلى مصر، وتولى رئاسة الجمعية الشرعية.

والكلام عن العالم محمود عبد الوهاب فايد، يحتاج لمجلدات، فقد كان (فلتة من فلتات الزمن) وعالما فذًّا حُرًا لا يخشى في الحق لومة لائم،،

23- أما قائمة النفاق في مصر وبلدان العرب، فهي أطول من أنهار النيل ودجلة والفرات، فقد بدأت من الزمن الحجري وعصور الفراعنة وادّعاء الألوهية.. حتى عصر الأندرويد والـ5G, والـ6G..

وفي الوقت الذي يظهر للنور في بلدان العالم؛ كل دقيقة اختراع، يُولد عندنا فوق الخريطة العربية ويلمع في كل دقيقة منافق.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق