المسمار البارز.. وفخ الرغبة المحاكاتية
المسمار البارز وفخ الرغبة المحاكاتية حين تفعل شيئاً مختلفاً في بيئة متجانسة، لا تحتاج أن ترتكب خطأ لكي تُعاقب، يكفي أن تبرز.
المسمار البارز يُطرق، هذا المثل الياباني القديم ليس وصفاً للحكمة، بل اعتراف صريح بآلية قمع يمارسها المجتمع بانتظام وبلا خجل.
غير أن ما رصده رينيه جيرار في نظرية الرغبة المحاكاتية يذهب أعمق من ذلك:
نحن لا نكره المتميز لأنه أخطأ، بل لأن تميزه يكشف أن رغباتنا ليست ملكنا، بل انعكاس لما يريده الآخرون. والإنسان الذي يجرؤ على الاختلاف يهدد هذا الوهم الجماعي فيتحول إلى كبش فداء لا لذنب اقترفه، بل لحقيقة جسدها.
لكن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال لا مهرب منه إذا كان المجتمع يعاقب التميز لأنه يكشف زيف رغباته الجماعية، فهل المتميز الذي يصمد ويرفض الانصياع يحرر نفسه فعلاً، أم أنه يتحول بدوره إلى نموذج يُحاكيه الآخرون ويفقد بذلك جوهر تميزه؟
في بيئات بعينها لا في كل مكان، المجتمع لا يقول لك صراحة لا تتميز، بل يبني منظومة دقيقة من الإشارات غير المرئية تُعلمك أين الحد الآمن. الإعجاب المشروط الذي يتحول إلى نقد حين تتجاوز سقفاً معيناً، والمديح الممزوج بتحذير مبطن، والنجاح الذي يُستقبل بابتسامة لا تصل إلى العيون.
هذه الإشارات تتراكم في صمت حتى تتعلم أن البقاء في المنتصف أكثر أماناً من الصعود، وأن الاختلاف ثمنه عزلة لا تستحق.
وما يجعل هذا التدجين ناجحاً هو أنه لا يحتاج إلى أوامر صريحة، يكفي أن تشعر بالبرود حين تبرز وبالدفء حين تنسجم.
وهكذا يكتمل الفخ الحقيقي للرغبة المحاكاتية: مجتمع يصفق للتميز في خطاباته ويطرقه في ممارساته، ويجعلك تؤمن أن الاختلاف فضيلة بينما يعاقبك عليها بصمت. والأكثر مرارة أن كثيراً من المتميزين الذين دفعوا الثمن ووصلوا يتحولون تدريجياً إلى أدوات قمع لمن يأتي بعدهم، يحملون جرح الطريق ويصبحون أقل تسامحاً مع من يختلف، كأن اللاوعي يقول أنا دفعت الثمن فلماذا لا تدفعه أنت؟ وهكذا تتكرر الدائرة، والمسمار البارز يُطرق بمطرقة مسمار بارز سابق.
الخسارة الحقيقية ليست ما يدفعه المتميز حين يُضرب، بل ما يخسره المجتمع حين يُطرق كل مسمار يبرز.
التجانس الذي يحرص عليه الجميع ليس استقراراً، بل تعفن بطيء، لأن المجتمعات لا تتقدم بمن ينسجم بل بمن يجرؤ على الاختلاف ويدفع ثمنه صامتاً. والثمن الأعمق لهذا الفخ ليس العقاب الاجتماعي، بل اللحظة التي يبدأ فيها المتميز بالشك في نفسه، حين يتساءل إن كان تميزه فعلاً موهبة أم مجرد عناد يستحق الطرق.
حين تفكر في آخر مرة أخفيت فيها شيئاً يميزك؛ خوفاً من نظرة المحيط، هل كنت تحمي نفسك فعلاً، أم كنت تساعد المجتمع على قمع ما فيك؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق