انقضى ربعُ القرنِ الحادي والعشرين، ورغمَ أنَّ بداياتِه كانت ربيعًا مفعمًا بالأملِ في تحقيقِ التغييرِ السياسيِّ نحوَ نهضةٍ إسلاميةٍ حقيقية، إلا أنَّ تراجعًا وانكسارًا حقيقيًّا قد تحقَّق على المستوى السياسي، وانعكسَ بشكلٍ كارثيٍّ على واقعِ الشعوبِ والمجتمعاتِ العربيةِ والإسلامية، وذلك لأسبابٍ موضوعيةٍ وأخرى ذاتية.
وإذا كانتِ الحركاتُ الإسلاميةُ عمومًا، والإخوانيةُ خصوصًا، هي أحدُ أسبابِ هذا التراجعِ والانكسارِ من الناحيةِ الذاتية، فإنَّ تفككَ الحركاتِ الإخوانيةِ على وجهِ الخصوصِ قد نتجَ عنه تراجعٌ مشهودٌ في الصحوةِ الإسلاميةِ لدى الشعوبِ العربية، لم تُعوِّضْه مجموعُ الحركاتِ السلفية، وهنا تكمنُ المفارقةُ العجيبةُ التي تحتاجُ إلى مراجعةٍ وموازنةٍ جديدة.
إنَّ واقعَ مصرَ المشهودَ اليوم، بعد تفككِ حركةِ الإخوانِ المسلمين، يُشيرُ إلى تردٍّ اجتماعيٍّ وأخلاقيٍّ ودينيٍّ وقانونيٍّ وسياسيٍّ ونقابيٍّ، كما أنَّ الواقعَ السوريَّ المشهودَ يؤشرُ نحوَ مخاوفَ خطيرةٍ وعبثٍ حقيقيٍّ يفعلُ فعلَه في الشرائحِ المجتمعيةِ السوريةِ، ليعيدَ صياغةَ فهمِها بعيدًا عن الإسلامِ النقيِّ، وبشكلٍ فاقدٍ للسويةِ السياسية، وهو أمرٌ يطرحُ علامةَ استفهامٍ بعد أن تحققَ التحرير، مما يشيرُ إلى حقيقةٍ مُرَّة، وهي وجودُ فراغٍ حقيقيٍّ في الكتلةِ الإسلاميةِ السوريةِ، وهي نتيجةٌ لمزدوجين: أولهما بطشُ النظامِ السوريِّ الهالك، وثانيهما ضعفُ واضطرابُ النظامِ السوريِّ الحالي.
وفي نظرةٍ تاريخيةٍ للصحوةِ الإسلاميةِ التي شهدتْها جميعُ الحواضرِ العربيةِ والإسلاميةِ بعد نكسةِ 1967 -التي عرَّتْ صنمَ القوميةِ العربيةِ والبعثَ المجرم- فقد برزتْ في تلك الحقبةِ حركاتُ الإخوانِ المسلمين كأكبرِ جسمٍ إسلاميٍّ فاعلٍ في بناءِ الشخصيةِ الإسلاميةِ المعاصرة، واستردادِ الهويةِ النقيةِ، وبلورةِ المفاهيمِ الأصيلةِ والصحيحةِ في عقولِ المسلمين على مستوى الفردِ والعائلةِ والمجتمع، الأمرُ الذي أسهمَ بشكلٍ مشهودٍ في وقايةِ عمومِ الجسمِ الإسلاميِّ من مفاهيمِ العلمانيةِ والشيوعيةِ والقوميةِ وكافةِ أشكالِ الأفكارِ الجاهليةِ المتصادمةِ مع حقائقِ الدين، ولا يزالُ أثرُه قائمًا حتى اليوم.
وللشهادةِ التاريخيةِ أقولُ:
إنَّ ما تحققَ في القرنِ العشرين بفضلِ حركاتِ الإخوانِ المسلمين ودعاتِهم ورموزِهم البارزين في الحفاظِ على الفكرةِ الإسلاميةِ، وتحقيقِ الصحوةِ، وبناءِ الشخصيةِ الإسلاميةِ، ووقايةِ المجتمعاتِ الإسلاميةِ من تغوُّلِ المشاريعِ الصليبيةِ والصهيونيةِ والعلمانيةِ والقوميةِ والبعثية، يمكنُ تشبيهُه بما تحققَ -ولا يزالُ- في الأمةِ بفضلِ المذاهبِ الإسلاميةِ الفقهيةِ الأربعةِ التي حفظتِ الدينَ مجسَّدًا سلوكًا في عمومِ الأمة.
فما الذي حصلَ بعد ذلك؟
تداخلُ حركاتِ الإخوانِ مع المشاريعِ السياسيةِ أمُّ الكوارث!
بقدرِ ما يمكنُ الثناءُ والمديحُ والشهادةُ بأنَّ حركاتِ الإخوانِ المسلمين كانت أعظمَ حركاتٍ إسلاميةٍ في جهودِ الدعوةِ في الواقعِ المعاصرِ -إضافةً إلى التيارِ السلفيِّ العلمي- أنتجتْ صحوةً إسلاميةً وبنتِ الشخصيةَ الإسلاميةَ على مستوى الفردِ والأسرةِ والجماعة، بقدرِ ما يمكنُ الإشارةُ بوضوحٍ إلى أنَّ أكبرَ إشكالٍ في فشلِ المشاريعِ السياسيةِ الإسلاميةِ التي أصابتِ الأمةَ كان نتيجةَ تدخلِ الحركاتِ الإخوانيةِ وقياداتِها المرحليةِ في الشأنِ السياسيِّ النافذ، وذلك نتيجةَ معضلةٍ ذاتيةٍ في العقلِ والتصورِ والسلوكِ السياسيِّ لدى تيارِ الإخوانِ المسلمين، بدأتْ من لحظةِ استشهادِ الإمامِ البنا رحمه الله، وتفاقمتْ بشكلٍ خطيرٍ حتى حقبةِ الربيعِ العربي.
المراجعةُ الواجبةُ والمقاربةُ الضرورية.
وللإنصافِ لا بدَّ من الإشارةِ إلى جهودٍ عظيمةٍ بُذلتْ عبرَ حركاتٍ إسلاميةٍ مختلفةٍ ومغايرةٍ عن الإخوان، لا سيما الاتجاهُ السلفيُّ الذي عُرفَ بنقاءِ الفهمِ والعقيدةِ وسويةِ الفكرِ بشكلٍ رفيعٍ ومميز، ولكنه لم ينجحْ في تحقيقِ حالةِ التحشيدِ المجتمعيِّ كما تحققتْ على أيدي الحركاتِ الإخوانية، وهو فضلٌ آتاهُ اللهُ لكلٍّ منهما.
وإذا كانتِ الحركاتُ السروريةُ قد جمعتْ بينَ الآلياتِ والأساليبِ الإخوانيةِ مع الطرحِ السلفيِّ الأكثرِ نقاءً، إلا أنها لم ترقَ بعدُ إلى تحقيقِ الديناميكيةِ والفاعليةِ التي تحققتْ على أيدي الإخوانِ المسلمين.
وفي ظلِّ الحالةِ السيئةِ التي تعيشُها مصرُ وسوريا، فإنَّ حجمَ التراجعِ المشهودِ على المستوى الأخلاقيِّ والدينيِّ والاجتماعيِّ يستدعي حضورًا جديدًا لحركاتِ الإخوانِ المسلمين، وعودةً لمكاتبِها وتفعيلَ آلياتِها الدعوية، بشرطِ ألّا تقتربَ من العملِ السياسيِّ فتُعيدَ الأمةَ إلى حقبٍ سيئة.
ما يَنْفَعُ النَّاسَ ويَحْفَظُ الدِّينَ: بوصلةُ الدَّعْوَةِ في هذه المرحلةِ.
يمكنُ القولُ: إنَّ واقعَ المجتمعاتِ الإسلاميةِ اليومَ يعيشُ مخاطرَ حقيقيةً بدأتْ بتشويهِ هويتِه الثقافية، وأوجدتْ تشوهاتٍ في أخلاقِه السلوكيةِ والمجتمعية، وهو ما يستدعي عودةَ حركاتِ الإخوانِ المسلمين للعملِ المجتمعيِّ والدعويِّ الذي تُبدعُ فيه على نحوٍ يفوقُ الجميع، فيما يجبُ أن يتدعمَ هذا المسارُ بتوأمةٍ مع الحركاتِ السلفيةِ الإصلاحية، مستصحبةً مدرسةَ الحديثِ وأثرَ النبوة.
إنَّ الاتكاءَ على فشلِ عمومِ حركاتِ الإخوانِ المسلمين في الشأنِ السياسيِّ، واتخاذَه ذريعةً لحجبِ جهودِها الدعويةِ والإصلاحيةِ المجتمعية المبدعة، سيؤولُ إلى كارثةٍ أخلاقيةٍ ودينيةٍ وسلوكيةٍ وخدماتيةٍ تضامنية لدى عمومِ المجتمعاتِ العربيةِ والإسلامية -لا سيما وأنَّ تفككَها أحدثَ فراغاتٍ لم يملأْها أحدٌ رغمَ حجمِ الجهودِ الطيبة-، ولهذا السببِ فإنَّ الغربَ الصهيونيَّ الصليبيَّ -الذي قضى على قيادة أحرار الشام الواعدة بضربة واحدة- يسعى لاجتثاثِ حركاتِ الإخوانِ المسلمين اليوم -حتى بعد أن غابَ أثرُها وفاعليتُها السياسية- وذلك انطلاقًا من رفضِه لجوانبِ الخيرِ فيها، لا لامتعاضِه من أخطائِها، وهو موقفٌ لا يقبلُه منتمٍ إلى الأمةِ، صادقٌ في خدمةِ الإسلامِ ومنحازٌ لشعوبِه وأتباعِه.
فما هو واجبُ رموزِ العملِ الإسلاميِّ لتحقيقِ الكتلةِ الإسلاميةِ المجتمعيةِ الحرجةِ القادرةِ على التصدي لمشاريعِ مسخِ الهويةِ الزاحفةِ في مصرَ وسوريا والمغرب وعمومِ البلادِ الإسلامية؟
ملاحظة مهمة:
لم أنتمِ يومًا، طوال مسيرتي في العمل الإسلامي، إلى أي تنظيم من تنظيمات الإخوان المسلمين، وأؤكد هذه الحقيقة بوضوح حتى لا يُفهم حديثي اليوم عن مقاربة جديدة في التعامل مع حركات الإخوان المسلمين على أنه نابع من انتماء تنظيمي أو عصبية فكرية. وإنما ينطلق هذا الطرح من قراءة لواقع الشعوب العربية والإسلامية، وما تواجهه من تحديات دينية وأخلاقية وسلوكية ومجتمعية متفاقمة، بدأت تُضعف تماسك المجتمعات المسلمة وتُنذر بتآكل بنيتها القيمية والاجتماعية السلوكية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق