هنا عشنا فصارت الكويت وطنًا آخر.. في زحمة الحديث عن الأوطان، تبقى هناك أماكن لا تُختصر في مساحة مكانية، ولا تُقاس بجواز سفر ولا بهوية، بل تُعرف بما تتركه في القلب من أثر، وتلك هي الكويت.كويت العز.. كما يحب أبناؤها أن يُطلق عليها..
نحن ممن لم يولدوا كويتيين، لكننا عشنا على هذه الأرض، وكبرنا بين شوارعها، وتعلم أبناؤنا في مدارسها، وتشكلت ذاكرتنا على تفاصيلها الصغيرة؛ واكتسبنا عاداتها وتقاليدها من دفء أهلها، إلى بساطة الحياة فيها، حتى وصلنا إلى ذلك الشعور الصادق بأنك لست غريبًا كما تظن.
أكلنا من خيرها، وشربنا من مائها، وتنفسنا أمانها، ووجدنا فيها ما قد لا يجده المرء أحيانًا في موطنه الأول؛ من كرم، واحتواء، وتواضع، وإنسانية لا تُشترى.
ولم تكن الكويت يومًا مجرد مكان إقامة، بل كانت بيئة احتضنت أحلامنا، ورافقت خطواتنا الأولى، وفتحت لنا أبوابًا كنا نظنها مؤصدة، حتى غدت جزءًا من خطتنا في تكوين أنفسنا، وتحقيق أحلامنا، لا مجرد محطة في مسيرتنا.
ولعل أجمل ما في هذه الأرض المباركة أن الخير فيها لا يُعلن بعُجب، ولا يُصنع لأجل مدح، بل يُمارس بعفوية تشبه فطرة أهلها.
يعلم الله أنك ترى ذلك في تفاصيل صغيرة قد لا تُكتب في التقارير، لكنها تُحفر في الذاكرة؛ ابتسامة عابرة، أو كلمة طيبة، أو موقف مساندة في وقت ضيق، أو يد تمتد دون سؤال.
لا أذكر ذلك لأجل قصة سمعتها أو رواية شاهدتها، بل هي مواقف متعددة مررت بها بين الحين والآخر.
لا أخجل حين أقول: إنني مررت في فترة بضائقة مالية ففوجئت بمن يفزع ويساعد ويتفقد ويسأل.
لا أخجل إن قلت: إنني اضطررت للبقاء خارج هذه الأرض الطيبة أثناء جائحة كورونا ولكني –ويعلم الله– أني لم أشعر بذلك؛ لما رأيته من مساعدات ووقفات معي ومع من أعولهم طوال فترة ابتعادي.. دون أن أطلب أو أسأل أو أستعين بأحد.
لقد تعايشنا مع مجتمعٍ يختلط فيه العطاء بالبساطة، فلا تشعر أن الخير فيه استثناء، بل هو الأصل.
وهذا ما يجعل الغريب يألف، والبعيد يقترب، والضيف يشعر أنه بين أهله.
كبرنا ونحن نرى العمل الخيري جزءًا من هوية هذا البلد، لا فعلاً طارئًا؛ فامتدت أياديها إلى القريب قبل البعيد، وإلى الداخل كما الخارج، حتى أصبحت الكويت تسمى «بلد الإنسانية».
وعلى مر السنين، لم تكن الكويت حاضنة لنا كمقيمين فقط، بل كانت ملاذًا لكثيرين ممن ضاقت بهم بلدانهم، بسبب حرب أو غيرها فوجدوا فيها فرصة جديدة، وبداية مختلفة، وكرامة مصونة.
وفي زوايا الحياة اليومية، تعلّمنا من أهل الكويت معنى البساطة، وأفتخر أن أنقل هذه العبارة عن والدي -أطال الله بعمره– حين زارني في هذا البلد الطيب عدة مرات وقال لي بالحرف الواحد: «سبحان الله! وجدت في أهل هذا البلد بساطة لم أجدها في بلد من قبل».
ولأن الذكريات لا تُقاس بالأيام، بل بما تتركه في النفس، فقد كبرنا ونحن نسمع أسماء أحيائها، ونحفظ طرقها، ونرتبط بمساجدها ومدارسها وأسواقها، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتنا الحية، لا مجرد تفاصيل عابرة.
وفي كل مرة نبتعد عنها، ندرك أن في القلب شيئًا لا يمكن تفسيره، حنين لا يرتبط بوطن نحمله بكل صدق ودون أدنى شك.
قد لا نحمل جنسيتها، لكننا نحمل لها في القلب ما لا تحمله الأوراق؛ امتنانًا صادقًا، ودعاءً دائمًا، وذكرى لا تغيب.
إن الحديث عن الكويت ليس مجاملة، بل شهادة حق، من أناس عاشوا فيها، ورأوا منها ما يجعلهم يكتبون اليوم لا من باب الشكر فقط، بل من باب الوفاء.
تحدثنا كثيراً عن حبنا لهذه الأرض الطيبة، وتعلقنا بها، وسنظل نتحدث ونحدّث من بعدنا عنها، ونشهد ونقصّ مواقفها على من لم يكسنها.
أقل ما نقدمه لهذا البلد الطيب هو ذكره بالطيب والشهادة له بالخير؛ وخاصة في هذه الأزمة -الاعتداء الإيراني الآثم- وما أثبتته هذه الكويت المباركة من مراعاة لزائريها وتمديد زياراتهم وحسن ضيافتهم وطمأنتهم.
إن الوفاء لا يحتاج إلى أوراق تثبته، بل يكفي أن يكون صادقًا.
ونحن –وإن كنا من غير أبنائها– نحمل للكويت وفاءً لا يقل عن وفاء أبنائها، ودعاء لا ينقطع بأن يحفظها الله من كل سوء، وأن يديم عليها أمنها وخيرها.
فشكرًا للكويت..
شكرًا لأرضٍ أعطت دون أن تسأل، واحتوت دون أن تميّز، وبقيت في القلب وطنًا، حتى لمن لم يُولدوا فيه.
ستبقى الكويت في أعيننا تجربة إنسانية قبل أن تكون مكانًا، وقصة عطاء قبل أن تكون دولة، وذكرى لا تُنسى مهما ابتعدت المسافات.
فهذه الكويت كما عرفناها، وهذه شهادة من غير أبنائها.
حفظ الله الكويت وأهلها، وجعل ما قدموه وما يقدمونه في ميزان حسناتهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق